تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سينما وونج كار واي.. سيرة الزوال والأشواق الضائعة

سينما وونج كار واي.. سيرة الزوال والأشواق الضائعة

كتابة: محمد صبحي 16 دقيقة قراءة
من فيلم «Chungking Express»

 تحت عنوان «عروض استعادية لوونج كار واي» تقدّم سينما زاوية برنامجًا من أربعة أفلام مرممة للمخرج، وهي: «In the mood for love» ، «2046»، «Chungking Express»، «Fallen angels». 

 العابرون سريعًا جميلون.[…] لكن أجملنا سيبقى: الغائب.

وديع سعادة

مزيج مسكر يصنعه اندماج الحياة الحضرية والجريمة والحب والموسيقى في أفلام وونج كار واي الأنيقة والمشغولة. جنبًا إلى جنب مصوّره المعتاد كريستوفر دويل، يغمر وونج جمهوره في عالمه الغنائي والميلانكولي من خلال تأطير جذري، وحركة بطيئة، وطوفان من الموسيقى، والأمطار الغزيرة، وشؤون الحب المأساوية. أفلام تلهج بنبرة رومانسية واضحة، زاخرة بالتنهدات الحزينة، والألعاب البصرية، والكثير من الحميمية.

 أتذكّرُ أنني غادرت صالة السينما التي شاهدت فيها «Chungking Express» لأول مرة معروضًا على شاشة كبيرة، في حالة من الإرباك يسودها حزن غير مفهوم. شاهدت الفيلم سابقًا قبل أكثر من 12 عامًا، وكانت تلك مرّتي الأولى التي أشاهد فيها فيلمًا يقطر شوقًا لا يصل مناله من كل إطارٍ وكادر. اللافت أكثر أن القصة كان من المستحيل تقريبًا روايتها، لكنها كانت «كوول» جدًا، ولا يمكنني وصفها بأي طريقة أخرى. في «Days of Being Wild» تتضح أكثر فأكثر تلك النبرة الميلانكولية المترافقة بمشاهد مغمورة في ألوانها وأضوائها الدافئة وإيقاعاتها المدوِّخة.

الآن، وصلت أفلام وونج إلى القاهرة، ليست كلها للأسف، لكن أربعة منها، مستعادة ومُرممة ومُعدَّلة في بعض المواضع. أفضل من لا شيء، على أي حال. في السنوات الماضية، شاهدتها غالبًا بجودات متفاوتة، لكن الآن، ولأول مرة، أراها حقًا.

في مفتتح الجزء الأخير من ثلاثيته عن الحبّ [ «Days of being wild», «In the mood for love», «2046»] يصوّر لنا وونج كار واي خط سكة حديد مستقبلي بألوان نيونية يمتد عبر الكرة الأرضية. جميع الركاب لديهم نفس الهدف: العثور على الذكريات المفقودة في مكان غامض يسمّى «2046». هناك لا يتغيّر شيء أبدًا، وفقًا للراوي، وبالتالي يتحرّر المسافرون من آثار الوقت منذ لحظة وصولهم. لكن هناك شرك: لا أحد يعود من 2046.

في نهاية «2046» (2004)، يترك تشاو (توني ليونج) حبيبته باي لينج (تشانج زيي)، وبينما كان ينزل الدرج، تبقى الكاميرا على يدها التي لمسته قبل ثوانٍ. الخسارة فورية. واضحة وملموسة. يرنّ صوته: «إذا كنت أتذكر بشكل صحيح، فهذه كانت آخر مرة رأينا فيها بعضنا البعض». يظهر نصّ باللغة الصينية على الشاشة: «لم يعد. كان الأمر كما لو كان يستقل قطارًا طويلًا للغاية، ويمتد في ليل لا يُسبر غوره نحو مستقبلٍ ناعس». تتحوّل الصورة إلى الأبيض والأسود. في المقعد الخلفي لسيارة أجرة يرقد تشاو مستندًا برأسه إلى الكرسي. يحدّق في الليل، في الماضي، مصحوبًا بمقطوعة موسيقية حزينة من تأليف الياباني شيجورو أومباياشي. مذهولًا ومتفكّرًا في ما فاته، يصل أخيرًا إلى وجهته: 2046.

هذه هي المرة الأخيرة التي سنرى فيها تشاو.

من فيلم «2046»

نلقاه للمرة الأولى في العام 1990، في «Days of Being Wild»، وهو الأول في ثلاثية الحب وأحد أفضل أعمال وونج في المجمل. هناك، تشاو ليس جزءًا من السرد، لكنه حاضر فيه بطريقة ما. لا نراه إلا في نهاية الفيلم، في مشهد يبدو أنه لا علاقة له ببقية القصة، حيث يستعد تشاو، الشاب الأمرد، المقامر ذو الشعر المدهون، لقضاء ليلة مليئة بالبطاقات واللعب. بعد ذلك بـ14 عامًا -في «2046»- سنعرف أنه على علاقة براقصة الملهى الليلي لولو/ميمي (كارينا لاو)، التي تقع في حب يودي (ليزلي تشيونج) في الفيلم الأول.

حياة تشاو المضطربة هي القاسم المشترك في ثلاثية وونج. في أشهر الأفلام الثلاثة، «In the Mood for Love» يلتقي حبّه الكبير سو لي جين (ماجي تشيونج). هناك نعاين ونتابع الشعر المرئي الذي اشتهر به وونج ومصوّره كريستوفر دويل: على إيقاعات أومباياشي أيضًا، لكن هذه المرة على نغمات فيولين ميلانكولية، يتحرك تشاو وسو بالحركة البطيئة في أوائل الستينيات من القرن الماضي في هونج كونج، أثناء مرورهما بجدران مقشرة الطلاء، وفي شقق تحتوي جميع أسطحها تقريبًا على شكل من الزهور أو النباتات (أغطية المصابيح، والستائر، ومفرش المائدة)، وحيث يعلو دخان السجائر دوامات في الهواء بلا نهاية؛ يقفان في المطر يحدقان في بعضهما البعض، باحثين عن يقين لمستقبل يجمعهما معًا. هو: «لم أكن أعتقد أنكِ ستقعين في حبي»؛ هي: «ولا أنا». لا يحدث هذا الحوار هنا، وإنما بعدها بسنوات، في «2046».

من فيلم In the Mood for Love

هدايا هونج كونج

كل شيء في هذه الأفلام الثلاثة يدور حول الذاكرة: ألم الماضي المفقود والضائع ومأساة العيش في ظلال رغبة مستحيلة في العودة بالزمن إلى الوراء. لا تتوقف أرواح وونج الضائعة عن بحثها عن الأمس وعمّا فُقد منها ولن يعود أبدًا، وجمال عمله كامن في تقديمه هذا الوجود -محطة الوصول النهائية المتمنّاة حيث لا سلطان للوقت- ببساطة يمكن بلوغها، بما يلائم منبته الأساسي وفواتيحه المعتمدة بالأساس على مزيج من المصادفات والإلحاح على فعل أشياء معيّنة.

وونج كار واي وتوني ليونج وماجي تشيونج وليزلي تشيونج وجاكي تشيونج وآندي لاو وميشيل يوه وبريجيت لين.. كانوا في أواخر الثمانينيات نجومًا سينمائيين عالميين. في التسعينيات، قبل تولّي الصين زمام الأمور، كانت هونج كونج أكبر صناعة سينمائية بعد هوليوود وبوليوود. باستثناء أمريكا، صَدَّرت الدولة-المدينة أفلامًا أكثر من أي بلد آخر (ما بين مائة و 234 فيلمًا سنويًا من 1977 إلى 2002). كتب المؤرخ السينمائي ديفيد بوردويل: «في أوجها، أنتجت صناعة السينما في هونج كونج السينما الشعبية الأكثر نشاطًا وخيالًا في العالم».

في هولندا، عُرض بعض هذه الأفلام بشكل متقطع في المهرجانات وفي البرامج الخاصة لدور السينما. في أمستردام، كان هناك متجر صغير لشرائط الفيديو والأفلام اسمه «Cult Videotheek»، اكتسب شهرة عالمية عندما أصبح كوينتين تارانتينو، الذي كان في أمستردام في ذلك الوقت لكتابة فيلمه «Pulp Fiction»، أحد عملائه. ذهب تارانتينو إلى هناك لاستئجار أفلام من هونج كونج التي كان شغوفًا بسينماها القتالية. كانت المجموعة ضخمة، تمتد من أفلام الكونج فو التي أنتجها ستديو الشقيقان شاو في السبعينيات إلى أحدث أفلام الأكشن الكوميدية في الثمانينيات المجيدة.

في العام 1986 أطلقت شركة التوزيع التي أنشأها تارانتينو رابع أفلام وونج «Chungking Express»، في عروض محدودة داخل الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية، الأمر الذي حقق اختراقًا دوليًا لصانع الأفلام الهونج كونجي. قبلها ببضع سنوات، كان قد أنجز باكورته الإخراجية «As Tears Go By» (1988)، وهو فيلم عصابات استفاد من النجاح الدولي لباليهات جون وو العنيفة والدموية، ثم فيلم الفنون القتالية «Ashes of Time».

من فيلم «Chungking Express»

في كلا الفيلمين، بذل وونج قصارى جهده لتطبيق معالم وأعراف النوع السينمائي الشعبي الرائج في هونج كونج. لكن عمله كان مختلفًا اختلافًا جذريًا عن جميع الأفلام الأخرى التي أمكن لتارانتينو استئجارها من متجر الأفلام الكَلْتية: غامر بصريًا، مع خشانة فيلمية وألوان مشبعة، وتغيُّر في سرعات الفيلم، وأسلوب مونتاجي متشظٍ، وهيكل سردي معقَّد بشكل متعمَّد أعطى شكلًا وهيئة ووجاهة لهذا الهوس بالوقت والذاكرة الزاخرة به أفلامه.

 مآسٍ حالمة

من السهل ملاحظة بعض من أبرز أساليب السينما الأوروبية في أعمال وونج. بصرف النظر عن فيلم «حتى آخر نفس» (1960) لجان لوك جودار، يتردّد صدى فيلم «العام الأخير في مارينباد» (1960) لآلان رينيه بشكل خاص في جميع أفلامه: يبدو أن الشخصيات تتجول بلا هدف في قصة لا تتوقف عن المراوغة والتملّص من مُشاهدها.

مثل جودار ورينيه، من الأفضل النظر إلى وونج بصحبة أفكار الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز (الذي رفع شعار «الدماغ هو الشاشة»). انطلاقًا من فكرة أن الإنسان يمرّ بعدة طبقات من الزمن في آنٍ واحد، يجادل دولوز بأن سينما ما بعد الحرب العالمية الثانية أنتجت نوعًا جديدًا من الأفلام، بُنيت حرفيًا تقريبًا على أنقاض المدن الأوروبية. أدت تلك الفترة إلى «مواقف لم نعد نعرف فيها كيف نتصرف، في أماكن لم نعد نستطيع وصفها». يمكن رؤية هذا على وجه التحديد في الواقعية الجديدة الإيطالية، الأفلام التي لا تكون فيها «القصة» مركزية، وإنما المواقف المتطرفة أو مشاهد اليومي والعادي. في هاته الأفلام، يصير الزمن ملموسًا على الفور، مثل «صورة بلورية» لا يمكن فيها التمييز بين الواقعي والافتراضي، بحيث يختلط الحاضر والماضي والمستقبل.

تتآلف جميع أفلام وونج من مثل هذه الصور البلورية التي تدفعك لمعاودة مشاهدة الفيلم الذي انتهى لتوّه. مثلًا، خذ هذا المشهد الأخير في «2046» حيث يرقد تشاو ساكنًا في المقعد الخلفي من سيارة الأجرة. هذا هو الشوط الذي قطعه: حياة من التعامل والتفاوض مع الخسارة والفقد، وقلة حيلة يختصرها عدم قدرته على فعل أي شيء بخلاف استعادة تلك اللحظات الماضية مرارًا وتكرارًا. لم تعد القصة بالترتيب الكرونولوجي ممكنة. لذا عليك العودة إلى الوراء، إلى زمن وجوده مع سو لي جين في «In the Mood for Love» في غرفة فندق، ليس معًا في سرير واحد، وإنما على طاولة حيث كانا يكتبان رواية مسلسلة؛ أو لمشهد نزولها على الدرج، حيث المفترض أنها ذاهبة للحصول على وجبة العشاء، ولكننا نعرف أن هذا ليس إلا تمويهًا كي تتمكّن من مقابلته سرًا؛ أو نظرة شوقها الحائرة في غرفة المعيشة في بيت الضيافة حيث يعيشان كجيران، كلٌ مع شريكه. مثل عاشقي رينيه في «مارينباد» (التقيا منذ سنوات في فندق، ووقعا في الحب، لكن لأسباب غير واضحة لم ينجح الأمر)، تشاو وسو محاصران في صور الزمن. لم يعد بإمكانهما التصرف، يمكنهما فقط النظر. أو بعبارة أخرى كان ليصفهما بها دولوز: هما ناظران، يحدّقان في مساحات تتشكّل في طبقات مختلفة من الزمن.

من فيلم «In the Mood for Love»

يُظهر وونج كيف يمكن للبشر أن يقعوا أسرى لحظات ولّت إلى الأبد. في«Days of Being Wild»، تقع سو في حبّ يودي، وتبقى أسيرة تلك الدقيقة التي ربطتها وعمّدتها حبيبته، وبعد بضع ليالٍ فقط لا يعود مهتمًا بها، يهجرها. تعاود الذهاب إلى شقته، تحوم حولها في الأرجاء. لكنه يصرّ على رفضها وإبعادها عنه. ثم يأتي مشهد وونج الأكثر روعة، عندما تلتقي سو، في إحدى ليالي تحويمها اليائس، بشرطي الدورية تايد (آندي لاو)، مرتديًا زيّه الرسمي الصيفي. هذه هي اللحظة التي تستطيع فيها سو المضي قدمًا، فرصة للتجديد وفتح نافذة في حياتها. لكنها مقيدة إلى مغناطيس ذكرياتها وتريد أن تعيش فيها. تقول لتايد، «لطالما اعتقدت أن دقيقة واحدة ستمرّ في ومضة، لكن قد يستغرق الأمر أبدًا بأكمله».

لكن المرء يمكنه العيش على هذا النحو، يقول وونج. تكرار الماضي؟ ربما. في رأسك، كل شيء ممكن، طالما ركبت القطار الذي سيأخذك إلى 2046. هذه المأساة الحالمة.. الفيلم إذ يعمل جسرًا بين الخيال والواقع. أحيانًا نكون في الحياة الواقعية، وأحيانًا نكون في صالة سينما مظلمة. وآه من هذا الشرك، هذا «الأبد» الذي ينتهي المطاف بالواحد فيه. هذه حالة فاتنة من الوجود، لأنها تصارع منطق الوجود ذاته، لكنها في الوقت ذاته تمنح صاحبها نوعًا من العزاء والتسلّي.

 سينما الشوق الباهر

تبدو سينما وونج في حالة تدفق مستمر، سينما باهرة وفيّاضة، تمور في حركات دقيقة، تشعر الكاميرا بالوجوه والملابس، يصبح المطر الغزير أو دخان السجائر المتماوج ملموسًا بشكل مباشر تقريبًا في رقصة سينمائية قوامها صور فاتنة وآخاذة تملأ العين وتدعوها للسرحان. شوارع حكايات مدينته الكبيرة، كما في«Fallen Angels» أو «Chungking Express»، تسطع في بعض الأحيان على نحوٍ مبالغ في لمعان الأضواء النيونية، وأحيانًا تتوهَّج بخشونة الباستيل، عاكسةً اللاندسكيب الروحي لقاطينها: سينما مثل تيار من الوعي أو «مادلين» مارسيل بروست، تنبع منها ذكريات وأشواق وتجارب وعواطف.

من فيلم Fallen Angels

بالنسبة لوونج، كل هذا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفضاء التجريبي لهونج كونج وتاريخها المعقّد والحزين، وهي مكان متكرر لأفلامه وقصصه. إحساسه باللحظات العابرة والدخول في دوامتها العاطفية، وما يتبع هذا الإدراك/الإحساس من سيادة حالة من الميلانكوليا على حاضرٍ يختفي بالفعل باعتباره ماضيًا مستقبليًا، ينقل -ليس أقلّه من خلال موسيقاه التصويرية الجذابة- شعورًا فريدًا بالحياة ويلامس روح العصر، عصرنا الحالي، بطريقة آسرة.

في واحدة من الإضافات العديدة التي تضمّنها إصدار البلوراي الخاص بأعمال وونج وونج (صدر في أواخر العام الماضي)، يعاين المرء جانبًا من كواليس تصوير فيلمه«2046». وفيه يمكن للرائي أن يختبر بشكل مباشر مدى تشابه أساليب عمله مع جماعة الموجة الفرنسية الجديدة: مشاهد مصمّمة في وقت قصير، ولقطات تتغيّر بعفوية. لا يستغرق الأمر وقتًا طويلًا، وإنما لقطات قصيرة تتكرر مرة بعد أخرى. تتحرك الكاميرا ببطء شديد فوق موضوعاتها، كما لو كانت تداعبها بنظرتها، بطريقة تذكّرنا إلى حد ما بنظرة المتلصّص أو المولع في اهتمامها بالتفاصيل. ينسّق المخرج باستمرار حركة الكاميرا، وهذا أيضًا، قبل كل شيء، مسألة توقيت. هنا، شخص يعرف بالضبط ما يريد وينتظر حتى يحصل عليه. في غرفة المونتاج، يكتمل كل شيء عبر شهور من العمل، منظومًا عبر إيقاع لطيف من تكرارات بالكاد يمكن إدراكها وموسيقى يتردّد فيها صدى القادم بالفعل، فيما الحاضر يسكنها؛ غالبًا يحمله ويدفعه تعليق صوتي يتكلّم بلسان دواخل الشخصيات، ويظهِّر ما لم يُقال أو ما لم تسمح به الفرصة لأن تنطقه الألسنة في الوقت المناسب. شيء أشبه بالحنين إلى قصص لا يمكن روايتها أبدًا، ربما تكون قد حدثت وربما لم تحدث قط.

 السينما كتيار للوعي

أخرج وونج عشرة أفلام طويلة حتى الآن. بالإضافة إلى ذلك، هناك عشرات الأفلام القصيرة والإعلانات التجارية الرائعة التي تتجاوز قيمتها الجمالية قيمة الأعمال العَرَضية. من السهل نسبيًا تسمية السمات المشتركة لأسلوبه وسرده السينمائيين: سينما مفرطة الرومانسية، في متابعتها أشواق ولهفات واشتهاءات وصبوات ورغبات و«شحتفات»، ولا تخجل من فعل هذا بوسائل ملموسة، يعيب عليها البعض ابتذالها. الألوان في أفلامه غنية ووفيرة، بطريقة لا نراها عادة سوى في أفلام بيدرو ألمودوفار، في الأغلب صارخة ومتوهجة، وأحيانًا رقيقة. غالبًا ما تكون متتَامّة، وكثيرًا ما تُظهر الإضاءة تأثّرها بأنواع معينة: أولاً وقبل كل شيء بأفلام النوار في الأربعينيات، وخليفتها المتمثلة بأفلام العصابات في هونج كونج حتى الآن، مثلما بالميلودراميات الهوليوودية من خمسينيات القرن الماضي، وسلائفها الأوروبية ومعارضاتها البارزة في أعمال راينر فيرنر فاسبيندر. وكذلك من الموجة الجديدة، خصوصًا جان لوك جودار الذي يظهر جليًا تأثير أفلامه المبكرة في الأفلام الأولى لوونج.

من فيلم Dyas of Being wild

يتلألأ عمل كاميرا كريستوفر دويل. الصور تتدفق وتتنفس بشكل محسوس، لا توقف، لا مكان. وهكذا، في السينما الكبيرة، يشعر المرء دائمًا أن هناك كائنًا حيًا وراء نظرة المخرج هذه، وليس إلهًا صارمًا أو موظّف يؤدي مهامه. سينما مائرة بكاميرا دائمة الحركة، وزوايا تصوير حادة، وقطعات مونتاجية غريبة ومفاجئة، وصور شخصية وعاطفية ورقيقة بمسامٍ مفتوحة تتفاعل من خلالها مع العالم الخارجي. وأحيانًا مثل قصاصات من الانطباعات والأفكار والمشاعر، فلا تتظاهر سينما وونج أبدًا أن بإمكانها تصوير العالم على الشاشة بشكل موضوعي. في أفضل الأحوال، يمكن اختبارها وتجربتها بشكل شخصي، وكل صورة من صورها، كما أسلفنا، مثل «مادلين» بروست، بوابة مفتوحة على ذكريات وتجارب وعواطف..

 سياسة وسيكولوجيا

والحال كذلك، من السهل إهمال الجانب السياسي والتاريخي في عمل وونج، المولود في شنغهاي عام 1958، قبل أن تهاجر عائلته إلى هونج كونج البريطانية عندما كان طفلًا. الاختلاف بين البيئتين شاسع وفارق، وما سعي الصين لفرض سيطرتها على تابعتها القديمة وصعود حركة داعمة للديمقراطية في هونج كونج إلا تلخيصًا شارحًا للفارق بين عالمين متناقضين تقريبًا.

بالطبع لا تأتي السياسة في عمل وونج على نحوٍ صارخ، بل في تمتمات عابرة، إنما بليغة وماكرة، تقول أشياء عن الإمبراطورية الكبيرة وتحولات السياسة العالمية. تتردّد أصداؤها تحت الخطوط الرئيسية لمعظم أفلامه.

«2046» يبدأ بسيناريو مستقبلي لعالمٍ تربطه شبكة عالمية من السكك الحديدية، بينما تتزامن نهاية «Happy Together» مع نهاية الاحتلال الإمبراطوري البريطاني لهونج كونج. الشخصية الرئيسية في القصّة الأولى من «Chungking Express» تتورّط في صفقة لتهريب المخدرات مع مجموعة من العمال الجنوب آسيويين الذين يعانون أوضاعًا معيشية ووظيفية صعبة في هونج كونج. كذلك في الفيلم نفسه، لا يمكن التغاضي عن وجود لافتات للشركات الأمريكية الكبرى مثل ماكدونالدز وكوكاكولا، تومئ إلى قوى اقتصادية وإنتاجية تعمل في الخلفية وترسم بشكل فعال مسارًا لشخصيات وونج وسردياتها في سَيَر آخرين، أو العكس، الأمر وثيق الصلة بتعزيز الحاجة الدائمة لدى كل شخصياته إلى تجميع قطع من ماضيهم الضائع.

من فيلم Happy Together

بالمثل، نادرًا ما يكون الجانب السيكولوجي عميقًا في عمل وونج، ولكن هناك دائمًا مستو روائي نفسي ثانٍ في أفلامه يكمن في المرئيات: لقطات بطيئة الحركة، وتكرارٌ يستحضر اعتياد وحميمية الطقوس، بؤس السأم اليومي، ميلانكوليا التوق المضني إلى تجاوز حدود الزمن. ولكن قبل أن يتمكن المرء من الغوص مرتاحًا في مثل هذه المشاعر، يقاومه المخرج بقطعات مونتاجية تخلق أحجيات صغيرة، ومشاهد متحركة بسرعة إلى الأمام، مع خلفيات بألوان مائية. بمثل هذه الاختيارات الفنية، تميّزت مرئيات وونج، وأحدث ثورة سينمائية صغيرة في منتصف التسعينيات، أقلّه بصريًا، بالنظر لتزامنه مع سينما الدوجما التي ظهرت في الوقت ذاته والميل للسرد غير المتسلسل (أو التأريقي، إذا أردت) الذي اكتشفته هوليوود فجأة في التسعينيات أيضًا. الفارق الجوهري أن وونج يتخلّص من المفارقات وإيماءات المعرفة المشتركة (اللازمة والضرورية) والمسافة التي يقطعها هذا النهج. وبدلًا من ذلك، يأخذ المواد والمشاعر على محمل الجدّ. والنتيجة؟ عمل مفعم بالحيوية ومتحرّر ولا يُطالب مُشاهده بأي التزامات أو خبرات فُرجة سابقة. ربما لهذا السبب تحظى أفلامه بشعبية عالمية بين محبّي السينما، أو بالأحرى محبّي السينما البديلة السائدة، إن جاز التعبير.

 سيرة الزوال

قبل ثماني سنوات، أصدر وونج فيلم «The Grandmaster»، وهو آخر فيلم روائي طويل له حتى الآن. إلا أن «2046»، بمعنى ما، يبقى آخر فيلم «حقيقي» له. هو تتويج لعمله بجمعه بين إمكانيات صناعة الأفلام المختلفة التي أنجزها في أعماله السابقة. لا شيء مما أنجزه وونج تجاوز هذا الفيلم، فهو بحدّ ذاته مستقبل سينماه بالفعل، والسينما بشكل عام أيضًا. إذا شاهدت أفلام وونج مرة أخرى الآن، فسوف تندهش من مدى إبانتها لما ينقص السينما المعاصرة: تقديرها وانتباهها للزوال والعبور السريع.

الزائل هو ثيمة وونج الأثيرة. في أفلامه، يرتبط الحميمي ارتباطًا مباشرًا بالمجهولية/ anonymity، بالوقتية/العَرَضية، بالعبور سريعًا، بالشعور المكرور بالوحدة والهجران في خضم الحياة الحديثة. مرة بعد أخرى، وفيلمًا وراء فيلم، تحاول الشخصيات اختراق مديوكورية واختلال وجودها المسرنم.

من فيلم «2046»

في الوقت نفسه، وبرغم ميلانكوليتهم الجليّة، تكتشف (وأحيانًا تحتفل) هذه الشخصيات الانجراف واللامبالاة كحالات أصيلة للحداثة، خاصة في فضاء أصبح فيه التحول المستمر جانبًا محددًا للحياة، كما هو الحال بالنسبة لهونج كونج. منذ زمن بعيد، كانت مدينة هونج كونج الساحلية مفترق طرق للثقافات والعقليات المتنوعة، وأيضًا مكانًا للنفى. يبدو كل جانب من جوانب الحياة في حالة تغيُّر مستمر، حيث يبلغ متوسط عمر المباني 20 عامًا، وتُنتزع شوارع جديدة باستمرار من مياه المحيط. من الصعب تحديد هوية واضحة، بل الحركة الدائمة نفسها -وهي حركة محددة للغاية في أماكن معينة- هي هذه الهوية. 

أطلق علماء الثقافة على هذا الوضع في هونج كونج «ثقافة الاختفاء»، كما يخبرنا أكبر عباس في كتابه البارز «هونج كونج: ثقافة وسياسات الاختفاء» (1997)، الذي يبدأ من حقيقة أن هونج كونج ليس لديها ماض ما قبل استعماري وإنما حاضر استعماري، ودائمًا على وشك الزوال؛ ليبني أطروحته حول هونج كونج باعتبارها شكلًا معينًا من أشكال الوجود لمراوغة الفضاء الاستعماري ومعالجة أزمة اضطراب الهوية.

يعني الوضع السياسي الخاص لهونج كونج أيضًا أن الحاضر يُنظر إليه هناك على أنه ماضٍ مستقبلي، وأن نهايته مكتوبة بالفعل. كان هذا صحيحًا على الأقل منذ المعاهدة الصينية البريطانية لعام 1984، والتي حدّدت «نقل ملكية» هونج كونج من المملكة المتحدة إلى جمهورية الصين الشعبية في العام 1997، وفي الوقت نفسه نصّت على مرحلة انتقالية مدتها 50 عامًا بموجب مبدأ «دولة واحدة ونظامان». يركّز وونج بالفعل على العام الأخير من فترة «الانتقال» هذه بفيلمه «2046»، الذي يؤرخ عنوانه للعام الأول المفترض من تسلُّم الصين لسيادة الجزيرة. تمثل هونج كونج المستقبلية في الفيلم نقطة تلاشي للانطباعات المختلفة لهذه المدينة منذ الستينيات. يتحدّث «2046» عن هذا دون إظهار المدينة ولو لمرة واحدة.

رؤية وونج لهونج كونج في أفلامه الأخرى حزينة أيضًا، إذ يتخلّلها شيء من المرارة على الاختفاء القريب لتلك القدرة على الاختفاء، وفي نفس الوقت مع علمه بعقم ولا جدوى هذه المرارة يخلق شرارات عاطفية من هذه المعرفة. أفلامه لا تستسلم للاختفاء، لكنها تمنحه مساحة وفضاءً. هذا «الحنين إلى الحاضر»، التأمُّل في الحاضر كماضٍ مستقبلي، هو حنين مبدع، لأنه يحتوي على فانتازيات عصرٍ، وخيالاته، وفقط في أخيلة هذه السيناريوهات الفانتازية يتكشَّف مستقبل محتمل. حتى إنه يحتوي على ذلك الحنين المُفارِق لشيء مجهول، غير محدّد الملامح والمعالم، لا تدركه الشخصيات ولا الجمهور ولا حتى المخرج نفسه. عزاء فلسفي؟ ربما. المؤكد أنه على خلفية الاضطرابات السياسية الحالية، ونضال العديد من سكان هونج كونج للحفاظ على حرياتهم المدنية وحقّهم في تقرير المصير، أضحت هذه الأفلام بمثابة كبسولات زمنية تحافظ على مستقبل وإمكانيات الماضي.

وهكذا، مثلما تهرب شخصياته من واقعها صوب احتمال عالم بديل، يحرّر وونج الواقع القلبي/الروحي/الداخلي، مثلما روح العصر وموقفه تجاه الوضع/الحياة، وأيضًا يحرّر خيالات وسيناريوهات باحتمالات مغايرة وبديلة. كما لو مصادفة أو بعفوية غير مقصودة، وبأشياء غير محدّدة وانطباعات عابرة، تنشئ أفلامه مساحات معقدة من ذاكرات وأخيلة ماضيات أكثر فعالية من أي وثيقة «موضوعية» للواقع الخارجي. وونج كار واي هو مؤرشف الخيال والأحلام. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن