تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
شباب مسرح الهواة في الدلتا.. هوامش قلقة

شباب مسرح الهواة في الدلتا.. هوامش قلقة

قصة عرض «أولاد حارتنا» في المنصورة

كتابة: محمد العتر 16 دقيقة قراءة
تصوير: سهير عاطف

مطلع فبراير 2021، أطلقت الحكومة مشروع «تحيا مصر المنصورة» برعاية ضمنية من وزير النقل، كامل الوزير، بعد أن نسب إليه محافظ الدقهلية «الفضل» في تدشين المشروع. يتضمن المشروع خطة لـ«تطوير» عاصمة الدقهلية بإزالة عدد من الحدائق العامة والمنشآت، بينها قصر ثقافة المنصورة.

بعد 25 يناير 2011، كان قصر الثقافة ملاذًا لاحتضان تجارب فنية شابة بطموح مهدر بالبيروقراطية وأمور أخرى. لم تتحول الهواية للاحتراف، لكن بقي قصر الثقافة، المبنى، مساحة للممارسة، قبل أن يُهدد باحتمالية الهدم. 

كان العام 2013 عندما عُرضت لأول مرة مسرحية مقتبسة من رواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، على مسرح خاص بمدينة المنصورة يسمى أيضًا «أولاد حارتنا». كانت هذه المفارقة الأولى، لكنها لم تكن الأخيرة. 

لم يتسنّ لي مشاهدة العرض، كنتُ في مسرح البالون بالعجوزة، أراقب عن كثب وفي صمت، بروفات مسرحية لكاتب سلوفيني يدعى إيفالد فليسار. لم تكن تلك مسرحيته الأولى التي تعرض في مصر، في حين كانت مسرحية «أولاد حارتنا» الأولى التي تعرض على مسرح «أولاد حارتنا» الذي كان قاعة سينمائية تحولت مخصوص لمسرح من أجل عرض المسرحية.

تعرّف المخرج الشاب (22 عامًا آنذاك) محمد عبدالفتاح، على محمود خضر، الذي كان قد افتتح للتو مؤسسة «أولاد حارتنا» للثقافة والفنون بأن استأجر مساحة ضيقة بإحدى المجمعات التجارية في المنصورة، ملحق بها قاعة عرض سينمائي، تخلى عنها صاحبها لركود سوق السينما حينها، واستأجرها خضر بصفقة رابحة.

كان عبدالفتاح، الذي تخرج من الجامعة حديثًا، عرض قبل أشهر أولى مسرحياته، «أولاد حارتنا»، بقصر ثقافة المنصورة، بعد قبولها في مسابقة نوادي هواة المسرح. استطاعت المسرحية جمع حضور غفير في عرضها الأول مقارنة بالحضور المعتاد لمسرح قصر الثقافة. كان هناك قرابة 400 متفرج. وكانت الصحافة حاضرةً أيضًا لتغطية المسرحية، كونها الأولى عن رواية تسببت في اتهام صاحبها بالزندقة والكفر، كما عرّضته لمحاولة اغتيال.

لذا، عندما وجد عبدالفتاح، الذي بدأ يتعامل مع «أولاد حارتنا» باعتبارها علامته المسجلة، مكانًا في نفس مدينته باسم مسرحيته، استفزه الأمر فتواصل مع صاحب المكان/المؤسسة، ثم اتفقا على استغلال القاعة المهجورة لعرض مسرحية يوم عيد الفطر.

في ذلك الوقت، قادت الصدفة عبدالرحمن نبيل، طالب كلية الهندسة ثم الآداب، للالتحاق بموجة مسرح الهواة في المنصورة، التي تعاظمت بعد يناير 2011. ومثل الجميع في هذا الوسط، عمل نبيل متطوعًا مساعد مخرج بإحدى الفرق المسرحية التي كان من المفترض أن يصمم أفيش إحدى عروضها.

مثّل نبيل بالنسبة إليّ نموذجًا لنا، أبناء جيل التسعينيات. وكان أكثر نموذجًا لأبناء هذا الجيل من سكان الدلتا، المنصورة، بحثًا عن اكتشاف أفق الذات، بلا ابتذال. خاض نبيل العديد من التجارب المهنية والتطوعية؛ عمل مصورًا، ومصممًا، ثم مسرحيًا، فصحفيًا. 

في الأثناء، لم يكن عبدالفتاح بعيدًا عن رحلة مماثلة، حتى التقيا، وكانت «أولاد حارتنا» نقطة التلاقي. كان نبيل حاضرًا أثناء تأسيس وتأثيث القاعة السينمائية لاستضافة أول عرض مسرحي عليها، ولتصبح أول مسرح خاص في المنصورة.

يتذكر نبيل تحويل القاعة لمسرح باستدعاء مشهد من فيلم «ميكروفون»: حين لم يتمكن خالد (خالد أبوالنجا) من الحصول على مسرح لإقامة حفل غنائي لفناني الشارع بالإسكندرية، أقام مسرحًا بـ«تلاتة مليم» في مقهى شعبي بإحدى الحارات. وهكذا فعل خضر وعبدالفتاح، فكراسي الجمهور وخشبة العرض يمكن أن تجعل من المكان قاعة ندوات أو صالون ثقافي أو حتى قاعة عرض سينمائي، لكن ليصبح المكان مسرحًا، فلا بد على الأقل من توفر كالوس وستار. 

وهكذا، وببعض الخَيش والقماش والأخشاب شبه البالية، تحوّلت القاعة لمسرح عُرضت عليه مسرحية حازت عددًا من الجوائز المحلية، منها جائزتين من مهرجان سمنود المسرحي لفئتي السينوجرافيا وأحسن ممثل.

كان العرض ناجحًا، رغم عدم توفر أنظمة صوت أو إضاءة، فاعتمد عبدالفتاح على سمّاعات ستيريو، ولمبات معلّقة، وجعل المُشتَرك وحدة الإضاءة: «نشيل الفيشة ونحط الفيشة. وفي الإظلام بنشيل فيشة المشترك كله».

أكثر من 150 كرسيًا امتلأت عن آخرها. ووقف مثل العدد خارج القاعة، فعُرضت المسرحية مرة أخرى تاليًا، ولم يكن بقاعات السينما المجاورة أعداد مشابهة.

«كانت تذكرة السينما بـ30 جنيه وقتها تقريبًا، وتذكرة المسرحية بـ10 جنيه»، يقول عبدالفتاح. وكانت أول مسرحية، منذ سنوات طويلة، تعرض بتذاكر في المنصورة. «زمايلنا اتريقوا علينا في الأول، وبعدين هاجمونا»؛ لم يتوقع أحد من مسرحيّ الدلتا نجاح عرض مسرحي بتذاكر، في حين أن العروض المجانية لا يحضرها عادة سوى قلة من المتفرجين. لكن كان لدى عبدالفتاح خطة.

تخرج محمد عبدالفتاح في كلية التجارة جامعة المنصورة. لم يعمل بشهادته سوى أشهر لا يكمل مجموعها السنة، بينها أشهر كسمسار وثائق تأمينات في المنصورة، وأخرى في السعودية كمندوب مبيعات، دون أن يُفوّت فرصة الاشتباك مع ما يتوفر من تجارب فنية في المملكة التي كانت آنذاك تشهد بدايات طور جديد.

حين سافر عبدالفتاح إلى السعودية، كانت قد مضت على تأسيس «الكوميدي كلوب» بمدينة جدة، أعوام قليلة، ضمن موجة فنية حديثة شهدتها المملكة مطلع العقد الثاني من القرن الـ21، عرفت عراقيل ليس أقلّها رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو «المطاوعة». تقلص نفوذ وصلاحيات رجال الهيئة بقانون صادق عليه مجلس الوزراء السعودي في أبريل 2016.

تنفس إذًا كوميديو «الكوميدي كلوب» الصعداء نسبيًا، لكن لم يكن الحظ حليف عبدالفتاح، الذي اضطر تقريبًا للهروب من السعودية بعد عرض أدّاه بالنادي الكوميدي. لم يخبرنا الكثير من التفاصيل، لكن يبدو أنه تحمّس مع ضحكات الجمهور السعودي على إفيهات «الكوميديان المحترف من الخارج»، بتعبيره، غير أن «ضحّكنا كده يا مصري»، كما يقول، لم تكن كافية للتجاوز عن عبارة يبدو أنه عرّض فيها بالدين أو الحُكم، فعاد إلى المنصورة.

ربما لم ينجح عبدالفتاح في عمله سمسارًا لوثائق التأمينات، لكن ذلك لا ينفي أن بعض أفكاره التسويقية كانت ناجحة، على الأقل هذا ما تخبرنا به تجربة عرض أولى مسرحياته، على أول مسرح خاص في المنصورة: اختار يوم عيد الفطر لعرض المسرحية، حيث تمتلئ عادة شوارع المنصورة بالشباب من القرى والمراكز المجاورة للفُسَح والخروجات. وتمتلئ بشكل خاص المجمعات التجارية، على صغرها. يرغب الجميع في الترويح عن أنفسهم.

طَبع عبدالفتاح منشورات دعائية بموعد عرض المسرحية. وزعها إلى جانب المنشورات الدينية والتحشيدية بعد الصلوات وصلاة الجمعة، وألصقها إلى جانب البوسترات الدعائية الانتخابية والسينمائية. تضمنت المنشورات التي طبعها عبدالفتاح عبارات «نارية» تلائم الجو العام في البلاد، مثل: «المسرحية التي أدت لمحاولة اغتيال نجيب محفوظ».

هذا بالإضافة إلى أن 10 جنيهات ثمنًا لتذكرة مسرحية «أدت لمحاولة اغتيال نجيب محفوظ» قد تبدو بالنسبة للكثيرين أفضل من 30 جنيهًا مقابل فيلم «البرنسيسة» لعلا غانم. 

وهكذا نجحت خطة محمد عبدالفتاح التسويقية، في إعادة الاعتبار لمسرح غير محترف، هجين ما بين الثقافة الجماهيرية والخاص، في الأقاليم، ولو ليوم واحد.

كانت مسرحية «أولاد حارتنا» أول وآخر العروض الناجحة على مسرح «أولاد حارتنا». عُرضت مرة ثانية في سبتمبر 2013. حققت نجاحًا نسبيًا من حيث أعداد المتفرجين. لم تكن الأجواء في مصر مهيأة للالتفاف حول تجارب فنية جديدة، شابة، ومجهولة، فكان أول عرض للمسرحية استثناءً. وساهمت في ذلك خطة عبدالفتاح التسويقية.

سنة 2014، وفي خضم كل القلق الذي عرفته مصر آنذاك في الشارع والتليفزيون وعلى السوشيال ميديا، كانت مدينة المنصورة غارقة في تناقضاتها، أو هكذا بدا لي؛ كانت الشوارع مرتبكة من المظاهرات والمظاهرات المضادة، من القتل أحيانًا والملاحقات الأمنية معظم الوقت، كما لم تخلُ من أعمال العنف والعمليات الإرهابية التي تسببت إحداها (تفجير مديرية الأمن) في انهيار أحد أقدم المسارح المصرية الحديثة، مسرح المنصورة القومي، الذي كان خارج الخدمة منذ 2005 بسبب أعمال الصيانة والترميم.

انصرف الناس للانشغال بكل هذه الأمور، وبقيت «أولاد حارتنا» المؤسسة، خارج الزمكان تقريبًا، لتمثل الطرف الآخر من معادلة التناقض.

تحوّلت من مؤسسة تستهدف الربح بالجمهور، إلى مؤسسة بلا جمهور، وبعدد من الأصدقاء والمعارف، الذين يتشاركون همومًا ثقافية وهواجس فنية. بدا أنهم يهربون من كل ما يحدث في الخارج عبر جلسات سمر تتخللها عروض موسيقية وترفيهية لا يحضرها سواهم تقريبًا. وشاركتُ حضور بعضها.

في تلك الفترة، تعرفتُ على محمد عبدالفتاح، وحضرتُ بروفة لإحدى مسرحياته التي كان ينوي عرضها في «أولاد حارتنا». ولمشاركتهم الهروب من أجواء القلق السياسي، استدعت ذاكرتي مسرحية حاولتُ تنفيذها على مسرح الجامعة ولم أنجح، فحاولنا تنفيذها على مسرح «أولاد حارتنا»، ولم ننجح أيضًا. 

فكرنا في بدائل أخرى، كلها لم تنجح. كان الجمهور المُستهدف، مثلنا يهرب، كلٌ على طريقته، فانشغلتُ بالصحافة، وانشغل عبدالفتاح، مؤقتًا، ببيع وثائق التأمينات، وعمل عبدالرحمن نبيل أيضًا في الصحافة، فيما تراكمت الديون على مؤسسة «أولاد حارتنا».

محمد عبدالفتاح أثناء بروفات مسرحية «الإلياذة». عُرضت المسرحية في 2019 بمسرح كلية آداب المنصورة

بدأ عبدالفتاح مشواره المسرحي من الجامعة، ليس من المسرح تحديدًا، بل من أنشطة فنية أدائية تتماس مع المسرح، فرقَص الهيب هوب أولًا. يقول إن الهيب هوب كان موجة متفشية في الجامعات المصرية حينها، أو جامعة المنصورة تحديدًا. لم يكن ينافسه سوى عزف الجيتار والتمثيل. لم يشترِ عبدالفتاح جيتارًا، لكنه اشترى «كاب»، وحاول إطالة شعره، ولم تساعده العوامل الوراثية فاتجه للستاند أب كوميدي.

يُشبه الستاند أب كوميدي فن المونولوج، والنشأة الأولى لكليهما كانت في فترة متقاربة خلال القرن الـ19. استمر الستاند أب كوميدي، بينما أفل المونولوج، وبقيت آثاره الرايقة، كمنولوج إسماعيل ياسين الذي لا يترك لنا أي مجال للهرب: «إبليس إيه ذنبه يا عالم؟».

وكما أفل نجم المونولوج، أفل أيضًا نجم الستاند أب كوميدي مصريًا، بعد موجة دفعت عبدالفتاح -كما دفعه إرث مونولوجات إسماعيل ياسين- لركوبها أثناء فترة الجامعة، حتى صار «نِمرة» مطلوبة في الفعاليات الفنية المحلية، وحتى في الأفراح وحفلات التخرج: «كان ناقص يطلبوني في حفلات الطهور»، و«بقى معروف إن محمد عبدالفتاح ده بيقول نكت. طب ما نجيبه، خصوصًا إنه ما بيخدش فلوس»، ولو أخذ فـ100 جنيه أو وجبة.

لكن عندما سادت السوشيال ميديا، لم يعد ثمة حاجة للذهاب مخصوص لمشاهدة عرض كوميدي يتألف من إفيهات وقصص فكاهية، في الوقت الذي امتلأت فيه صفحات فيسبوك بالكوميكس والميمز: «الجميع بقوا كومديانات على السوشيال ميديا. بقى فيه ستاند أب كوميديانز كتير على فيسبوك»، يقول عبدالفتاح، مشيرًا أيضًا إلى تجربة «مسرح مصر» باعتبارها بديلًا، وأنها مسألة اختيارات وأذواق في النهاية. 

هكذا، وعندما انتهت فقرة الجامعة من حياة عبدالفتاح، وجد ضالته، بالصدفة، في المسرح عبر قصر الثقافة، المجاور تقريبًا لمقر حزب التجمع الذي كان عضوًا نشطًا بين شبابه القليل. كان متأثرًا برموز اليسار التاريخيين، وكان الحزب قريبًا جدًا من بيته؛ «دي أسباب انضمامي للحزب»، كما يقول.

في حين يقدم حزب التجمع نفسه كتنظيم سياسي، شأنه شأن أي حزب، لم يرَ فيه عبدالفتاح سوى مكانًا لعقد الاجتماعات والتلاقي، وإصدار البيانات أحيانًا. لا يستطيع عبدالفتاح الانخراط في عمل تنظيمي قد يُخضعه: «أنا ضد التحكم». لذا تبلورت مواقفه المعارضة للإسلام السياسي بعد 25 يناير 2011: «كان عندي تخوف إن الإسلاميين لما يمسكوا الحكم هيتحكموا فينا: مفيش فن، مفيش تحرر». بنفس الدافع أيضًا، وجد الفرصة مواتية لتنفيذ مسرحية عن رواية «أولاد حارتنا».

وعبْر عدد من الأصدقاء، تقدم عبدالفتاح لبروفات الأداء بقصر الثقافة أمام أحمد عبدالجليل، مخرج الفرقة القومية بالمنصورة. استعد جيدًا للبروفة بمونولوج «وهكذا سقطت لويز» من فيلم صلاح الدين: «كنت فاكر الموضوع بجد، لكن اتضح إنه غير كده»، فشعر بالإحباط بعض الشيء، رغم أنه أكمل لفترة وجيزة، كممثل محتمل، ليزداد إحباطه من النصوص المؤداة؛ مسرحيات مناسباتية، أو «مسرح بروباجندا يليق بكبار السن. عروض مرتبطة بالإجازات الرسمية: عيد الجلاء ليه عرض، عيد تحرير سيناء ليه عرض، شم النسيم ليه عرض!»، كما قال.

وبملاحظاته على الأداء الإخراجي و«سذاجة» النصوص المقدمة، بتعبيره، قرر عبدالفتاح أنه سيصبح مخرجًا مسرحيًا، متجاوزًا أعراف المسرح: «كله لازم يمثل الأول، ويجيبها من تحت قبل ما يبقى مخرج».

لكن، وعلى حد قوله، كانت الظروف في صفه، فبدأ مشواره في المسرح مخرجًا. ما هي هذه الظروف؟ يمكن اختصارها، مع بعض الاختزال المقبول، في الوقت، 2011/2012، حيث الجو العام يسمح بمغامرات استثنائية، وتجاوزات سلسة أو شبه سلسة للأعراف المستقرة.

علم بمسابقة نوادي هواة المسرح. وكان المخرج السينمائي، خالد يوسف، صرّح بعزمه إخراج «أولاد حارتنا» فيلمًا، «تقريبًا كان بيعاند الإسلاميين»، يقول عبدالفتاح. لم يفعلها خالد، لكن فعلها عبدالفتاح نفسه، مسرحيًا، فحوّل بعض فصول الرواية إلى نص مسرحي، طبعه على ورق A4، وقدم للجنة المسابقة أربع نسخ منه في دوسيهات مكعبة، لأنهم لا يقبلون الدوسيهات غير المكعبة.

وضُع على جدول البروفات بقاعات قصر الثقافة. صعدت مسرحيته لمرحلة العروض. وهكذا عُرضت أنجح مسرحية هواة وقتها، وربما حتى الآن، من حيث أعداد المتفرجين لمجمل عروضها، وأصبح عبدالفتاح مخرجًا.

بالنسبة لعبدالرحمن نبيل، لم تكن بداية تعرفه على المسرح من الجامعة، وإنما من عمله مصمم أغلفة كتب في دار نشر بوسط البلد، حيث كان يعمل على تصميم غلاف لترجمة مسرحية بعنوان «خدني لحنانك»، صمم أفيشها لاحقًا، والتقط بعض الصور لبروفاتها بمسرح البالون. في المقابل تعرف جاسر أبو الخير وشريف ريحان ويسري عرفة، أبطال المسرحية التي يعمل عليها عبدالفتاح حاليًا، على المسرح من الجامعة. وكذلك إيمان عبداللطيف، خريجة كلية الحقوق بجامعة المنصورة.

شاءت الأقدار، أو بالأحرى مجموع الثانوية العامة والتنسيق، أن تنتقل إيمان من مدينتها الإسكندرية، إلى المنصورة، لدراسة الحقوق. وهناك انضمت لفريق مسرح الكلية، وقدّمت عددًا من العروض، قبل أن تنتقل لمسرح كلية حاسبات ومعلومات، إذ تسمح لائحة إدارة رعاية الطلاب، للطالبات فقط، بالتنقل بين الفرق المسرحية للكليات المختلفة وإن لم ينتمين لها.

وعلى عكس زملائها الشباب، تُبدي إيمان حماسة وطموحًا في التمثيل، لدرجة أنها قطعت إجازتها بالإسكندرية، في يومٍ ماطر، لمقابلة صحفي، بمقهى أندريا، أسفل حزب التجمع، حيث التقينا. ورغم ذلك، كان من السهل ملاحظة توترها. شددتْ على أنه ليس كل ما ستقوله قابل للنشر، لأن «ممكن حد يقرأ اللي هتكتبه». فاجأتني!

كان من المفترض أن أقابل إيمان بقصر الثقافة، حيث ستُجري بروفة مسابقة نوادي هواة المسرح. كان الشباب محتشدين أمام البوابة. سألنا الحارس، فأخبرنا أن القصر مغلق بتوجيهات المدير. توجهنا، أنا وإيمان، لمكتب مدير القصر، وليد عبدالعليم. كانت إيمان متحرجة من الدخول، فدخلت وحدي. عرّفتُ نفسي، وسألته ما إذا كان ممكنًا إجراء مقابلة سريعة بعد أن شرحت له ما أنا بصدد العمل عليه. سمعني بإنصات ونصف ابتسامة، ثم أجاب: «للأسف مينفعش»، لماذا؟ لأن أحمد عواض، رئيس هيئة قصور الثقافة، أصدر قرارًا داخليًا بمنع الحديث للصحافة سوى من خلاله. 

لكن لماذا القصر مغلق بينما شباب فرق النوادي ملتزمون بجدول مواعيد لإجراء البروفات؟ أجاب مدير القصر، وكأنه لم ينتبه إلى أنه بذلك يُصرّح للصحافة: «بنعمل إصلاحات ونظافة لأن أحمد بيه (رئيس الهيئة) هيعمل زيارة بعد بكرة». كان ذلك بعد أيام قليلة من التجديد لعواض رئيسًا لهيئة قصور الثقافة للسنة الرابعة على التوالي في 17 نوفمبر 2020.

فعلًا، كان قصر الثقافة بحاجة للتنظيف. في الليلة السابقة زرتُه لأول مرة منذ 2012، لمشاهدة بروفة مسرحية «مسافر ليل» لصلاح عبدالصبور، التي يشارك بها عبدالفتاح في مسابقة نوادي المسرح لموسم 2020/2021.

كانت البروفة في قاعة إبراهيم الدسوقي، الصحفي الراحل في حريق مسرح بني سويف في سبتمبر 2005. في الممر المؤدي للقاعة، وخلف بابها مباشرة، لفت انتباهي تناقض طريف توضحه الصورة التالية؛ التزام حَرفي بالمحافظة على نظافة الحديقة! 

قصر ثقافة المنصورة

مع العروض التي قدمَتها في الجامعة، ذاع صيت إيمان في الوسط المسرحي بالمنصورة ثم الدلتا. على أي حال تمثّل المنصورة مركز العمل المسرحي في الدلتا. وتجذب جامعتها مخرجي قصور الثقافة والمخرجين المستقلين للعمل على إخراج مسرحيات كلياتها، التي تتوفر لها ميزانيات هي الأكبر بين مسارح الأقاليم، بما يجعلها الكريزة بالنسبة للكثير من مسرحيّ الدلتا، حيث يتقاضى المخرج ما لا يقل عن 15 ألف جنيه ويصل إلى 30 ألفًا في العرض الواحد، في حين لا يزيد ما يتقاضاه من العمل في قصور الثقافة عن خمسة آلاف جنيه. 

فضلًا عن أن عددًا كبيرًا من المخرجين غير المقيدين رسميًا في قطاع الثقافة، مثل محمد عبدالفتاح، ما يصنفهم «هواة»، يقدمون عروضهم ضمن مسابقات نوادي هواة المسرح، لكنهم بالنسبة لمسارح الجامعة «محترفون» وعليهم الطلب.

ويحتل الفريق المسرحي لكلية الهندسة صدارة الفرق المسرحية لكليات جامعة المنصورة. تصفه إيمان بـ«الأكثر تنظيمًا»، ويقول جاسر أبو الخير، وهو خريج كلية الهندسة، إن إدارة النشاط الفني بالكلية رصدت ميزانية للفريق المسرحي هي الأكبر بين الكليات الأخرى؛ تزيد عن 80 ألف جنيه سنويًا. لذا استطاع مسرح كلية الهندسة، على مدار سنوات، حصد المراكز الأولى في المسابقات التي تنظمها الجامعة، إضافة إلى حصده جوائز وترشيحات في المهرجان القومي للمسرح، آخرها ثلاث ترشيحات في الدورة 13 للمهرجان، انتهت بجائزة أفضل مؤلف صاعد عن مسرحية «قاع» من تأليف وإخراج الطالب محمود حسين.

من عرض مسرحية «قاع» لفريق مسرح كلية هندسة المنصورة بالمهرجان القومي للمسرح

بعدما أنهت إيمان سنوات الدراسة في كلية الحقوق، وقد سيطرت عليها تمامًا غواية التمثيل، كان عليها التفكير في حل يبقيها بالمنصورة لتكمل مشوارها الذي تطمح أن يتطور نحو التليفزيون والسينما. لم يكن من بُدّ أمامها سوى الالتحاق بدبلومة الحقوق لتكون مبررًا أمام أهلها للبقاء في المنصورة، فالعودة للإسكندرية يعني أن تبدأ من الصفر في مشوار التمثيل، وقد صنعت اسمًا في المجتمع المسرحي بالدلتا.

لم يتبقَّ أمامها سوى أقل من عام لتنهي الدبلومة، ثم سيكون عليها اتخاذ قرار مصيري: العودة للإسكندرية حيث سينتهي كل شيء، أو الانتقال للقاهرة بحثًا عن الفرصة. وتنحصر الفرص المتاحة في القاهرة بين اللّف على مكاتب الكاستينج (اختبارات التمثيل) والالتحاق بمعهد فنون مسرحية. في كلتا الحالتين يتطلب الأمر مالًا ووساطات. مع ذلك، لدى إيمان أمل مُتفائل أن تلتحق بالمعهد.

في الوقت الحالي، تُقدم إيمان عروضًا مسرحية مع فرق قصر الثقافة: الهواة والقومية والفلاحين. تفضل العمل مع فرق الهواة لأنهم شباب، أكثر جرأة على التجريب واختيار نصوص مختلفة، في حين يُفضّل الأكبر سنًا، مخرجو القومية والفلاحين، التمسك بنوعية النصوص سابقة الذكر (المناسباتية)، والنصوص الكلاسيكية والضاربة في القدم؛ مسرحيات شكسبير هي المفضلة دائمًا.

إيمان عبداللطيف في عرض لمسرحية «ميراث الريح» في 2019 على مسرح قصر ثقافة الزقايق

سبب آخر يدفع إيمان لتفضيل فرق الشباب على الأكبر سنًا، هو التخفف من وطأة المضايقات الجنسية التي تصل أحيانًا للتحرش الجسدي «مرّة بحجة التحرر وإحنا فنانين وكده. ومرة بحجة ده أنا زي أبوكي»، كما قالت.

ومع حماسها تدرك إيمان أن «النجاح في المهنة دي صعب». ويعني النجاح في هذه المهنة، بالنسبة لها ولغيرها، الوصول للميديا؛ السينما والتليفزيون. وفقًا لإيمان المسألة أصعب بالنسبة للفتيات، وهو ما لم ينفه أي من الشباب الذين قابلتُهم: «الموضوع فعلًا أصعب بالنسبة للبنات». 

تذكر إيمان أن أحد منتجي الصف الثاني، رآها في إحدى العروض بمدينة المحلة بمحافظة الغربية، وعرض عليها عقد «احتكار» مقابل 12 ألف جنيه، بشرط وحيد، أو هو ما تذكرته إيمان حصرًا: «تعملي كل اللي يتطلب منك». يعني إيه؟ فهمت إيمان أن معنى الكلام «إن فيه تنازلات». طلبتْ ألا نستطرد أكثر في الحديث عن «الحاجات دي»، ثم علّقت بكلام أخير: «عمومًا معروف إن مفيش بنت في المجال بتاعنا بتوصل إلا لما بتتنازل، ولو راجل فبيتنازل بس بطريقة تانية»، وسكتت.

تحكي إيمان عن زينب سمير، الحاصلة على جائزة التمثيل الأولى في مسابقة الشباب بدورة 2019 للمهرجان القومي للمسرح، عن دورها في مسرحية «صدى الصمت» المرشحة من بين عروض نوادي المسرح بقصر ثقافة المنصورة. ماذا تفعل زينب سمير الآن؟ تجيب إيمان: «خلاص اتجوزت».

عمليًا بدأت غواية الفن لدى كل هؤلاء بعد 2011. بمرور الوقت أدركوا أنه لا سبيل للترقي في طبقات الفن سوى بالهجرة للقاهرة. بالنسبة إليهم الطموح مهدر في الدلتا، مع أنه مجرد احتمال في القاهرة. لم يكن ذلك الأمر يشغل بالهم في السنوات القليلة الأولى؛ حدثت انفراجة مفاجئة في المنصورة. ظنّوا في البداية أن بالإمكان صناعة شيء هنا. كان الزخم حاضرًا، والجميع متحمسون.

لم تعد الحال كذلك. صحيح أن عبدالفتاح لا يعمل بشهادة كلية التجارة الآن، لكن عمله في المسرح أيضًا لا يتخطى الهواية التي ليس بالإمكان، حتى الآن على الأقل، التخفف منها. يعمل الآن مدرسًا للمسرح والفنون الآدائية بإحدى المعاهد الخاصة، ويحرص على المشاركة في مسابقة نوادي هواة المسرح؛ صعدت مسرحيته «مسافر ليل»، في الدورة الحالية، لمرحلة العروض. يمثل في العرض ثلاثة شباب: جاسر أبو الخير وشريف ريحان ويسري عرفة. يعلمون أن المسرح مجرد فقرة في حياتهم ستنتهي قريبًا مع الانشغال بالعمل وكسب الرزق.

أما مؤسسة «أولاد حارتنا» فقد مرت بظروف صعبة: تراكمت الديون، وقلّ جمهور العروض التي تستضيفها والفعاليات التي تنفذها، لدرجة الندرة وأكثر، فاضطر خضر إلى إغلاقها، واستبدال النشاط، تحت نفس الاسم، إلى التزيين وتنظيم الحفلات الصغيرة والمتوسطة، والأفراح.

لا يوفر الانخراط في أنشطة قطاع الثقافة فرصة جادة لكسب الرزق والاستقرار المادي. وعلى كل حال، لا يبدو لقطاع الثقافة، على وضعه الحالي، أفق نحو شيء سوى الحاجة لتنظيف المبنى الضخم لقصر الثقافة قبيل الزيارات المحتملة لرئيس الهيئة، الذي لا يسمح لموظفيه بالتحدث للصحافة، قبل هدمه المحتمل طبعًا. في المقابل، يبدو الوضع في الجامعات أفضل نسبيًا، رغم استثناءات التخرج والزواج.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن