تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سر عزيز حول إصبعك

سر عزيز حول إصبعك

#122 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: محمد العتر 8 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

في هذا الديتوكس، يتتبع محمد العتر حكاية تعلقه بالخواتم التي كان يراها في أصابع الكبار، حتى يكون كبيرًا مثلهم. ثم اكتشف مع التقدم في العُمر، أن تلك الحلي ترتبط بمعارف وأسرار. لذا يدعونا العتر لتأمّل تلك الأسرار العزيزة المُحيطة بالأصابع.

#دليل #قراءة

حين كنت أرى الخواتم، موزّعة بغير ترتيبٍ على فِرَش سوق الأحد في كراتشي، فضّية غالبًا، مُزيّنة بفصوص تِهبل أي شخص فضلًا عن طفل؛ لم أكن أتمالك نفسي من البحلقة فيها، وتخيّل كفي مُزيّن بخاتم كهذه.

لذلك اتخذت قرارًا: سيكون عندي خاتم. 

المشكلة أن أهلي غير مقتنعين بمسألة ارتداء طفل في رابعة ابتدائي خاتم. لماذا؟ ألا أبدو كبيرًا كفاية يعني ولّا إيه؟ أتخيل الآن كيف كانوا يفكرون، فما المبرر لتدلّي كف طفل في التاسعة بخاتم؟

لم أيأس، وهيّأتُ خاتمًا فضّي اللون، بلاستيكي، بفص أزرق، كان بَناتيًا فجعلته ولاديًا؛ كسرت الوردة البلاستيكية حول فصّه الأزرق، فانطوت خدعته على الجميع، مع الحرص على ألا يقترب منه أحد بما يكفي لكشف حقيقة أمره.

ضاع الخاتم.

الخواتم الحقيقية باهظة الثمن، لكنني في العاشرة سأشتري واحدًا حقيقيًا بما حوّشته من فلوس. مشكلة أخرى تظهر: لا يوجد خاتم يناسب إصبعي الصغير. شكرًا لأبي الذي  نصحني بوضع صمغٍ تحت الحجر ليضيق محيط الخاتم. وكان الحجر عقيقًا أحمر. لاحقًا، بعد سنوات، أهديتُ الخاتم لأحد أصدقائي. ونسيت مسألة الخواتم مؤقتًا. 

في باكستان حيث معظم سكانها المسلمين، كمعظم مسلمي جنوب وجنوب شرق آسيا عمومًا، صوفية أو يميلون للصوفية، بدرجات متفاوتة بين الاعتدال والمغالاة والتطرف، لذا اكتسب لبس الخاتم بُعدًا غيبيًا، خصوصًا في خنصر اليُمنى، على أنها سنّة نبوية، أو في البنصر، أو في الخنصر والبنصر معًا. قلما سترى أحدهم يرتدي خاتمًا في الوسطى، إلا إن كان ثالث ثلاثةٍ: في الخنصر والبنصر والوسطى. وعلى كل حال، يُعتقد أن ارتداء الخاتم في الوسطى تكبيل بكل ما يعنيه: روحي، نفسي، وحتى جنسي، وفي هذه الحالة، فإن ارتداءه عن وعي في الوسطى، يكون بغرض تهذيب النفس عن رعونة شهواتها. وربما خُتم حجابٌ على الخاتم، أو دُسّ فيه أو قرئ عليه.

أما في السبابة فيُعتقد أنه آذان بالحرب، كاستلال السيف، لولا أنها ليست حربًا مادية بالضرورة؛ في «الباطن» تحدث أمورٌ كثيرة. في الوهم تحدث أمور أكثر، ولكل مذهبه في تفسير الماتريكس.

لا أذكر أنني رأيت أحدًا هناك يرتدي خاتمًا في الإبهام، إذ يُعتقد على كل حال، أنه دليل على خفة العقل أو سوء التصرف، كتصرف جحا مع حماره؛ لا استفاد منه ولا ارتاح من همه.

لم يشغلني كل هذا، ولم أعرف معظمه إلا متأخرًا، وعرفتُ بعضه آنذاك من مكوجي باكستاني، كان يرتدي أربعة خواتم في الكف الواحدة، أهدى أحدهم لصديقٍ فلسطيني كان يهيم حُبًا فيه، حتى كتب اسمه بدمه على حائط محله، وتعلّم من العربية ما يكفي لإدارة حديث قائم على التأويل. في النهاية تكلّم كل منهما لغة الآخر: أوردو وعربي. 

غير أن أكثر ما جذبني لعالم الخواتم هو مزيج الهيبة والرّوشنة؛ أن ترتدي خاتمًا يعني أنك الآن كبير، لكن لستَ كبيرًا جدًا. كبير فقط بما يكفي لتخفيف حرص الأهل تجاه طفل. بتعبير آخر: لم تعد طفلًا. 

وجذبني لها شيء آخر لا أفهمه. 

تدور الأيام كما تفعل عادةً. أتعرّف، في مصر، إلى جماعة صوفية، تركهم شيخهم وهاجر إلى أقاصي الأرض، ومات، وجمعتهم ساحة كانت داره. وجمعتهم أيضًا خواتم يرتدونها جميعًا، كلها بنفس الشكل: فضية مُربعة، خُتم عليها شيء ما لا أتبينه. 

استعدتُ عادتي القديمة: عدّلت أفق النظر، لا إراديًا، على الكفوف التي تتدلى منها أصابع عُلّقت بخواتم متشابهة، كُتب عليها طلسمٌ لا أفهمه. 

انتهت مباراة التركيز على تلك الخواتم باستيضاح ما خُتم عليها: جدول من تسع مربعات، في كل مربع رقم. 

وكنتُ قد سمعتُ أن كتابًا خاصًا لدرجة السرية، يُسمّى «الجَفر»، ثمة اختلاف فيمن وضعه: عليّ بن أبي طالب أم حفيده جعفر الصادق، أو أن العِلم لعليّ والتدوين لجعفر. المهم أنه يحوي مما تسمى بعلوم الحكمة العليا التسعة عشر، وأنه سرّ عزيز.

إذا جَوْجَلتَ عن هذا السر العزيز، ستجد آلاف النتائج حول علم الجفر، كلها تقول إنه سر عزيز! فإمّا أن جوجل ينتهك الأسرار العزيزة بمهارة فائقة، أو أنّ عملية إسرار الشيء قد تغيّرت.

فكّرت في أنه ربما إذًا ثمّة علاقة ما بين جدول المربعات التسعة ذلك، وبين الجَفر. سأعرف أن بعضهم يُسمي ذلك الجدول «مصفوفة». سأجوجل بدوري لأفهم السر وراء خاتمٍ بتسع مربعات.

خاتم أو سر عزيز سيحيط بإصبعك

ليس بعيدًا عن الجفر وسرّه، بل مما يحويه، أو هكذا يُقال؛ عرف العرب منذ القدم، ، ما يُسميه البعض «علم الحرف». وأساسيات هذه الأحجية المحسوبة على علوم الحكمة العليا، تتمثل في «حساب الجُمل»، وهو استبدال كل رقم بحرف، وفقًا لترتيب مُعيّن للحروف، هو الترتيب الذي جاءت منه كلمة «الأبجدية»: «أبجد هوّز حُطّي كَلمُن سَعفَص قرشت ثخذ ضظغ»، بحيث يكون لحرف الألف رقم 1 وللباء رقم 2، وهكذا حتى الرقم 10، لتتضاعف الأرقام، فيلي العشرة 20 فـ30 وصولًا إلى 100، ثم تُضاعف 200 وهكذا وصولًا للألف. 

بتطبيق حساب الجمل في توافيق علم الحرف، ثمة اختلاف في استبدال الرقم بالحرف، بين هل يُعامل الحرف وحدةً واحدة أم يُبْسَط، أي هل الألف: أ أم «ألف». وإن كانت الثانية، فهي إذًا كلمة من ثلاثة حروف، لكل حرف رقمه، فتصير الألف نفسها ليست 1 وإنما 111 أو: أ/1 + ل/30 + ف/80 بمجموع 111. كما أن هناك اختلاف آخر، وهو أن ترتيب الأبجدية في المغرب العربي مختلف على هذا النحو: «أبجد هوّز حُطّي كلمن صعفض قرست ثخذ ظغش».

نظم العرب بهذا العلم جداول وأوفاق، قالوا إن فيها استدعاءٌ لطاقة الحرف بالرّقم. اعتقد العرب، أو طائفة منهم، أن الحروف أُمّة، وكل حرف موكل بمهمة، وأنها لم توضع عبثًا. كما لم يوضع جدول/مصفوفة التسعة على خواتم هؤلاء عبثًا؛ في المنتصف رقم 5، ويساوي حرف الهاء، والهاء سر الوجود، كما يبدأ الجدول برقم 2 ويُساوي الباء، وهي إرغام الألف على الخضوع في «بسم الله» حيث لا تكتب الألف، أوّ أنهما، الباء والألف، اتحدا في جوهر واحد. 

ما علاقة كل ذلك بالخواتم؟ علاقته أن ذلك هو الختم.

تأتي كلمة خاتم من جذر «خَتَمَ»، أي أنهى، أو طَبَع، أو أغلق، أو -للمفارقة- فتح من حيث أغلق بالطّبْع. والختم هو الفاعل، والخاتم اسم الفاعل. وعِلم الحرف قائمٌ على ما يحويه جذر خَتَم من معنى. هل هكذا صار اسم الفاعل، الذي هو الخاتم، خليفة سرّ أمة الحروف؟ 

كانت هذه نتائج بحثي الدؤوب لأعرف عن شيء ورثته من طفولتي المبكرة. لكن، ولأنني لا أجيد علم الحرف، فلم يتسنّ لي ختم خاتم بأي مصفوفة، فذهبت لكتابةٍ مفهومة غير مرمّزة تقريبًا، على خاتم فضي مربع، ضاع مني لاحقًا، وتطيرت لضياعه. الحقيقة أن ضياعه رافق فترةً جديدة من ضياعي المتكرر. كانت مشهدية الضياع تلك المرة درامية بعض الشيء (متى لم تكن كذلك!)، ويلفّها الرمز: باب مكسور، عاصفة رملية، ذباب، وخاتم ضائع. هكذا هجرت خطة مستقبلي القريب، والمدينة التي أقمت فيها سنةً تقريبًا، وعُدت بلا خطة، بسبب خاتم ضاع مني. 

مصفوفة

ولم تعد أي خطة تنجح، كما كان الوضع أصلًا.

لم أنسَ أمر ذلك الخاتم الذي ضاع، رغم التهائي في الحياة. كنت ختمت عليه نصًا قصيرًا؛ جملة من كلمتين، تحملان كل معنى لخوفي وغضبي وقلة حيلتي. 

تسنّ لي بعدها بسنتين أن أختم خاتمًا آخر، هذه المرة بجملة من كلمتين تحملان كل معنى لقلقي، وتوقي للخلاص، غير أنها كانت جملة يلفها بريق السعي نحو الكشف والمعرفة، فلم أنتبه، رغم أن الخاتم ختم إصبعي ملازمًا له، أنني اخترتُ نصًا لا لأعبر به عن نهمٍ مُجرّد للمعرفة، بل توق عميق للانعتاق. 

ضاع هذا الخاتم أيضًا. أُخذ مني في سجن، وكدت أُعتَبر مشعوذًا بسببه، دون أن أحظى بلقب «شعوذة»، إذ سبقني إليه مَن يطفي اللمبة ويفتحها بإيماءة من إصبعيه. 

وضاع مني الكثير من الوهم، واليقين. ولم يذهب الخاتم الذي اشتريته صدفة بسبب نقشٍ عليه، لفتني من خلف الفاترينة؛ إلى أي مكان. بدا النقش للوهلة الأولى رمزًا يعود إلى شعوب المايا، ومن نظرة ثانية كان رقم 66 مكررًا مرتين يسارًا ويمينًا. خاتم خفيف وصغير وغير مبهرج، ومُريح في اليد.

يعتقد البعض أن الخواتم صنُعت لأصحابها. هل من هنا جاء خاتم المُلك؟ وأنها تَلفِظ غير صاحبها. وفي مخطوطات قديمة انشغلت بهذه الأمور، يُقال إن لكل وقتٍ خاتمه، وحجَر خاتمه (ما الذي يرمز إليه أول عقيق ارتديته؟)، وطلسم/خَتْم خاتمه. وأن خاتمًا قد يلفظ من اختتم به. وبما أنها أمور ترتكن إلى تجربة الحدس لا الحس، فيجب أن يكون الخاتم مريح، وإلا ففي كونه خاتمُ المختَتَم به شكّ.

لكن حماسي تجاه الخواتم خفَت. في أغلب الأحيان لا أطيق ارتداءها. لم يعد خاتم مريح معظم الوقت. يقول أحد الأصدقاء إن سبب ذلك هو رغبة في التحرر من أي شيء يمثل قيدًا. يقول صديق آخر إنه تحرُر من التعلّق. ولا أقول أنا شيء حاسم، لولا أنني أفكر، أحيانًا كثيرة، في أن كل هذه الخواتم في دُرج التسريحة، غير منفصلة عن سياقات محمّلة بذكريات ثقيلة، أي هواجس طاردتني وطاردتها، وأنه ربما حان الوقت لختم يَفتح ولا يُغلِق، طالما أنني في الدائرة، وطالما أن للدائرة مركزٌ واحد. 

قبل أسابيع أهداني صديقي العجوز خاتمًا كان يُعلّقه في دلاية مفاتيحه. كنّا في المقهى حين نظر ليديّ، وسألني عن خاتم، رغم معرفته -لأنني أخبرته- أن ارتداء الخواتم لم يعد يستهويني. أخرَج من جيبه دلاية المفاتيح، وقال إن هذا الخاتم، بفص صغير من مرجان البحر الأحمر، أهداه إياه أحدهم، و«على الله يكون على مقاسك». جاء الخاتم على مقاسي فعلًا، ولسبب ما فاجأني ذلك. يبدو أن هواجسي لن تذهب إلى أي مكان. 

أما جدول التسعة أرقام، وقلبها الهاء/الخمسة؛ فيُعرف بوَفْق المثلث. ويُعتقد بحيلته الواسعة، فيما أعتقد أنه، ربما، الحيلة كلها في الخيال. 

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن