تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
الأجور الحكومية.. جزرة الدولة لكسب حلف الموظفين سياسيًا  

الأجور الحكومية.. جزرة الدولة لكسب حلف الموظفين سياسيًا  

كتابة: بيسان كساب 8 دقيقة قراءة

500 جنيه تقريبًا، هو نصيب زينب*، الموظفة في مصلحة الضرائب العقارية من الزيادة الجديدة في الأجور الحكومية، والتي أعلنت الحكومة عن صرفها مبكرًا في أبريل الماضي، دون انتظار بدء السنة المالية الجديدة في يوليو المقبل. 

زينب هي واحدة من موظفي الحكومة المستفيدين من قرار رفع الأجور الحكومية، والذي يصل عددهم إلى نحو خمسة ملايين، حسب البيانات الرسمية. 

تأتي الزيادة في أجور الموظفين بعد أشهر من زيادات استثنائية أقرت في نوفمبر الماضي، وتعد الزيادة الأعلى في مخصصات الأجور في مشروع الموازنة الجديدة منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي منصبه، فيما يبدو توجها لإعادة بناء تحالف الدولة مع جهازها البيروقراطي، وهو تحالف يرجح أن يكون قد تصدع خلال السنوات الماضية في ظل الزيادات الضعيفة في الأجور. 

ينص القرار الأخير على زيادة في أجور العاملين في القطاعات التابعة للدولة، بحيث يرتفع الأجر إجمالا بما لا يقل عن ألف جنيه شهريًا. ويشمل القرار زيادة في الأجر في صورة علاوة دورية بنسبة 8% في الأجر الأساسي للخاضعين لقانون الخدمة المدنية، بحد أدنى 125 جنيهًا، و15% علاوة خاصة لغير الخاضعين لنفس القانون بحد أدنى 125 جنيهًا، وزيادة الحوافز بفئات مالية بواقع 300  جنيه للدرجات السادسة والخامسة والرابعة، و400 جنيه للدرجات الثالثة والثانية والأولى، و500 جنيه لشاغلي وظائف مدير عام ووكيل الوزارة ووكيل أول الوزارة. 

بالنسبة لكمال*، الذي يعمل موظفًا في مصلحة الضرائب العقارية في محافظة ريفية في الوجه البحري منذ 30 سنة، فقد تصادفت الزيادة الجديدة في الأجور مع حصوله على ترقية في درجته الوظيفية. ما بين الزيادة والترقية، ارتفع أجره الصافي بقيمة 800 جنيه ليصل إلى 6300 جنيه. 

أما مصطفى*، الموظف في المجلس المحلي في عاصمة إحدى محافظات الدلتا، والذي قضى 17 سنة في الخدمة حتى الآن، فقد علم من إدارة المرتبات أن صافي أجره الشهري بعد الزيادة سيصل إلى 3700 جنيه بدلًا من ثلاثة آلاف جنيه قبل الزيادة الأخيرة. هكذا يكون مصطفى قد حقق زيادة قدرها 23% تقريبًا، لكن قياسًا إلى أجره في أبريل من العام الماضي، تكون الزيادة ألف جنيه تقريبًا، ما يعني أن أجره قد ارتفع خلال سنة بنسبة نحو 37%، وهي زيادة مرضية له عمومًا، وهو أب لثلاثة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة. 

تشير الزيادات الجديدة في الأجور إلى أن الدولة عادت لاتباع سياسة مالية تسمح بزيادة كبيرة نسبيًا في الأجور الحكومية. ويتضح هذا الميل من معدل الزيادة المتوقعة في الأجور في السنة المالية الحالية، الذي ينتهي في يونيو الجاري، والسنة المالية المقبلة، واللذان يصل فيهما معدل الزيادة إلى 14%، وهو أعلى معدل لزيادة الأجور منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي منصبه. 

المصدر: البيانات التحليلية للموازنة العامة وبيانات صندوق النقد الدولي وبيانات رئاسة مجلس الوزراء وحسابات «مدى مصر»

هذا الميل لزيادة أجور القطاع الحكومي مفارقة قياسًا إلى ما كان واضحًا من سياسة رئيس الجمهورية من تقييد تلك الزيادات عمومًا، بالاضافة إلى خطابه المعلن المعارض لزيادة صرف الدولة على الأجور. 

قال السيسي في منتصف عام 2016 إن «زيادة المرتبات بقيمة 150 مليار جنيه فى السنة دون زيادة في الموارد يمثل عبئًا كبيرًا على الدولة، و[نحن] مسؤولون جميعًا عن الأمان والاقتصاد للدولة المصرية… المصروفات والموارد مثلت تحديًا كبيرًا… زيادة المرتبات عمل بروز فى الدين الداخلى بنحو 600 مليار جنيه، ومصر أسرة كبيرة وعارفين كلنا إزاى بنصرف فى بيوتنا». 

وفي كل الأحوال، سمحت الزيادات الضعيفة بالأجور الحكومية في سنوات سابقة في تخفيف الضغط على الحكومة الآن، حين أصبحت تسعى فيه على عكس السابق لرفع الإنفاق على الأجور الحكومية حاليًا، يقول عمر غنام، الباحث في الاقتصاد السياسي، موضحًا أن الزيادات الكبيرة الآن تضاف لمستويات منخفضة من الأجور، وكان الأمر سيكون أكثر تكلفة لو كانت تلك الزيادات تضاف لمستويات عالية بالفعل من الأجور. 

عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأمريكية، يرى أن ثمة تحول ملحوظ لاستخدام الزيادات في أجور موظفي الحكومة للدعاية السياسية لأسباب تتعلق بضرورة العودة للتحالف مع العاملين في القطاع الحكومي بالوقت الذي تحتاج فيه الدولة لحليف اجتماعي ضخم في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. 

ويرى عادلي أن الدولة لا تجد بديلًا عن استخدام آداة الأجور في القطاع الحكومي عمومًا في ظل ضعف قدرتها على إنفاذ قرارات بزيادات مرضية في الأجور في القطاع الخاص بصورة عامة، خاصة في ظل انتشار أنماط العمل غير الرسمي. كما أن أسلوب تعديل الأجور بالنسبة للقطاع الحكومي يخضع لقرارات إدارية، مما يسمح باستغلال تلك القرارات في الدعاية السياسية، يضيف عادلي.

يتفق غنام مع وجهة النظر تلك، قائلًا إن القطاع الحكومي هو حليف مضمون للدولة في ظل تعذر التحالف مع العاملين في القطاع الخاص، والذين يواجهون أزمات قطاعات اقتصادية مختلفة. 

كما أن «ثمة ضرورة سياسية للحفاظ على الحد الأدنى من ولاء الموظفين بالذات في المصالح الحكومية المرتبطة بالإيرادات كمصلحة الضرائب العامة والضرائب العقارية على سبيل المثال»، يقول غنام.

ويضيف عادلي أن القطاع الخاص يتمتع بوضع «تفاوضي» قوي مع الحكومة ومع العاملين لديه أيضًا لأسباب تتعلق بضعف وندرة التنظيمات النقابية في القطاع الخاص. 

ويرى عادلي أن أسلوب تعديل الأجور بالنسبة للقطاع الخاص يتضمن خللًا في توازن القوى ضد العاملين على نحو لا يسمح بتحسين أجورهم. 

محمود أحد عمال شركة ماك التابعة لمجموعة النساجون الشرقيون، والتي تحظر على عمالها تشكيل نقابة وصولًا إلى ملاحقة وتهديد كل من حاول تنظيم زملاءه وخلق نقابة. خاض محمود مع زملائه إضرابًا في فبراير الماضي، ونجح من خلاله في انتزاع بعض التحسن في الأجور، لكن هذا التحسن لا يعني شيئًا يذكر، من وجهة نظر محمود، الذي أوضح: «إدارة الشركة خفضت أجورنا بشدة قبل الإضراب عبر التلاعب في مستهدفات الإنتاج على نحو يخفض من حوافز الإنتاج. وانتهى الأمر بعد الزيادة التي حصلنا عليها بارتفاع في أجري في مارس لا يزيد عن 200 جنيه قياسًا لأجري في مارس من العام الماضي». 

لم يقرر المجلس الأعلى للأجور، المعني بتحديد الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، والذي يضم ممثلين عن الحكومة واتحاد الصناعات والاتحاد العام للعمال، أي زيادة في الحد الأدنى للأجور حتى عام 2010. وبذلك، بقى الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص ثابتًا منذ عام 1987 حتى 2011 عند مستوى 35 جنيهًا، إلى أن اضطرت الدولة لإصدار قرار بتعديل الحد الأدني للأجور عام 2010، ورفعته إلى 400 جنيه بعد حكم من القضاء الإداري ألزم الدولة بمراجعة الحد الأدنى للأجور، وجاء على خلفية احتجاجات اجتماعية متتالية استمرت لسنوات طالبت برفع الحد الأدنى للأجور.

وجاء قرار الحكومة برفع الحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي إلى 3500 جنيه، ليزيد الفجوة بين الحد الأدني للأجور في القطاعين الحكومي والخاص إلى 800 جنيه أي 30%، لأن الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص لا يزيد عن 2700 جنيه، في ظل شكوك حول التزام القطاع الخاص أصلا بهذا الحد. 

كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية، قال لـ«مدى مصر» إن معايير منظمة العمل الدولية  لنظم الأجور تقتضي حدًا أدنى موحدًا للأجور بين القطاعين العام والخاص يرتبط تعديله بمعدلات التضخم؛ التي تعد هي الأخرى معيارًا عامًا لتعديل الأجور بصورة عامة. وأضاف: «هذه  المعايير لم تتحقق ولن تتحقق في ظل الضعف الشديد للعمل النقابي في مصر، وبالذات في القطاع الخاص غير المنظم أًصلًا، في الغالبية العظمى من منشآته. النقابات هي صاحبة الدور الأصلي في الدفاع عن هذه المطالب». 

الزيادات الجديدة في أجور موظفي الحكومة يقف في مواجهتها التضخم بمستوياته القياسية الحالية، والذي قد «أكل» قيمة الأجور الحقيقية. 

بالإضافة لزيادة العام الجاري، حصلت زينب في نوفمبر من العام الماضي، مثل بقية الموظفين، على زيادة في أجرها. وبالتالي، فإن الزيادة الأخيرة في أجرها تمثل 14% مقارنة بنظيره قبل سنة. 

في أبريل من العام الماضي، الذي شهد زيادة مبكرة أيضًا في صرف الزيادة السنوية للموظفين عن موعدها التقليدي في يوليو، ورغم أن تلك الزيادة تبدو أكبر من الزيادات السنوية المعتادة، لكن زينب تقول إن هذا المبلغ لا يمثل تحسنًا يذكر في مستوى معيشتها، في ظل إنفاقها وزوجها، الذي يعمل هو الآخر موظفًا في نفس المصلحة، على أربعة أبناء في مراحل مختلفة من التعليم. لهذا السبب لا تتجاوب زينب على نحو يذكر مع الأسئلة حول ما تعنيه الزيادة الجديدة عمليًا أو ما أصبح مرتبها يعجز عن تغطيته وما لا يزال بالإمكان تغطيته، فتقول: «ما أعلمه حقًا هو أن الزيادة الجديدة قد تساوي بالكاد [قيمة] اثنين كيلو من اللحم. وما أصبحت متأكدة منه هو أن كل خطط الإدخار القصير من خلال الجمعيات مع الزملاء في العمل، والذي اعتدت عليها قبل سنوات، قد انتهت تمامًا، وأصبح كل الدخل يساوي بالكاد الإنفاق أو يقل عنه».

ما تشعر به زينب من قلة تأثير الزيادة على مستوى معيشتها، تؤكده الأرقام على كل حال، فتلك الزيادة خلال سنة كانت في حقيقتها تمثل تراجعًا في قيمة الأجر بواقع 11% هي الفارق بين الزيادة في صافي الأجر ومعدل التضخم خلال تلك الفترة.  

المصدر: بيانات شفوية عن أجور موظفة ضرائب عقارية وبيانات التضخم الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وحسابات «مدى مصر». يمثل الأجر الحقيقي هو الزيادة النقدية بعد خصم نسبة التضخم.

يوضح الشكل التالي أيضًا الزيادة في الأجر النقدي لكمال مقابل التغير في أجره الحقيقي في المدة بين أبريل من العام الماضي وأبريل العام الجاري، ويتضح منه أن أجره الحقيقي شهد تراجعًا خلال تلك الفترة. 

المصدر: بيانات شفوية من الموظف وبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وحسابات «مدى مصر»

كما يوضح الشكل التالي الفرق بين الأجر النقدي وقيمته الحقيقية بالنسبة لمصطفى.

المصدر: بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وبيانات شفوية من الموظف وحسابات «مدى مصر»

* كل أسماء العاملين في القطاع الحكومي والقطاع الخاص هي أسماء مستعارة 

  • يقوم حساب التغير في الأجور الحقيقية على الفارق بين معدل نمو الأجور ومعدل التضخم في فترة معينة، والاخير يقاس عبر تتبع الزيادة في الرقم القياسي لأسعار المستهلكين. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن