تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
شرود الماشي

شرود الماشي

كتابة: كريم كيلاني 8 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

#جو عام

يسرح بنا كريم كيلاني في عالم يتطلب السعي والحركة، فهو وجد نفسه وهو ماشٍ، من ضواحي المدينة وأطرافها النائية، حتى عتقه وخروجه إلى الطبيعة. حكاية كلها شرود وهيام، وخلاصتها أجمل ما فيها.

 #دليل

كنت في الصف الثالث الإعدادي حين فاجأتنا إدارة المدرسة بإلغاء الحصة الأخيرة من اليوم. اعتبرناها ضمنيًا علامة جديدة على البلوغ، فها قد نضجنا بما يكفي حتى لم يعد يليق بنا أن نحضر سبع حصص مثل باقي الصفوف الدراسية.

قلت لغفير المدرسة إن أبونا نبيل قرر إننا «هنمشي بدري حصة»، فهبَّ واقفًا مع ذكر أبونا نبيل، إذ لم يكن أحد ليجرؤ على ذكر كبير المدرسة كذبًا. توافدت فصول صفي الأربعة خلفي استعدادًا للخروج. وحينئذٍ تملكني شعور ذو وقع ملحمي؛ كأن أبواب الجنة تُفتح لنا.

حين وطأتُ قدمي الأسفلت، لم أدر إلى أين أذهب. أماكن عدة طرأت بذهني، غير أن البيت لم يكن واحدًا منها، إذ كان مساحة صارمة، لا يُسمح فيها بارتكاب الأخطاء. مجرد فكرة العودة إليه تثير في داخلي معاني ثقيلة؛ الحصار بدلًا من السعة، والقيد بدلًا من التجريب. لذا، ما كان مني إلا أن واصلت المشي دون وجهة.

ساقتني قدماي إلى سايبر ليس ببعيد فتح لي نوافذ العالم، ومنه تعرفت على ما سيشكل أعوام مراهقتي القادمة، بدءًا من فيلم بورن عن الحرب الباردة، وانتهاءً بتأليف كتاب مقدّس في أجندة من 360 صفحة يجمع كل أفكاري التي لم يحتملها مذهب واحد. 

كأن المشي كان تذكرة عتق. منذ ذلك الحين، وأنا ألهث وراء «الحصة الملغاة» من كل شيء، المساحة التي تنفتح حين يضيق صدري، والباب الخفي الذي يطل على هواء آخر. ذات مرة، قالت لي صديقة: كل صورك على إنستجرام فارغة. المدينة حاضرة، لكن بلا ناس. شوارع خالية، مطاعم بلا زبائن، حواجز بلا أمن. وكأنك ترى المكان من بُعد آخر. لعل هذا ما كانت تراه عيناي منذ البداية: الخلاء. 

صور: كريم كيلاني

كان العرض متكررًا: ضيق حاد من الأماكن، يجعل أول ما يشغلني عند الوصول هو كيف أغادر. تشابهت عليَّ الوجهات، فما عدت أبحث فيها عن الاستقرار، بل عن البوابة التي سأعبر من خلالها خارج أسوار المدرسة. لهذا كرهت فكرة «البيت»، لأنها لم تشبهني. بعد التخرج، عشت شبه مشرّد بإرادتي. أحمل بيتي على ظهري: لابتوب لنحتات العمل، قطعة واحدة من كل شيء، وغطاء خفيف. أقيم ليلتين عند صديق، ثم أتنقل. أحيانًا أنام في حديقة، وأحيانًا على ضفة النيل.

caption

في مرة، عجزت عن النوم، فركبت أول أتوبيس إلى جنوب سيناء، وبقيت هناك عامًا. هناك عرفت نوعًا آخر من المشي، بين الوديان، أمشي حتى تهلك قدماي ويتآكل في داخلي كل صوت إلا صوت الخطى، فأسمع الوديان والتلعات المجهولة تفصح لي عن أسمائها، هذا وادي الخنافس، وذاك وادي زمجرة، وتلك تلعة العميان. وقبل أن أدرك؛ كان المشي قد استحال سلوكًا قهريًا لا فكاك منه، وجهةً قائمة بذاتها، ندّاهةً خفية تتسلّط عليّ وتقود خطواتي خلافًا لأي منطق وبعيدًا عن أي أرض مستقرة. وكأن فعل المشي نفسه مسٌّ شيطاني، يخطفني حتى من نفسي. 

caption

في إحدى التمشيات، قادتني قدماي إلى تجمعٍ صغير من الرعاة، في عمق الصحراء بين دهب ونويبع. تعرفت إلى ثلاثة فتية لم تتجاوز أعمارهم الثالثة عشرة، يطوفون بسيارة نصف نقل عتيقة فوق رمال الظهيرة الصيفية الحارة. عرضوا عليّ توصيلة، ورغم أني كنت بلا وجهة قبلت.

كانوا يبحثون بين الأجمات والشقوق وتحت الصخور عن الضب. «بنطلب بيه رزق الله»، هكذا قال أكبرهم. أحيانًا 100 دولار أحيانًا 500 جنيه بحسب الموسم. البعض يشتريه اقتناءً كحيوانٍ شبه أليف، والبعض الآخر يتخذ لحمه علاجًا للعقم. 

caption

طقس غرائبي كان. ينحني أحدهم، ويضع أذنه على الرمل. في حين يقول أكبرهم، بصوتٍ جاد فيه نبرة فخر «الضب ينصاد بالسّمع... تسمع له تعرف وين يندسّ». ويقاطعه الثاني: «وينصاد بالماء، تغرّق جحره. لكن الماء هنا شحيح، ونقله من البئر يكلف أكثر من ثمن الضب نفسه». ولهذا يضربون عيدان الشجر الجاف في دوائر حول الجحر، ويصنعون فتحات ضيقة لحثه على الخروج، ينتظرون، يصمتون، ينصتون، ثم يهتاجون ويعودون للإنصات. فجأة، انطلق الضب من إحدى الفتحات مهرولًا، يشبه سحلية ضخمة بخطوطٍ ملونة تتوهج تحت الشمس. ركضوا خلفه بصناديقهم الفارغة، وركضتُ معهم محاولًا أن أقطع عليه الطريق. دوت صيحاتهم وضحكاتهم في الوادي، حتى توقفنا أمام جحر جديد انزلق إليه الضب بسرعة واختفى. 

جلست في ظل صخرة، أستعيد أنفاسي، وأحاور ضبًا آخر في رأسي؛ تحتم عليَّ أن أتوقف عن المشي برهة لأنصت إلى خطواته. كنت قد جئت إلى هنا هاربًا من صخبٍ داخلي، لكن الضب حين اندس في جحره، أخذ ذلك الصخب معه. تهيأت لجلسة سمع جديدة مع فتيان الصحراء، ولم يزعجني ما في ذلك من استقرارٍ يُغضب مسْ الحركة الذي يسطو عليَّ. قال لي كبيرهم عندما سألته هل سنصطاده: «الصحراء مليانة»، فمددت جسدي على الرمل، ووضعت أذني على الأرض، أسترق السمع. 

caption

***

كنت أتحايل على الزحام بأن أختار الأحياء المنسية لأتسكع فيها: مقابر، مصانع مغلقة، طرقًا بين البيوت والسكك الحديدية المهجورة، لم يكن في القاهرة كثير من الخلاء، فكنت أصنعه لنفسي؛ أمشي بين زحام البشر والمحركات حتى ينتهي الرصيف، ثم أواصل فوق التراب إلى حيث ما يشاء السير، وكأنني افتعل مسافات في مدينةٍ لا تحتملها. وتساءلت: هل أنا من يمشي في الأرض، أم أن الأرض تمشي بي إلى حيث لا أعلم. 

كانت إجابة هذا السؤال عند عم حسين في ملاحات وادي الريان، حيث يصطاد الملح يدويًا، ويجففه تحت شمس الصحراء، ويبيع الكيس منه للأجانب راغبي الاستحمام بالطبيعة مقابل نحو 100 جنيه. طلب مني أن أطبع له لافتة: «ملح للبيع»، قائلًا إن الناس لا يغادرون الريان دون مكعبات الملح هذه.

رأى حسين في «التمليح» طقسًا أفضل أوقاته البدر. قال: «بنملّح في القمرة.. تنوّر الصحراء كلها» مع حديثه؛ بدا أن تبجيله للملح يتجاوز حدود الـ100 جنيه، كأنما يقدّم في تلك الأكياس تطهيرًا يجتاز الجسد، ويمنح الروح صبغتها ومذاقها. صكوك غفران تحت ضوء القمر. «الملح طهارة يخلي جسمك خفيف» قال. لأيامٍ مشيت كثيرًا إلى الملّاحات. في إحدى المرات، غرزت فيها حتى خصري. وحاصرني وحل الملّاحة من كل جانب فلم أدر أي اتجاه جاف عليَّ أن أسلك إذ لم تكن الشمس أشرقت تمامًا. وتسلل الماء إلى حذائي. غرق تام. ثم تذكرت حيلة علمني إياها عم حسين وهي أن أمدّ ركبتي بزاوية 90 درجة وأجرها بدلًا من أن أسحبها. مستحضرًا خفة الجسد التي تحدث عنها بينما يحاوطني الملح من كل جانب كأنني في جرن معمودية، أخذت نفسًا ورحت بخفة أجرف الوحل بركبتي مائلًا بجسدي إلى الأمام، دفعة هادئة تلو الأخرى تيبست الأرض تحت قدمي ووجدَت لها مستقرًا.

على كل حال، لفظني وادي الريّان عبر كهفٍ دوديّ إلى عامين في المستقبل، حين استقر بي الحال في القاهرة. لم أكن أنوي تبرير حياتي لأحد، لكن نظرات الشك في عيون من أحبّ أنهكتني. كنت كلما عدت إلى المدينة، وعلّقت حذائي المغبر على باب البيت، وقفت أمي تتأملني كما لو أنني ضيف مؤقت. لم أعرف بماذا أجيب حين سألتني متى أهدأ. لم يكن المشي هروبًا، ولا شهوة مغامرة. كان شيئًا يشبه الصلاة، أو مرضًا لا يُشفى منه إلا بزيادة الجرعة. شيء ما في إرهاق المشي كان يحرر رأسي من قيودها، ويعيدني إلى ما يُعرف بـ«إعدادات المصنع»، غير أني لم أكن أدري أن تمشيتي القادمة ستكشف لي قيدًا من نوع آخر. 

في تمشية أوصلتني إلى «شمال بحيرة قارون»، رأيت حمامةً مربوطةً بسلك إلى فخٍ، والحبل مشدود إلى حجر مغروس في الأرض. توقفت. حسبت أنني وحدي في هذا الامتداد الرملي الهائل. كلما اقتربت منها حاولت الطيران، لكن الحبل كان يعيدها إلى الأرض بعنف. رميت لها بعض الفول السوداني من جيبي. ثم، من حيث لا أتوقع، سمعت أصواتًا بشرية تتصايح من مسافة شاسعة، بالكاد تُفهم. حسبتها هلوسة، لكن الأصوات تكررت. التقطت منها: «يا جدع!» ثم أخرى: «ابعد!» وشيئًا فشيئًا: «ابعد يا جدع أنت!» كانوا يصيحون نحوي، يتحذّرون مني، لا من أجلي.

مع اقتراب المغيب، أدركت أن الحمام لم يكن صيدًا، بل طُعمًا لخداع الصقور، التي يتربص بها صيادون أعلى الجبل منذ شهور. ثلاثة أشهر هي أقل فترة يقضيها الواحد منهم في الجبل، في موسم يبدأ في أكتوبر ويمتد حتى يناير، يراقبون خلاله الشاطئ بالمنظار، فإذا رأوا صقرًا يقترب لالتهام الحمام كبّروا حمدًا، وإلا نزلوا من الهضبة يجمعون الحمام آملين في الغد.

دعاني الصيادون إلى مشاركتهم وجبة الغداء فوق التلة المرتفعة التي يراقبون منها شاطئ الفِخاخ. لكن أكثر ما شدّني كان ذلك الانتظار الثقيل: الصيادون لرزقهم، والطيور لمصيرها، وأنا. ثلاثة انتظارات ردَّتني إلى واقع لا يستعصي عليه المشي. أحسست أنني أطارد نفسي بلا كلل، بينما هم على يقين أنها ستعود من تلقاء ذاتها.

***

عندما عُدت إلى القاهرة بعد التمشية الأخيرة كانت عودة تحمل ما يستحق الصخب، وليست فقط جسدًا يتجول داخل مدينة. بل ذوبان. لم أعد هناك ولا هنا. كنت، أخيرًا، لا أحد. ومع الوقت صار تسكعي أقرب إلى تقفي أثر أو إشارة نحو ما كنت عليه. قادتني خطواتي إلى المدرسة. رأيت في ذلك فرصة لتمشيةٍ بين ما مضى، استدعاء للمألوف في المدينة وفي نفسي؛ كأنني أعقد بينهما صلحًا مؤجلًا، أو أختبر صدق فنائي عن الأمكنة. 

كدت أضل الطريق، فقد تغيرت ملامح المنطقة تمامًا. تسلل إليّ حنين لا يُوصف، شعور غامض بأنني أسترجع جزءًا من نفسي فُقد هنا قبل نحو 20 عامًا. 

وقبل انتصاف اليوم، كنت واقفًا أمام البوابة، حين انتابتني تلك الحيرة القديمة. تلفّتُّ حولي مواصلًا السير بدافع محموم، لا شيء يُشير إلى وجهة، ولا فكرة تُرشد الخطوة التالية. لكني توقفت فجأة كأنما لأسترد وعيي؛ لم أعد مقيدًا بحصة ملغاة، ولا يحدني حجاب الوصول، ورُحت أتأمل ما حولي في صمتٍ شاسعٍ؛ أشاهد خلاله كل شيء كأني أراه لأول مرة.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن