صورة الوحشية
كاميرا معتز عزايزة مقابل الآلة الإسرائيلية
«سرقت دموعنا يا ذئب، تقتلني، وتدخل جثتي، وتبيعها،
أخرج قليلًا من دمي، كي يراك الليل أكثر حلكة
وكي نمشي لمائدة التفاوض واضحين كما الحقيقة
قاتلًا يدلي بسكين، وقتلى يدلون بالأسماء».
- محمود درويش
قبل بضع ليالٍ، استيقظت على غير عادتي قبل شروق الشمس، وقد غمرتني أفكار حول المذبحة الإسرائيلية الجارية في غزة. مُسهّدًا ويائسًا كتبتُ في جدار فيسبوك كلمات حزينة وغاضبة. في اليوم السابق، قررت أخيرًا إلقاء نظرة على الصور التي ينشرها المصوّر الغزّاوي معتز عزايزة على صفحته الشخصية في إنستجرام. في إحداها، تظهر نقاط صغيرة من الضوء عالياً في سماء الليل المظلمة، وبمجرد اختفائها، يحدث انفجار ضخم على بعد أقل من خمسين مترًا، يدمّر بناية من عدة طوابق. كانت الأضواء في حقيقتها صواريخ. عزايزة على باب المستشفى. بعد الانفجار، ركضَ إلى الداخل، يائسًا. في اليوم التالي، عند بزوغ الفجر، يظهر وسط الحطام، بجوار ناجين آخرين يزيلون جثثًا متصلّبة ومتربة وأشلاء بشرية محروقة من وسط الجبل الخرساني الملتوي الذي صارت عليه البناية بعد قصفها. أغلقُ الموبايل فورًا. يصعب عليّ إبقاء نظري على هكذا صور. رغبة في القيء تشتدّ. غضب لا يمكن لجمه.
منذ بداية العدوان الإسرائيلي في 7 أكتوبر، منحنتي متابعة الأخبار شعورًا حثيثًا بأن العيش والموت في غزة أثناء القصف مسألة حظ لا أكثر. وقد تأكّد هذا الشعور بعد أن أصابت الصواريخ الإسرائيلية المستشفى الأهلي المعمداني، ومن بعدها مدرسة تديرها «الأونرا»، في غضون يومين، ما أسفر عن مقتل وجرح المئات. يعترف جيش الاحتلال الإسرائيلي بإلقاء أكثر من 6000 قنبلة على غزة في الأسبوع الأول وحده من العدوان. ومنذ أكثر من ثلاثة أسابيع تُطلق الصواريخ دون توقف على هذا القطاع البالغة مساحته 365 كيلومترًا مربعًا (أي ما يعادل خُمس مساحة الإسكندرية تقريبًا) حيث يعيش 2.5 مليون شخص، نصفهم من الأطفال.
على وسائل التواصل الاجتماعي ينشر جيش الاحتلال بكل فخر صورًا جوّية لصواريخه الحديثة، وهي تحوّل المباني إلى غبار. في ليلة 19-20 أكتوبر، تفاخر هذا الجيش بتنفيذ مئات التفجيرات في غزة، أفضت إلى تدمير أحياء وشطب عائلات بأكملها من الوجود. تُظهر الصور الجوية التي التقطتها الطائرات الإسرائيلية بدون طيار كتلًا تحوّلت إلى أنقاض. منظورٌ يتعارض تمامًا مع المنظور الميداني لمعتز عزايزة.
ففي حين تُركّز مقاطع الفيديو الإسرائيلية على بنايات مصمتة، ثم يطغى وميض على الشاشة، ومن ثمّ تظهر سحب من الدخان والركام، تُظهر صور العزايزة السماءَ وقد احمرّت ثم توابع هذا الاحمرار: أجساد ممزَّقة، وأكياس بيضاء مليئة بالجثث (العديد منها صغيرة)، ناس يبكون، يائسون، يبحثون عن بعض التشجيع على هواتفهم المحمولة، يمدّون أيديهم إلى السماء ويصرخون على إلهٍ صامت ومُطلّع على كل شيء.
وبينما لا أستطيع تحمُّل إطالة النظر إلى منشورات المصوّر الفلسطيني، أبحلق دون عناء في اللقطات البعيدة والمجرّدة للكاميرات الليليّة التي تسجّل التفجيرات الإسرائيلية من الأعلى. عزايزة يُظهر الموت. إسرائيل تُظهر الدمار. يصوّر عزايزة دراما ومعاناة الفلسطينيين، الأحياء منهم والأموات. بينما تركّز إسرائيل على قدرتها الحربية الهائلة. صور عزايزة لحمٌ ودمّ. أمّا الإسرائيلية آلية وعديمة الإحساس.
وبعيدًا من تكرار الملاحظة القائلة بأن حياة الفلسطينيين لا تهمّ، وهي ملاحظة واضحة في هذه المرحلة من التاريخ والصراع الأخير، فضلًا عن ردّ الفعل الدولي على قصف غزة، تمامًا كما لم تكن حياة اليهود ذات أهمية في الماضي للمجتمع الدولي نفسه المتعاطف اليوم مع الإسرائيليين دون شرط أو قيد، أودّ إشراك المفكّر اليهودي جونتر أندرس (1902 - 1992) في النقاش وتقديم بعض التعليقات على آخر حلقة في المسألة الفلسطينية في ضوء كتابه «نحن، أبناء آيخمان»، وهو رسالة مفتوحة كتبها الفيلسوف إلى كلاوس آيخمان بعد اختطاف والده، أدولف آيخمان، الضابط الألماني المسؤول عن لوجستيات معسكرات الموت النازية، ومحاكمته وإعدامه من قِبل دولة إسرائيل الناشئة آنذاك.
ما قدّمه واقترحه الفيلسوف الألماني قبل 60 عامًا لا يزال صالحًا ووثيق الصلة براهن القضية الفلسطينية ومأزق دولة الاحتلال، خصوصًا أنه يأتي من مفكّر يهودي ألماني هرب من النازية وكرّس جانبًا معتبرًا من عمله لبحث فكرة التدمير الذاتي للبشرية، من خلال التأمُّل في المحرقة والتهديد النووي. يكتب: «إن مشكلة آيخمان ليست مشكلة الأمس، فنحن جميعًا أبناء آيخمان أيضًا، أو على الأقل أبناء عالم آيخمان، عالم آلات الإبادة التي تتجاوز آثارها تصوّراتنا»، ما يعني «أننا تحت خطر العمل مثل التروس دون مقاومة أو ضمير، وأن قوتنا الأخلاقية لا تضاهي جهاز القمع، وأن أي شخص يمكن أن يصبح آيخمان».
من هذا المنطلق -من وفرة أدوات القمع والإبادة وتطوّرها الهائل، والمأزق الإنساني في التعامل معها ومع تبعاتها، وحتى تكرار الأخطاء ذاتها- تطلق استعادة الكتاب والتفكير معه أسئلة راهنة ومُلحّة: كيف يُسمح للوحشية الإسرائيلية أن تتمكّن وتصير أمرًا واقعًا؟ لماذا يقف اليهود -أو لا يقفون- متفرّجين على تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم؟ كيف يتستّر الغرب على الجماعات الإرهابية اليهودية؟ وهل سيتمكّن داعمو الصهاينة من رؤية الهولوكوست الجديدة التي تحدث أمام أعينهم الآن؟
ما الذي يجعل الوحشية ممكنة؟
«لا يمكن إنكار أن مكننة العالم، ومعها مأزقنا الإنساني، قد تقدّما بطريقة رهيبة منذ الأمس»، يقول أندرس الذي يشرع في الإجابة على سؤال بسيط وشائك «ما الذي جعل الوحشية ممكنة؟». وبطبيعة الحال، فإشارته المباشرة تتجه صوب المحرقة التي قادها هتلر خلال الحرب العالمية الثانية. تعدّ إبادة ستة ملايين يهودي إحدى الجرائم الوحشية، ولكنها بالتأكيد ليست الوحيدة. «الإجابة الأولى على هذا السؤال تبدو مبتذلة. لأنه: بغض النظر عن الدولة الصناعية التي نعيش فيها، وبغض النظر عن الاسم السياسي الذي تحمله، فقد أصبحنا مخلوقات في عالم تقني»، يكتب الفيلسوف، مجادلًا بأن «ما نستطيع فعله الآن (وما يحدث بالفعل) أكبر مما يمكننا أن نصوّره».
بحسب أندرس، فـ«الأشياء التي اعتدنا على إنتاجها بمساعدة تقنيتنا، والتي من المستحيل احتواؤها، والتأثيرات التي بمقدورنا إطلاقها، كبيرة جدًا ومتفجّرة لدرجة أننا لم نعد قادرين على فهمها، ناهيك عن تعريفها بأنها تخصّنا/مِلكنا». لم تتمكّن المحرقة من تحقيق مثل هذه القدرة على الإبادة إلا لأنها استفادت من التطوّر التقني والاتصالاتي والإداري، الذي كان متاحًا في ذلك الوقت، الأمر الذي أدّى إلى تصنيع القتل. وبعد حملة مكثَّفة لتجريد الآخر من إنسانيته، كان من المقرّر شحن اليهود (والغجر والمثليين والشيوعيين) في قطارات، ونقلهم إلى معسكرات الاعتقال، ووضعهم في غرف الغاز وإحراقهم، قبل أن تصل قاطرات أخرى تجرّ عربات تحمل المزيد من البشر غير المرغوب فيهم من قِبل الرايخ الثالث، منذورين لمصيرهم المحتوم. بروباجندا. إدارة. طاعة. كفاءة.
النازيون، على دمويتهم، كانوا أذكياء بما يكفي لإبعاد آلة قتلهم عن أعين السكان. جزء فقط من الجنود قاموا بالعمل القذر. الضبّاط، مثل آيخمان، كانوا يوقّعون ويختمون ويأمرون. وبما أنهم لم يشهدوا الرعب أمام أعينهم بشكل يومي، فقد شعروا، كما يتذكّر أندرس، باضطراب في بطونهم حين رؤيتهم دماء الحشود الموتى مدفوقة من الأرض. ثم يقوم الفيلسوف بمحاكاة أحد الأسس المنطقية التي تجعل الوحشية ممكنة: «لا أرى ملايين الأشخاص الذين أمرتُ بقتلهم بالغاز أمامي. لا أستطيع رؤيتهم أمامي. لذلك، أستطيع، بكل هدوء، الأمر بقتلهم بالغاز».
تقنين المذبحة التي ترتكبها إسرائيل في غزة يعمل بطريقة مماثلة. هل سيتمكّن الإسرائيليون -ومؤيّدوهم في أنحاء العالم- من مواصلة الهجوم الأخير لو أنّهم رأوا وشمّوا دماء أعداد كبيرة من القتلى تتدفّق من الأرض كلّ يوم، كما تفعل باستمرار الفرق الطبّية في مستشفيات غزة، المنهارة والمليئة بالجرحى والمرضى، بدون معدّات وإمدادات كافية، والتي لا تصل بسبب الحصار الإسرائيلي؟ لو أنهم، كل يوم، مثل معتز عزايزة والعديد من الفلسطينيين، اضطروا للحفر بأيديهم العارية عبر أنقاض منازل مدمّرة، بحثًا عن جثث متربة وناجين يصرخون وهم يعلمون أنه لن يتم إنقاذهم وأنهم على الأرجح سيموتون تحتها، مع تساقط المزيد من القنابل؟ لو أنهم لمسوا أجساد الأطفال المشوّهة بفعل القنابل الحارقة وآخر ما وصلت إليه إبداعات الدمار البشري، بدلًا من مجرد النظر إلى أكياس بيضاء محشوة بما لا يعرفه إلا الله؟
أودّ تصديق أنه في مواجهة صور الوحشية التي يُنتجها إجرام الجيش الإسرائيلي في غزة، سيفهم «الشعب الإسرائيلي» ومؤيّدوه أن عملاً «وحشيًا» وحيدًا لا يبرّر آخر، وأن الجيش الإسرائيلي ارتكب بالفعل على مرّ السنين الكثير من الفظائع، وليس بحاجة لواحدة جديدة. ولكنني لا أعتقد حقًا ذلك، مثلما لا أعتقد أن الشعب الألماني كان سيتحرّك لوقف المحرقة إذا عُرضت عليه صور الجيتوهات اليهودية ومعسكرات الاعتقال في ذلك الزمن الماضي. ولكن هذه مجرد تكهّنات.
والحقيقة أن المعلومات متاحة اليوم بوفرة. فالإنترنت والكهرباء مقطوعان في غزة، وليس في إسرائيل، ولا في أوروبا ولا في الولايات المتحدة. يمكن لمَن أراد المعرفة أن يعرف. إلا أنه، كما كتب أندرس، «عندما يصبح ما يجب أن نتفاعل معه حقًا منافٍ للعقل، فإن مشاعرنا تفشل أيضًا. لا يهمّ ما إذا كان هذا «الكبير جدًا» يشير إلى خطّط أو أداء إنتاجي أو إجراءات نُفّذت بالفعل، فالشيء «الكبير جدًا» يجعلنا باردين، أو بالأحرى (لأن البرودة تبقى شعورًا بحدّ ذاتها)، لسنا حتى باردين، بل لا مبالين تمامًا: نصبح «أمّيين عاطفيًا» يواجهون «نصوصًا كبيرة جدًا»، ولا يعودوا مدركين أنهم في مواجهة نصوص. يبقى ستة ملايين [أو 11 ألف فلسطيني، والعدد في ازدياد] رقمًا بالنسبة لنا، في حين أن أخبار مقتل عشرة ربما لا تزال تتردّد في أذهاننا، ومقتل شخص واحد يملأنا بالرعب والأسف».
تجريد ينزع الإنسانية
هنا، بالإضافة إلى تقانة technification الموت، يلعب التجريد من الإنسانية دورًا أساسيًا. وقد اشتدّت في الأسابيع الماضية مظاهر تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، الصادرة عن سلطات رفيعة المستوى في الحكومة والجيش الإسرائيليين في الأيام الأخيرة. فعبارة «حيوانات بشرية»، التي أطلقها وزير الدفاع يوآف جالانت، ليست سوى أوضحها. لقد أصبحت الرغبة في محو الفلسطينيين من الخريطة واضحة وضوح الشمس خلال خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر، عندما أظهر للعالم خريطة بعنوان «الشرق الأوسط الجديد» لا يوجد فيها غزة أو الضفة الغربية. مشروع الطرد هذا، والذي عُبّر عنه بشكل أكثر شفافية من خلال رسائل إسرائيل للغزّاويين تطالبهم بمغادرة شمال غزة في أسرع وقت ممكن -لا نعرف أين أو بمساعدة مَن، ولكننا نعرف أنهم إذا غادروا بيوتهم، فلن يُسمح لهم بالعودة أبدًا- مشروع محو وتطهير عرقي وإبادة. إبادة جماعية كما يقول الكتاب.
بمعنى ما، وبأرقامٍ أقل (أرقام من جديد)، أصبحت غزة اليوم مزيجًا من أوشفيتز وهيروشيما: سجنٌ في الهواء الطلق، وجيتو، ومعسكر اعتقال لا يُسمح إلا لعدد قليل من الفلسطينيين بالخروج منه للعمل كعمالة رخيصة في إسرائيل (في ملمح آخر يشبه ما كان يحدث في معسكرات الاعتقال النازية كما تختصرها العبارة الشهيرة «العمل يحرّرك» Arbeit macht frei المنقوشة على بوابات المعسكرات)، وبالطبع ليس من دون الخضوع أولًا لعمليات تفتيش وضوابط مهينة، سجن مكدّس بساكينه تلقّى في غضون عشرة أيام فقط شحنة متفجّرة تعادل ربع قنبلة ذرّية. إن أفدح فظائع القرن العشرين، الهولوكوست والقنبلة الذريّة، اللذين حضرا باستفاضة (بالرغم من عدم إدانتهما بشكل كافٍ) في كتب التاريخ والصناعة الثقافية، لم يمنعا حدوث فظائع جديدة في القرن العشرين نفسه، بمساعدة أكثر التقنيات تقدّمًا في كل عصر، والتي يمكن تمثيلها اليوم بطائرات بدون طيار قاتلة وصواريخ دقيقة للغاية، فضلًا عن شبكات التواصل الاجتماعي التي لا تقلّ تدميرًا.
يكرّر الإسرائيليون إلى حدّ الغثيان أن المقاومين الفلسطينيين يختبئون خلف الأطفال، في خطابٍ آخر يجرّدهم من إنسانيتهم -في نهاية المطاف، لن يفعل البشر مثل هذا الشيء أبدًا- لكنهم لا يقولون إن إسرائيل تختبئ وراء أموال وأسلحة وحاملات طائرات وتكنولوجيا عسكرية متقدمة غربية.
من أين يبدأ التاريخ؟
دعونا نتعامل أيضًا مع حقيقة أن عُنف «طوفان الأقصى» -الذي راح ضحيته، بحسب الأرقام الإسرائيلية، 1400 شخص، من بينهم 14 طفلًا، و200 مختطف آخرين- لم يكن مفاجئًا، مع توفّر الشروط الموضوعية لإنتاجه. من المستحيل مناقشة القضية الفلسطينية دون الرجوع إلى التاريخ.
هناك مَن يريد العودة إلى زمن الكتاب المقدّس للجدال حول دين مَن تنتمي إليه «أرض الميعاد». وهذا نقاش مشروع، ولكن إذا شنّه اليهود ضد الفلسطينيين (أو العكس)، فيجب أن يشنّه أيضًا السكان الأصليون ضد البيض في الأمريكتين والعديد من الشعوب المستعمرة الأخرى حول العالم. وإذا كان من المستحيل عكس تدفقات الهجرة العفوية أو الاستعمارية أو القسرية التي حدثت على مدى الخمسة آلاف سنة الماضية، يبقى عام 1947 معلمًا أساسيًا في المسألة الفلسطينية. من خلاله سنرى كيف قامت الأمم المتحدة (الوليدة آنذاك) بتقسيم الأرض بالتساوي تقريبًا بين الفلسطينيين واليهود، وكيف لم تُحترم الاتفاقيات أبدًا، لأن بريطانيا العظمى، التي استعمرت المنطقة وكان من المفترض أن تفرض قرار الأمم المتحدة، انسحبت وسمحت باندلاع ما يشبه حربًا أهلية، انتصر فيها اليهود على العرب، بدعمٍ وافر وتواطؤ واضح من الغرب.
وهكذا تخلصت أوروبا من مشكلتين: كفَّرت عن ذنبها المتعلّق بالهولوكوست (ذروة معاداة السامية، وهو اختراع وتقليد أوروبي بامتياز)، وأخرجت اليهود من أراضيها (حيث واجهوا اضطهادات متتالية منذ العصور الوسطى)، لتمنحهم دولة في مفرق الطريق بين الشرق والغرب ألحقوا بها أساطيرهم وربطوا المشروع الصهيوني بهدفٍ ديني. وفي مواجهة مثل هذا الحلّ «المثالي»، لم يكن دعم المذبحة ضد الفلسطينيين (المسلمين والمسيحيين) يشكّل عائقّا. ثم جاءت النكبة. استولى اليهود على أراضي الفلسطينيين. تحرّك الجيران العرب. وهزمتهم إسرائيل عسكريًا -مرة أخرى، بدعمٍ غربي- واستولت على المزيد من الأراضي منهم، وارتكبت بضع مذابح في الأثناء. انحصر وجود الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وبدأوا عملية طويلة من المقاومة، قوبلت بعنف متزايد على مرّ العقود. وها نحن هنا من جديد.
بلا قشرة حضارية حتى
يرى أندرس أن «الهدوء العظيم والمتعة الرائعة للثقافة اللذين سادا فترة ما بعد الحرب في الغرب، مع إنشاء الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقيات جنيف، وتوسيع دولة الرفاه (وإنشاء دولة إسرائيل)؛ لم يكونا سوى فترة هدوء بين عاصفتين، غفوة أخذها العالم الوحشي لنفسه بين وحشية الأمس والغد». وبحسب الفيلسوف، «غدًا يمكن أن تندلع العاصفة مرة أخرى. وبعد غد، قد يحدث مرة أخرى، إذا بدا ذلك مناسبًا للآلة، أن نُستعمِل مرة أخرى كطواقم خدمة لها أو كضحايا لأهدافها الإبادية. في جميع الأحوال، بالطبع، كضحايا».
واليوم، تضع الولايات المتحدة وأوروبا -الغرب، الحضارة التي نصّبت نفسها ذاتيًاـ نفسيهما، على نحو غير مسبوق في التاريخ المعاصر، كضامنين للإبادة الجماعية ووأد الأطفال. يسارعون لإظهار التضامن المجاني مع إسرائيل في الساعات الأولى بعد هجوم «طوفان الأقصى». ينهض كامل الصفّ المؤسّسي الأوروبي -العامّ والخاصّ- كما لو كان مصمّماً للتنفيس عن المشاعر نفسها، وإصدار الأحكام القاسية وغير المشروطة نفسها، واستخدام الشعارات الفظّة نفسها، والالتحاف بشعارات الصلاح الذاتي والادعاءات الأخلاقية نفسها. يُصدر قادة الحكومة، والساسة، ووسائل الإعلام، والنقّاد، الأصوات النشاز ذاتها، ويفرضون غصباً الرأي الموحّد ذاته، ويعاقبون تلك القلّة المنشقّة الخارجة عن إجماعٍ أوروبي منحاز تمامًا للسردية الإسرائيلية.
وبينما أعلن الاتحاد الأوروبي تجميد الفتات الذي يخصّصه لـ«تنمية» فلسطين، فيما امتنع معرض فرانكفورت للكتاب عن تكريم الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، فيما منعت عدة دول أوروبية التظاهرات المتضامنة مع الفلسطينيين، لم تتردّد واشنطن لحظة واحدة في إرسال المزيد من الأموال والمزيد من الأسلحة وأسطولين تقودهما حاملتي طائرات لضمان قيام إسرائيل بذبح غزة دون أن يزعجها أي من جيرانها المتوحشين. وصل جو بايدن إلى تل أبيب للقاء نتنياهو وجالانت وأعضاء آخرين في حكومة الإبادة الجماعية الإسرائيلية، حتى بعد قصف المستشفى الأهلي المعمداني (وهو ما لا يمكن أن يرتكبه إلا حلفاؤهم النبلاء، حيث لا تمتلك أي مجموعة فلسطينية أسلحة قادرة على التسبّب في مقتل 500 شخص في انفجار واحد، وإلا لكانت إسرائيل غير موجودة أصلًا في هذه المرحلة من الصراع). وقام رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك بزيارة مماثلة في اليوم التالي. وفي وقت سابق، التقى المستشار الألماني أولاف شولتس مع نتنياهو في إسرائيل.
وكما يخبرنا التاريخ، توحّلت الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وألمانيا وغيرها من القوى الأوروبية في إبادات جماعية بحقّ شعوب أصلية وأفريقية وآسيوية، والتي، على الرغم من الأرقام الفاضحة (أرقام، أرقام)، لم تتلق قطّ الإدانة العامة الواجبة، فضلًا عن تملّصها إلى الآن من تقديم التعويض التاريخي. وبالطبع يشتركون مع إسرائيل في الدعوة الاستعمارية، و«المصير الواضح» Manifest destiny، وهالة التفوق على الهمجيين، كلّ بمنهاجه وأسلوبه. لا شكّ أن الغرب ارتكب أعظم الفظائع باسم أنبل القيم.
ومع ذلك، على الأقل منذ نهاية الحرب الباردة، امتلكت التدخّلات الدولية قشرة «حضارية» على الأقل، ولو زورًا وتلفيقًا: الإطاحة بديكتاتوريات واستعادة الديمقراطية (العراق وأفغانستان) والسلام (الصومال وهاييتي)، وقف الإبادة الجماعية (البلقان، رواندا). لم يقلقوا كثيرًا بشأن اختراع سرديات منافقة تتناسب مع أفكار حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية. والآن، يعمل الغرب عمدًا على دعم نظام استعماري وقمعي ومرتكب للإبادة الجماعية، يمارس تمييزًا عنصريًا عرقيًا ودينيًا سافرًا، تقوده حكومة دينية تعتبرها الديمقراطيات الغربية ديمقراطية، فقط لأنها ثيوقراطية يهودية وليست إسلامية.
من ناحية أخرى، فالدول التي تعتبر على النقيض من الديمقراطية وحقوق الإنسان، مثل إيران والصين وروسيا، تكرّر مطالباتها بوقف إطلاق النار. وجميعها لها مصالحها. ولكن إذا كان أثر الإنسانية هنا يكمن في وقف المذبحة في غزة (لأن حياة الفلسطينيين مهمّة طبعًا)، والسعي إلى حلّ سياسي للمأزق الإسرائيلي الذي يشمل أطفالًا ومسنّين ونساء ومدنيين أخذتهم المقاومة الفلسطينية كرهائن دون أن يتصرّف «الجيش الذي لا يُقهر» بالسرعة التي تعوّد عليها ضد أي هجوم من جيرانه، فمن العدل (أو المفارقة) القول أن إيران اليوم تعمل من أجل الحياة، من أجل حياة الفلسطينيين والرهائن المحتجزين لدى حماس، والذين يتعرضون أيضًا لقصفٍ متواصل، أكثر بكثير من الولايات المتحدة وأوروبا، وبالتأكيد أكثر بكثير من إسرائيل. دعونا نتعامل مع هذا الوضع الغريب والمُفارِق!
ما العمل بمواجهة الوحشية؟
لا يمكن لعاقل توقّع أن تكون العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر سلسة وليّنة. لا يمكن أن نتوقّع من الشعب المضطهَد أن يقبل القمع بسلام. لا يمكنك أن تتوقّع من المستعمِر ألا يعيش في خوف. وهذا لم يحدث قطّ في التاريخ، ولن يحدث أبدًا. وبما أن الاحتلال لا يكتمل إلا بالوجود المادي، بالأجساد، فإن الطفل الذي يولد اليوم في إسرائيل هو، بكل المقاصد والأغراض، محتلّ، مستعمِر، مضطهِد. والطفل الذي يولد اليوم في فلسطين هو طفل محتل، مستعمَر، مظلوم. بالطبع لا أحد مسؤول عن سياق ميلاده في هذه البقعة أو تلك، هذا ما قاله جونتر أندرس صراحةً لكلاوس آيخمان، الذي لا يتحمّل اللوم لكونه ابن «مهندس المحرقة». جميع الأطفال أبرياء. ومع ذلك، كبالغين، فإن مسؤوليتنا تكمن في القرارات التي نتخذها بناءً على الإرث الذي تلقّيناه. منذ 7 أكتوبر، لم يحصل أكثر من أربعة آلاف طفل فلسطيني على هذه الفرصة، بعدما اُختطفوا قسرًا من الحياة خلال طفولتهم.
قيل الكثير عن السبب وراء عدم انتفاض يهود أوروبا بشكل جماعي ضد النازية ومعسكرات الاعتقال وغرف الغاز، وبالتالي تجنُّب المحرقة بالأساس. يستنكر أندرس هذه المقاربة بقوله إن البشر يصبحون غير قادرين على الردّ بشكل مناسب عندما يواجهون وحشية لا يمكن تصوّرها: «إنه أمر مستحيل. وأولئك الذين يطالبون الضحايا بهذا يجب عليهم أيضًا أن يطالبوا السمكة التي ألقيت على الشاطئ بأن تنمو لها أرجل على الفور حتى تتمكّن من العودة إلى الماء. ردّ الفعل الخاطئ كان حتميًا، لأن فظاعة الهدف النهائي تتجاوز ببساطة ما يمكن للبشر بشكل عام أن يتخيّلوه، أو يشعروا به، أو يفهموه».
لكن كان هناك يهود وقفوا ضد النازيين. وأفضل حلقة معروفة من هذه المقاومة البطولية هي انتفاضة جيتو وارسو في بولندا عام 1943. فبعد إعدام 300 ألف يهودي محتجز هناك في معسكرات الاعتقال، قرّر بعض الآلاف القليلة ممن بقوا المقاومة بما لديهم في المتناول. قتلوا أكبر عدد ممكن من الألمان، ثم تحصّنوا في منازلهم، في الأنفاق، في أنابيب الصرف الصحي. ردًا على ذلك، قام النازيون، بتفوّق عسكري منقطع النظير، بتسوية الحيّ اليهودي بالأرض وقتلوا كل المقاومة اليهودية تقريبًا.
إليكم ما قاله بعض الناجين: «كانت الأغلبية تؤيّد التمرُّد. اعتقدَ الناس أنه من الأفضل أن يموتوا بمسدس في أيديهم بدلًا من الموت بدونه. هل يمكنك تسمية هذا النوع من المقاومة بالتمرد؟ لقد كان كفاحًا حتى لا يُنقلون إلى المسلخ، كفاح ضد الموت»، «كانوا يقاتلون ليس من أجل حياتهم الخاصة، بل من أجل كرامتنا جميعًا. أراد الألمان أن يحرمونا نحن اليهود من وضعنا الإنساني. وأظهرت هذه الانتفاضة أنهم لم ينجحوا»، «كانت هذه هي اللحظة التي انتظرناها لمواجهة هذا القوة الألمانية الغاشمة»، «قتلنا أكبر عدد ممكن، [لكننا] علمنا أن مصيرنا كان واضحًا تمامًا».
بعد مرور 80 عامًا، من الممكن أن تخرج عبارات مماثلة من فم أي فلسطيني، بما في ذلك أعضاء «حماس». المجموعات الرئيسية التي قادت انتفاضة غيتو وارسو أطلقت على نفسها اسم منظمة الكفاح اليهودي والاتحاد العسكري اليهودي. «حماس» اختصار لحركة المقاومة الإسلامية، وهي جزء من حركة النهضة الإسلامية، تؤمن أن هذه النهضة هي المدخل الأساسي لهدفها المتمثل في تحرير فلسطين كاملة من النهر إلى البحر، وهي أكبر الفصائل الفلسطينية حسب آخر انتخابات، جذورها إسلامية، حيث يرتبط مؤسّسوها فكريًا بجماعة الإخوان المسلمين. يختبئ أعضاؤها أيضًا في الأنفاق والمباني، التي تحولت أيضًا إلى أنقاض بسبب قوة عسكرية متفوقة بلا حدود، تسيطر على الدخول والخروج من الأراضي التي يسكنونها.
إذا نظرنا إلى الوراء، فالأكيد أن الجميع سيتفق على أن اليهود المحاصرين من قِبل الألمان لديهم كل الحق في اتخاذ أي إجراء يشعرون أنه ضروري لتحرير أنفسهم من نظام الموت في الأحياء اليهودية ومعسكرات الاعتقال، أي إجراء. ولكن اليوم بعض القادة والساسة والسادة الغربيين (وربما العرب أيضًا) لا يقبلون أن يفعل الفلسطينيون الشيء نفسه ضد نظام الموت البطيء الذي يعيشون في ظلّه في غزة والضفة الغربية، والذي تفرضه دولة إسرائيل. يستنكرون عُنفهم المشروع، ويطالبونهم بطريقة متحذلقة ومتعجرفة، أن يكونوا سلميين!
قبل هجوم حماس في 7 أكتوبر، كان المفكر الإيطالي فرانكو بيفو بيراردي يجمّع الهجمات الأخيرة التي شنّها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين. وبما أن حياة الفلسطينيين لا أهمية لها، لم تحظ هذه الحالات بالاهتمام الدولي الذي تستحقه. ولكن كانت لها عواقب، كما حدث مع صعود اليمين الإسرائيلي المتطرّف ومشروعه لإعادة تصميم الشرق الأوسط من خلال عقد «اتفاقيات إبراهيمية» مع الدول العربية المحيطة، وخاصة المملكة العربية السعودية، ما أفضى إلى عزل الفلسطينيين وإهمال « القضية» تمهيدًا ربما لدفنها نهائيًا ببعض الحلول «المبدعة» و«المبتكرة».
أكثر من هذا، كم مرة سمعنا أو قرأنا في كبريات القلاع الصحفية المحترمة والوازنة غربيًا عن الجماعات الإرهابية اليهودية مثل لهافا وكاخ وكاهانا تشاي، والتي كان وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتامار بن جفير، عضوا فيها أثناء شبابه؟ منذ سبعينيات القرن العشرين المضطربة، أدّت سياسات اليمين المتطرّف والمستوطنون العنيفون والقوميون المتطرفون مثل حزب كاخ الذي يتزعمه الحاخام مئير كاهانا إلى ظهور حركات يمينية متطرفة ومذابح للفلسطينيين وأحزاب سياسية مثل عوتسما يهوديت (القوة اليهودية)، خليفة كاخ الأيديولوجي. اكتسب زعيمه، إيتامار بن جفير، سُمعته على المستوى الوطني لأول مرة في عام 1995 حين ظهر على شاشة التلفزيون ممسكًا بأرقام محرّك سيارة سُرقت من رئيس الوزراء حينها إسحاق رابين. وقتها قال بن جفير بفخر: «وصلنا إلى سيارته، وسنصل إليه أيضًا». وبعد أسابيع، اغتيل رابين، مهندس عملية السلام.
في نهاية رسالته إلى كلاوس آيخمان، يستأنف جونتر أندرس ويكمل النداء الذي وجّهه لمحاوره في بداية النصّ، عندما يطلب من الابن أن يتخلّى عن ذكرى والده: «لمرة واحدة، تخيّل ما سيكون عليه الأمر يعني لو انضممت إلى هذه الحركة ضد إبادة الإنسانية». في هذه المرحلة، كان أندرس قد أعرب بالفعل لكلاوس أنه، بعد الهولوكوست، اعتبر جميع الناس «أبناء آيخمان»، وبعبارة أخرى، أبناء زمنٍ أعطى فيه البشر، عبر تطوير قدرة على التدمير تفوق خيالهم، ميلادًا لوحشية لا يمكن تصوّرها. وبحسب الفيلسوف، فقد نجتْ هذه الوحشية من النازية. ويجب أن تتوقّف. «كلاوس، تخيل لو أنك الذي اختبرت ما يعنيه أن تكون ابنًا لآيخمان، خاطبت أبناء آيخمان الآخرين كشخص يحذّرهم. ربما تفكّر: «آيخمان من أجل السلام؟ تجعلني أضحوكة؟» مَن سيضحك يا كلاوس آيخمان؟ مَن سوى الأسوأ؟».
إذا كانت مجهودات معتز عزايزة وغيره من الإعلاميين الفلسطينيين غير مقنعة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية ومصنعها السردي الفعّال، فربما تكون الأصوات اليهودية المناهضة لآلة القتل الإسرائيلية (وهي آخذة في التصاعد كما بيّنت التطوّرات الأخيرة) سبيلًا موازيًا وفعّالًا للاعتراف بإنسانية الفلسطينيين وإيقاف الإبادة الجماعية بحقّهم في عالمٍ أبعد ما يكون عن الإنصاف. ربما.
تقارير ذات صلة
الدولة المصرية كـ«ماكينة للإنجازات»: عن كتاب شهاب الخشاب الجديد
«الجمهورية الجديدة» هي الوريث الشرعي لماكينة الإنجاز الناصرية
بعيدًا عن السير المناقبية.. كيف أعاد خالد فهمي اكتشاف محمد علي؟
يواجه خالد فهمي في «ولي النعم» محمد علي وجهًا لوجه
من غير لف ودوران: ترشيحاتنا لمعرض الكتاب 2026
مجموعة من الكتاب/ات والمترجمين/ات والمحررين/ات والباحثين والصحفيين/ات يساعدونك في اختيار قائمتك
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن



