ساحل طيب وآخر شرير وما وراء الخير والشر
نص من كتاب «ما لم تقله أسمهان للبحر» الصادر عن «وزيز»
نَص من كتاب «ما لم تقله أسمهان للبحر»، وهو الكتاب الجماعي الثاني، نتاج دعوة دار «وزيز» للكتابة والرسم عن البحر والصيف، و التي استجاب لها أصدقاء الدار من كتاب وفنانين، من أعمار وأماكن وأمزجة متنوعة.
في المرة الأولى التي نزلت فيها البحر المتوسط من الجانب الأوروبي -أنا القادم من الإسكندرية على الجانب الآخر، مرت على بالي فكرة غريبة: ما الاحتمال الرياضي لأن تكون إحدى قطرات الماء، التي تلمس جسمي الآن، قد لمستني من قبل في الجانب الآخر من البحر؟ لم أبحث طويلًا في هذا الاحتمال الرياضي، لكني وجدت فيه قدرًا من الدفء، وكثيرًا من الحرية، حرية المياه في الحركة وحريتنا -نحن البشر- فيها. لا تملك قطرات الماء حرية اختيار حركتها، تتحرك بعشوائية طبقًا لظروف الطقس، لكنها بلا قيود أيضًا، وعلى مدار متوسط عمرها بمئات وربما آلاف السنين، لديها احتمالات لأن تصبح في أي مكان.
في السنوات الأخيرة، قسمت السوشيال ميديا الساحل الشمالي إلى ساحل طيب وآخر شرير. الساحل الطيب أسعاره في متناول الطبقة الوسطى وهو أقرب إلى الإسكندرية، بينما الساحل الشرير أسعاره مبالغ بها، أحيانًا تزيد على الأسعار في الجانب الأوروبي، ويناسب طبقات اجتماعية صغيرة لكنها تمتلك أغلب الثروة. بين الساحلين ربما اختلافات في جودة الخدمات المقدمة، أو جودة الشواطئ، لكن الأكيد أن المياه نفسها تتحرك بينهما بسرعة، ولا تعترف بهذا الفصل، والأكيد أيضًا أن الاختلاف في أسعار الساحلين لا يتناسب مع الاختلاف في الجودة بقدر ما هو ضمان لفصل الطبقات الاجتماعية بعضها عن بعض.
التجارب الأولى في الشواطئ الأوروبية تعطي انطباعًا مغايرًا. الشواطئ في المدن وخارجها أغلبها مفتوحة ومجانية، حتى غير المجانية منها تتناسب أسعارها مع الحدود الدنيا للدخول، على النحو الذي يصعب معه تصور أحد محروم من الاستمتاع بالشاطئ. مع الانبهار الأوَّلي بالفارق، تشعر أنك أمام ساحل طيب، مقابل الساحل الشرير المنقسم طبقيًّا في بلادنا.
بين سواحل الشمال والجنوب، يغرق سنويًّا مئات اللاجئين أو المهاجرين هجرة غير منظمة في محاولة العبور شمالًا، بحثًا عن أمل أو فرص أفضل، وإن نجوا من الغرق، تتأهب قوات حرس الحدود على الجانبين لمحاولة منعهم، أو إعادتهم من حيث أتوا، أو يحدث الأسوأ وتتركهم للغرق على نحو شبه عمدي، كما حدث مع مركب المهاجرين التي غرقت في يونيو 2023 قبالة السواحل اليونانية. في مؤسسات الحكم، تتصدر قضية اللاجئين وحماية السواحل الأوروبية اهتمامات الأمن في الاتحاد الأوروبي، ويُخصَّص لميزانياتها مبالغ ضخمة، وتضعها دول أوروبا كأولوية، فالتنسيق حول الحدود مع دول الجنوب يسبق أي حديث أو ضغط بخصوص حقوق الإنسان أو غيرها، كما أن ابتزازها بفتح البوابات للاجئين أصبح سمة غالبة في السنوات الأخيرة.

السواحل، التي رأيتها طيبة في البداية، لم تعد تبدو كذلك تمامًا بعد فترة، أو بالأحرى بدأت أفكر أكثر في ما وراء الطيبة والشر والحكم المتعجل على ما يبدو أمام عينيَّ في مقابل ما هو مخفي عنها. أفكر أحيانًا أن جدران المنتجعات وبواباتها لا تختلف كثيرًا عن سياسات حماية الحدود. نعم، في أوروبا والدول المتقدمة -كما يُقال، الشواطئ أغلبها مفتوح، والفروق الصغيرة بين الطبقات تسمح باختلاطها وإزالة الجدران والحدود داخل القارة. لكن: هل كان من الممكن أن يصبح الوضع كذلك دون التفاوت الصارخ بين دول الشمال والجنوب؟
في صيف 2014، كنت أمر مع زوجتي بالفترة الأصعب ماديًّا، لم نتخلص بعد من ديون الزواج، وننتظر طفلتنا الأولى، لكنه كان آخر صيف يمكننا قضاؤه معًا قبل ميلادها. وافقت إجازة عيد الفطر شهر أغسطس، وبحثنا على الإنترنت عن أرخص وسيلة للمصيف خلال الإجازة. ومع تواضع الميزانية المخصصة، لم نجد خيارات كثيرة، سوى غرفة في فندق رخيص في مرسى مطروح، ستكلفنا 400 جنيه لثلاث ليالٍ، فحجزناها. لكننا، وبعد قطع المسافة من الإسكندرية، فُوجِئنا برفض عامل الاستقبال منحنا أي غرفة. نفى أي معرفة له بحجزنا المسبق، ومعرفته بأي شيء عن الموقع الشهير الذي حجزنا منه، وأخبرنا بعدم وجود أي غرف خالية. غضبنا بشدة، لكن أداءه المندهش لم يمنحنا حتى فرصة للتفاهم معه. أرسلت رسالة غاضبة إلى الموقع الذي حجزنا منه، ثم تحركنا بسرعة لإيجاد فندق بديل، وكنا محظوظين لعثورنا على غرفة في فندق مجاور بالسعر نفسه تقريبًا. وضعنا حقائبنا في الغرفة، واتجهنا إلى الشاطئ.
وصلنا إلى شاطئ الغرام الشهير، فوجدناه مكدسًا بالمصطافين، بصورة فاقت أي توقعات مسبقة لي عن زحام الأعياد. لم أحتمل الزحام أكثر من نصف ساعة، وغادرنا الشاطئ ونحن نفكر في ما سنفعله في اليوم التالي. نصل الفندق، وأجد مكالمة هاتفية من خارج مصر، ورسالة اعتذار من خدمة عملاء موقع الحجز عن الموقف الذي تعرضت له، وعن استعدادهم لإيجاد فندق بديل، وتحمُّل فارق السعر إن وُجِد.
فرددت شاكرًا، وبداخلي دهشة من اهتمامهم برضا عميل قام بحجز بتكلفة زهيدة. في اليوم التالي، بحثنا عن شواطئ أخرى، وجربنا شاطئًا غير مجاني. كان شبه خالٍ، ما أتاح لنا الاستمتاع على خلاف اليوم السابق. شيء واحد عكَّر صفوي يومها، بسبب تعرجات الساحل، فالشاطئ مواجه بالضبط لشاطئ الأمس، ويمكنني بوضوح رؤية الأعداد المكدسة على الجانب الآخر. أسرح بخيالي: ماذا لو فتحنا كل الشواطئ؟ هل سيستمتع عدد أكبر من الناس أم ستتكدس جميعًا؟ ولا أجد الإجابة.
بعد سنتين فقط سيكون حالنا قد تغير تمامًا. ننتقل للعيش في هولندا، ونعمل في شركة تقنية كبرى، هي للمصادفة الشركة نفسها التي حجزنا منها الفندق الرخيص. ومع اقتراب الصيف، تدور مناقشاتنا حول أي مدينة ساحلية في أوروبا سنقضي بها إجازتنا. مع عملي، وتحديدًا في تطوير الأنظمة التي يستخدمها موظفو خدمة العملاء، أفهم أكثر، أفهم لماذا رفض عامل الاستقبال منحنا الغرفة. فندق متواضع، لا يمكنه منافسة شركات تكنولوجيا ضخمة في التسويق لنفسه، ولا يمكنه تجاهلها لأن العالم يتغير رغمًا عنه، فماذا يفعل؟ سيستعين بالموقع إن لم يوجد حجز مباشر، ويتنصل منه إن وُجِد، لكنه سيتهرب في أي فرصة من دفع عمولة الحجز إن استطاع حجز الغرفة مباشرة. أفهم سلوكه أكثر فيقل غضبي منه. وأفهم أكثر عن العالم فيزيد غضبي منه. أفهم عن صناعة التكنولوجيا، وعن نجاحها المرتبط بالتمويل -ربما أكثر من ارتباطه بالأفكار نفسها، وقدرتها على تغيير حياة البشر، وأفهم كيف يصبح احتكار التكنولوجيا جدارًا يرسخ للتفاوت بين من يمتلكه ومن لا يمتلكه، وأدرك موقعي الجديد من العالم، كحجر في هذا الجدار.
في فيلم «A few good men»، وفي مشهد المحاكمة الشهير، يقول جاك نيلسون في دور عقيد الجيش: «نعيش في عالم مليء بالجدران، وهذه الجدران يحميها الرجال المسلحون»، قبل أن يصرخ بالجملة الشهيرة: «لا يمكنك تحمل الحقيقة». مع الوقت، رأيت هذه الجدران حول العالم، ومع بعض الحظ، استطعت اجتياز كثير منها. بعضها كانت جدرانًا حقيقية كالمنتجعات التي يمكن لمرتاديها تحمل حقيقة امتيازاتهم، وكثير منها كانت جدرانًا افتراضية، كالسعر، أو تأشيرة على جواز السفر، أو حتى كارت معاملتك كعميل مميز، ورأيتها جدرانًا ملائمة لمن لا يتحملون مواجهة الحقيقة.
عددت نفسي محظوظًا طبعًا مع كل جدار أجتازه لأصل إلى ما هو متاح للقلة والصفوة وما إلى ذلك من أوصاف أمقتها. لكني مع الوقت عددت أن حظي الحقيقي كان في اختبار الحياة على جانبَي الجدار، والتنقل بحرية في الاتجاهين، وأن هذا الحظ -والامتياز- محروم منه أغلب البشر، لكنه متاح لقطرات المياه، وربما لذلك تمنيت لو أن قطرة منها قد لامستني.
تقارير ذات صلة
كيف تكونين من هنا
مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن