تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
صُنع «الواحات».. عما نستخلصه من يوميات صنع الله

صُنع «الواحات».. عما نستخلصه من يوميات صنع الله

هذا النص ضمن العدد 12# من «مُنتهى الأدب»

كتابة: علي التلباني 6 دقيقة قراءة
تصميم: مُهرة شرارة

قراءة واحدة لأدب السجون كافية. لم أرد تكرار التجربة، بعد أوردي سعد زهران، المُغرق فى تفاصيل العنف والإذلال. ورغم ثقل التجربة تماسكتُ، بل عصرت على نفسي ليمونًا لأقرأ أحدث ما كُتب في هذه الفئة، حرز أحمد ناجي المكمكم، عن القراءة والكتابة خلال فترة حبسه نحو عشرة أشهر فبراير- ديسمبر  2016، وفيه صيغة مغايرة عن أدبيات السجون، نافيًا عن نفسه أي بطولة متخيلة.

في الحرز، يأتي ذكر صنع الله إبراهيم (فبراير 1937)، وتحديدًا روايته: «تلك الرائحة» التي ظلت ممنوعة لسنين، والتي وجدها ناجي في مكتبة السجن وقرأها. الرواية كتبها صنع الله عقب خروجه من السجن الذي لم يدخله ككاتب مثل ناجي، بل لعمله بالسياسة ضمن تنظيم شيوعي، وخلال سنين الحبس 1959 إلى 1964 ربّى نفسه ليكون كاتبًا، فالسجن جامعته كما يقول في «يوميات الواحات»، ومنه خرج ككاتب توالت أعماله حتى صار مُكرّسًا.

caption

في الواحات، شاهد صنع الله رفاقه في ظروف يصعب وصفها، بدايتها مقتل شهدي عطية الشافعي في تشريفة في سجن أبي زعبل أول الحبسة. دوّن صنع الله وأخفى مشاعره وأوراقه من التفتيش المحتمل، بل نجت هذه اليوميات من المعتقل قبل كاتبها، فقد هَرّبها مع زميله حسين عبد ربه حين اُفرج عن الأخير، وحمل لشقيقة صنع الله هذه الخبيئة المكونة من أوراق كُتبت على ورق البفرة والأرز، وكراسة بخط اليد تضم نصوصًا وخواطرَ.

توقعت أن صنع الله نشر اليوميات بعد خروجه من السجن فى 1964، لكن سرعان ما صدمني بصبره، فهو احتفظ بحكاياته عن رفاقه ويومياته لنحو 40 عامًا، بل لم تخرج إلى النور إلا عندما طلب رئيس تحرير مجلة الهلال، مصطفى نبيل، من صنع الله الكتابة عن العوامل المساهمة فى تكوينه الأدبي، وما الذي يمكن أن يكوّنه أكثر من تجربة المعتقل، فنشر ما تيسر منها في عددي نوفمبر وديسمبر 2003، وبين إعداده لحلقتي الهلال رفض جائزة ملتقى القاهرة للإبداع الروائي العربي. (هل التزامن صدفة؟)

تتسم بنية «يوميات الواحات» بغرابة وفرادة كأننا أمام كائن حي يتشكل ويبلغ مراحل عمرية مختلفة، بداية من المدخل: «السجن هو جامعتي» الذي كتبه بين عامي 2003 و2005، أما شذرات اليوميات فكتبها بين 1962 و1964، مُضافًا إليها خاتمة عنوانها: «فذلكة ختامية». وأخيرًا الهوامش المجموعة في جزء منفصل في آخر الكتاب، لتكون كتلة مجمعة، وليست أسفل كل صفحة كما هو الحال مع الهوامش، وأعدّها صنع الله فى الفترة بين عام 2003 الى 2005 مثل الفذلكة والمدخل.

تتجاوز اليوميات فكرة أدب السجون، فهي غير خاضعة للبطولة الأيديولوجية، ولا تركز على إعطاء صورة كُلية حول التضحيات المدفوعة في سبيل القضية التي يؤمن بها المعتقل، بل كُتبت بغرض التأمل، متماشية مع فكرة الروائي الذي يستكشف ذاته داخل السجن، بل يتحول من مناضل إلى كاتب.

صنع الله ليس معنيًا بالزمن التاريخي التقليدي القائم على فكرة العبرة، بقدر الزمن السيري الذي تنفتح فيه حياة الشخص، وتظهر هذه النقطة عند الشروع في كتابة موضوعات تربط بين الرؤية الإنسانية والانجازات التاريخية الكبرى مثل السد العالي أو تناول موضوعات عاطفية تجمع بين رفيقين داخل الحزب.

هذا الزمن السيري، يثير تساؤلات حول مصير التجارب التاريخية الكبرى والتجربة الحزبية والتنظيم في وقت لاحق من تجربة صنع الله ورفاقه، وضرورة التحرر من الغوغائية التي تجعل أفرادها يقعون في تناقضات وهو ما أجّله صنع الله إلى الفذلكة والهوامش فهناك فارق بين شذرات اليوميات والهوامش على مستوى الصنعة والكتابة، فبينما تأتي الشذرات على هيئة كولاج فني يُعيد إنتاج الحياة داخل السجن، مُبتعدًا عن الاستنساخ الميكانيكي، فولادة النص أتت من طبيعة فنية خالصة وتجميع مواد وأدوات الكتابة مثل: أجولة الأسمنت وأوراق الأرز والبفرة، ونصف قلم رصاص. والشذرات مكتوبة بطريقة شديدة الخصوصية ومُلغزة، يتنقل بين موضوعات كثيرة ناقلًا عن روايات ومقالات وجرائد وشعر وقراءات مختلفة، لا يوجد بينها رابط سوى التشويش والحيرة والرغبة في استكشاف عالم الكتابة والكُتّاب، والتنقل بين القضايا الفكرية والسياسية. أما الهوامش فهي الجزء الأكثر إثارة و إرباكًا، منحها صنع الله لها صوتًا، فيعلق على شذرة كأنه مُحرر، أو يمنحها بعدًا أعمق ويوسّع معناها، مستخدمًا فرق الخبرة، فصنع الله المحرر تجاوز الـ66 عامًا حين بدأ يقلب أوراقه حين كان شابًا عمره 25 عامًا. يدقق ويصوب المحرر كلام نفسه الشابة، أو يؤكد أنه لا يزال يفكر بالطريقة نفسها: «لا أفكر أنني يجب أن أكتب في الموضوع الفلاني وأجلس لأكتبه وأبحث له عن شكل، كلا. إن مشاعري تتحرك وتتأثر بفكرة، بتجربة أو ذكرى، بأسلوب، شكل وتطالب بالانطلاق. وفي أثناء عملية الانطلاق تتفاعل مع عقلي الواعي ليُصاغ موضوعها أو محتواها»، أو حين يأتي ذكر مقتل شهدي عطية يشير إلى أن هذه الشهادات سمعية، أو يستعين في هامش عن تشكيل الحركة الشيوعية المصرية بكتاب جيل بيرو عن هنري كورييل، الذي صدرت ترجمته في 1984، وكأن المحرر يفكر في هذه السيرة كقصة يقدمها الكاتب، مُلتقطًا من السيرة ما يصلح ليكون مادة خام لرواية.

بينما نقرأ صوتًا آخر في الفذلكة الختامية، فنسمع صوت المناضل الشيوعي السابق، الذي كفر بالتجربة التنظيمية مُقتنعًا بأنه سيصبح كاتبًا ويعتزل العمل الحزبي. فيسرد وقائع حلّ التنظيم ناقدًا ومنتقدًا الحركة الشيوعية، وطابع شخصياتها الفردي وتورم ذواتهم ومناهجهم العلمية الغوغائية وتصوراتهم عن حاجة النظام الناصري لهم. هكذا نكون أمام كتاب غريب التكوين، يجمع شذرات من الماضي كوثائق، يتعامل معها كاتبها كمحرر، بعد سنين خبرة وتمرس في الكتابة. ونستمع في المدخل والفذلكة والهوامش صوتًا محنكًا وناضجًا دون التخلي عن المشاغبة المميزة لأدب صنع الله، ونسمع صوت الشاب الحائر بين الممارسة النضالية والكتابة التجريبية. كأن يوميات الواحات يخبرنا بأن الكاتب الذي نعرفه لم يأت من العدم، بل تشكل من هذه التجربة الفريدة التي مرّ بها في الواحات.

نعود إلى تقديم صنع الله لليوميات في كتاب، بعد رفض جائزة ملتقى الرواية 2003، يشغلني سبب إقدامه على ذلك، هو يخبرنا أنه أعدّها للنشر ككل فى صيف 2004 لتلقي الضوء على بعض الأحداث والمواقف، وأيضًا على البدايات المعقدة الصعبة لتطور الكاتب. ومن اليوميات أيضًا، نعرف حكاياته مع الجوائز، وأولها اشتراكه لأول مرة فى مسابقة نظمها عزيز أرماني لكُتّاب القصة الشبان وفوزه بالمركز الثالث معترفًا بسذاجة قصته «الأصل والصورة». وفي سجن الواحات، شارك صنع الله في مسابقة أخرى، تشكلت لجنة تحكيمها من عبد العظيم أنيس ومحمود أمين العالم ومحمد صدقي، ولم يفز صنع الله بالمركز الأول، بل مُنح لقدري شعراوي، هكذا اعتبر الجوائز لا تخضع لمعيار ثابت، ووراءها عوامل إنسانية أخرى، فقد منحت لشعراوي لأنهم أرادوا تشجيعه لكونه من الطبقة العاملة.

لكن من وحي قراءة اليوميات، أفكر أنه ربما أراد التعبير عن ذاته بوصفه كاتب مشغول بالشأن العام، مهموم بقضايا أكبر من ذاته، متحرر من التبعية الأدبية الرسمية، رفض الجائزة، وانكب على مشروع تحرير يومياته القديمة، كأنه يقدم لنا نفسه عبر وثيقة عن تكوينه، دون أن يجمّلها فهو لم يمس الصياغة القديمة، مكتفيًا بالتعليق في الهوامش، مخلصًا لفكرة ضآلته وامتلاكه أجندة تخصه ولا يزال يلبي أحلامه ومغامراته التي ذكرها بشكل غامض في شذرات كتبها على ورق البفرة والأرز ببواقي قلم رصاص في المعتقل شابًا.

*«يوميات الواحات»، نوقش في نادي مدى الأدب، 25 يونيو الماضي، وكاتب المقال كان ضمن الحضور
عن الكاتب

علي التلباني

علي التلباني (1997-) مدرس تاريخ متقاعد، يكره الروتين ويتقن فنون البحث عن الكتب القديمة التي نفدت طبعاتها ولا تتوافر نسخ منها إلا فيما ندر، ويُعرف أيضًا باسم السيد ع ع.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن