سابع مدى| الانعكاس الذي ابتلع صاحبته
أنا لا أعرف متى كانت المرة الأولى التي تحرك فيها انعكاسي دون علمي؟ تبدو تلك حكاية غير قابلة للتصديق، فعندما أحاول استرجاع الأحداث أتذكر أن اليوم كان عاديًا، انتهيت من عملي بالبنك في شارع صلاح سالم لأضع السماعات بأذني أستمع لعبد الوهاب، وهو يتساءل عن مغزى عذابه اللانهائي، بينما سيارتي مركونة خلفي، فأطوي الطريق مشيًا لساعة أو أكثر، وأعود ثانية لركوبها، والخروج من تلك الفقاعة الهادئة ،التي تجعلني أتحمل عذابات اليوم وإزعاجه المستمر.
عادة أنتهى من عملي في الرابعة مساءً، عدا نهايات الأسبوع التي يمتد بها العمل حتى الخامسة والنصف. أجلس إلى مكتب خشبي في غرفة تتكدس فيها سبعة مكاتب وخمسون مواطن، على اعتبار أن كل فرد يصطحب معه أفراد آخرين.
على باب البنك يحجز المواطن دوره، بينما أتحضر لساعات العمل، لأكرر نفس الكلام عن فتح الحسابات والودائع والقروض. فكرت في بعض الأيام تسجيل ما أقوله لأكرره على مسامع الناس لكن مديري المباشر لم تعجبه الفكرة، حينما لمحني أسجل بعض المقاطع. أخبرته أنني أختبر قدرتي على التكرار، فصمت.
في الأيام العادية أستقل سيارتي الصغيرة من منزلي بغرب الإسكندرية في الورديان بالقرب من ورش صناعة السفن التي تصطف على الكورنيش مقابل سور الميناء ومقابل شريط الترام المتهالك، والذي يصلني صوته من النافذة، لأصل بالشارع الجانبي المجاور لمبنى البنك القديم حوالي الثامنة صباحًا. أركن سيارتي، وأخرج منها بحذر. فمنذ آخر مرة خرجت باندفاع تمزقت فتحة التنورة الضيقة التي أرتديها ملزمة، لأضطر تجنب الحركة طوال اليوم خشية إظهار ساقي الممتلئة من الفتحة الطويلة للتنورة.
بعد انتهاء ساعات العمل المملة يكون صوتي قد بح، فأخشي التورط في الازدحام المروري، قبل أخذ تلك الراحة القصيرة من المشي البطيء والاستماع للأغاني في هدوء، دون إزعاج أبواق السيارات. بعد البنك بخطوات قليلة تتراص فاترينات المحال المختلفة مزدحمة أو عارية من البضائع، لم أعتد التدقيق في تلك المعروضات، لكنني بينما أواصل التحرك ببطء أحب مراقبة انعكاسي على الزجاج.
لن يصدق أحد ما سأسرده الآن، لأنني أنا لم أصدق عيناي حينما حدث ذلك. على الزجاج وقفت قليلًا أتأمل شعري المرفوع لأعلى وهنا تحرك انعكاسي حركة مفاجئة. مددت يدي ألمس شعيرات رأسي الملتصقة بجبهتي من الحر لأرفعها في العقدة التي تلم شعري لأعلى وحينما راقبت انعكاسي وجدتني على الزجاج أرفع يداي الاثنتين.كان ذلك غريبًا إذ أن يدي الأخرى تشد على حقيبة يدي، فأثق أني لم أرفعها أبدًا.
بعد لحظة مربكة عاد الانعكاس ليشبهني ثانية.
كان الزجاج لفاترينة محل شركة بيع المصنوعات، تتراص عليه الأطقم الخزفية المتربة وفي أرضية الفاترينة المشغولات النحاسية بكل أشكالها. لمدة عشر سنوات وهي سنوات عملي في فرع البنك ذلك لم أجد أبدًا أحد يدلف داخل المحل. خلف الباب الكاونتر الخشبي القديم والمراوح العالية والموظفين الذين يدور بينهم نقاش هاديء، والصمت الذي يلف المكان. تتغير المعروضات كل بضعة أشهر وتتحرك بين الفاترينات الزجاجية بداخل المحل والفاترينات الخارجية لتقضي عمرها بأكمله خلف الزجاج يتفرج عليها الناس وتضيع موضتها دون اقتنائها.

صورة 1: لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من القصة
في اللحظة التي تحرك فيها انعكاسي تسمرت. أذكر وقتها أنني خشيت التحرك ثانية كي يؤكد انعكاسي على انفصاله عني فيتحرك حركة مخالفة لي ثانية فظللت ثابتة. أدرت عيني تجاه الطريق واخترت عدم التصديق ولم تكن تلك المرة الأولى التي سأختار فيها نفس الاختيار.
بعد محل بيع المصنوعات توجد بعض المحال المغلقة على حالها منذ السنوات الأولى لعملي بفرع البنك بتلك المنطقة، يتخلل الفاترينات المغلقة الأزقة التي يوجد على طرفها أكشاك الحلوى والسجائر المتناثرة ومحال المجوهرات القديمة، والتي لا تعرف نوع تلك المجوهرات التي تظل بالسنوات على حالها لكن موضتها لا تذهب أبدًا مثل الخواتم الماسية والأقراط اللؤلؤية، في إحدى مرات التمشية تابعت قرطًا لؤلؤيًا على مدى أشهر ذهابًا وإيابًا، وهو موجود خلف الزجاج على رأس مانيكان مخملية غير مكتملة، لكن القرط متدلي من أذنها. القرط على شكل سلسلة فضية قصيرة، وفي نهايتها تقع اللؤلؤة حرة، تخيلتها مرات وهي تتحرك مع شعري المطلوق بدلًا من ربطه أعلى رأسي.
في أحد الأيام قررت السؤال عن ثمن ذلك القرط لكسر تلك الحالة من المتابعة غير المجدية، لكن ثمنه فاق مرتبي عدة أشهر، فالسلسلة التي تحمل اللؤلؤة ماسية واللؤلؤة نفسها تحمل رقمًا عاليًا، لأقرر عدم الدخول ثانية لمحال المجوهرات القريبة، وأكتفي بمحال الفضة ذات الفاترينات الضيقة والأسعار الرخيصة. بعد أشهر قليلة من واقعة محل المجوهرات، وجدت قرطًا يشبه الذي أعجبني لدى محل الفضة القريب من مدخل الزنقة ناحية شارع فرنسا. المحل لم يكن محلًا بالمعنى المتعارف عليه بل فاترينة زجاجية تحتل مساحة متر واحد بين محلين من محال الأقمشة. أشرت للبائع على القرط وسرعان ما كان يتحرك بحرية في أذني مع شعري المرفوع لأعلى والذي أصر على إنزال خصلتين منه ليخبئا خدي الممتليء قليلًا.
أّذكر أنني عقب تركيزي في انعكاسي الخاطف بالمرآة ، تسمرت لحظات وابتعدت عن الفاترينة. ربما يبدو لي، الآن، تصرفي مضحكًا، لأن تلك اللحظة لم تكن في أشد كوابيسي غرابة، ويعلم المحيطون بي أن كوابيسي غريبة فعلًا ولا أنساها. في إحدى المرات حلمتُ بأسماك القرش تأكل أسفلت المدينة بأسنانها الضخمة، وتصدر صوتًا مزعجًا. لا أذكر دوري في ذلك الحلم لكنني صحوت بسبب أصوات القضم والمضغ العالية من نومي.
أحلم بالهررة، وبتحولي إلى هرة أحيانًا، لكن ذلك التحول كان كابوسيًا، بسبب الأقدام التي ظلت تحاول دهسي في الحلم حتى نجوت بصحوي من نومي.
لم أعرف في تلك اللحظات الخاطفة أن انعكاسي سيتخذ طريقًا منفصلًا عني بعد ذلك. ظننت أن فاترينة محل بيع المصنوعات كانت مسكونة أو جعلتني أتوهم رؤية انعكاسي يتحرك، لكنني بينما كنت أتابع تمشيتي وأنظر بجانب عيني لفاترينات المحال التي أمر عليها كان انعكاسي متابعًا لطريقه في عادية، ولا ينظر بجانب عينيه إلي.
في الأيام التي تلتها اضطررت لإلغاء فقرة التمشية اليومية الهادئة واستبدلتها بالاستلقاء على سريري لدقائق عارية من ملابسي وبذهن نصف يقظ.
لا أعرف كيف أستطيع القيادة دون النظر في المرآة، والتحقق من شعري أو مكياجي الخفيف كل لحظة. أعلم أن مرآة السيارة صُنعت لمراقبة السيارات حولي، لكنها تظل مرآة نتحقق فيها من أنفسنا كل لحظة، لذا حينما عدت لسيارتي بعد انتهاء جولتي ذلك اليوم الذي رأيت فيه انعكاسي قدت سيارتي بحذر متجنبة النظر للمرآة الجانبية والأمامية. كنت أتخيل أنه في تلك اللحظة التي سأنظر فيها لانعكاسي سأكسبه القدرة على التصرف وفقًا لأهوائه منفصلًا عني لذا التزمت الحذر.
كيف لذلك الحادث أن يؤثر على حياتي الهادئة، ويجعلني حذرة تجاه تحركاتي طوال الوقت. لم أكره حياتي أبدًا، فعلى مدار سنوات طويلة عملت بوظيفة يحلم بها الكثيرون وترقيت حتى اقتربت من منصب المدير. أحافظ على وزني بالكثير من الأنظمة الغذائية، وأتحكم كي لا يزيد عن 80 كيلو، وأعلم أنه يجب علي إنقاصه عشرون كيلوجرامًا على الأقل، لكنني حريصة على ارتداء المناسب لشكل جسمي فلا يظهر مترهلًا أبدًا.
أعيش وحدي بعد وفاة والدتي منذ أربع سنوات، ولم أتزوج لأسباب كثيرة، سأكتفي منها بالسبب الطبيعي وهو عدم تمكني من العثور على شريك حياة مناسب لي. بالطبع هناك الكثير من الأسباب المستترة لكنني لن أتطرق إليها.
في مرحلة معينة من حياتي كامرأة في مجتمع منغلق يمثل الزواج الأهمية الكبرى له، وجدت الكل ينفض من حولي، فصديقاتي تزوجن واحدة تلو الأخرى. انتظرت في تلك اللحظة دوري وراءهن، لكن ذلك لم يحدث، فحافظت على علاقة الصداقة التي تجمعني بهن، لكن بعد إنجاب الأطفال ومشاكل الزواج لم أعد أطيق صداقتهن، فغدوت وحدي حتى اعتدت ذلك.
بعد وفاة والدتي الدرامية منذ سنوات، اشتركت في ناد قريب، كي أجد لنفسي مساحة أقضي بعض الوقت بها في الإجازة الأسبوعية، لكن النادي الهاديء بمجيء الصيف تحول لزحام بسبب مدرسة الصيف في الألعاب الرياضية، والتي يلتحق بها الكثيرون من خارج النادي لتصبح مساحة النادي الصغير مرتعًا للأطفال والمراهقين وأمهاتهن المتراصات حول الملاعب، على أمل أن يتحول أطفالهن لمحمد صلاح القادم.
يحلمن بالمال والشهرة ويتباهين أمام بعضهن بعدد الألعاب المشارك بها الأولاد، كأنه سباق لا ينتهي بين المدارس والألعاب، واقعًا بينهن الطفل مرهقًا من الأعباء الملقاة عليه. لذا أقضي أيام الصيف الحارة في المنزل أتابع أحد المسلسلات الكورية التي أهتم بمتابعتها مؤخرًا، فهي تحمل تلك الخلطة المحببة إلي من رومانسية ودفء وأبطال هادئين دون انفعالات حادة، كما أضمن خلوها من المشاهد الإباحية التي تمتليء بها المسلسلات الأمريكية الشهيرة. أجد ذلك ابتذالًا واضحًا فمنذ متى اختصر الحب للقبلات والجنس؟ أحب الرومانسية الهادئة التي اعتدت عليها حينما كنت صغيرة من متابعتي للأفلام العربية القديمة والكلاسيكيات لكنني لم أحب كيف تحولت تلك الرومانسية للفجاجة.
مع الوقت استبدلت وقت التمشية بدقائق أقضيها مستلقية عارية على سريري، لم يكن التعري شيئًا معتادًا لي أبدًا، على الرغم من أنني أعيش وحدي تمامًا منذ سنوات، لكن لم أِشعر يومًا بضرورة التعري لبرهة وسط يومي العادي، تمنيت كثيرًا التعري أمام رجل أحبه، ومع الوقت صار رجلًا خياليًا أستحضره حينما أنتهي من مشهد رومانسي أتعلق به. ذلك الرجل المتخيل كان يحقق لي كل تطلعاتي في الشخص الذي تمنيت الزواج به.
في الواقع أحببت تلك اللحظة التي أتعرى فيها وأستلقي على سريري، كأن هناك الرجل الخيالي الذي تمنيته، أغمض عيني وأتخيله يداعب شعري ونهداي. أفيق من تلك اللحظات على الهواء القادم من النافذة التي أنسى أن أحكم غلقها، فأتخيل العيون المتسللة لجسدي العاري في الفراش. بعدها خشيت من أن يرى انعكاسي ما يحدث، في المرآة المقابلة لفراشي، فصرت أتعرى فور دخولي من باب الشقة، لأستلقى على الأريكة الواسعة، دون وجود لأي مرآة من حولي.
هل نعتاد على الأشياء التي لا نجد لا تفسيرًا؟ أفكر في ذلك مع اعتيادي على رؤية انعكاسي منفصلًا عني. فكرت أنه ربما كان منفصلًا عني منذ سنوات، لكنني لم ألاحظه أبدًا، ومن المرجح أن لكل شخص منا انعكاس له شخصية مختلفة عنه، تتصرف وفقًا لإرادتها، ربما لا يخصني ذلك فقط.
بعد ذلك كنت أتسلى بمتابعة انعكاسي وكيف يتصرف بشكل مختلف، كنت أقضي وقتي باقي اليوم في أيام العمل أمام المرآة أتحرك فلا يتحرك انعكاسي أرفع يدي فيرفع قدمه أمامي محتجًا ومع الوقت اكتشفت رأيه فيّ فحاولت أن أرتدي وفقًا لذوقه فكره كل التنورات الضيقة للعمل والتي ما إن أرتديها حتى يحرك رأسه من اليمين لليسار محتجًا إلى أن استبدلت تلك التنورات ببنطال كحلي اللون على قميص أبيض وسترة كحلية كلون محدد لملابس العمل نرتديها كلنا إجبارًا.
لم يعجب انعكاسي شعري المرفوع لأعلى، لأسدله على كتفي. لكن شعري لم يكن كثيفًا أو طويلًا، فاكتفيت بجمعه في جديلة نحيلة قصيرة.
أفكر الآن أن تلك كانت خطواته البسيطة التي اتخذت شكلًا أعمق تجاه تغييري بطريقة ما. تغيّر ذهني بالكامل، فصرتُ أبحث عن التجديد وأرتدي المكياج الثقيل الذي يتعرق في أيام الصيف المشمسة، مع عدم وجود تكييف بسيارتي الصغيرة، لأصل العمل بسواد أسفل عيني جراء ذوبان مكياجي، فأقضي الدقائق في دورة المياه، محاولة تجديده ومسح الذائب.
مع الوقت صرت أميل للمبالغة في التزين وفي الملابس، الألوان العادية استبدلتها بألوان فاقعة لم أرتديها طوال حياتي ولا حتى في عشرينياتي. لا أعلم لو رأت والدتي المتوفاة كل ذلك كيف ستعلق. لا تعلم كيف تربيت في حضن أم منتقدة اعتادت وضع تصرفاتي تحت انتقادها. أفكر أنني من يوم وفاتها وحتى الآن لم أتعرض للانتقاد أبدًا. بالطبع أجد بعضه الآن في عيون زملائي بالبنك والناس، لكن ذلك أتجاهله تمامًا.
حينما أدقق النظر في انعكاسي في المرآة أجد أنه من البداية كان مختلفًا عني تمامًا، فهو صاحب جسد أنحف مني قليلًا، ربما لا يملك الدهون المتراكمة في الأجناب والتي تزيد من قياساتي في الملابس. وبشرة صافية خالية من التجاعيد العميقة في الجبهة والخطوط حول العينين. كان يجب علي الخضوع للبوتوكس، مثل باقي من أعرفهن، لكنني اعتبرت تقدمي في السن شيئًا طبيعيًا. أرى الآن أنني كنت مخطئة.
في المول اعتدت مؤخرًا الجلوس إلى ذلك الكافية البارز لمتابعة الناس المارين بين المحال التجارية. كنت أرتدي بلوزة حريرية باللون الأزرق وبنطال أبيض ومكياج بارز ثقيل. على منضدة قريبة كنت أتابع ذلك الرجل الجالس وحده. اعتاد أن يجلس في العطلات وحده، دون باقي أسرته، الذين يلتحقون به ليلًا، عقب انتهائهم من جولتهم. مع الوقت صارت متابعته محببة إلي. كنت أضع الاحتمالات أمامي تجاهه، كيف سيقترب ويقعد بجواري وسنتحدث عن ماذا؟ كل تلك الاحتمالات صارت براقة لكنها في رأسي أنا فقط. ربما يفكر الآن في الكثير من الأشياء سواي. بينما كنت أتابعه بعيني وجدته يلتفت ليبتسم لي.
ازداد ارتباكي حينما علمت أنه كان يقصدني بتلك الابتسامة، فبادلته الابتسامة، ثم أدار وجهه تجاه المارة، لم أفهم وقتها كيف انصرف بتلك السرعة ولم يحاول أن يفتح حديثًا معي.
طلبتُ الحساب من شدة غيظي ورحلت. كنت أعلم أنه في الأسبوع القادم سيكون هناك، وربما سيقرر أن يفتتح حديثًا معي، أو يختار أن يقعد في منضدة قريبة مني. ظللت أخطط لأسبوع كيف سيحدث اللقاء ثانية بيننا.
في داخلك تعتقد أنني حالمة وأتوهم الكثير لكنني لم أتوهم أبدًا تلك الابتسامة الجميلة، يملك وجهًا مميزًا، يرشحه بشدة ليكون عارض أزياء أو ممثل وتفوقه زوجته جمالًا، فهي شقراء ممتلئة يبدو عليها أنها من أصول أجنبية، بينما يبدو أولادهم مثل عارضي الأزياء المراهقين. أسرة مثالية لكن تلك المثالية اهتزت قليلًا، فالزوج الذي يبادر امرأة بالابتسام غير زوجته لا يبدو عليه أنه مخلص أو مستقر في تلك الزيجة. أظن ذلك، فالمتزوجون في البنك نعرفهم بوجوههم المتجهمة ولا يبادرون الابتسام للفتيات ولا يتشاركون معهم في حديث أو وجبة.
في الجمعة التالية جلست في الكافيه من بداية اليوم وطيلة ساعات المغرب، حتى يظهر الرجل الذي يعجبني لكنه لم يظهر قط. قرب مغادرتي وجدته يتجه بحذر لمنضدة قريبة، ويجلس في هدوء فقررت عدم المغادرة ومتابعته مثلما كنت أفعل. بادر بطلب الكابتشينو، وسرح قليلًا، حتى وضعه النادل أمامه.
في المرآة القريبة أشار لي انعكاسي بالتقرب منه، لكنني ترددت، إذ أنه في تلك اللحظة نظر إلي وابتسم ابتسامة واسعة وواضحة.
لمحت انعكاسي ثانية في المرآة فلم أجده، كنت بحاجة لتلك الإشارة لكي أبتسم له. احتجت لاتخاذ تلك الخطوة بدلًا من الرجل دون الوجه الذي يحتل أحلامي، لكن بدلًا من انعكاسي الجامح وجدت نفسي.
لم أصدق ذلك كأن كل تلك الأيام التي آنسني فيها انعكاسي صاحب الشخصية القوية قد اختفت، طالعتني ملامحي أنا، ليست ملامحه الأصغر سنًا
في البداية كنت مصدومة، فلم أفسر لماذا اختفى في تلك اللحظة، لكنني لم أعبأ كثيرًا بصاحب الابتسامة الذي قام من مقعده قليلًا متجهًا ناحية منضدتي، لكنه لمح غضبي وارتباكي الواضح. كنت أنقل نظري بين المرآة الموضوعة بالقرب مني على الكاونتر، أتابع انعكاسي من خلالها طوال الوقت، وأنظر تجاهه كأنني أعجز في تلك اللحظة عن التصرف وحدي.
قمت من مقعدي تاركة ورقة نقدية لم أركز فيها، وخرجت مسرعة، بينما خلفي بدا صاحب الابتسامة مندهشًا من تصرفي، فبعد أيام طويلة قضيتها في تبادل النظرات معه كان منطقيًا له أن أرحب بخطواته تلك، لكنني كنت أبحث عن انعكاسي الضائع.
في الأيام التالية لم أذهب للبنك كنت أصحو من نوم طويل على صوت الهاتف لأتركه وأكمل نومي، اختفى انعكاسي تمامًا وأقصد بذلك ليس فقط الانعكاس صاحب الشخصية القوية لكنني لم أعد أبصر نفسي في المرآة. وحدث ذلك بشكل مفاجيء إذ أنني بعدما قمت من الكافيه كان انعكاسي العادي موجودًا هناك، وصاحبني في مرآة السيارة بالرغم من أنني لم أحب النظر إليه في تلك اللحظات، وتحاشيته فكان يطالعني وجه عجوز لي، كنت أنا الممتلئة صاحبة الشعر الهائش الخفيف والوجه المليء بالتجاعيد التي لم تفلح معها حيل الماكياج في إخفائها فبرزت بشكل أوضح، تبينت لون بلوزتي الفاقع وتجنبت النظر بعد تلك اللحظات.
في اليوم التالي صحوت من نومي وبينما أطالع وجهي في مرآة حمامي لم أجد انعكاسي أبدًا، كنت أجري في الشقة كالمجنونة أبحث عن أي مرآة أرى فيها نفسي لكن لا شيء.
على درج البيت العالي نزلت مسرعة بجلباب المنزل القطني الواسع وشعري الفوضوي متجاهلة سلام جيراني وتذمرهم لأجد السيارة أمامي فرفعت عنها غطائها لأطالعني في المرآة فلا شيء أيضًا.
بأرجل مثقلة عدتُ للبيت، أغلقت بابي وبكيت، كما لم أبك من قبل. يتخيل الناس أن المرأة كائن بكاء لكنني لم أكن كذلك أبدًا.
لا أتذكر كم بكيت في المرة الأخيرة ومنذ عام أو عدة أعوام، لكن بكائي تلك المرة بدا حادًا، أشبه بصراخ. شعرت أنني سأختفي تمامًا دون سبب، فلا أعلم لماذا تغير انعكاسي في الأساس ولماذا اختفى.
بعد وصلة بكاء طويلة شعرت بالثقل في قلبي وعلى أكتافي. اتجهت لفراشي ونمت لأيام طويلة، لكنني اليوم قررت بعد انتهاء تلك الأيام أن أحاول مواجهة ما حدث. نظفت شقتي وأخرجت ثلاثة أكياس كبيرة للقمامة خارج الباب. تحممت لساعة كاملة، فركت جلدي جيدًا، وغسلت شعري. خرجت من حمامي برداء جديد تمامًا، كنت خزنته لقضاء الصيف به في إحدى قرى الساحل الشمالي مثلما خططت. كان فستانًا مشجرًا قصير بأكمام واسعة وحزام قماشي في الوسط، بينما ينسدل بوسع حتى ركبتي كاشفًا عن ساقي. صففت شعري بالمكواة لينسدل بخفة فوق أكتافي، وارتديت المكياج الخفيف، وجلست على فراشي أمام المرآة لساعات.
شعرتُ أنني في انتظار شيء ما، يقطع انتظاري أحيانًا رسائل الواتساب من زملائي، يتفقدونني دون رد مني، وإشعارات أخرى بنشاطي على السوشيال ميديا الذي زاد مؤخرًا.
قدمي ثابتة على الأرض ويداي مطويتان على ركبتي. عيني زائغة تنتظر تلك اللحظة التي سيتبدى لها الانعكاس في المرآة الكبيرة المقابلة لفراشي. أتخذ عدة خطوات حتى أقف مقابل الفراغ في المرآة، وأمد يدي على السطح المصقول لتخترقه. في تلك اللحظة يظهر انعكاسي القديم بفستان مشجر، وشعر مكوي، وسنوات عمر أقل. يمد يدًا لي ليمسك يداي، ويسحبني تدريجيًا، داخل السطح اللامع. أشعر بملمس اليد الخالية من التجاعيد تشد على يدي بقوة، وفي قلبي ساد الهدوء الذي افتقدته لسنوات. هدأت كأنني أستقبل مولودًا جديدًا، بعد رحلة ألم مضنية وسكنت.
تقارير ذات صلة
كيف تكونين من هنا
مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن