تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
شخصية «المعادي» من «بنات اليوم» إلى «محور الجزائر»

شخصية «المعادي» من «بنات اليوم» إلى «محور الجزائر»

حين كانت جدتي بنت من «بنات اليوم» تحب حليم وتسكن المعادي

كتابة: يمنى خطاب 13 دقيقة قراءة
مشهد الباتيناج من فيلم «بنات اليوم»

وقفت جدتي على سطح أحد المنازل، في حي المنيرة، في نهاية الخمسينيات من القرن الماضى، وبكت. كانت فتاة شابة لم تتعدَ الثامنة عشر من عمرها. اتهمتها عائلة خطيبها آنذاك أنها «بتتدلع»، ولكنها لم تهتم. أرادت ابنة محافظة الجيزة، التي ولدت ونشأت في حي الهرم، أن تبدأ حياتها الجديدة، في مكان جديد مختلف، حتى لو اتهمها البعض، وأولهم أهلها، أنها متطلعة وترغب في المزيد.

لم توافق جدتي على الشقة المقترحة في حي المنيرة، وصممت أن يبحثوا عن مسكن للزواج، في حي المعادي. وافق جدي المحب لها، وتزوجا في ليلة رأس السنة لعام 1959، وعاشا سويًا حتى يومنا هذا، في نفس المنزل، في حي المعادي، وأسسا لحياة جيلين تاليين، في نفس الحي.

حدث هذا، بعد عام واحد فقط من إنتاج فيلم «بنات اليوم» بطولة عبد الحليم حافظ وماجدة، وإخراج هنرى بركات، الذي عُرض للمرة الأولى في مصر يوم 10 نوفمبر 1957. تدور كل أحداث الفيلم في حي المعادي، الذي يعد بطلًا رئيسيًا فيه، ويُذكر بوضوح بوصفه مسرحًا للأحداث ومكانًا مؤثرًا على طبيعة شخصياته، وعلاقاتهم، وبالطبع فكرته الرئيسية الخاصة بـ«فتيات الجيل الجديد». 

أفيش «بنات اليوم»

قدم بركات فتيات المعادي كنموذج لبنات جيل الثورة، فيما يتعلق بطريقة حياتهن اليومية ونشاطاتهن المختلفة، وتحررهن من قيود وممارسات الجيل النسائي الأكبر، وأخيرًا عن طريقة تفكيرهن في أنفسهن وعلاقاتهن ومستقبلهن الأسري والمهني. وبالرغم من أن الفيلم، كدراما، انحاز فى النهاية لنموذج الفتاة التقليدية المتمثل في شخصية ماجدة، إلا أنه قدم نموذج الفتاة الجديد ورسخ لوجوده، حتى وإن لم ينحز له، بل وانتقده في النهاية.

 أتخيل جدتي، العروس الجديد، التي صممت على تأسيس حياتها كما تريد، بكل التطلعات التي كانت لديها آنذاك، إحدى «بنات اليوم»، ترتدي فساتين بديعة مثل ماجدة وآمال فريد، وتتجول في الحي بين الحدائق والزهور تستمع لأغاني عبد الحليم، فتى أحلامها.

ماجدة وآمال فريد في «بنات اليوم»

في «بنات اليوم» يقدم بركات حي المعادي باعتباره رمزًا لحياة كاملة متفتحة ومختلفة. ساعده بالتأكيد التكوين الجغرافي للحي على رسم هذه الصورة وطرح هذا الافتراض باقتدار. أهم عنصر في الحي هو موقعه في العاصمة، حيث يقع على أطراف المدينة، على بُعد عشرة كيلومترات من قلب القاهرة المتمثل في منطقة وسط البلد، كما هو التعريف الدارج. وهنا يقع الاختلاف الرئيسي بين المعادي، كحي راقٍ والأحياء الراقية الأخرى مثل الزمالك وجاردن سيتي في هذا الوقت من الزمن.

يُعتبر المعادي حيًا راقيًا، ولكنه ليس ارستقراطيًا. لم يخضع لسنوات طويلة لقواعد الحياة المتعارف عليها الخاصة بالطبقة المتوسطة العليا في العاصمة. كانت له قواعده الخاصة التي تشكلت وفقًا لطبيعة الجغرافيا في المكان. فالحي بعيد، شبه مسوّر، تغلب عليه المساحات الخضراء الواسعة، ويصعب الدخول والخروج منه خاصة في العقود الأولى لبنائه نتيجة البعد كمسافة وقلة وسائل المواصلات إليه. ولذلك فهو أقرب إلى القرية في طبائع العلاقات الاجتماعية، عنه إلى طبيعة الحياة في الأحياء الأرستقراطية بالعاصمة. ولذلك وقع اختيار بركات عليه كحى هادئ «رايق» ومختلف يضم طبقة اجتماعية معيّنة، ولكنه يهديها بتكوينه الجغرافي حياة مختلفة عن الحيوات الأخرى، التي تنتمي لها نفس هذه الطبقة. 

 يظهر الحي في أحداث الفيلم كحي صغير تسكنه أُسر تنتمي لطبقة متوسطة عليا، من أصحاب المهن، أطباء ومهندسين، ومقتدرين نسبيًا. لدى كل أسرة منزل مستقل، في صورة فيلا مكونّة من طابقين وحديقة أمامية صغيرة. يسكن الحي أيضًا شباب مستقلون عن أسرهم في شقق تبدو حديثة، من ناحية التصميم والديكور، مثلما قدم لنا الفيلم شقة عبد الحليم حافظ وأحمد رمزي، بالبلكونة والمرسم والكراسي الخوص الهزازة والكنب المودرن واللوحات غير التقليدية على الحوائط.

شقة عبد الحليم وأحمد رمزي في «بنات اليوم»

كل السكان يعرفون بعضهم البعض. فالحي يعتبر قرية صغيرة فيما يخص ديناميكية العلاقات. والد ماجدة، الفنان سراج منير، طبيب نساء وولادة، يعمل في مستشفى في حي المعادي، ويباشر إحدى السيدات، التي نكتشف أنها أخت عبد الحليم، الذي يسكن في شقة تطل على مدرسة بنات الطبيب.

استخدم المخرج أماكن وطبائع خاصة بالحي كأدوات درامية، تعزز من قصة الفيلم. يتردد الجميع، من سكان الحي، على نفس النادي الرياضي والاجتماعي، حيث يلتقي البطل بالبطلة للمرة الأولى. يقع النادي في قلب الحي، وأغلب السكان هم عادةً أعضاء فيه.

يظهر نشاط التزلج أو الباتيناج الذي يعد من أشهر أنشطة النادي كعنصر أساسي في الفيلم. يرتدي رواد النادي أحذية التزلج، ويرقصون بحركات احترافية، على أنغام أغنية حليم «يا قلبي يا خالي». يظهر كذلك في الفيلم كورنيش المعادي الشهير، ونشاط الفلوكة، كرحلة جماعية متعارف عليها لأبناء الحي. يغني حليم في الفلوكة «كنتِ فين وأنا فين» وتزداد أواصر الحب بينه وبين آمال فريد.

نشاط التزلج كما ظهر في «بنات اليوم»

يؤرخ الفيلم أيضًا للقناة المائية، التي كانت تمر في منتصف الحي، لسنوات قبل ردمها في أواخر الستينيات. يظهر عبد الحليم وهو يتمشى بمحاذاتها وسط الأشجار، حزينًا مكسور القلب، ويغني «ظلموه» ليصل إلى أحد الكباري الخشبية، الذي يمر فوقها، والتي يقال إنه كان يقع عند الميدان الحالي أمام نادي المعادي. وفقًا لجدتي، كانت القناة المائية جميلة ومريحة للأعصاب، ومكان مختلف للتمشية والتغيير في حال ضاق بها المنزل.

القناة المائية كما ظهرت في فيلم «بنات اليوم»

أُنشئ حي المعادي في بدايات القرن الماضي، كنتيجة حتمية لتبني الخديوي إسماعيل حي حلوان في الفترة بين 1870 إلى 1879. شيد الخديوي أحد أكبر قصوره في حي حلوان، وحوّل المنطقة إلى مكان للاستشفاء والاستجمام وقضاء الإجازات الشتوية الخاصة به، هو والعائلة المالكة وأثرياء البلاد آنذاك. تطلب ذلك منه إنشاء سكة حديد تربط بين حي حلوان وقلب العاصمة القاهرة.

ومع افتتاح خط السكة الحديد الجديد عام 1889، أصبحت جميع الأراضي الزراعية التي تحيط بشريط القطار، محط أنظار المستثمرين. وطرحت شركة أراضي الدلتا المالكة لتلك الأراضي مساحات كبيرة بجوار الطريق للبيع.

محطة مترو المعادي عام 1942

كان للجالية الأرستقراطية البريطانية وكبار عائلات الجالية اليهودية النصيب الأكبر من شراء تلك الأراضي مع بداية القرن العشرين. حتى قام الضابط الكندي ألكسندر آدامز بإنشاء الحي الصغير شرق نهر النيل جنوبي العاصمة. قام الضابط بالتخطيط للحي، على الطراز البريطاني، الخاص بالشوارع الرئيسية المستقيمة والميادين المتعددة، المتفرعة منها الشوارع الجانبية، والبيوت الصغيرة ذات الطابقين والحديقة الأمامية، ليصبح المكان المفضل للجاليات الأجنبية منذ ذلك الحين.

ولكن، أكثر جزء معروف من تاريخ الحي لسكانه هو ما حدث وقت الحرب العالمية الثانية، في أوائل الأربعينيات، عندما جاء نحو 70 ألف جندي نيوزلندي وأقاموا في معسكر للفرقة في حي المعادي لمدة خمس سنوات تقريبًا، قبل رحيلهم عام 1946.

تُعرف المعادي بأنها كانت معسكرًا للجيش والجالية البريطانية، له حدود وبوابات، حيث يحده نهر النيل من ناحية وطريق الأوتوستراد من ناحية أخرى، ليتحول بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لحي سكني مفتوح لجميع الأطياف، يبعد عن قلب العاصمة نحو عشرة كيلومترات. 

الحي «المتطور»

لم يكن بركات المخرج الوحيد الذى قدم المعادي في صورة «الحي المتطور»، في هذه الحقبة الزمنية. استخدم كذلك المخرج فطين عبد الوهاب الحي في ثنائيته الشهيرة «مراتي مدير عام» و«كرامة زوجتي» و اللذين أُنتَجا عامي 1968 و1969.

أفيش «كرامة زوجتي»

تدور أحداث الفيلمين في حي المعادي، الذي يفرِض جغرافيته على ديناميكية العلاقات. يبدو صلاح ذو الفقار وشادية زوجين من العصر الحديث في الفيلمين؛ طبيعة شخصيتيهما وعلاقتيهما وأزماتهما والمصائر التي يؤولان إليها. تساعد جغرافيا الحي على إبراز هذه الطبائع المختلفة الحديثة ابنة زمنها بصريًا قبل دراميًا. فمشهد شادية في «مراتى مدير عام» وهي في السيارة، وذاهبة كل صباح إلى عملها بوسط المدينة، على كورنيش المعادي، حيث يظهر النيل واسعًا على شمالها والأراضي الزراعية شاسعة على يمينها، وتعبر السيارة فوق الكوبرى الملقب اليوم بكوبري «مستشفى النيل بدراوي»، لتؤكد الصورة على براحة مستقبلها المهني، وتخطيها لتابوهات متعددة، والطريق الطويل الذي يجب عليها أن تسلكه لتصل إلى ما تتمناه كامرأة شابة، في هذا العصر.

تظهر كذلك شادية في مشهدها الشهير في «كرامة زوجتي» وهي تلعب رياضة الكروكيت المعروفة في نادي المعادي حتى الآن، لتلعب بها مثلما لعبت بزوجها صلاح ذو الفقار وجعلته يشك فيها انتقامًا من خيانته لها.

شادية تلعب الكروكيت في «كرامة زوجتي»

يساعدها المكان المنفتح، المليء بجيرة وصداقات مختلفة عن الأحياء القديمة، في تقديم مفهوم الخيانة بشكل مختلف، وتعزيز فكرة أن للمرأة كذلك مساحة لخيانة زوجها، إذا ما أرادت ذلك. في نفس الفيلم تظهر العلاقات الوطيدة بسكان الحي من خلال النادي، مثلما قدم فيلم «بنات اليوم» طبيعة العلاقات. كلهم أصدقاء أو معارف يعرفون كل شيء عن بعضهم البعض، ولا يخفى أمر عن أحد في الحي الصغير.

عاد هنرى بركات إلى حيه المفضل، في النصف الأول من السبعينيات، حين استخدم المعادي لتصوير مشاهد من فيلميه «الحب الضائع» (1970) لسعاد حسنى و«الخيط الرفيع» (1971) لفاتن حمامة، مستخدمًا نفس معطيات الحي، من النادي والمنازل الصغيرة وكورنيش النيل، في حكي قصته. في الحقبة الزمنية نفسها، جرى تصوير أفلام أخرى في الحي، دون ذِكر أنها في حي المعادي، لتكون فقط إضافات بصرية لمكان مختلف، ذي طبيعة خاصة دون استخدام الحي بتاريخه ونوعية العمران كبطل أساسي. من أشهر تلك الأفلام «نادية» (1969)، «البحث عن فضيحة» (1973)، «حبيبي دائمًا» (1980).

اختفى حي المعادي من موجة أفلام الثمانينيات للمخرجين الشباب الذين ظهروا على الساحة. الأفلام الواقعية لعاطف الطيب، سمير سيف، محمد خان، علي بدرخان ونادر جلال لم تجد في حي المعادي مكانًا مناسبًا الحكايات أبطالها. صارت وسط البلد والأحياء الشعبية أكثر تناسبًا مع طبيعة الدراما المستهدفة، بالإضافة إلى الرغبة في الخروج من القاهرة، وعرض مدن أخرى كأبطال حقيقيين لأفلام ناجحة مثل «طائر على الطريق» (1981)، «المشبوه» (1981)، «خرج ولم يعد» (1984)، و«ليلة القبض على فاطمة» (1984).

وذلك حتى جاء خيري بشارة بأيقونته «آيس كريم في جليم» الذي أُنتج عام 1992، ليعيد لحي المعادي مكانه في قلب الفيلم السينمائي. كمبدأ عام اتبع بشارة نفس منطق أسلافه في تقديم المعادي، على أنها حي جديد «روش» يحمل في طيات شوارعه أمل الشباب الجديد. ولكن، التفاصيل الخاصة بالتطور والحداثة اختلفت في أوائل التسعينيات عن نهايات الخمسينيات والستينيات.

من فيلم «آيس كريم في جليم»

في الوقت الذي استخدم بركات وفطين فيه المساحات الخضراء، النادي الاجتماعي، الأنشطة الرياضة المستحدثة، وكذلك الروابط الاجتماعية الوطيدة، للتعبير دراميًا وبصريًا عن المجتمع الجديد وتطلعات الشباب ورغبات المرأة المعاصرة، استخدم بشارة المحال التجارية الأمريكية وشوارع الأسفلت الواسعة، لتصوير الحياة الهيبى الخارجة عن المألوف، وعلاقات الصداقة البعيدة عن الأسرة والأصل بين شباب التقوا صدفة في حي واسع القلب جمعهم من أماكن مختلفة.

تغيرت ملامح حي المعادي بين الحقبتين بكل تأكيد. دخلت تطورات عمرانية عليه، بشكل خلق ضرورة كان على بشارة تعريفه من جديد للمشاهد من خلال فيلم بطله عمرو دياب، نجم الأغنية الحديثة في ذلك الوقت.

ظَلم اسم الفيلم حي المعادي بشكل كبير. لا أدري حتى الآن لماذا كان هذا الاختيار. الاسم الذي يوحي بأن الفيلم سكندري بدون شك تدور تسعين في المئة من أحداثه في حي المعادي. هناك مقارنة خفية بين مدينة الإسكندرية وحي المعادي، أعتقد أن بشارة أراد التأكيد عليها، بشكل بسيط في إحدى طبقات الفيلم غير المرئية.

استخدم بشارة شارع 9 بالأساس في قلب دراما الفيلم. شارع 9 هو الشارع التجاري الأول في المعادي. والمقصود بالتجاري ليس فقط أن به محلات تقليدية، ولكنه كان من أوائل الأماكن في الحي، التي شهدت دفقة التغير الاقتصادي والثقافي التي شهدتها البلاد، والتي تمثلت في محال الأطعمة الأمريكية من سندوتشات سريعة التحضير أو محال الآيس الكريم المستورد، كذلك محلات تأجير شرائط الفيديو وبيع شرائط الكاسيت، هذا بالإضافة إلى محال الورود التي طالما ميزت الحي. كان سيف بطل الفيلم يسكن في جراج صغير مغلق بباب خشبي، على أطراف شارع 9. غرفة واحدة تحتوي على بوسترات أفلام وسرير وبيانو.

الجراج في «آيس كريم في جليم»

ما زال هذا الجراج موجودًا بالفعل في الحي. اعتدتُ وأنا صغيرة أن أمر من أمامه وأتخيل أن سيف بالفعل نائمًا في الداخل. منذ أيام قلت لوالدى أنني كنت أتصوره في شبابه شبه سيف في «آيس كريم في جليم». فتى الإسكندرية الذي جاء للقاهرة وعاش في المعادي يلبس الجاكيت الجلد ويأكل آيس كريم.

أعاد بشارة كذلك توظيف رياضة التزلج أو الباتيناج، ولكن هذه المرة خارج أسوار النادي، لتلعب جموع اللاعبين في منتصف شوارع المعادي الواسعة الأسفلتية الناعمة. اتسق ذلك تمامًا مع فكر بشارة ورغبته في استخدام المعادي، كمكان آمن يمكن فيه ممارسة حريتك وانطلاقك وتحقيق أحلامك. استطاعت فرقة سيف أن تغني وترقص وتركب الباتيناج في المعادي، ولكنها عندما فعلت ذلك في أحياء أخرى قُبض عليهم وأدخلوا السجن.

هذا هو الأمر بالنسبة لحي المعادي خلال رحلته كبطل رئيسي في أفلام عديدة على مدار أربعة عقود في السينما المصرية، أنه مهما تغير تكوينه الجغرافي يظل مساحة واسعة رحبة للتغيير والسعي وراء الأحلام، بل وتحقيقها داخل حدود هذا الحي، حيث يعطي بشوارعه وأشجاره وهدوئه ومنازله القديمة وسكانه من جنسيات وأطياف مختلفة براحًا لكل أبطاله السينمائيين ليحلموا أن يكونوا شخوصًا مختلفين عن أسلافهم، يحققون أحلامًا خارجة عن المألوف، في حي خارج عن مألوف القاهرة العاصمة.

ظهر ذلك بوضوح في أحد أفلام الألفية الجديدة، والذي لم يلقَ أبدًا نفس نجاح الأفلام السابقة، وهو فيلم «شباب على الهوا» (2002) إخراج عادل عوض. جاء الفيلم ضمن هوجة أفلام البطولة الشبابية بوجوه جديدة مثل حنان ترك ونيللي كريم وأحمد الفيشاوي. تدور أحداث الفيلم كلها في حي المعادي، حيث شباب من أبناء هذا الحي، ينتمي للجيل الجديد، يريد تأسيس قناة فضائية، تنقل بثها من أحد منازل المعادي لسكان المعادي فقط، في محاولة من الشباب للتعبير عن أنفسهم بحرية. يظهر النادي كذلك بوضوح في قلب هذا الفيلم، حيث اعتاد الأبطال أن يلتقوا ليلعبوا الرياضة ويخططون لمستقبلهم.

إلا أن، ولأول مرة، يظهر في السينما مكوّن أصيل للحي يحد من حرية الأبطال، ويؤكد أن الأوضاع تغيرت، وأن مهما كانت رحابة المكان سيأتي شيء يعكر صفو أمواج الانطلاق، تمثل ذلك آنذاك في سفارة إحدى الدول الأجنبية التي تقع في الحي، وتخوفات من أجهزة البث على السطح. هذا هو الوضع بالفعل، حيث تعتبر المعادي مقرًا آمنًا لعدد كبير من سفارات الدول الأجنبية، ومسكنًا مطمئنًا لدبلوماسيين أجانب وعلى رأسهم السفير الإسرائيلي، الذي يقطن الحي منذ عقود.

يحتفل نادي المعادي هذا العام بمئويته، ووفقًا لتقاريره الرسمية فقد أنشئ على هيئته الحالية عام 1921، ولهذه الذكرى قام مجلس إدارة النادي، والذي تنتهي مدة انتخابه الشهر القادم، وفي انتظار دخول انتخابات جديدة، بتطوير وإعادة افتتاح السينما الصيفي هذا الشهر، التي كانت من أهم ما يميّز الحياة الشبابية للأعضاء، من سكان الحي.

إعادة افتتاح السينما الصيفي

تحكي لي ماما أنها اعتادت مشاهدة فيلم جون ترافولتا «حمى ليلة السبت» (1977) كل يوم، على مدار صيف كامل، وهي شابة في الثانوية العامة. تتحدث عن ترافولتا مثلما كنت أتحدث عن عمرو دياب، في فيلم بشارة. يرتدي كلاهما جاكت جلد. انهارت السينما وأُغلقت منذ 24 عامًا، وفقًا لصفحة النادي الرسمية على فيسبوك. على بوابة السينما شريط بوستر ضخم طُبعت عليه مشاهد من كل الأفلام الأبيض والأسود، التي صوّرت داخل أسوار النادي.

 تزامنت هذه الاحتفالية مع إعلان الحكومة التخطيط لبناء ما يسمى بمحور المعادي أو محور الجزائر. جاء الأمر في البداية في صورة إشاعة تم تداولها قبل أيام من عيد الأضحى في يوليو الماضي. حتى كتابة هذا المقال لم يتم البناء الفعلي، ولكن خرج علينا وزير النقل بعد انتشار الشائعة ليؤكد صحة الأمر، مع تعليله بأمور تخص تدهور مستوى المعيشة في الحي الراقي، نتيجة الزحام، وسوء التخطيط العمراني، الذي بالتأكيد يحتاج لتغيير وفقًا له.

أُغلقت بعض المشاتل وتُرك بعضها الآخر. ابتعت عددًا من الشتلات من أحد المشاتل على شريط القطار، ولكني تركتها في السيارة لما يقرب من أسبوعين، غير قادرة على التعامل النفسي مع «آخر شتلات الحي» كما أطلقت عليها أنا وأسرتي. ظهر عدد من الصفحات والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تحمل أسماء مثل «savemaadi» و«أنقذوا المعادي»، في تأكيد على أن الحي في خطر ويجب العمل على إنقاذه. تعمل هذه الصفحات على تاريخ الحي وتكوينه الجغرافي والمعماري، والخطر البيئي الكبير الذي يهدده ببناء هذا المحور. هذا بالإضافة إلى موافاة السكان كل بضعة أيام بآخر التطورات على أرض الواقع والشكاوى والالتماسات التي يسعى السكان، والمسؤولون منهم بالأخص، إلى العمل عليها في محاولة يائسة -على الأغلب- لإنقاذ الحي. انطفأ نشاط هذه الصفحات في الشهر الأخير، وتم استبداله بحملة أحدث متداولة هذه الأيام بهاشتاج «المعادي ترفض المحور». يحمل فنانون مختلفون مقيمون في المعادي لافتات مكتوبًا عليها شعار الحملة، ناشرين صورهم معها على المنصات الإلكترونية المختلفة.

حملة أنقذوا المعادي

كنتُ أتعجب قليلًا من التعامل مع المعادي على أنه شخص اعتباري، يجب إنقاذه وله حق القرار بقبول أو رفض ما يفعل به، لكني أعود لأشاهد كل الأفلام السابق ذكرها لأتأكد أنه بالفعل شخص له تاريخ وتكوين وشخصية وطابع خاص، وأن ما يحدث حاليًا سيكون في الأغلب محاولة لاغتيال هذا الشخص، وليس تغييره أو إصلاحه وفقط. أقود سيارتي في شوارع المعادي، وأفكر في الفيلم القادم، الذي سيجري تصويره في الحي، وكيف سيُقدم «معادي المحور» في السينما المصرية في أفلام العقود القادمة.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن