تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ظلمة كراكاس أو عالم ليس لنا

ظلمة كراكاس أو عالم ليس لنا

#261| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: مينا مبارك 8 دقيقة قراءة

#جو عام

ماذا نقول عن فنزويلا بعد كل ما قيل؟ فما نعرفه لا يزال قليلًا، فهي أكثر من كونها الدولة النفطية اللاتينية ذات الرئيس المخطوف، وهنا نحاول التفكير فيها عن طريق الأدب في هذه الحلقة من مشروع مينا مبارك المُمتد الذي يقرأ فيه العالم.

#قراءة

ضربة جوية، اختطاف يقلب نصف الكرة الأرضية، أو الكرة كلها، ولو أننا تبلدنا بعد عامين من الإبادة المُتلفزة في غزة، لكنا اندهشنا! 

اختار ترامب -وربما جاء الأمر صدفة ومجرد جهل محض بالتاريخ- نفس اليوم الذي اختطف فيه جورج بوش الأب، في عام 1990، رئيس بنما، مانويل نورييجا. ورغم اختلاف تفاصيل الواقعتين وطبيعة علاقة الولايات المتحدة بالنظامين الحاكمين وقتها والآن، فإن ردّ فعل العالم وقتها، وما آلت إليه الأمور في بنما، وفي محاكمات نورييجا، يُنبئ بما قد يُكرر مرة أخرى أمام عملية عسكرية لا بد وأن تُنكّل بها أمريكا إن فعلتها روسيا مثلًا أو الصين؛ ألا وهو التشجيب العالمي العريض، ثم تسقط دولة أخرى أمام الصمت المهيب للأمم المتحدة فريسة لـ«حماية» أمريكية مزعومة؛ كما بنما والعراق وغزة وغيرها الكثيرات.

المُتابع السطحي للشأن الفنزويلي مثلي، سيقف مُحتارًا أمام شخصية مادورو، عاجزًا عن تكوين رأي غير رمادي، فهو ديكتاتور يحكم دولته بالكلمات الواعدة المُقفّاة والفساد، ويرعى -زعمًا- إمبراطورية مترامية قوامها المخدرات والنفط المؤمم، يُطالب بالحرية البوليفارية للدول المستعمرة معنويًا ويضع رأسه بالند مع ماما أمريكا، يناصر حق الشعب الفلسطيني في أرضه ضد الإبادة، ويمنح أعلى وسام أدبي في فنزويلا للمستشار الثقافي في سفارة فلسطين بالقاهرة. يُتهم باعتباره الشيطان الأعلى للكوكايين في أمريكا اللاتينية، مع أنه «بعد نصف قرن من التعامل مع أكبر مافيات الكوكايين، لا يظهر اسم نيكولاس مادورو ولا سيليا فلوريس. من يتهمونه جنرالات في المعارضة الفنزويلية، لا أكثر، يسعون إلى تقويض التصويت الشعبي»، وفق خطاب الرئيس الكولومبي، جوستافو بترو، الذي كان يدافع عن مادورو، أو عن أحقية الدول في استقلاليتها، ويهاجم إجرام التدخل الأمريكي في كل صغيرة وكبيرة، أو ربما كان يدفع عن نفسه ادعاء ترامب بتملكه لمصانع كوكايين.

ولأني أكره السياسة، وأومن بأن لكلا الطرفين كذبة تبرر مسارات العالم وتُمنطِق العبث، قررتُ تكوين صورتي الخاصة عن حياة فنزويلا العادية عبر أكثر الطرق صدقًا بالنسبة لي: الأدب.

قبل البحث عن رواية فنزويليّة تُطلعني على القليل من الآراء الشعبية، لم أعرف عن كاراكاس سوى معلومتين: أنها كانت جنة أمريكية جنوبية تغنى أدباء الصحوة اللاتين في مدحها كسائر عواصم الدول اللاتينية باعتبارها بذرة أمل للتحرر والاشتراكية، وهو ما يحيلنا إلى المعلومة الثانية؛ أنها خيبت أمل الجميع! فعلى عكس كوبا التي كتب فيها ماركيز نثرًا ذهبيًا مُتفائلًا، قرأت للرجل مقالين عن كاراكاس حول حوادث اختطاف وفساد وسوء تخطيط وقلة تقدير، ذمَّ في كليهما البلدةَ، ولعن سلسفيل أبيها.

أما عن علاقة فنزويلا بالخارج؛ فلم تزد معلوماتي عن المناوشات المتبادلة بين الحكومة ومعارضتها من ناحية، ومع سياسيي أمريكا من الناحية المُقابِلة. فالحرب في فنزويلا ظلت تغلي على مرجلٍ مُتقد وقد قاربت السماء أن تمطر رصاصًا، ولم يزداد الموقف إلا سوءًا بالإغلاق الأخير للمجال الجوي الفنزويلي أمام أغلب شركات الطيران العالمية، والحصار البحري الأمريكي أمام صادرات النفط الفنزويلي، وأخيرًا الليلة التي لم تنم فيها كاراكاس بضرب المطار والميناء وقذف عاصمة الحكم واختطاف الرئيس وزوجته كما لو كنا في لعبة فيديو قتالية حالمة! 

بالعودة للأدب، لم أجد الكم الذي توقعته من الروايات الفنزويلية، فعلى عكس البلدان المجهولة ذات اللغات المُغرِقة في المحلية التي يخمّن معها المرء صعوبة العثور على أدبٍ مُترجمٍ منها، لم أعتقد أبدًا شُح المُترجَم عن دولة جنوبية كبيرة تتحدث رابع لغة عالميًّا في عدد المتحدثين.

ربما يعود ذلك إلى فكرتي المسبقة، أو فكرتنا جميعًا كقراء للترجمات العربية التي تتناول القارة برمتها في قالب واحد نسميه الأدب اللاتيني، بما يقفز إلى العقل بتأثير ذلك التعبير من واقعية سحرية أو أدبيات متبلة بغرائبيات نخالها عادية في تلك البلدان، وحتمًا بفعل كتاب البوووم الكبار الذين انتهجوا الواقعية السحرية مذهبًا مميزًا، وبترجمات أغرقتنا في شاعرية لاتينية جنوبية حارة وساخرة، حتى إنّا نسينا واقع الشارع والناس، والتميز المحلي لكل أمة بوليفارية في أمريكا الجنوبية، ونكهاتها القومية الخاصة.

في رحلتي للبلد القائم بذاته، عثرتُ على ثلاث روايات فنزويلية كانت هي المتوافرة للقراءة إلكترونيًّا! إحداها حكاية تشبه الأفلام الهندية عن امرأة تدعى دونيا باربرا، كتبها الروائي الكلاسيكي، رومولو جايجوس، عن الحب والخيانة والتسلط والمال. والثانية رواية قومية لا تمجد الحرب ولا تمدح ثوارها، وهي درة أعمال الأديب آرتورو أوسلار بييتري؛ الرماح المدماة. والثالثة هي التي وقع عليها الاختيار.

كتبتْ كارينا ساينز بورجو روايتها الأولى «الابنة الإسبانية»، في عام 2019، ونشرتها في دولة شتاتها إسبانيا، لا في وطنها فنزويلا، ورُشِّحت بها في قائمة جائزة دبلن الأدبية لعام 2021، عن العاصمة الفنزويلية كاركاس في فترة الثمانينيات الحزينة التي تفاقمت فيها أزمة اللاجئين الدولية والفساد تحت مظلة الرئيس هوجو تشافيز، واستشرى في الشارع الفنزويلي تمردات مُتلاحِقة وتفكُك اجتماعي وسياسي. تُرجِمت الرواية إلى أكثر من 22 لغة غيّرت في عنوانها، فصارتْ مثلًا «سيحلّ الظلام على كاركاس» في الطبعة الإنجليزية واليونانية والفنلندية وإحدى الطبعات البرتغالية، أو «الليل في كاراكاس» في الطبعات الإيطالية والألمانية والسويدية والبولندية والبلغارية وطبعة برتغالية أخرى، أو «ربما سيظل الظلام حالكًا في كاراكاس» في الطبعة التشيكية والرومانية، لكن الترجمة العربية للدار العربية للعلوم ناشرون حافظت على الأصل الإسباني.

تحكي بورجو قصة امرأة تُدعى أديلايدا فالكون تجد نفسها وحيدة في مدينتها الخطِرة ذات واحدة من أعلى معدلات الجريمة عالميًا، وقد توفّت أمها فجأة بأزمة قلبية. وكما لو كان موت الأم القشّةَ التي قصمت ظهر البعير، بل كأن موت الأم هو موت الوطن الأم، ينقلب عالم أديلايدا بانقلاب كاراكاس نفسها، إذ تشتعل فتائل تمرد يُحيل الشارع إلى غابة يطوق كل من هب ودب إلى التملك والسيطرة. فتعود أديلايدا إلى شقتها لتفاجأ بأن إحدى اللجان الشعبية النسائية المُناهِضة للثورة، بقيادة امرأة شمطاء تُسمّيها أديلايدا زوجة الجنرال، قد احتلت شقتها بالقوة. تحادثهم بالحسنى فيطردونها، تغضب فيضربونها، ثم يلقون بها على قارعة الطريق، في ظلمة ليل مُنار بطلقات الرصاص ونيران المحروقين والقنابل. لتعترف أديلايدا لنفسها: «الآن كلاهما ميت: أمي والمنزل، وكذلك البلاد».

لكنها لا تترك نفسها في العراء بغير فعل؛ تراقب حركة المُحتلين الجدد لشقق عمارتها، طيشهم واستهانتهم بمظاهر التحضر ومشاركتهم في سرقة صناديق المعونات الحكومية أو الدولية بالرشاوى، وتخزينها لبيعها للمواطنين بأضعاف السعر. تكتشف السكون القابض على شقة جارتها أورورا بيرالتا؛ وهي ابنة فنزويلية لامرأة إسبانية مُهاجِرة حصلت على الجنسية الإسبانية مُؤخرًا بالجهود المبذولة من أمها الفقيدة. تحتل أديلايدا شقة أورورا بعدما تعثر عليها ميّتة في صالة بيتها. وفي خضم ذكرياتها وشعورها بالفقد والخذلان وانهيار حياتها، بل والبلد برمتها، أمام عينيها، تستوحش أديلايدا. تتآكل إنسانيتها مع المحيطات وتتحرك بحدس النجاة وحده.

تلقي جثة أورورا من الشباك وتبرر: «إذا كان الرجال والنساء يقتلون بعضهم بعضًا في الشوارع، فأين الغرابة في أن تسقط جثة من الطابق الخامس؟ إنها تمطر أشخاصًا موتى»، ثم تخرج لتشعل النار فيها في مكب قمامة قريب، ولا مَنْ شاف ولا مَنْ دِري.

تلتقي بشقيق إحدى صديقاتها وتندهش لأنها ترى الشاب الفتيّ وقد ترك جامعته ومُستقبله ليجد خلاصًا في الانضمام لإحدى المليشيات المُسلحة المُتطاحنة ضد بعضها البعض. تؤويه في شقتها الجديدة دون أن يُصدرا أي صوت كي لا تغير عليهما جماعة زوجة الجنرال التي سترى فيهما فريسة سهلة للسطو والاستغلال، ثم تتركه يرحل حين يتعجّل العودة للواقع كي لا يُتّهم بالخيانة أو الانضمام لجماعة مُضادة، وما هي إلا أيام حتى تقتله جماعته لخلافٍ تافه، وتلقي جثته في حقل قريب، طعامًا للغربان.

عادت أديلايدا إلى شقة أورورا وقد انتحلت شخصيتها؛ صارت أديلايدا كيانًا من الماضي، وعادت أورورا من الموت في جسدٍ فنزويلي جديد يبحث عن الخلاص في الجنسية الإسبانية الممنوحة للمرأة المتوفاة. 

تنسلخ أديلايدا في شخصيتها الجديدة؛ لتحمي نفسها من وعورة وطنها، وقد انهارت سلطة الحكومة النظامية وأصبحتْ كاراكاس تحت رحمة الأقوى كل يوم. صارت تتحدث مثل أورورا، ترتدي ملابسها، تقلّد قصة شعرها، وتتفقد أدراجها ومخابئها للعثور على طريقة لاستغلال جنسيتها الإسبانية للنجاة الفردية، وتعثر عليها.

تُحادث أقرباء أم أورورا عبر الإنترنت حين تُحافِظ الشبكة على استقرارها المؤقت، تذاكر ذكريات أورورا وتحفظ أوراق مذكراتها الخاصة، وهي تخطط للرحيل وتتساءل: «ما الذي فعله رئيس بلاد كي يجعل الآخرين يحزمون حقائبهم ويغادرون البلاد إلى الأبد؟».

تتجه أورورا بيرالتا التي كانت أديلايدا للمطار، بعدما أنفقت الكثير للعثور على تذكرة إلى إسبانيا في السوق السوداء بشق الأنفس، ترتقي الطائرة، وتترك بلدها خَرِبة وخالية من كل صلاح، ينهش ساكنوها ذواتهم، وتتعارك الأقطاب كافة على حكم الرماد الناتج من حربهم.

تُعرّي الابنة الإسبانية الواقع الفنزويلي ببراعة، عبر حكي قصة البلد في الخلفية الحميمية لحزن أديلايدا وافتقادها لأمها وذكرياتهما معًا. وهي لا تنزلق في حفرة النقد السياسي فقط، بل تتناول باستفاضة التفكك الأسري والاجتماعي للمجتمع الذي يُفضل أبناؤه نجاتهم الفردية، عقب سنين متتالية من المراقبة العسكرية والديكتاتورية المقننة، بعزل أنفسهم عن المحيطين، وهو ما تستدركه أديلايدا -وربما تندم عليه، أو تستعين به لإكمال نجاتها- حين بحثتْ «في الأدراج عن المال وانتهى بي المطاف باكتشاف السيرة الذاتية المجهولة لهاتين المرأتين اللتين عاشتا لسنوات بجواري، لا تفصل بيننا إلا الجدران المتلاصقة».

بعد قراءة التحليلات البارعة والتعليقات الساخرة الحزينة لبورجو على لسان بطلتها أديلايدا، لا يمتلك المرء صورة واضحة ولا علمًا غزيرًا شافيًا عن فنزويلا ذات التاريخ المُمتد -والمُعقد- من الاحتلال والاستغلال والتحرر المُتتالي، طبقة وراء الأخرى مثل عروس ماتريوشكية بحجم الدولة تنفتح لتظهر واحدة أصغر تحوي بداخلها مئات الصُغريات الأُخريات تزيد من تعقيد الموقف والرأي المُكوّن تجاهه، فرغم أنها تشبه القراءات الجيدة للأدب اللاتيني للدول المُحيطة بها؛ ففقدان الأب أو الأم ثيمة غير غريبة عن السير الذاتية لكُتّاب أمريكا اللاتينية (أتذكر مثلًا سيرة فقدان الأب المُغتال لكلٍّ مِن إكتور آباد فاسيولينسي في كتابه النسيان، وسارة خاراميو كلينكيرت في كتابها كيف قتلتُ أبي)، كما ثيمة النقد الشجاع للسياسات الحكومية بغير مُجاملة ولا كسوف (وأدبيات الديكتاتوريات اللاتينيّة أعرق مما يُحصر؛ خريف بطريرك ماركيز، وكرسي نسر فوينتس، وأنا باستوس الأعلى، وأسلوب منهج كاربانتييه، والسيد الرئيس لإستورياس، إلى آخره)، أو مشاهد سجون المُعارضين للأنظمة الفاشية (مثل فيلم ليلة الأثنى عشر عامًا، عن الاعتقال الحقيقي لمُعارضي الديكتاتورية العسكرية في أوروجواي في السبعينيات)، إلا أن«الابنة الإسبانية» تنفرد بذاتها السياسية والاجتماعية، بعيدًا عن تغريدات علاقة الشعب بالديكتاتور التي طُبعت في عقلنا العربي تمثيلًا للأدب اللاتيني، لتمثّل صوتًا مُنفردًا، ناطقًا بلكنة إسبانية فنزويلية خاصة، يعبر عن علاقة الشعب بالشعب، أو بالأولى يعكس صورة الديكتاتور نحو طرفٍ ثالث يستحق النظر إليه؛ ديكتاتور آخر يحارب ديكتاتورًا يحارب ناسه والمجتمع، وربما لا يتحد المرء دائمًا مع أخيه على ابن عمه.

على كل؛ «الابنة الإسبانية» رواية تستحق أن تُقرأ، وأن تُسقِط الضوء على حاجتنا للمزيد من الترجمة والنظر، إلى دولة بحجم وتعقيد فنزويلا.

وسلام.

عن الكاتب

مينا مبارك

كاتب مصري، مولود عام 1999 في قنا البلد. أنهى دراسة الطب في جامعة القاهرة وينتظر الأقدار لتقرر له تخصصًا يمنحه وقتًا كافيًا بعيدًا عن ردهات المشافي. يعمل مرمطونًا بدوام شبه…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن