صداقة بين السطور
#128 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
القراءة توّلد ودًا يربطنا كقراء بصاحب هذه السطور، يحدث تواصل مستحيل مع كُتّاب غادروا عالَمنا، ومع ذلك نجد لديهم إجابات عن أسئلتنا، كأنهم يرشدونا. هو شعور يصعب وصفه بالكلام، لكن أحمد الفخراني كتبه في هذا الديتوكس الذي يرسم تلك الصداقة المتخيلة مع كاتب يصبح كتابًا مفتوحًا فعلًا.
#دليل #قراءة
في الرابعة عشر من عمري، في لحظة لا يعرف المرء -لاحقًا- إن كانت مباركة أم ملعونة، أدركتُ أني كاتب. ومنذ ذلك الحين، لم أحصل في حياتي على رحلة ممتدة وحية ومكتملة مع أستاذ معاصر لي، لا في العشرينات أو الثلاثينات، ولا حتى عندما بلغت سن الأربعين وهي سن مخيفة، ليس لكونها بداية شيخوخة، لكن لكونها تفترض بداية النضج حين تضيق مساحات غفران الهذر، وتبدأ أسئلة حقيقية عن المسافة بين ما نطمح في الوصول إليه وما نستطيعه.
أصدقاء مراهقتي من الكُتّاب، كانوا من الموتى، وفي خطوة تناسب مراهق مفتون، كنت أضع صورهم التي تتبدل مع الزمن تحت زجاج مكتبي بدلًا من صور الممثلين ونجوم الرياضة. أكرر الأمر نفسه الآن من حين لآخر، في نزوات هدفها استلهام شيء من قبس روح السلف، واستعادة الكتابة كفعل افتتان من مراهق، عندما أضع صورة كاتب أحبه لفترة على سطح مكتب اللابتوب.
نجد علاقة أقوى مع أسلافنا الموتى، أما في الأحياء فثمة شك عظيم يحوط بنا وبهم.
لطالما نفرت من صورة المعلم الحيّ، لأسباب عدة، خجل التعثر في المسافة بين ما يعرفه واختبره، وبين ما مازلت أسعى لمعرفته واختباره، فعلاقة الأحياء لا تستقيم دون ندية عليّ التجهز لها أولًا، ولتجارب سابقة لم يراع فيها بعضهم تلك الفجوة، واستمتع بها بطريقة رأيت فيها شيئًا قاسيًا ومتلاعبًا، وأيضًا لخوف قديم -مرضي أحيانًا- من كل أشكال الوصاية، لأن شيئًا من اليقين وحس السلطة يتسرب إلى أصوات الأحياء مع العمر، كما أن أفكارًا كثيرة لمَن سبقونا في التجربة بمناح مختلفة، والأدب من ضمنها، اختبرنا بأنفسنا هشاشتها، وفسادها عند أول خطوة في الطريق، كما أن بعض الأفكار العظيمة بمقاييس عصرها، لا تناسبني.
فكرت أن أفضل ما يمكن فعله، لحاجة المرء التي لا يمكن تجاوزها للتعلم ممَن سبقه، أن أتجاهل حقيقة أن مَن أحب كتابته من المعاصرين الذين سبقوني في الخبرة والعُمر والمنجز، مازال حيًا، وذلك عبر أن أحوله إلى نص، سلسلة من الكلمات، أي إلى كاتب ميت، فحياته التي تتحرك خارج النص، تعني أنه مشروع لم يبلغ تمامه، أي أنه لا يستطيع أن يعرف نفسه حقًا، وبالتالي لن أتمكن من التعرف عليه، لأن عينين داخل ماراثون أو طريق لم ينته، لن تتمتع بصفاء الرؤية والنزاهة، أي العمى عن كل ما يشوش النظرة، وسيعطلها شيء ما عن الحكمة، وثمة شيء سيشوب رأيه تجاه معاصريه سواء من أقرانه أو من أجيال أصغر سنًا. فلتات النزاهة المتجردة قليلة، ولم تتعرض أيضًا لاختبار الزمن.
إنه مثلي إذن، على مستوى ما، يسعى لأن يرتق مزق شكه لأن خبرته لم تكتمل، والشرط الوحيد لذلك الاكتمال هو الموت، لأنه عند إذن يمكننا الحكم، أما صوته المشوب بكدر المعاصرة والتورط، لن يتبق منه سوى ما هو جدير بالبقاء والذي لن نعرف إلا عند موته ما هو، صوت الكاتب كما أفضل أن أسمعه، هو صوت قادم من أغوار نص، أصداء لأشباح من عمق بئر بعيد، وفي ذلك تكمن كل أسباب الطمأنينة والرعب.
على الشبح أيضًا أن يكون أعمى؛ «العمى، كحلم طويل يقايض فيه صاحبه حياته ببصره هو شرط للفن. يعض الفنان بجفنيه داخل ظلمة عماه على ثمرة الضوء المرة، ليعيد تشييد العالم من ظلال وهشيم ورماد وغبار ونثار ورود، حيث ينهض العالم من جديد على يديه كميت بُعث، أيبصر الفنان أي شيء إلا بعينين مطبقتين على الصمت العظيم، حيث تنطق أخيرا لغة الأبدية. أيمكن لنا أن نرى أي شيء حقًا إلا عبر حلم؟»
كتبت ذات مرة في محاولة وصف علاقة العمى بالفن، أما بورخيس في محاضرته عن العمى، المنشورة في كتاب «سبع ليال»، فيقول: «لقد فقدت العالم المرئي، لكنني الآن سأستعيد آخر، عالم أجدادي البعيدين»
لكن ما الذي نبحث عنه حقًا من تلك العلاقة التي لا غني عنها بين سلف وخلف؟ الإرشاد بمعنى هدي مطمئن لخطواتنا، ويقين يأتي من استنساخ ومحاكاة خطوات مَن سبقونا؟ أم توتر تلك الخطوة وتناقضاتها الكاشفة التي تعمق الشك أكثر نحو ما نفعله وما نطمئن إليه، بل نحو ما فعله السلف واطمئن إليه؟
***
لا يصل دانتي إلى الفردوس دون إرشاد سلفه فرجيل، الذي يراه كشبح في حلم، والمحروم عند حد نهاية المطهر من التقدم خطوة، لأنه روح ضائعة، لم يبلغها نور المسيح/ المستقبل، أي أن السلف محكوم بحرمان ما، لأن الماضي ببداهة كونه لم يعاين الجديد يعرف أقل، لكن دونه ما تغلب دانتي على هشاشته ورعبه ولا اجتاز أخطار رحلته، فهو أيضًا روح ضائعة ببداهة أن الجذور أقوى وأغنى من الفروع، حكمته أضعف ومحل شك، يعرف شيئًا غائمًا عن الهدف، لكنه لا يعرف أي شيء عن الرحلة.
السلف إذن -رغم الحرمان- يعرف كل شيء، شريطة أن يجد في خلفه أنيسًا محررًا من سجن الصورة اللامعة لصالح إشارات أقل طغيانًا، ورؤية أكثر طزاجة وقراءة تشترط البراءة -أي المستحيل بتعبير بورخيس- تحرره من ظنون زمنه، وتدك حصون امتناعه وعلوه على قرائه الجدد، وذلك لا يحدث إلا بتقصي هامشه لا متنه، بل نفي ذلك المتن، فتحرير النبع الكامن، اللانهائي، المتجدد في السلف يعني أن نكتشف فيه ما لم يكنه، لا ما كان عليه، أي نفي ما نعرفه عنه لصالح ما لا نعرفه.
في رحلة الجحيم والمطهر يؤنس الخلف سلفه وبالعكس، أحدهما حبيس ثقل خلوده، والآخر حبيس سذاجته.
الحرية التي ينشدها كل من السلف والخلف، تشترط ما هو أكثر من علاقة الأبوة والبنوة، الصداقة أيضًا (أهذا ما فشلت في تحقيقه، فالتمسته في كِتاب الموتى المفتوح؟) الصداقة، كانت اختيار طه حسين في كتابه «مع أبي العلاء في سجنه»، عندما ألزم نفسه كصاحبه بما لا يلزم، أن يرافق أبا العلاء، أو شبحه، داخل جحيم سجونه الثلاثة: عماه وجسده وغرفته.
لذا ربما، استوقفتني تلك العلاقة، ربما أسئلتي الخاصة هي التي كانت تشغلني أثناء قراءتي للكتاب، لذا فثقتي في استنتاجاتي هي بقدر ثقتي أن كل قراءة منتجة وجدلية هي ابنة سوء فهم ما.
ما رأيته في قراءة طه حسين لأبي العلاء هو توتر الخلف الذي آمن ذات يوم أن طريقه هو طريق سلفه، ثم أدرك أن المسافة جد بعيدة، رغم أن طه حسين في حد ذاته قامة كبيرة، إلا أن قياسه الأساسي كان على قامة أكبر، كان أبو العلاء هو شبحه، ما بلغه السلف كان طموحه غير المعلن والمسار الذي اختطه لنفسه، أما ما حققه فعلًا، فهو مصدر تناقض يؤرقه، وما الكتاب إلا طريقته في معالجة هذا التناقض عبر إعادة أبي العلاء إلى الذاكرة والتجادل معه من جديد، لكن بروح طه حسين الشيخ، لا الشاب.
«أشهد لقد تَصَوَّرْتُ الشيخ في حالين مختلفتين، كان في إحداهما فيلسوفًا مفكرًا، وفي الأخرى أستاذًا معلمًا. وكان في إحداهما ساخطًا على نفسه، مُصَغِّرًا لها، وكان في الأخرى راضيًا عن عِلْمه معجبًا به»
تتحول الكتابة عن أبي العلاء إلى ما هو أبعد من شغف التلميذ بمعلمه، بل لحظة شهود وفناء بالمعنى الصوفي، يستحضر فيها شبح سلفه ويتجسد بخيال يلغي المسافة بين زمن ميلاد الكتابة والقراءة، فتنكشف له مشقات الكتابة وما يفور تحتها من غليان الأسئلة. ولكنها أيضًا، لحظة جدال عنيف، مرآة ينظر فيها إلى نفسه، بحثًا عن التطابق تارة والانفصال تارة، وتمييز موطأ قدم، وكل ما تتيحه المرايا من مضاعفات لذوات وأشباح.
في الحالتين لا يتحقق ذلك إلا عبر الملازمة.
استبعد طه حسين فعل البنوة، وتخير الصداقة، ربما لعلمه أنه كان ليرفض أن يكون أبًا لأحد «فإن كان المعري يكره شيئًا فهو أن يكون دائنًا أو مدينًا، والأبوة لا محالة تخلق هذا النوع من الدين» كما يقول عبد الفتاح كيليطو في افتراضه لرفض المعري لأبوة مماثلة لعمر الخيام.
وإذا كان طه وأبو العلاء كلاهما «مستطيع بغيره» كما وصف كلاهما نفسه فإن أبا العلاء لم يكن لينفر من الأبوة فقط، بل من الصداقة وصحبة الناس أيضًا، لذا كان على طه حسين أن يقدم أسبابه وقرابينه كي يصبح جديرًا بأنس صاحبه، فهو لا يقرأه إلا بعد أن يخبره أنه أعرض عما أُتيح له من أجل تلك الرفقة، كجمال الطبيعة في نابولي وباريس وإحدى القرى الجميلة في فرنسا، بل الأصدقاء والزوجة والصحبة، كأن عليه أولًا أن يشابهه في ظروفه، دون أن ينسى أن يلومه على عدم قدرته على تذوق ذلك الجَمال لو شهده مثله.
يقول طه حسين عن أسباب كتابة أبي العلاء للزوميات: «أول ما أواجهك به من ذلك، وأنا أُقَدِّر أنك ستلقاه منكرًا له ثائرًا عليه، هو أن اللزوميَّات ليست نتيجة العمل، وإنما هي نتيجة الفراغ، وليست نتيجة الجدِّ والكدِّ، وإنما هي نتيجة العبث واللعب، وإن شئتَ فقُل إنها نتيجة عمل دعا إليه الفراغ، ونتيجة جدٍّ جرَّ إليه اللعب».
وكذلك يصف سبب عودته لأبي العلاء بعد ربع قرن من الكتابة عنه سابقًا، رغبة في «الراحة والتسلية عن العمل العقلي» هكذا تنشأ أسباب القراءة والكتابة عن أبي العلاء، من نفس ملابسات وظروف إنتاج ديوان اللزوميات، من طاقة الفراغ واللعب، لأن ذلك أيضًا شرط الصحبة إذا ما كان هدفها هو الأنس بين صديقين، وأيضًا من حياة الليل الطويلة التي يفرضها العمى وعدم مبارحة الغرفة:
«لكني أعلم أن الليل قد تَقَدَّم، وأن كل شيء من حولي هادئٌ مستقر حتى ما يبلغني صوت، ولا يصل إليَّ شيء من هذا الضجيج العنيف الذي يمتلئ به أسفل الفندق. فقد سمعت حين انصرفت عن مائدة العشاء أن الشباب سيُحْيُون بالرقص أوَّلَ الليل. أعلم هذا، وأعلم أن نفْسي قد ضاقت بالإملاء وانصرفَتْ عنه، وأني سأدع هذا الحديث الآن، ولن أهبط إلى غرفتي قبل أن أسمع قصيدة وإنما أطلب إلى صاحبي أن يقرأ لي في اللزوميَّات، وأن يقرأ لي فيها من أولها. وصاحبي يفعل وأنا أستمع، وإذا أنا بعد ساعات كأبي العلاء رهين سجون ثلاثة لا سجنين. أليس أبو العلاء يقول:
أَرَانِي في الثَّلاثَةِ من سُجُونِي فلا تَسْأَلْ عَنِ الْخَبَرِ النَّبِيثِ
لِفَقْدِي ناظِرِي ولُزُومِ بَيْتِي وكَوْنِ النَّفْسِ في الجِسْمِ الخَبِيث»
***
من بين قرابين الجدارة بالصحبة أيضًا تفضيل رفقته على اثنين من كبار الشعراء المتنبي وبشار بن برد:
يضع أبو العلاء المتنبي فوق الشعراء قاطبة، لكن طه حسين يفضل أبا العلاء على المتنبي، قد يعدد أسبابه ومن بينها اتساق صاحب اللزوميات مع نفسه وعدم تكسبه من شعره أو نفاقه لسلطان، لكن يظل السبب الأهم أنه يحبه، وفي ذلك كل أسباب الإكراه والطواعية، لأن الحب أيضًا أعمى، إيقاف إرادي لأسباب العقل.
لكنه أيضًا يفضله على بشار بن برد وهو شاعر أعمى آخر، وبشار هو النموذج الضد والمتطرف من أبي العلاء، رغم أنهما يشتركان في «ذكاء القلب ودقة الحس وقوة الشعور وغزارة العلم وسعة المعرفة وفصاحة اللسان والبراعة في الشعر، وعمق الفلسفة ودقة التفكير، الإسراف في التشاؤم» لكنه على عكسه «متهالك على الدنيا والإثم، وإذا كانت سيرة أبي العلاء تعذيبًا لنفسه وجسمه، فسيرة بشار هي تنعيمًا لنفسه وجسمه وإرسال شهواته على سجيتها»
وكلاهما ذو كبرياء، لكن كبرياء بشار هي «تيه وغرور»، أما كبرياء أبي العلاء فقد دفعته إليها «محاولة ما لا يطيق وإلى الطمع فيما لا مطمح له» كما دفعته أيضًا إلى أن يسرف «في الإيمان بعقله، في الثقة بهذا العقل، ورَفَضَ كل شيء سواه. فالعقل مَهْمَا يكن جوهره، ومَهْمَا تكن طبيعته إنسانيٌّ أي محدود، محدود الطاقة محدود المعرفة كغيره من مَلَكَات الإنسان»
لكن الشاعرين النابغين سلك كل منهما طريقًا معاكسًا. والطريقان المتعاكسان، هما طريقان تعرض لهما طه حسين وتخير بينهما طريقًا وسطًا، ليس بالضرورة أن يكون طريقًا بين بشار وأبي العلاء، لكن بين الشاب الذي كتب «في الشعر الجاهلي»، و الشيخ الذي كتب «الوعد الحق» و«الشيخان»، ما بين الانفتاح على الدنيا والزهد، ما بين التشاؤم والتفاؤل، ما بين الإيمان بقوة أعلى من العقل وإعلاء العقل، قد نترجم حياة طه حسين الشيخ، الذي أعلى شابًا من شأن العقل، والذي بعزم الإرادة المتطرفة وتجاهل ملذات باريس شابًا تجاوز أقرانه في العلم.
من الصفحات الأولى وحتى نهاية الكتاب، يعقد طه حسين المقارنة تلو الأخرى بينه وأبي العلاء، بين طريقه وغلواء صاحبه وحربه ضد نفسه، وأيضًا ما توفر لصاحبه من حرية لم تتوفر لطه الشاب، فيراه رجلًا حرًا «لم يعرف المسلمون من يشبهه فيما أباح لنفسه من حرية عقلية لا يستطيع أن يتمتع بها مُسْلِم في هذا العصر الحديث؛ عصر الدستور، والديمقراطية، والحياة النيابية»
وعندما ينجح حسين أخيرًا أن يستنطق صاحبه النافر من الصحبة، فما يلهمه إياه ليس الهدى، بل المزيد من الأسئلة بشأن ما اطمأن إليه، وعندما يتحاوران عن موضوع الرضا عن الحياة أو السخط عليها، فيرى حسين أن تشاؤم صاحبه سبب العجز والقصور عن تذوق الحياة والشعور بما فيها من جمال وبهجة، يرد أبو العلاء: «فإِنك ترضى عمَّا لا تَعْرِف، وتُعْجَب بما لا ترى»
من تلك المقارنة بين الوضعين، بين الرضا الكاذب بما لا يمكن معرفته، والإعجاب المتوهم بما لن يبلغ حسين رؤيته، بين فردوس حاضر وجحيم مستعاد في الذاكرة وعبر التخييل ينشأ توتر الكتاب وتناقضاته، لذا لا يستقر أبدًا حسين على فكرة تجاه أبي العلاء إلا ليضربها بأخرى، يلوم حينًا، ينتقد حينًا، ثم يعود ليعلي من شأن ما انتقده، كأنه يستعيد في ذلك العقل المتطرف والعنيف الساخر، المستقل، الزاهد، الأمين مع نفسه، شيئًا من طه حسين الشاب.
الحرب التي خاضها أبو العلاء ضد نفسه، كان هدفها أن يجسر الهوة الكبيرة بين الحرية المطلقة التي يستمتع بها العقل إذا فكر وبين العجز المطلق إذا ما أراد أن يعمل أو يدفع إلى العمل، «هذه القوى الطبيعية التي تقوم دونه، فتمنعه من أن ينزه الجسم عمَّا تقتضيه غرائزه من هذه الأشياء الكريهة البغيضة التي لا يقدم عليها إلا كارهًا لها، متبرمًا بها، مزدريًا نفسه؛ لأنه مضطر إلى الإقدام عليها؟ ما هذه القوى الاجتماعية التي تقوم دونه فتحدُّ من حُرِّيته في العمل، وتحد من حُرِّيته في القول، وتضطره إلى العجز المطْلَق عن الصلاح والإصلاح؟»
يقدم أبو العلاء كل شيء كي ينتصر في تلك الحرب، لا زوجة أو ولد أو صديق أو أمل خارج الغرفة، ورغم أنه يُهزم في حربه، لأن لا نهاية للطريق في مقابل عجز الجسد وطموحه التي تحركها الكبرياء، إلا أن وقوف حسين عند تلك النقطة، يلومه حينًا ويفسر أسبابه أحيانًا ينبئ عن قلقه من اتخاذه النقطة الوسط.
أكثر ما يلفت النظر في كل سلف هو قوة عزمه المهولة، مقارنة بعزمنا المشوب بالوهن، لذا لا يفسر حسين زهد أبي العلاء كطمع في إنصاف التاريخ أو رضا الأيام، فأحكام الأيام في رأيه لغو، والكل صائر إلى فناء، العمل من أجل رضا الأيام هو عمل ضعاف النفوس.
قوة النفس المهولة التي تربك كل خلف بشأن سلفه وتبهره لا تعمل رغبًا أو رهبًا، بل لأن الطبائع تدفع إلى العمل أو تدفع عنه. تصير هي المسافة التي على الخلف أن يقطعها، الحرب التي سيهزم فيها، لكن لا مهرب من خوضها.
لم يزهد أبي العلاء لأنه كره الدنيا، بل لأن الدنيا كرهته وقد أحبها، أما طه حسين فقد عرف الحب وعند نقطة معينة، لانت له الدنيا، فلم يبتدع معها خصومة.
***
على عكس أبي العلاء، كان دانتي شديد الإيمان أما بورخيس فأزال عنه ثقل اللاهوت كي نراه كعاشق لبياتريس، فنتذوق متعة قراءة الكوميديا الإلهية جماليًا، حتى أنه يذهب أبعد من شراحه، عندما يقول إن دانتي وضع أجمل مؤلف أدبي عرفه العالم ليدس فيه بضعة لقاءات مع بياتريس المنيعة على القبض. وفق بورخيس قد لا يفهم دانتي أحكام الرب، لكنه يقبَلها كما هي، فلا يجعل من ذلك مصدر توتر أو قلق، وسيلته الوحيدة كي لا يتطابق مع تلك الأحكام هي التعاطف مع الخطاة، وأن يجد فيها شيئًا يستحق الإعجاب. دانتي اللاهوتي والمؤمن والأخلاقي يدين الخُطاة. ولكنه، من الناحية العاطفية، لا يُدين ولا يعفو.
أما أبو العلاء، فلم يؤمن سوى بالعقل، هنا يأتي دور حسين، ليخبرنا أن حتى إيمان أبي العلاء بالعقل لم يسلم بالشك من قصوره، ويعيده مؤمنًا بالله، عاجزًا أمام قدرته وأحكامه، هو الذي أنكر الأنبياء ورأى أن الأديان هي ما أورث الناس التباغض. أما البعث فينكره حينًا ويصدقه حينًا، يسخر من الفكرة لكن إذا ما آمن بها فلا يكشف له ذلك الإيمان إلا عن الرعب، فإن كان يعرف ما الذي يحتوي عليه سجن جسده وعماه وغرفته، فإن البعث بالنسبة له هو المجهول عينه.
رغم ذلك توصل عقل أبي العلاء إلى وجود كائن أعلى، كلما فكر فيه كلما قاده هذا التفكير إلى التسليم بالعجز وفهم كل شيء، لقد كان الله وإيمانه به إذن هو لغزه الأكبر، وقود شكه وصدره الذي لا يبرأ من الغليان. فالظلم والقبح والفقر هي أسئلة لم تُحل. لقد قبَل وجوده، لكن لم يقبَل أحكامه، وأمام جلال هذا الكائن يستشعر أيضًا حق التفكير كخطيئة لا فرار منها، هنا منبع عذاب لا يكل، وجحيم لا يهدأ.
بافتراقه عن أبي العلاء بوسطية الإيمان يتمكن طه حسين الشيخ أن ينقذ من أجل طه حسين الشاب فكرة، حرية التعبير والاختلاف في مرآة واحد من أكثر الشخصيات الأدبية استقلالية وتمردًا وغموضًا أيضًا.
لكن هل كان هذا هو كل شيء؟ هل كان يداوي عبر صاحبه، شكه ضد الشاب الذي كان يرى فيه نفسه كأبي العلاء مدفوعًا بفرط التشاؤم والإسراف في استخدام العقل، هل كان يبحث عنده عن استعادة صورة ضائعة لشبابه؟ أم أنه يخبر الشيخ أن طريقه هو الأصح؟
في الأنشودة الثالثة من «المطهر»، يهاجم فيرجل المتغطرسين الذين أرادوا سبّر غور الألوهة غير المتناهية بمعيار العقل وحده، وإذا به يطأطئ الرأس، لتذكّره أنّه كان من هؤلاء.
أي أن حسين هنا يقلب الأدوار ليصير مرشدًا لسلفه.
من فيهما محروم من الفردوس ويبحث عن مخرج من تلك المسافة الشاسعة بين الرغبة والقدرة، بين ما تحقق وما كان ينبغي له أن يكون، بين الإيمان والعقل، بين الله وفهم أحكامه، طه حسين أم أبي العلاء؟
الأكيد أن تحت رماد راحة طه حسين الشيخ وميض جمر.
يسخر صاحب «مع أبي العلاء في سجنه» من تكلف اللزوميات ولا يعتبر الجيد فيها فنيًا إلا القليل، لكنه يعود ليضرب الفكرة، كأن لا سبيل لمعرفة شخص إلا عبر تقليب وجهات نظر متناقضة وتبنيها جميعًا، هل كان إلزام شيخ المعرة لنفسه بما لا يلزم وهو الرجل الحر في رأيه وتفكيره، فقط من أجل التكلف، فتارة يفكر أن ذلك الزاهد عن الناس لم يرد سوى أن يثير إعجاب أناس عصره، الذين كانوا ينبهرون بألعاب اللفظ، رغم كل ما تشي به حياته من عدمية، فعل الإبداع وحده كفيل بأن ينفي الإحساس العدمية.
لكنه يجد سببًا آخر لإلزام الشيخ لنفسه بكل تلك القيود والأغلال لأن الفن الرفيع قيد حر، يفرضه صاحبه على نفسه، وكلما فرض على نفسه المزيد من الأثقال، «استقامت له الأمور وأرخت له الأعنة» فعبرها فقط يصل إلى حريته في اللفظ، المعنى، الأسلوب، أي حريته الشخصية من السجون الثلاثة، فيصير «أعظم الناس حظًا من الحرية»
لكن إن كانت الحرية في الكتابة، أو الحرية عبر الكتابة، لا تتحقق في العمق إلا عبر أن يودع المرء نفسه بمحض إرادته داخل سجن يقيد فيه بأغلال، فماذا عن القارئ:
«الغريب أنه يُشْرِكُكَ معه في هذه الحرية، ويلغي من نفسك الشعور بالضيق الذي كنت تجده حين تلتزم معه ما التزم من الشروط والقيود. أنت إذَنْ شريكه فيما يجدُ من مَشقة، وأنت شريكه فيما يجدُ من لِين، أنت مُقَيَّد إن كان هو مقيَّدًا، وأنت مُطلَق إن كان هو مطلَقًا»
فعل القراءة نفسه يتبدل بهذا المعنى، فحريته لا تأتي إلا عبر إلزام نفسه بالقيود والأغلال ذاتها. بتحمل المشقة معه، تجد حريتك ولذتك «لذة من يجري وهو مُقَيَّد برغم القيد، ومَنْ يَنْهَض وهو مُثْقل برغم العبء الذي يَحْمِله»
يتحدث بورخيس عن القراءة كشعور جمالي لا يأتي من سمعة الكاتب لدى النقاد، وينصحنا أن نزيح المسافة بين النص والأثقال التي أضفتها التعليقات عليه، بل التوجه إليه مباشرة، إن لم يستدع داخلك شعورًا جماليا ضعه جانبًا، فهو لم يُكتب لأجلك، والأدب غني بما يكفي ليقدم لك مؤلفًا آخر يستحق اهتمامك اليوم، وربما الكتاب الذي وضعته جانبًا قد يثير اهتمامك غدًا. والشعور الجمالي عند بورخيس بلا تعريف فهو يشبه الحب، طعم الفاكهة، الماء. أما حسين فيقول شيئًا شبيهًا: «أقبلت أنا على الشيخ وهو على هذا الكتاب، لا أحفل برأي الناس فيه وإنما أحفل بما سيتركه في نفسي من أثر»
لكن أكان طه حسين يتحدث عن تحمل مشقة القراءة طواعية أو كرهًا؟ لكن بورخيس يقول، كأنه يشرح ما قصده حسين بالأغلال إن «فكرة القراءة الإجبارية سخيفة من المفيد فقط الحديث عن السعادة الإجبارية»
رحلة القراءة إذن قد تكون محض أنس طوعي بين اثنين مقيدين في دوائر الجحيم.
ينجح دانتي عبر شعره أن يعطينا صورة ثانية لفرجيل، أكثر حميمية وحيوية من تلك التي كُونت عنه من خلال «الإنيادة»، كما ينبهنا بورخيس الذي فعل الشيء نفسه مع دانتي في محاضراته التسع عنه، محررًا سلفه من ثقل عالمية نصه وطغيان الثقل اللاهوتي واتهامات القسوة، وكذلك يفعل طه حسين مع أبي العلاء.
في المقابل فإن مكافأة السلف هي وعد بأن نتقدم:
«إن علمي لا يصل إلى أبعد من هذا، لقد سرت بك بحذقي وفني إلى هذا الحد، فاتخذ الآن مسرتك دليلًا لك... وإذ كنت الآن حرًا تختار لنفسك ما تشاء، حصيفًا، حكيمًا... فإني أخلع عليك التاج والعمامة وأجعلك سيد نفسك»
يقول شبح دانتي لفرجيل، عند نهاية المطهر وبداية الفردوس. لكن مَن تقدم حقًا إلى النور الأبدي، ليس دانتي وحده، بل نسخة فرجيل من خلفه، الشبح وقد اكتسى لحمًا جديدًا وعظامًا.
ما يعرفه طه حسين وحُرم منه أبو العلاء بحكم كونه حبيس الماضي، الميزة الأكبر التي يملكها على سلفه، إنه يعرفه أكثر.
ما يملكه أبو العلاء هو مفتاح سجن، كان على طه أولًا أن يغلقه -بمحض إرادته- من الداخل.
دانتي بثقة لا يملكها أحدنا، عندما قابل بصحبة فرجيل كل من هوميروس وأوفيد، ولوكانوس، وهوراسيو، كبار الشعراء من أسلافه، عد نفسه سادسهم، بل هم أيضًا اعتبروه كذلك، يقول بورخيس: «إن كتابًا عظيمًا كالكوميديا الإلهيّة ليس نزوة معزولة ومُصادِفة لفرد، بل هو المجهود المتضافر لعدد غفير من الأفراد والأجيال»
بالطبع لا يمكن أن أقارن نفسي بعلاقة دانتي وبورخيس، أو دانتي وفرجيل، أو طه حسين وأبي العلاء لأن في ذلك أيضًا شيئًا مستحيلًا، لأن الشك يحيطني ويحيط عصري، تناقض جديد ورعب من مسافة شاسعة، لا تتوازن فيها علاقة السلف بالخلف عبر التقدم، لأن العجز أيضًا يطل برأسه مع خجل عظيم، وكذلك لأن الكتابة بلا طموح التجاوز تظل بالنسبة لي بلا معنى، ومن السؤال عما إذا كان ما أكتبه سيصل يومًا لهذا المستوى، أعي الهوة وينشأ الحزن، وتصير الكتابة أحيانًا أشبه بشخص يرطم رأسه كل ليلة في جدار.
كل ما في حيلتي إذن هو الاستئناس بأجدادي البعيدين، وأن أتوقف عن الاطمئنان للحظة، أن أحتضن ذلك الرعب من عدم القدرة على اللحاق بهم، وأن أيأس من الأمر في الآن عينه، دون أن أتوقف عن المحاولة وأن استكمل ما تبقى لي من حياتي، طال أو قصر، بألم رطم الرأس في الجدار، لأن في ذلك فقط كل أمل في أن أتقدم ولو خطوة واحدة أبعد من موضع قدمي.
أما إنصاف التاريخ والزمن، ليس إلا عزاءً تافهًا، كما يخبرنا أبو العلاء، أو كما بتعبير أساتذة الصف في المدارس «حجة البليد».
#وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن