تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سكب الملح على التاريخ

سكب الملح على التاريخ

كتابة: أحمد فؤاد الدين 7 دقيقة قراءة

هذا النص ضمن العدد #04 من «مُنتهى الأدب»

لا يتوقف العالم عن محاولة كشف أسرار أعمال ليوناردو دافنشي، وأحد أشهر التفسيرات للوحة العشاء الأخير، كانت ملح الطعام المسكوب على مائدة المسيح والذي يشير إلى يهوذا الذي سيخونه، فصار وصف الخائن بأنه «مَن سكب الملح على مائدة المسيح»، قالها مثلًا عصام الشوالي، المعلق التونسي الشهير، في إحدى مباريات كرة القدم تعليقًا على خطأ لاعب أسفر عن هدف للفريق المنافس، قالها الشوالي بصوته المميز، فتذكرتها وأنا اشتري كتاب تاريخ الملح Salt: A world History لكاتبه مارك كورلانسكي، سحبته من كومة كتب مستعملة في سوق سور الأزبكية الشهير، متوقعًا أن يشبع الكتاب هوسي بفهم العالم من زوايا جديدة، تحديدًا فهمه بعيدًا عن التاريخ السياسي الحربي والصراعات، فتاريخ العالم أكثر تعقيدًا وتسامحًا وتعاونًا مما يبدو في كتب التاريخ السياسي.

لم ألمس الكتاب لشهور كعادتي، ثم قررت في يوم أن أبدأ مع الكتاب رحلة جديدة لفهم تاريخ العالم عبر الملح، تلك المادة البيضاء الموجودة الآن في كل منزل، لكن في أزمان سابقة كانت موضعًا للحرب والافتتان والرغبة.

بدأت الكتاب وظهرت بوادر الدور التعاوني للملح وقدرته على اختراق الثقافات المتعددة عندما بدأ الحديث عن الصويا صوص، سائل أسود اللون، وحاد الطعم، وحادق، يميز المطبخ الآسيوي، لكنه ارتبط في عقلي دائمًا بالمطبخ الياباني خاصة مع السوشي، لاكتشف أن بدايته كانت في الصين لا اليابان. هذا السائل الثابت في المطبخ الياباني لم يكن إلا نتاج تعاون نادر بين الصين واليابان، استعمل الصينيون الملح لتخمير حبوب فول الصويا، ونتج عنها ذلك السائل.

تقدم الكتاب في نفس المسارات المتوقعة، مقدمًا دورًا تاريخيًا للملح لم أعهده، ساهم الملح بخصائصه القاتلة للبكتيريا في حفظ الطعام، وفي عالم بلا ثلاجات يبدو دور الملح حاسمًا في بقاء الإنسان على قيد الحياة في فترات الجفاف أو المجاعات أو رحلات السفر الطويلة، لذلك اكتسب الملح أهميته في تلك الفترة التاريخية. ينتهي الفصل الأول المخصص للصين بالحديث عن تاريخ قوانين الاحتكار في الصين، والتي تركزت بشكل أساسي على دور الدولة في احتكار الملح والحديد كمكونين أساسيين قادرين على توفير الكثير من المال للدولة في حروبها المختلفة، ليتحول الملح -تلك المادة الرخيصة حتى في الأزمان القديمة- إلى مادة نادرة وغالية الثمن بسبب السياسية.

وفي الفصل الثاني وكما هو متوقع اكتشف المصريون القدماء الملح وكل شيء قبل أي أحد، ليس لأنهم اكتشفوه بالفعل قبل أي حضارة، لكن لكونهم الحضارة الأولى التي سخرت الكتابة لتسجيل ما أنجزته، فكان أول ذكر للملح يعود لأكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد -حوالي خمسة آلاف سنة- وانطلق الكتاب ليحكي رحلة المصريين لاستخدام المادة الساحرة في طعامهم وموميواتهم وطقوسهم الدينية، وفجأة ينحرف الكاتب عن مسار الحكي التاريخي الجاد ويذكر كيف أخذ اليهود عام 1250 قبل الميلاد كميات من الملح مع العيش غير المخمر في أثناء رحلتهم للهروب من مصر عبر صحراء سيناء مع نبيهم موسى!

لم يكتف الكاتب بذكر وقائع دينية غير مدعومة تاريخيًا بأنها وقائع موثقة، لكنه حدد تاريخًا لها: العام 1250 قبل الميلاد، ما هي أحداث هذه السنة أو حتى العقد الخمسين من القرن الثاني عشر قبل الميلاد؟

  • مولد هيركليز (تاريخ مزيف).
  • بداية حرب طروادة (تاريخ مزيف).
  • رمسيس الثاني يعقد معاهدة صلح مع الحيثيين عام 1259 قبل الميلاد (تاريخ حقيقي).

إذًا، فالكاتب قرر أن موسى عاش في مصر القديمة في أثناء حياة الملك المصري رمسيس الثاني، وعليه فإن رحلة الخروج من مصر كانت عام 1250 قبل الميلاد، إحدى الحقائق التاريخية المزيفة.

لم يتوقف الكاتب عن ذكر أحداث تاريخية مزيفة، أو دون دلائل تاريخية ضمن فصول الكتاب، أصبحت أكثر حذرًا الآن وأنا أقرأ الكتاب.

هناك معلومة أخرى بالتجهيل، لم يذكر الكاتب الحضارة الفينيقية، وبدلًا منها كتب «في الشرق الأوسط»، لم يذكر الكاتب فلسطين أو لبنان واستبدلها دائمًا بـ«الشرق الأوسط»، هل توقف الكاتب؟ ستظهر كلمة فينيقيين للمرة الأولى عندما يسرد علاقات الدولة اليهودية مع الفينيقيين كما وردت في العهد القديم.

هل أصابتني عقدة اضطهاد وتحولت ناقمًا على الكتاب لأنه يذكر اليهود ويحدد لهم تاريخ ومعالم واضحة؟ أو ربما لم أستسغ أن يكتب في إحدى الفقرات أن «الكفرة العرب» استخدموا البارود في حربهم مع الصليبيين لاستعادة القدس؟

ربما، لكن الحقيقة أن ما يذكره الكاتب ليس تاريخًا بالشكل العلمي المعروف، بل يمكن تصنيفه كتاريخ ديني، أو شعبي، لكنه ليس تاريخ مكتوب للعالم، أو محاولة لإضافة شرعية لحكايات شعبية بوصفها تاريخ فعلي للعالم، هل هذه المحاولة علمية؟

تذكرت فورًا كتاب «تاريخ مصر القديمة» الصادر عن المركز القومي للترجمة، الذي صدر في الأصل عن دار أوكسفورد للنشر، فصوله الـ15 كتبها 15 عالمًا، كل يكتب في مجال تخصصه، ويحكي تاريخ أسرتين من الأسر الـ30 التي حكمت مصر القديمة، لماذا تذكرت الكتاب الضخم ذا الألف صفحة فجأة؟ لأن المشرفين على الكتاب قرروا حسم الجدل وإنهاء أي ذكر غير علمي لحقائق تاريخية عن الحضارة المصرية القديمة، فأتذكر تعليقات متكررة في الكتاب عن فرعون موسى، يرفض الكتاب تسمية الفرعون كبداية، ثم يرفض بشكل أكبر وأكثر حسمًا تعبير فرعون موسى، يكرر الكتاب نفس الجملة «لا يوجد أي دليل تاريخي في الحضارة المصرية القديمة لأي من الوقائع المذكورة في العهد القديم»، هذه الجملة وردت عشرات المرات لتفنيد حكايات لا تنتهي عن فرعون موسى ومجاعة يوسف وكنوز قارون.

كل تلك الحكايات، لا يوجد أي دليل عليها بين آلاف البرديات ومئات المعابد وآلاف المقابر، لم تُذكر أبدًا. هل يعني ذلك أن تلك القصص لم تحدث؟ بالطبع لا، تلك حكايات شعبية ودينية، ربما وقعت أو لم تقع، لكنها بالتأكيد ليس لها دليل تاريخي، وبالأخص في الحضارة المصرية القديمة.

تراجعتُ عن استكمال الكتاب لفترة، لكنني أكملته وأنا متحسس للغاية من كل معلومة تذكر، أترك الكتاب وألجأ للإنترنت محاولًا البحث عن كل معلومة مذكورة، سواء كانت عن نابليون أو الحروب الإنجليزية أو تمليح السمك أو تحنيط المومياوات أو عادات غاندي الغذائية، لم أعد أثق في الكاتب، وصرت أنظر لمصادر معلوماته بريبة، وهو نفس ما وقع لي عند قراءتي لكتاب آخر منذ سنوات بعنوان «تاريخ مصر في العصور الوسطى» لستانلي لين بول بترجمة وتحقيق وتعليق أحمد سالم سالم، ومراجعة أيمن فؤاد السيد، كتاب يتخطى الألف صفحة، ممتع للغاية وفاز سابقًا بجائزة حمد في الترجمة والتفاهم الدولي. تنامت الريبة في عقلي مع قراءتي لهوامش المترجم، هوامش غريبة تدافع بشكل غير مهني عن شخصيات تاريخية فقط لكونهم مسلمين، ينفي عنهم ارتكاب المجازر أو أي أفعال سيئة، ويعزي ذلك إما لعدم ثبات الوقائع التاريخية وإما لأن مَن كتبها كان يهوديًا أو مسيحيًا، فقررت أن أقارن الكتاب المترجم بالنسخة الأصلية، لأجد أن تدخلات المترجم لم تتوقف عند حد الهامش وطالت المتن!

وجدت تغيّرًا في تعليق على سلوك الظاهر بيبرس، الذي كتب عنه ستانلي لين بول أنه تملّكه هوس بالغلمان، لكن المترجم لم يُشر إلى ذلك، بل تعمد أن يذكر تلك المعلومة بغموض معتبرًا أنها «انحرافات» دون توضيح المقصود بذلك، وعندما حاولت التأكد من المعلومة وجدتها في خطط المقريزي مثبتة، ليس على الظاهر بيبرس فقط لكن على كثير من الحكام والقادة المماليك، كذلك وصف المترجم الخلافة السنية بـ«الرشيدة»، والفاطمية بـ«المهرطقة»، وهو ما لم يستخدمه الكاتب الأصلي.

كان أحرى بالمترجم أن يرفض ترجمة الكتاب لو وجد فيه ما لا يتفق مع عقيدته أو يضعها في مقدمة الكتاب كرأي لا مكان له في متن وهوامش الكتاب.

لا يختلف أحمد سالم سالم عن مارك كورلانسكي في شيء، بل ربما أقدم على ما هو أبشع، تغيير ترجمة كتاب لتتناسب مع عقيدة المترجم. كان أولى به ألا يترجم الكتاب إذا لم يعجبه ما قدمه الكاتب، وتساءلت عن جدوى إقحام الحقائق الدينية في الكتب التاريخية، هل يوجد سبيل لحكي التاريخ الشعبي والديني والأسطوري للعالم دون أن نقحمه كحقائق تاريخية؟

وقفت أمام مكتبتي محاولًا إيجاد كتاب نجح في حل تلك المعادلة فامتدت يدي لـ«السيرة الأسطورية للإسكندر الأكبر» لكاتبه ريتشارد ستون مان، 2008، ينقسم الكتاب لعدة فصول، كل فصل يحكي السيرة الأسطورية للإسكندر الأكبر في حضارة ما: هكذا رآه المصريون، أو رؤية المسلمين له، وهنا المقدونيين وهكذا، نجح الكتاب في تقديم حكايات أسطورية وقصص شعبية وأخرى دينية دون الوقوع في فخ وسمها بحقائق تاريخية أو إغضاب أي طرف، فقط قرر حكي كيف رأى الناس تاريخ أحد الأشخاص، دون حكم عليهم أو اعتبار ذلك تاريخ حقيقي، فلا يوجد في الواقع تاريخ محايد أو حقيقي، إنما سرديات تاريخية، ولا يعني ذلك أن الحكايات الشعبية أو الدينية أو الرسمية ذات درجات مصداقية مختلفة، حيث يمكن للباحث أن يجد الكثير من الحقائق في الأساطير أحيانًا أكثر من التاريخ الرسمي، لكن لا يجوز أبدًا تبديل تعريف أي منها، كما كتب يان أسمان في كتابه «الذاكرة الحضارية».

***

بعد عدة أيام من التردد، أنهيتُ كتاب الملح، وسمعتُ كلمات عصام الشوالي تتكرر في عقلي، أنت يا كولارنسكي مَن سكب الملح، لكن على مائدة التاريخ.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن