سيمون.. عن الهواية والخفة وفن التخلي
اختارها خيري بشارة كممثلة، دون سابقة معرفة أو تجربة تمثيلية، لتقف بجانب فاتن حمامة في فيلم «يوم مر ويوم حلو» (1988) وهي ما زالت شابة لم تتخطَ عامها الثاني والعشرين، اختار لها كلمات من قصيدة «دي سحالي» لفؤاد حداد لتغنيها. تلك الدندنة البسيطة التي لا تتعدى الدقيقة كانت أشمل ملخص لمشوار سيمون الفني، بشكل عام والغنائي بشكل خاص، «أنا حُرَّة وأموتْ في الحريَّة، ومزاجي أعمل سحليَّة/ أزحف ع الأرض وع الحيطة، وأطلع وأنزل وأعمل زيطة، وأضرب في الشمسْ طرمبيطة/ أنا حُرَّة بديلي وبراسي، وما حدشّ يكتم أنفاسي، وما أحطش ماسك لإحساسي/ ولا أحْط قزاز ولا أقفل شيش، عقلي يا هزاز كلك نغاشيش.»
وكما اختارها بشارة صدفةً للتمثيل، جاء اكتشافها كمطربة صدفة أيضًا. عام 1986، يتأخر مطرب حفلة كلية آداب عين شمس عن الحضور -أغلب القول إنه مدحت صالح- فتضطر سيمون للصعود إلى المسرح، والغناء مما كانت تحفظه من أغاني مصرية وفرنسية، بحكم دراستها في قسم اللغة الفرنسية، لتتفاجأ بتقبل الجمهور لها، كما تكتشف شعورًا جديدًا بداخلها، كأنها تنتمي للمسرح منذ طفولتها.
استمع لها في تلك الحفلة صديق العائلة والشاعر الغنائي، جمال عبد العزيز. كانت مفاجأة بالنسبة له أن تلك الصبية التي يعرفها جيدًا، تمتلك هذا الصوت الناعم الجميل، بجانب الحضور الطاغي والطاقة التي تتحرك بها كالفراشة على المسرح، كأنها مطربة وفنانة استعراضية ذات خبرة ورصيد كبير من النجاح، فقرر تقديمها إلى صديقه المنتج الغنائي طارق الكاشف، ليقدمها إلى الساحة الفنية.
السؤال الأول: كيف نقدم ذلك الصوت للجمهور؟ ما الجديد هنا؟ كيف ستنجح؟ طارق الكاشف منتج فني ورجل أعمال ذكي، ويعرف من أين تؤكل الكتف. فلتظهر سيمون كما هي دون أي تدخلات فنية أو تجارية، بملابسها العادية وتسريحة شعرها وحركاتها الراقصة على المسرح. سيمون حالة أكثر منها مطربة، كل شيء سيصبح واضحًا أمام الناس. صبية صعدت من وسط الجمهور، وبدأت للتو في الغناء والنجاح، واستكمالًا لصنع شكل سيمون الفني، اختار لها ألحانًا غربية، لجميع أغاني ألبومها الأول «تاني تاني» عام 1987. مطربة خرجت من الجمهور، فبالطبع لا تمتلك ألحانًا خاصة بها بعد. هذا هو الشعور الذي أراد الكاشف أن تشعر به سيمون، فلا تغير طبيعتها وتتوتر من كونها أصبحت نجمة، أو بدأت مشوار الاحتراف الفني، دعوها تُكمل كهاوية. تلك خطة جيدة.

نفذت سيمون الخطة بكل إتقان، وقدمت عشر أغاني في ألبومها الأول. كتب الكلمات مكتشفها جمال عبد العزيز مع مجدي النجار وعنتر هلال، ووزّع الأغاني فتحي سلامة ومحمد هلال، لتنطلق سيمون بكل خفة كالفراشة في فضاء الساحة الغنائية، بوسائلها القليلة، شريط كاسيت وفيديو كليبات على قنوات التليفزيون المصري.
ومع طارق الكاشف، تحولت أغنية كُتبت عن فرانك سيناترا للفرقة الغنائية «Sister Sledge» إلى أغنية «تاكسي»، التي نجحت بشكل كبير، رغم أنها لم تكن أغنية الألبوم الرئيسية، خاصة بعد ما استُخدمت في بداية تتر برنامج «تاكسي السهرة» الذي يبدأ بصوت صبية طائشة متسرعة تنادي: تاكسي.
https://www.youtube.com/watch?v=GoV64qXsA98
حمل الألبوم الأول الكثير من التجريبية، خاصة في كتابة كلمات تتماشى مع الألحان الغربية، مع إضافة البصمة الشرقية المصرية عن طريق التوزيع، وأيضًا كانت هناك مهمة اختيار الأغاني الأجنبية التي سيجري تحويلها، ووقع الاختيار على أغاني نجحت في نفس الفترة، بالتالي كانت مهمة الموزعين بجانب المنتج طارق الكاشف. فنجد «Cheri Cheri Lady» أصبحت «تاني تاني»، وعلى لحن «Brother Louie» تغني سيمون «قلبي اللولي»، والاثنان لنفس الفرقة الغنائية «Modern Talking»، وعلى مقطوعة «bright eyes» نسمع أغنية رومانسية هادئة مصرية بصوت سيمون «وياك»، وأغنية «راح فين» هي في الأصل «Bad Boy»، وهكذا عشر أغاني، هم عدد أغنيات الألبوم.

«لقد نجحنا.. لقد نجحنا» أعتقد كان ذلك لسان حال جميع العاملين على الألبوم، وعلى رأسهم سيمون بالطبع. فجأة أصبحت مطربة معروفة ومشهورة وناجحة. كل ذلك من ألبوم واحد، لكنه قدم شيئًا جديدًا، شيء جاء على غرار الموسيقى البديلة وغناء الفرق الموسيقية، لكن تلك المرة بصوت نسائي منفرد، وله شخصية وبصمة منفردة، مثل أغنية «هالو ميدو» والتي تشبه أغاني فرقة المصريين، ولكن في الوقت نفسه، بصمة سيمون ظاهرة وواضحة. وأعتقد أن من أكبر دلائل نجاح الشكل الذي قدمته سيمون، أنه لا يصلح لغيرها. صوت نسائي آخر من نفس الجيل سيكون غير قادر على إخراج الأغنية بنفس خفة وهدوء وبساطة سيمون.
إذن، على الكاشف استغلال النجاح، فكان الألبوم الثاني «ميرسي» عام 1988، عشر أغاني أيضًا، سبع منها على نفس نهج الألبوم الأول، يمكننا أن نعتبره الجزء الثاني منه؛ كلمات خفيفة وأسماء أغاني مختلفة مثل «كازانوفا» و«إيشي إيشي» ولغة شبابية صريحة وواضحة وتجربية كما قلنا. التجربة تحتم على الشعراء أن يبحثوا عن كلمات جديدة ومختلفة تُكمل الصورة الفنية لسيمون، حتى أفكار الأغاني تحمل الكثير من الانطلاق والحرية والمبادرة.. المبادرة في الاعتراف بالحب أو إنهاء العلاقة.
ضمن الألبوم لحن أغنية مادونا «la isla bonita» في أغنية «أنا اللي ناديتك»، وأغنية «I Should Be So Lucky» في أغنية «بحبك قوي»، لكن كان ضمن الألبوم ثلاث أغاني صُنعت من البداية لسيمون، لتكون المرة الأولى التي تغني فيها سيمون لحنًا ليس أجنبيًا. وكان الأمر أشبه بأن «دعونا نجرب أن نصنع نحن نفس الشكل ولكن دون الاستعانة بألحان خارجية» فجاءت أغنية «ميرسي» كلمات جمال عبد العزيز ولحن إبراهيم فهمي، لتكون الأغنية الرئيسية في الألبوم الثاني، وتشبه نفس أغانيها السابقة. ليس هذا وقت المغامرة وتقديم شيء خارج إطار النجاح المرسوم من البداية.

أما الأغنية الثانية فكانت «أنا كده»، والتي عبرت بشكل ما عن شخصيتها المرسومة لها «أنا كده متعودة أعيش كده، دي خطوتي ودي ضحكتي، ودي حدودي ودنيتي» ثم الأغنية الأخيرة كانت أغنية وطنية «حلوة يا مصر» من كلمات وألحان مروان سعادة.
تفتخر سيمون دائمًا بأنها أول من قدمت شكل الفيديو كليب في أغنية «تاكسي» لكن واضح أن تصوير العديد من الأغاني كان ضمن خطة التسويق، فالأمر ليس مقتصرًا على حالة صوتية، لكن حالة مكتملة من الصوت والصورة والفيديو، أن يشعر الجميع أن تلك المطربة النجمة تشبهنا بشكل كبير. لكن، كان السؤال الهام في تلك المرحلة، ما مدى قرب تلك الشخصية الفنية المصنوعة من شخصية سيمون الحقيقة؟ ما مدى توافق تلك الأفكار والكلمات والطريقة الغنائية من شخصية سيمون الحقيقة؟

سيمون بنت منطقة شبرا، تربت داخل بيت هادئ وبسيط، وتعلقت بوالدها فيليب كامل، ودرست في مدرسة «نوتردام» بمرحلتي الابتدائي والإعدادي، وبعد ذلك التحقت بمدرسة «الراعي الصالح» في المرحلة الثانوية، والتي كان لها دورًا هامًا في تشكيل شخصيتها، من خلال الدراسة أو حتى الخروج في رحلات خيرية مع المدرسة لدور المسنين والملاجئ وحتى مستشفيات الجذام، مما صنع فارقًا في طريقتها في التعامل مع العالم الخارجي. هي نفس المدرسة التي تعلمت فيها داليدا بنت حي شبرا أيضًا، لذلك عندما غنت سيمون أغنية وطنية كانت بإمضاء مروان سعادة، صاحب كلمات أغنية داليدا «حلوة يا بلدي» وكانت سيمون تغني أغاني داليدا في بدايتها، بجانب أنها تتقن اللغة الإنجليزية والفرنسية من الدراسة، وتغني بشكل غربي ومختلف. كانت كل تلك الأمور مسؤولة عن تكوين شخصيتها الفنية. فهي وإن كانت صناعة جيدة لطارق الكاشف، لكنها أيضًا كانت شخصية تشعر بمكانتها وحريتها من قبل دخول عالم الفن والشهرة، تعرف قيمة الحرية في حياتها الأسرية، استطاعت أن تعبر عنها بكل سلاسة في أغانيها، لذلك جاءت بصمتها وشخصيتها بشكل أصيل، وذلك إن دل فيدل على ذكاء الكاشف في اختيار الثوب المناسب للشخص المناسب، دون افتعال أو تضليل.

مع انطلاقة التسعينيات، وبداية نجاحات حميد الشاعري، كان لا بد من التعاون معه، على الأقل من الناحية التجارية والتسويقية أكثر منه احتياجًا فنيًا، فكان ألبوم «بتكلم جد» عام 1991. جاء الألبوم في قسمين، الأول كما عهدنا سيمون في الألبومين السابقين، الاعتماد على ألحان غربية مع توزيعات شرقية، مثل «تومبا» و«حكايات» و«حياة» و«ليلة في ليلة» وهو نفس اللحن الذي قدمته في «أجمل دنيا» من كلمات عبد الرحمن أبو سنة، في ألبوم «لقاء النجوم» عام 1989، وهي الأغنية الوحيدة من ذلك القسم التي كتب كلماتها الشاعر الشاب عادل عمر، وباقي الأغاني كانت مع رفيقها جمال عبد العزيز. ورغم تغير الموزعين، وظهور طارق مدكور وأحمد الجبالي، لكن الأغاني حافظت على شكل سيمون المعتاد.

القسم الثاني جاء استكمالًا لصناعة ألحان سيمون الخاصة. فمع ظهور نجاحات المطربات الأخريات، وبداية ظهور منافسة حقيقية على الساحة، كان لا بد من التخلي -ولو بشيء صغير- عن الشكل المعتاد لها، والسباحة مع التيار السائد وتقديم أغاني ببصمة التسعينيات. جاءت النتيجة مخيبة للآمال. المزج بين السائد وشكل سيمون لم يولّف بشكل جيد. في أغنية «بسكويت» و«عينه مني» و«الهنا هنا» كان صوت سيمون مختلف، اختفت الراحة المعتادة فيه. ذلك لا يناسبها، وعند البحث عن السبب بجانب ما ذكرناه، تجد غياب فاسوخة النجاح ومكتشفها جمال عبد العزيز عن تلك الأعمال.

ربما كان كل ذلك لا يعني شيئًا، طالما هناك الأغنية الرئيسية للألبوم، الدويتو المنتظر بين سيمون وحميد «بتكلم جد» بعد تجربة دويتو «مبهورة» مع مصطفى السقا في ألبومها الأول، المأخوذ من لحن «one more night» لكن هذه المرة الدويتو مصري تمامًا. سنستعين بكلمات جمال عبد العزيز، أكثر شخص قادر على التعبير عن شخصية سيمون، ثم نترك الأمر في يد حميد الشاعري، يلحن ويوزع ويشارك في الغناء أيضًا، ثم لا ننسى تكملة فكرة التسويق، تصوير كليب بسيط للأغنية، ويحمل الكثير من الدفء والحميمية. جاء الدويتو ليصبح من أشهر الدويتوهات في تلك الفترة، ويحقق نجاحًا وشهرة لسيمون حتى وقتنا ذلك، «دانا قلبي وليد فرحان وسعيد لا هو حمل كلام ولا جذب وشد.»
«أنا عمري ما كنت ملاك بيطير/ أنا بنت عادية لا عايزة أمير ولا حد يلومني إن سبت حبيب/ ما أنا أصلي فقيرة وهو فقير» تلك الدندنة البسيطة مرة ثانية مع خيري بشارة، في فيلم «آيس كريم في جليم» (1992) وكأنها إعلان عن بداية مرحلة جديدة، مرحلة بفريق عمل جديد تمامًا، بداية من شركة الإنتاج، فمن طارق الكاشف إلى «صوت الدلتا» بجوار بطل الفيلم عمرو دياب، وإطلاق ألبوم «آلو» في العام نفسه، وظهور شعراء وملحنين وموزعين تتعاون معهم سيمون لأول مرة، فنجد مدحت العدل ورضا أمين من الشعراء، بصحبة عنتر هلال من الحرس القديم، وعادل عمر ومجدي النجار، رواد تجربة التسعينيات، وفي التلحين والتوزيع تظهر أسماء كثيرة جديدة، مثل محمد محي وإسماعيل البلبيسي وحسام حسني وأشرف محروس وفاروق الشرنوبي وطارق مدكور، نحن أمام تغيرات كبيرة وتأكيد على نجاح سيمون وخطة طارق الكاشف وجمال عبد العزيز.

ذلك الألبوم هو اكتشاف تلك الرحلة. لو كانت سيمون أكملت مشوارها الفني لمدة طويلة، لكان ذلك الألبوم له قيمة أكبر بكثير، وكان سيصبح له تعامل خاص مثلما يحدث مع ألبومات عمرو دياب من نفس الفترة. ألبوم متكامل، سبع أغنيات وألحان مصرية شبابية، ومثقلة بالتوزيعات الجيدة والمتماسكة والمتنوعة، لتأكيد أن الخطة نجحت والانتقال من مرحلة إلى مرحلة جديدة جرى تدريجيًا وبشكل مثالي، تنوعت الأغاني وحملت بصمة سيمون في الكلمات لتثبت أن كل ما سبق من أفكار وآراء كانت تعبر عنها بشكلٍ ما، وأنها مستمرة في اكتشاف مناطق جديدة في أغنية بوب التسعينيات، مثل «أنا مش سمعت» والتي تكشف فيها خيانة حبيبها، لكنها تقول في الأغنية «شوفتك وخايفة عليها هي/ إن كان عليّا أنا قوية/ ولا بداية الدنيا انت/ ولا نهاية الدنيا هي.»
لا تنسى سيمون ولا «صوت الدلتا» أن سبب نجاحها هي الألحان الأجنبية، وأن لها جمهورها أيضًا، ويجب أن نحافظ على ذلك الجمهور، ليستمع لما يحدث من تجديد هنا، لتنقلب الآية وتصبح الأغنية الأجنبية هي الدخيلة على الألبوم، وتخرج لنا أغنية «مبسوطة» أو المعروفة بجملة «ماشية وساعتي مش مظبوطة/ ولا فين رايحة ما كنتش عارفة/ لكن ماشية وأنا مبسوطة/ ماشية بخطوة مش خايفة»، تلك الأغنية التي عبرت أكثر عن سيمون وعن ما كنت دائمًا تحاول التعبير عنه في أغانيها. الأغنية من كلمات رضا أمين وتوزيع أشرف محروس، أما اللحن الأصلي فهو لحن أغنية «Tom's Diner» ومعلومة خاصة لمحبي المسلسل الأمريكي «ساينفيلد» فتلك الأغنية عن مطعم توم في نيويورك، وهو الاسم الحقيقي للمطعم الشهير الذي يجلس فيه أبطال المسلسل طوال حلقات المسلسل.
إذا كان الفنان مبصرًا ويملك وعيًا ورؤية، سيسمحان له بالاستمرار في النجاح مهما تغيرت المعطيات. بعد النجاح فنيًا مع «صوت الدلتا» اتجهت سيمون إلى شركة «ديجيتك» لتقدم ألبوم جديد بفريق عمل مختلف عن الألبوم السابق، ورؤية فنية مختلفة للشركة والمتعاونين معها من ملحنين وشعراء. من «صوت الدلتا» مع عمرو دياب إلى «ديجيتك» مع محمد منير. يمكنك من هنا تفهٌّم فكرة الاختلاف بين الشركتين، فنسمع سيمون مع محمد ناصر ووجيه عزيز في «ماشية في حالي» ومع بهاء الدين محمد ومودي الإمام في «صدقني بحبك» لكن تظل سيمون قادرة على شرح وتوضيح أفكارها لفريق العمل، ليخرج العمل أقرب إليها من أي شيء آخر، وهكذا جاء ألبوم «أحب أقولك» عام 1994.

وذلك يجعلنا نقف عند أغنية الألبوم الرئيسية «أحب أقولك» التعاون الأول مع عصام عبد الله، بجانب أغنية «عايزة أصرخ» في نفس الألبوم، أغنية درامية حزينة، شكل جديد راهنت عليه سيمون مع شركة الإنتاج. وتحكي عن «أحب أقولك» أنها كانت أول أغنية تعجب بها، وكانت تريد تضمينها في ألبوم سابق، وتحدد مقطع «أحب أقولك، إني قبلك كنت عايشة وإنى بعدك هبقى عايشة وإن فيه 100 ألف زيك» لكن طارق الكاشف رفض تلك الأغنية لأن الخطة كانت تقديم أغاني خفيفة. احتفظت سيمون بالأغنية حتى خرجت في ذلك الألبوم. وأرى أن الكاشف كان على حق، خروج مثل تلك الأغنية من سيمون في توقيت أبكر كان سيقابل بالرفض من الجمهور، الأغنية جاءت في الوقت المناسب، ومع ملحن وموزع مثل مودي الإمام.
أما الألحان الأجنبية فأصبحت تُصنع خصيصًا لسيمون، مثل أغنية «في الجنة» والتي صنعت لمهرجان «الصداقة المصرية اليونانية» وغنتها سيمون باللغة اليونانية بجانب العربية، مع الملحن جريغ اراب، ومن كلمات وائل هلال وتوزيع أحمد الناصر وعمرو أبو ذكري، ونجحت الأغنية بشكل كبير، خاصة مع شك الجميع في أن سيمون لها أصول غير عربية، لأنها تتحدث الفرنسية بشكل جيد.
تغيير ثالث لشركة الإنتاج، والانضمام لـ«روتانا» الجديدة في السوق المصري، يرينا أهمية سيمون على الساحة الغنائية في مصر، وبداية دخول عالم التنافس خارج حدود مصر. فمرة ثالثة نجد فريق عمل جديد ينضم إلى سيمون في ألبومها «في حاجة كده» 1996، مع عصام كاريكا ومجدي نجيب وبهاء الدين محمد وكوثر مصطفى وحسن رياض ومدحت الخولي. ورغم ذلك كل تلك التغيرات ما زالت سيمون قادرة على الحفاظ على شكلها وحالتها الخاصة.
بعيدًا عن النجاح الكاسح الذي حققته أغنية «مش نظرة وابتسامة» من الألبوم، مع الثنائي وجيه عزيز ومحمد ناصر، والتي جاءت كتعبير فني متكامل عن شكل سيمون الغنائي الذي عملت على بنائه على مدار تسع سنوات، وست ألبومات، لكن جاءت أغنية أخرى من الألبوم في التعاون الأول مع الشاعرة كوثر مصطفى، لتكتب كوثر أغنية في شكل قصة قصيرة مشهدية، وهو الشكل المقرب لسيمون، فجاءت أغنية «كان زمان» بتوزيع مختلف ولحن فلكلوري، وطريقة غناء جديدة على سيمون، «طفلة وكانت قادرة تغني قادرة تحب، وقادرة تروح تفرح لما يدق الباب لما السكة تجيب أصحاب، طفلة وكانت عايزه تصدق إن البحر ماهوش بيغرق، هربت مني وراحت فين، أنا مش هي بقى لي سنين»
وصلت سيمون إلى مرحلة من النضج الفني والذكاء والنجاح، ما أهلها إلى حفر اسمها في تاريخ الغناء المصري، خاصة مع تخبط كثير من مطربات ذلك الجيل، واختفاء أغلبهن واعتزالهن، لأسباب كثيرة متباينة؛ لم يظل من مطربات جيلين كاملين إلا أنغام. لكن، سيمون كانت دائمًا -وفي أوج نجاحها- لا تحلم بفكرة الخلود أو الاستمرارية أو مصطلحات مثل «العالمية» وكل ذلك. هي تقدم ما تحب وما تراه لا يجعلها تخفيه بعد سنوات كثيرة، لذلك نحن هنا بعد 25 سنة من آخر ألبوم لها نتحدث عن ما قدمته سيمون من منتج فني جميل وسابق لأوانه في تلك المرحلة.

تنقلت سيمون بكل خفة بين الغناء والتمثيل، دون تداخل بينهما، لم تقدم دور المطربة، ولم تغني في أعمالها إلا نادرًا، وبشكل دندنة كما ذكرنا سابقًا. رفضت أعمالًا كثيرة يراها البعض فرصة العمر، حتى أنها عندما سُئلت في حوار صحفي عام 1998 هل تصنف نفسها مطربة أم ممثلة؟ فكان ردها «لا هذا ولا ذاك، بل أقدم فقط أعمالًا فنية، سواء كانت غناء أو تمثيل.» هذه القدرة على التخلي والصراحة مع النفس، جعلتها تنهي مسيرتها الغنائية، وتدخل في تجربة المسرح الغنائي والكوميدي مع محمد صبحي وتبتعد تدريجيًا عن الغناء.

أسدلت الستار على تجربة غنائية فريدة في شكلها وتطورها وتشكيلها، تجربة لو كانت خرجت لنا في السنوات العشر الأخيرة، كانت ستكون تجربة موسيقى بديلة مهمة وملهمة وجرئية في أفكارها المطروحة، حتى وإن جاءت بشكل كوميدي، مثل تلك الجملة في أغنية «مالك بيا».. «روح يلا نام واتغطى/ خد بالك على السلم قطة/ زي السيما طلعت أونطة» رغم ذلك استمرت سيمون في التمثيل حتى وقتنا هذا، وحرمتنا من تجربة غنائية نسائية فريدة.
تقارير ذات صلة
ريما خشيش: «يا من إذا» تحدٍ ومقاومة ورحلة شخصية
تجربة جديدة لريما خشيش في عالم الموشحات
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
ألبوم ياسمين حمدان الجديد.. إلى الحلوين الخسرانين
قراءة في ألبوم «بنسى وبتذكر»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن