شفيقة القبطية | نموذج نجمة مصرية
فصل من كتاب «منتصف الليل في القاهرة» لرافييل كورماك
فصل من الكتاب* الصادر حديثًا عن دار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة، والذي يركّز على قصص النجمات اللاتي سيطرن على الأزبكية وشارع عماد الدين في العشرينيات.
كانت عشرينيات القرن العشرين في القاهرة عصر المشاهير الإناث من منيرة المهدية إلى أم كلثوم ومن فاطمة رشدي إلى بديعة مصابني. نساء شغلن الصحف والمجلات واللوحات الإعلانية في المدينة. لكن قبل كل هؤلاء النساء، كان هناك نموذج أقدم: شفيقة القبطية. لكي نروي قصتها علينا أن نعود إلى صالات الموسيقى في الأزبكية في تسعينيات القرن التاسع عشر. في هذا الوقت، كانت هذه المساحة من وسط القاهرة تعج بمحال مختلفة منها إلدورادو القديم، وألف ليلة وليلة، وألكازار باريزيان، وكافيه إيچيبسيان. وكان بها فرق موسيقية، كل نساء هذه الفرق قادمات من أوروبا.
كانت صالات الموسيقى تبقى مفتوحة لوقت متأخر ليلًا أكثر من المسارح. وكان برنامجها يتضمن كل ليلة سلسلة من المغنيات والراقصات المختلفات اللاتي كن يختلطن بالجمهور بعد العرض. كانت أجورهن تُحدد على أساس عدد المشروبات التي يتمكن من جعل الزبائن يشترونها سواء بيرة أو كونياك أو شمبانيا، ومن ثَم كانت مستويات السُكر في تلك المحال مرتفعة جدًا. وسريعًا استفز الفسوق الظاهر في هذه الأماكن حنق البرجوازية القاهرية المحترمة، لكنه جذب الباحثين عن المتعة من شتى أنحاء المدينة.
مثل عشرينيات القرن العشرين، كان لهذه الفترة نجماتها الكثيرات، لكن شفيقة كانت بلا جدال ملكة الصالات الموسيقية. كانت تدير ناديًا ليليًا شهيرًا خاصًا بها، واشتهرت بإغواء الشريحة العليا في مصر، وكسبت أموالًا كثيرة تكفي لشراء عدة منازل كبيرة. في بداية القرن العشرين، خلدت سيرتها المطربة بهية المحلاوية في تسجيل ساخر بعنوان «رقص شفيقة». أصبح التسجيل الآن مجرد قطعة مغمورة لدى جامعي التراث، لكن صيته ذاع بشدة حين صدر. وأُنتجت منه ثلاث نسخ مختلفة، على الأقل، كل منها له كلمات مختلفة قليلًا، ووجه ثان مختلف، أحدها عنوانه مثير وهو «يلّا يا حبيبي نسكر».
لمدة ثلاث دقائق، تقوم المطربة بتقليد شفيقة بطريقة لطيفة، فتمثلها على أنها سكرانة تتغنج وتتغزل وتصيبها الزغطة. النُسخ المسجلة المختلفة من هذه الأغنية تبدأ كلها بنفس المشهد: شفيقة تتحدث مع زبون في النادي الليلي الخاص بها، وهي سكرانة بشدة بالفعل، فتطلب منه أن يشتري لها مشروبًا آخر قبل أن تصعد على المسرح. في إحدى النسخ تطلب بيرة، وفي نسخة أخرى تطلب شامبانيا وحشيشًا. ولسوء حظها، قبل أن يتمكن السفرجي من تقديم الطلب، يُدفع بها إلى المسرح فتبدأ أداءً عشوائيًا مع ناي وعود وتصفيق بالأيدي. وبسبب آثار التدخين والشرب التي تشعر بها، تقطع الغناء والرقص بقهقهات واعتذارات متكررة «أنا سكرانة لا مؤاخذة» و«ما أقدرش».
تعتبر حياة شفيقة القبطية -التي غالبًا ما اكتنفتها الأساطير وأُضيف إليها الكثير من الرتوش لاحقًا- نموذجًا للمسيرة المهنية للنساء اللاتي أتين بعدها. يعود هذا جزئيًا إلى أنها أصبحت في العقود الأخيرة مثالًا منفصلًا جزئيًا عن الواقع. حالتها غريبة لأنها على عكس نساء عشرينيات القرن العشرين، لم تكتسب مكانتها الحديثة كنجمة إلا بعد وفاتها. فبسبب سلسلة منتظمة ومتراكمة من الأساطير -تمثلت ذروتها في فيلم «شفيقة القبطية» الصادر عام 1963- أصبح اسمها الآن مرادفًا للانحلال الفتّان في الحياة الليلية بالقاهرة في نهاية القرن التاسع عشر. هذا الفيلم -أكثر من أي شيء آخر- هو ما حوّل شفيقة إلى شيء كالأسطورة، وجعلها مغناطيسًا يجذب قصص الموهبة الهائلة الممزوجة باللمعان الشخصي البراق، وبالتالي أصبح تمييز الحقيقة عن الخيال في حياتها مهمة شبه مستحيلة.
لم تعش روايتها هي نفسها عن حياتها، لكن هناك مادة كافية لبناء صورة تقريبية عن تلك المرأة التاريخية. وُلدت شفيقة، كما يُقال عادةً، في 1851 لأسرة مسيحية بالقاهرة. وفقًا لمقالة منشورة في إحدى الصحف المصرية في منتصف القرن العشرين، بدأ التغيّر الكبير في 1871. حضرت شفيقة حفل زفاف في الحي، وكانت ترقص فيه راقصة تُسمى شوق. كانت شوق تؤدي رقصها أمام النساء اللاتي تجمعن في مكان منفصل عن الرجال كما كان مُعتادًا في حفلات الزفاف في ذلك الوقت، وبدأن كلهن يرقصن. قامت شفيقة ببعض الحركات الخاصة بها، وأعجبت شوق جدًا بالموهبة الطبيعية للفتاة، وعرضت عليها أن تدربها لكي تصبح راقصة محترفة. سمعت والدة شفيقة القلِقة هذا الاقتراح وكانت سيدة متدينة جدًا، فمنعت فورًا أي كلام عن الرقص. ما كان للأسرة أن تقبل دخول ابنتها هذه المهنة المُشينة.
لكن ما كان لشفيقة أن تتراجع بهذه السهولة. فبدأت تأخذ دروس رقص سرية مع شوق في أيام الأحد، وكانت تخبر والديها أنها ذاهبة للصلاة في الكنيسة المحلية. وفي يوم من الأيام، بعد أن اتضح تقدمها في الدروس، قررت أنها تريد العمل كراقصة متفرغة. كانت تعلم أن هذا يعني أن عليها الهرب من المنزل. هربت إلى الوجه البحري وبدأت ترقص في الموالد هناك. بعد هذا التدرب المهني القصير في الريف، عادت لتلتحق بفرقة شوق في القاهرة فأصبحتا ترقصان معًا في حفلات الزفاف والحفلات الخاصة. كان والداها المكلومان ما زالا يحاولا إعادتها للمنزل. أرسلا قسًا ليتكلم معها، وقد ترجاها الأخير أن تعود وتتخلى عن هذه الحياة غير الأخلاقية، لكنها رفضت. رقصت مع شوق لمدة ستة شهور فقط حتى توفت معلمتها ومرشدتها. أصبحت شفيقة مُجبرة الآن على الاعتماد على نفسها، ولذلك توجهت إلى صالات الرقص في الأزبكية حيث أصبحت نجمة.
هناك قصة مختلفة تمامًا تُتداول حول أولى مغامراتها لدخول عالم الرقص. يُقال إنها تزوجت من مفتش تذاكر في السكك الحديد. كان الرجل سكيرًا كسولًا يمضي الكثير من الوقت يشرب الخمر في المنزل مع أصدقائه. وحين رأى أن شفيقة تستطيع أن ترقص، جعلها أولًا ترقص لأصدقائه ثم أجبرها لاحقًا على العمل في كباريهات القاهرة لكسب النقود والصرف على نمط حياته المدمر.
قد تكون الحقيقة شيئًا مختلفًا تمامًا. على أي حال تبقى حياة شفيقة المبكرة غامضة قليلًا، لكن بدأت تنتشر قصص أكثر تفصيلًا عنها مع وصولها إلى صالات الرقص المنتشرة حول حدائق الأزبكية. عُرفت بمهاراتها وتصميماتها المبدعة للرقصات، ويُنسب إليها أنها ابتكرت رقصتين مختلفتين. الأولى هي رقصة الشمعدان والتي تضمنت الرقص بشمعدان ضخم متزن على رأسها. والرقصة الثانية كانت تتطلب منها موازنة عدد من الكؤوس الممتلئة بالسوائل على بطنها وهي نائمة على ظهرها وتجعلها تتراقص في مقابل بعضها. في بعض الروايات، كانت هاتان الرقصتان تمتزجان في عرض واحد يتحدى الجاذبية الأرضية تقوم فيه بموازنة الشمعدان على رأسها والكؤوس على بطنها في نفس الوقت.
جذب عرضها النخبة المصرية من السياسيين وأصحاب الأراضي الأثرياء الذين كان يغدقون عليها بالأموال والهدايا. وتضمنت الكثير من القصص التي جرى تداولها عن شفيقة استخدامات مبتكرة مختلفة للشمبانيا، حيث كان معجبوها الأثرياء يغسلون قدميها بالشمبانيا. ويُقال إن رجلًا كان متيمًا بها بشدة لدرجة أنه سقى الشمبانيا لأحصنتها. تبين صور النوادي الليلية في ذلك الوقت الطاولات وزجاجات الشمبانيا متراصة عليها. اشتهرت شفيقة أيضًا بالإنفاق بإسراف مثلما اشتهرت بأسلوب حياتها المبهج. كانت ترتدي ملابس موشاة بخيوط من الذهب، وأحذية مرصعة بالألماس نعولها ذهبية، وتعيش في فيلا كبيرة جنوب الأزبكية ليس ببعيد عن قصر عابدين الملكي. في ذلك الزمن لم يكن أحد يركب عربات خاصة تجرها الأحصنة سوى النبلاء والأرستقراطيين. لكن شفيقة كانت لديها عربتان مصنوعتان لها خصيصًا، واحدة بيضاء تجرها أحصنة بيضاء نهارًا، والأخرى سوداء تجرها أحصنة سوداء ليلًا. وفيما بدا كلطمة أخرى على وجه الطبقة العليا المصرية، التي كانت تعتمد أساسًا على العمالة المنزلية النوبية والسودانية، وظفت شفيقة عمالًا إيطاليين وكانت تلبسهم أرقى الأزياء التي تُفصل لهم. ويُذكر عنها أيضًا كرمها البالغ في التعامل مع المال، وخاصة تجاه سكان القاهرة الفقراء. فكانت تذهب لترقص بالمجان في أفراح مَن لا يستطيعون أن يدفعوا لها أجرها، بل تعطيهم نقودًا تكفي ليقضي العروسان شهر عسل فاخرًا.
في ستينيات القرن العشرين، أصبح أحد الكتاب المصريين وهو جليل البنداري مهووسًا قليلًا بشفيقة. فلم يكتب فقط سيناريو الفيلم الذي صدر عنها عام 1963، بل كتب أيضًا عن حياتها مسرحية ورواية. وقد كرست نسخته من الأحداث صورة معينة عن شفيقة في الوعي المصري. فالكثير من القصص التي تُروى عنها بها قدر من المبالغة الشعرية. حكايات الشمبانيا والأناقة والتطرف والشطط كانت شائعة حول العالم، وتُقال عن كل الراقصات تقريبًا. كذلك، تبدو بعض القصص وكأنها تنزلق لعالم المجازات. من الصعب ألا نتخيل أن أحذيتها الأسطورية ذات النعال الذهبية على سبيل المثال تمثل الثروة الهائلة التي كانت تُلقى عند قدميها.
أيًا كانت النسخة الأسطورية التي تسمعها عن سيرة حياة شفيقة، هناك دومًا نهاية مأساوية. خفتت شعبيتها في بداية القرن العشرين، وعاشت مفلسة ووحيدة في السنوات الأخيرة قبل وفاتها (في وقت ما بين عامي 1926 و1935). وبالكلمات الواردة في نعي كُتب عنها: «ماتت في غرفة حقيرة في درب البرقي أحد الدروب الملتوية في شارع كلوت بك. ماتت فقيرة بائسة... لم يشيع جنازتها أحد ممَن نعموا برقصها وأدركوا سر فنها وسحره».

لكن هناك طريقة أخرى لنحكي قصة ملكة صالات الرقص، شفيقة القبطية، يمكن إيجادها إن بحثنا بجد كاف في المصادر المعاصرة عن حياتها قبل أن تنشأ تلك الأسطورة القوية. تُصور شفيقة في القصص المتأخرة على أنها امرأة فريدة.. نجمة برزت فوق الجميع. لكن التقارير الأقدم ذكرتها باعتبارها مشاركة في عالم أكبر من المطربات والراقصات وليس كامرأة مستقلة بذاتها. ما زال في هذه القصة الكثير من نفس السمات (الرقص وليالي السهر والترف)، لكنها ترسم شفيقة بصبغة مختلفة.
توجد هذه الآثار والأصداء لحياة شفيقة في بعض الأماكن غير المُعتادة. بتصفح فهرس دار الكتب والوثائق القومية، وجدتُ بضعة أسطوانات بسرعة 78 سجلتها شفيقة مع شركة الجرامافون في بداية القرن العشرين، وذلك بعد ذروة مسيرتها المهنية. لم تُضف هذه السجلات بعد إلى النظام الرقمي، ومن ثم لا يمكن سماعها. ومثل معظم مطربات الكباريهات في ذلك الوقت، كانت شفيقة تغني عن الحب، والحزن لفقدانه.
يظهر اسم شفيقة أيضًا في نوع مختلف من السجلات وهو سجلات الشرطة السرية. فهي وناديها الليلي يبرزان في مجموعة من التقارير السرية التي كانت ترسلها شبكة من المخبرين إلى الخديوي عباس حلمي الثاني الذي حكم مصر خلال تسعينيات القرن التاسع عشر. حتى في تلك الفترة المبكرة، كانت السلطات قلِقة من العربدة الليلية في الأزبكية. فإن كان الناس يشربون ويسكرون حتى الساعات الأولى من الصباح، كان هناك شعور بأن الخديوي يجب أن يعرف كل التفاصيل. ومن ثم، جهز ضابط شرطة صارم يسمى محمد سعيد شيمي فريقًا للبحث. ومنذ عام 1894 فصاعدًا، قدم شيمي وفريق المخبرين المعاون له التقارير للخديوي.
تقدم هذه المخاطبات الرسمية صورة حيّة لليالي الإسراف في الشرب والرقص والحفلات. مجموعات من الرجال تتنقل بين الحانات يسكرون ويبدؤون في الشجار بسبب راقصاتهن ومغنياتهن المفضلات. انزعج مخبر الشرطة بشدة من جُل ما رأى، وأثار قلقه بشكل خاص فساد الطبقة العليا المصرية. ووُضعت قائمة بالمصريين من أبناء النخبة -خاصة من العاملين في الحكومة والجيش- الذين كانوا يذهبون إلى صالات الرقص والحانات وأوكار القمار.
ترسم التقارير عالمًا لا تنطبق فيه قواعد المجتمع العادية -بطريقة مثيرة جدًا- أحيانًا. فمن الأشياء التي سببت إزعاجًا خاصًا لشيمي الاختلاط الحرّ بين الأديان الذي كان جاريًا في تلك الحانات. فذكر في تقاريره أنه يرى رجالًا مسلمين متعلمين يشربون الخمر مع أجانب ويهود ومسيحيين. فقال للخديوي إنه في تلك الأماكن «ترى المسلم يشرب الخمرة في صحة النصراني، كأن القرآن الشريف صرح لهم بتعاطي الخمور مثلما صرح الدين المسيحي بذلك».

لقد سمح نظام الحكم العثماني للأقليات الدينية ببعض الحريات والأمان والنفوذ، لكن في عيون أنصار التقاليد كان لزامًا على تلك المجموعات أيضًا أن يكتفوا بأنفسهم، وأن يهتموا بشؤونهم الجماعية الخاصة. وكانت الأزبكية بطمسها للحدود القديمة الخاصة بالدين والطائفة مؤشرًا على ما سيحدث لاحقًا. بالنسبة للبعض كان هذا ملهمًا، لكن بالنسبة لآخرين مثل محمد سعيد شيمي كان هذا الأمر مقلقًا بشكل عميق.
كانت شفيقة القبطية هدفًا متكررًا لهذه المراقبة لأنها كانت تدير واحدة من أكثر صالات الرقص شهرة في الأزبكية في ذلك الوقت. ومن الأمور المثيرة أن القصص التي نُقلت عن معجبيها رفيعي المكانة أُكدت في هذه التقارير المزعجة المُرسلة للقصر. تضمنت قوائم شيمي الأشخاص الذين يعتقد أن ذهابهم إلى كباريه شفيقة القبطية أمرًا غير مرغوب فيه، ومنهم العديد من ضباط الجيش ورجال الطبقة العليا الذين يحملون ألقاب النبلاء كالباشا والبيك. من بين هؤلاء الزبائن من النخبة أحمد نشأت باشا، الذي ذُكِر أنه في 1894 كان يقضي عددًا كبيرًا من لياليه وأمسياته في صالة الرقص الخاصة بشفيقة، مع مجموعة من الناس وُصفوا بأنهم «في كل ليلة يتواجدون بمحل رقص شفيقة القبطية بحالة مخالفة للآداب من سُكر وعربدة». وقد شغل سابقًا عددًا من المناصب الحكومية منها مدير الدائرة السُنّية، وهو دور مرموق كان بموجبه مسؤولًا عن أراضي الخديوي الشاسعة. لكن يبدو أن نشأت لم يشغل أي مناصب هامة بعد تسعينيات القرن التاسع عشر، وربما يعود هذا جزئيًا إلى ولعه بالحياة الليلية في القاهرة.
تبيّن التقارير السرية جانبًا آخر من شفيقة: فهي ليست فقط راقصة ذات كاريزما، وإنما أيضًا مديرة داهية. فقد كانت تتلاعب بالسلطات لمصلحتها. وفي تسعينيات القرن التاسع عشر كانت، بالإضافة لإدارتها لصالة موسيقى، داخلة أيضًا في علاقة عاطفية مع إليس مانسفيلد، المساعد البريطاني لقائد شرطة القاهرة. كان هذا صديقًا نافذًا، وقد تمت ترقيته لاحقًا ليصبح قائدًا. يُقال إن مانسفيلد كان مفتونًا بشفيقة، وقد أقنعته بوضع عدد من رجاله تحت تصرفها ليخدموها كقوة شرطة خاصة صغيرة. كان المخبرون المحليون يرونها كثيرًا وهي تسير إلى قسم شرطة الأزبكية لتقضي اليوم كله هناك. بالتأكيد كان من المفيد لصاحبة صالة رقص مشبوهة أن تدخل وتخرج من قسم الشرطة المحلي وكأنها تملكه.
لم يكن مانسفيلد هو العلاقة الوحيدة لشفيقة مع الشرطة. كان المشرف على الشرطة في المنطقة، محمد أباظة، هو الآخر زبونًا منتظمًا في صالة الرقص الخاصة بها، وقد استفادت جيدًا من هذه العلاقة أيضًا. تشير تقارير الشرطة السرية إلى أنه كان مُعتادًا على التوجه إلى صالات الرقص الأخرى (كانت «ألف ليلة وليلة» الشهيرة هدفًا خاصًا له) ليعتقل الراقصات بسبب مخالفات بسيطة، ومن ثم يقضي على منافسي شفيقة. كانت قوة شرطة الأزبكية موبوءة بالفساد على كل المستويات، ومن ثم كانت جاهزة لتستغلها شفيقة. وقد تسبب بعض الضباط الأدنى رتبة في فضيحة كبيرة عام 1895 حين أداروا ما يُشبه بيت دعارة خاصًا بهم، كانوا يقيمون فيه الحفلات ويقدمون العاهرات للضيوف.
في عام 1900، ظهر اسم شفيقة في مكان آخر غير متوقع.. ليس في مصر هذه المرة، وإنما في فرنسا. في المسرح المصري بمعرض باريس الدولي 1900 قدمت بعض الراقصات عروضهن: «كانت بطونهن تتلوى وتهتز وتنحني بينما تبقى أجسادهن ثابتة، بالضبط كما تتحرك العيون في وجه ثابت. كانت بطونهن تلف في حركات دائرية كحيوانات في قفص». من بين الراقصات كانت امرأة تُسمّى شفيقة (مكتوبة بالفرنسية Chafika وليس Shafiqa كما تُكتب بالانجليزية). وفقًا لأحد المعلقين، كان لدى تلك الراقصة التي «لا تكل 'نظرة عميقة' وانحناءاتها 'تسبب لك الدوار». التقارير التي تناولت العرض وصفت نفس الرقصات التي كانت شفيقة مشهورة بها في مصر. إحدى الصحف نشرت صورة لامرأة ترقص وهناك شمعدان على رأسها، كما يُقال إن شفيقة كانت تفعل. تضمنت مطبوعات أخرى صورًا لراقصات يدخن شيشة متوازنة على رؤوسهن. وتقرير آخر تضمن صورًا لتلك الرقصة ذات الكؤوس المتراقصة التي يصعب تصورها. راقصة اسمها سمحة ظهرت مستلقية على ظهرها ورافعة بطنها عن الأرض وهي توازن أربع أو خمس كؤوس عليها، ووفقًا لأحد المعلقين «إيقاع بطنها جعل الكؤوس ترتعش في صرير متناغم».
في القصص المتأخّرة عن حياة شفيقة، اكتسبت رحلة باريس أهمية كبيرة باعتبارها اللحظة التي وصل فيها فنها للعالمية. لكن على الأرجح كانت القصة تكتسب قدرًا من المبالغة مع كل مرة تُروى فيها، حتى لو كانت في الأصل قائمة على جزء من الحقيقة. فلو كانت هي فعلًا الراقصة المُسماة شفيقة (هذا أمر مرجح، لكنه يبقى افتراضًا)، فقد كانت هناك كجزء من مجموعة أكبر من الراقصات ودورها لم يكن مركزيًا أو مؤثرًا كما ادعى البعض.
لكن شفيقة أصبحت الآن مُعبّرة عن جيل كامل من راقصات القاهرة اللاتي أنرن مسارح النوادي الليلية في تسعينيات القرن التاسع عشر.
* كتاب «منتصف الليل في القاهرة» Midnight in Cairo يركز على قصص النساء اللاتي جئن بعد شفيقة، وسيطرن على الأزبكية وشارع عماد الدين في عشرينيات القرن العشرين. ولكن هؤلاء النجمات لم تنشأن من لا شيء. فمجال الترفيه في العشرينات الصاخبة في القاهرة يدين بالكثير إلى أواخر القرن التاسع عشر، وإلى نساء مثل شفيقة القبطية.
قراءات أخرى:
- رواية «شفيقة القبطية» لجليل البنداري عن حياة شفيقة (القاهرة: المؤلف، 1962). أورد محمد دوارة أيضًا جزءًا مفصلًا عن حياتها في دائرة معارف الشعب، المجلد الثالث (القاهرة: مطابع الشعب، 1959)، في صفحتي 220-224. توفيق الحبيب (الصحفي العجوز) كتب أيضًا سيرة قصيرة لها في «الأهرام» بتاريخ 17 فبراير 1935، بصفحتي 9 و14.
- هناك نسختان من «رقص شفيقة» يمكن سماعهما هنا (من الدقيقة 3:16)، وهنا. كما توجد نسخة أخرى في مجموعة تسجيلات دار الكتب حُولت إلى الصيغة الرقمية، ويمكن سماعها على الموقع.
- للمزيد عن تسعينيات القرن التاسع عشر بشكل عام، يمكن الرجوع إلى أعمال مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية (AMAR Foundation) وأيضًا فريدريك لاجرانچ.
تقارير ذات صلة
إزميرالدا من البرازيل: الرقص الشرقي كفكرة.. وتلويحة باليد
في عيد ميلادي السادس عشر أسرني الرقص الشرقي، وجدت أنه تجسيد للحرية، أعطاني حرية التعبير عما أريد التعبير عنه
راقصات الباليه في إيران: ممارسة الفن في الخفاء
يعد الرقص فعلاً غير قانوني في إيران -الدولة شرق الأوسطية، لكن هذا لم يمنع مُعلِمات الباليه وتلميذاتهن الساخطات على الوضع من إقامة فصول تعلّم الرقص في السر. المرة الأولى التي…
الدولة المصرية كـ«ماكينة للإنجازات»: عن كتاب شهاب الخشاب الجديد
«الجمهورية الجديدة» هي الوريث الشرعي لماكينة الإنجاز الناصرية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن