صلصة الأسبوع
#97 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
هذا الويك إند تكتب سارة سيف الدين عن ثورتها على الطعام الجاهز، التي بدأت مع إعدادها صلصة بيتي، تمكنها من الطبخ خلال أيام العمل، لتقرر أن وقتًا خلال الويك يخصص لإعداد مكونات الطبخ منزليًا قد يحقق الثورة على طلب الطعام من بّره، ليكون المطبخ -أخيرًا- خطًا لإنتاج الطعام.
#دليل
وجدت كيس بلاستيكي ضخم يحوي أربعة كيلوجرامات من الطماطم تنتظرني على سطح المطبخ، عند عودتي للمنزل بعد منتصف الليل، بعد ثوان من الحيرة تذكرتُ أنني طلبتها في صباح هذا اليوم من محل الخضري، بعد نيتي تبديل عاداتي الغذائية. بدأ الأمر بشعور الاستياء؛ استياء حقيقي من أكل المطاعم الذي استسلمت لتناوله على مدار عام ونصف من العيش بمفردي ثم الزواج، وهذه العادة الغذائية سببت حالة صحية سيئة وأدت إلى زيادة في الوزن بشكل لافت للنظر، وهي زيادة لم أصل إليها خلال تناولي طعام أمي المصري التقليدي من أطباق المحشي والبط وصينية البطاطس باللحمة والبشاميل والفراخ المُعدة في الفرن والأرز بالسمنّ البلدي وأصناف الخضراوات المُسبّكة. كل ذلك الطعام الشهي على تشببعه بالدهون والكوليسترول لم يُسِئ إلى جسدي كما فعل الطعام الجاهز، والفاست فوود منه.
لكن الكيس المُتخم بحبّات الطماطم الطازجة جعلني لا أفكر كثيرًا، بل شرّعت في المهمة: تحويلها لعصير طماطم قابل للدخول في إعداد طبق خضراوات غير مُسبكة أو صلصة مكرونة أو شوربة طماطم، وربما صينية بطاطس على طريقتي الخاصة.
كانت الساعة تقترب من الثانية صباحًا، دخلتُ مطبخي، عفريتي الخاص الذي ترسخت بداخلي حواجز نفسية أكثر بيني وبين أن أعد طعامي بنفسي فيه، ليصبح الخيار المُرهق دومًا في مُخيلتي، فلا أتصورنّي واقفة في المطبخ أمام البوتاجاز اتصبب عرقًا، ثم ألقى في نهاية اليوم كومة من الأواني والأطباق تنتظرني لأقف مجددًا أتصبب عرقًا لغسلها، ربما يعكس هذا التصور مشاهداتي لأمي في المطبخ التي ظلت متمسكة بوجودها فيه رغم أنها موظفة، لكنّي أذكرها حين تطالبني بإعادة إنتاج علاقتها بالمطبخ أن الزمن تغيّر الآن؛ إن كنت أعمل من المكتب حتمًا لن أعود قبل نهاية النهار وكذلك الأمر بالنسبة لشريكي، ما يجعل فكرة إعداد أيًا منّا للطعام تعني أن يصير الغداء وجبة مسائية تُسبب التخمة، ولا تمنع طلب كل منًا للطعام الجاهز أثناء النهار في العمل. وفي أيام عطلة نهاية الأسبوع تكون فرصتي الوحيدة لعمل اللاشيء، التحديق في سقف الغرفة، والاستيقاظ بلا مواعيد، ورفع شعار «هذا الوقت ليّ»، أما أمي فهي بنت جيل موظفات الحكومة اللاتي يعدنّ إلى منازلهنّ قبل العصر، إذًا لماذا كل هذا العناء، تكفي كبسة زر أو مكالمة ويجلب طيار طعامًا إلى طاولتي، وأنا معززة مكرمة.
تأكدتُ أن المطبخ منظم وخال من أي مواعين، سطحه نظيف، وكل شيء في مكانه. تعاملت في الفترة القصيرة الماضية مع المطبخ بمنطق طفولي قليلًا، اشتريتُ مريلة أعجبتني، تضفي لمسة من المهارة عليّ حين أرتديها، وعلقت كافة الأدوات على الحائط لتكون على أهبة الاستعداد للنزول إلى ملاعب الطبخ، وأزلت عائقًا أمام نصف النافذة ليصبح بالإمكان فتحها على مصراعيها، واشتريت هرّاسة ثوم، لأسرّع من إيقاع العمل في المطبخ.
أرتديتّ مريلتي، وفتحت نافذة المطبخ استغلالًا لنسمة باردة، وضبطت الراديو ليلتقط موجات البرنامج الموسيقي، وجهزت أدواتي؛ لوح التقطيع، وسكين شرس لا يمزح، وإناء يحوي الطماطم بعد غسيلها، وآخر تعلوه مصفاة، والخلّاط، ووعاء بمقياس نصف لتر، وأكياس حفظ الثلاجة، وجعلت الأشياء تجاور بعضها تبعًا لتسلسل العمل وهو ما يسبب سعادة بالغة لمصابي الـOCD وأنا منهم.
ملأني شعور الاستعداد. بدقة وتنظيم شديدين بدأت العملية، فكانت يدايّ كأنهما عدة خطوط إنتاج تعمل تباعًا، وضعت الكيس قرب الحوض، وسحبت حبّة تلو الأخرى أغسلها جيدًا، أزيل العنق الأخضر، متأكدة من سلامة كل حبّة، مستمتعة بملمس قشرتها الناعم وقوامها المناسب، فأنا أنتج طعامي بعمل صلصة طماطم بيتي من أجود الأنواع، وأنجو من الفخ الذي لطالما شعرت به كلما شاهدت إعلان إحدى منتجات الصلصة المُعلبة تسمي نفسها «بيتي» وثيمة الإعلان الأساسية أن هذا المنتج الذي نقدمه سيداتي ساداتي بيتيًا، ما أفعله الآن يؤكد أن هذا كذبٌ، صلصة الإعلان «صناعية» تستحق هذا الوصف من عدة جوانب، أولًا تلك الصلصة أُعدت في المصنع وليس المطبخ، حافز إعدادها البيع والربح، بل غايتها الاستهلاك، بينما أحاول تجهيز مكونات طبخ طازج وطبيعي، هذه الصلصة الصناعية تبيع نفسها لنّا، مُستغلة أن العمل سلبنا الوقت الذي يُفترض استغلال جزء منه لإعداد الطعام في بيوتنا. تقول لنا الصلصة الصناعية إن نشتريها ونتظاهر بأنها من صُنّع أيادينا ونتصرف كأن العمل لا يأكل وقتنا.
بعد غسل الطماطم وضعتها في الإناء، ثم انتقلت للمرحلة التالية؛ أخذت مجموعة من الحبّات وقطعتها نصفين متساويين، حتى يزدحم لوح التقطيع، أدهشني لونها الأحمر القاني الذي ينتمي إلى مجموعة الألوان الساخنة ممتزجًا مع لون لوح التقطيع المائل للزُرقة أحد الألوان الباردة، هنا قررت أن ألتقط الصورة التي ترونها في غلاف هذا الديتوكس، ساهمت الموسيقى القادمة من الراديو في إشعال الشاعرية داخلي. أزلت ما تبقى من جذر عنق الطماطم دفعة واحدة حتى انتهيّت منها جميعًا، ثم مررت بسكيني على أنصاف الحبات، لأقطعها إلى نصفين آخرين، وبينما تعمل يدي بشكل تلقائي تُركت مساحة لذهني لتأمل العملية برمتها وتدارك أن الأمر أدخلني في حالة استرخاء وصفاء ذهني. هُنا قفزت فكرة الكتابة في رأسي، يداي تقطع ورأسي يصيغ الكلمات في الهواء على أمل ألا أنساها وأدونها بمجرد اكتمال عصر الطماطم.
أفكر في الكتابة، وأحمل الأرباع بين كفيّ وأُسقطها في إناء الخلّاط، ثم سكبت عصير الطماطم غير المُصفى في المصفاة، ثم جاءت المرحلة التي تجسد تصفية الذهن، وهي تقليب العصير مرارًا في دوائر داخل المصفاة، حتى ينفصل العصير عن القشرة والبذور. خلال العصر، لم أضف سوى ربع كوب ماء للخلّاط حتى يعمل، وفي كل مرة كنت أُبقي القليل من العصير في إناء الخلاط حتى يسهّل الضرب، حتى يكون العصير في النهاية مُركزًّا بأكبر قدر ممكن.
أعيد ملء لوح التقطيع بأنصاف حبات الطماطم، وأكرر نفس الخطوات، وفيما انشغلت كل حواسي بما ذكرته سابقًا، شممتُ رائحة الطماطم الذكية والشهية جدًا، ما أعادني مرة أخرى لأمي، حين كنت أقف بجانبها هي تعد عصير الطماطم، وقبل تسبيكه، تعطيني كوبًا منه تحليه بملعقة سكر، لأنني أحب عصير الطماطم ورائحتها، لكن إدراكي للروائح اتسع مؤخرًا مع تكرار زيارتي للحقول، رأيت البامية والخيار والفلفل والبقدونس في سيرتها الأولى مغروسة أو معلقة وسط خضرة المكان، رائحة الثمار تكون طاغية، لن أنسى قوة واكتمال رائحة البقدونس، مقارنة برائحته الضعيفة هُنا في القاهرة التي تكون نصف طازجة تشوبها رائحة التلوث، بعد أن قطع كل هذا الطريق. أدركت الآن بعد أكثر من 25 عامًا أن ما كنتُ أشمه وأراه في محلات الفاكهة والخُضر في المدينة ليس هو أصل الأشياء، المحاصيل في الأرض هي الأصل، وبينما أقف في مطبخي / عفريتي الصغير، أصير وسيطًا، أنقل بيديي الثمار من حال لحال لتصبح خامًا لطبخات مستقبلية.
وبعدما باتت كل الطماطم عصيرًا صافيًا، استخدمتُ المغرفة لملء أكياس حفظ الثلاجة بحد أقصى نصف لتر للواحد، ثم أودعتها الفريزر. التقطت صورة أخرى أرسلتها لأمي علّها تطمئن أن سألحق بها في المطبخ، لكن بطريقتي، أخصص وقتًا لمطالعة سقف الغرفة، وآخر لتجهيز عصير الطماطم من بين أشياء أخرى لإعداد وجبات منزلية خلال أيام العمل بسهولة وسرعة أكبر.
#وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن