تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
زيارة متأخرة وأخيرة لجنينة الحيوانات

زيارة متأخرة وأخيرة لجنينة الحيوانات

هذا النص ضمن العدد #03 من «مُنتهى الأدب»

كتابة: علي التلباني 3 دقيقة قراءة

كل تأخيرة وفيها خيرة، وهكذا جاءت زيارة إسلام صلاح الدين في «زيارة متأخرة إلى جنينة الحيوانات»، فهو لم يزرها صغيرًا، بل تأخرت زيارته حتى وقت إعداد الكتاب، وعمره 25 عامًا، فتميزت بأنها جاءت بوعي يحررها من وهم النوستالجيا ويتجاوز فكرة التباكي على أحوال الحديقة وعصرها الذهبي، ومن أجل إنجاح مهمة الكتابة طعَّمها بالمعرفة والخيال والسرد الأدبي، وذلك دون أن يختل البناء طوال صفحات الكتاب، أو يفقد الخيط الأساسي؛ الكلام بلسان الزائر الذي جاء الجنينة متأخرًا. 

في هذه الزيارة، لا تحضر الذكريات التي تربطنا بكيان مثل حديقة الحيوان التي كنا نذهب إليها صغارًا ما جعل انطباعنا عنها مرتبطًا بالحنين إلى الماضي الأسري، فالكيان المطروح أمامنا في الكتاب ليس بتلك الصورة المبسطة التي نجدها في ذاكرتنا، وإنما هو كيان انضباطي، ويعبّر عن صورة من صور المجتمع الحديث وسلطته في الضبط والتنظيم؛ بالتالي مهمة الزيارة/الكتاب الاشتباك مع هذه الجنينة والحكايات المتشعبة منها، لا البكاء على ماضٍ لم نكن جزءًا منه. بل نجد أنفسنا أمام حكاية استطاع الكتاب أن يرويها عبر خيوط سردية عديدة، كلها كتب وأغاني وأفلام، مثلًا ما الذي يجمع بين إسماعيل يس والفيلسوفين الفرنسيين ميشيل فوكو وجاك دريدا؟ 

يمزج إسلام موادًا خفيفة مثل فيلم إسماعيل يس في جنينة الحيوانات مع تنظيرات عميقة من كتب معرفية ثقيلة، وأخبار عدت علينا دون أن نحللها، لكنه يصنع من هذا المزيج الجميل كتابًا فريدًا من نوعه يجمع أسماء لم ترد على خيال القارئ، مع تضفير المعرفة العميقة داخل خيط الزيارة المتأخرة بحيث لا نغرق في المسميات الكبرى وأسماء المفكرين الذين قد نغرم بأفكارهم لنقرأ كتابة تحافظ على تصاعدها المنطقي وتستنطق ما يدور في عالم الجنينة الذي يبدو مكانًا يشبه السجون، فالحيوانات محتجزة خلف أسوار، والتي تعتبر إجراءً من إجراءات بيروقراطية أخرى مفروضة على الحيوانات مثل تصنيفها، ومراقبة مواعيد أكلها، وتحكمات الحراس في شؤونها، والأسماء التي يطلقونها عليها، فالحراس يعلمون أن الرزق يحب الخفية، ولهذا يمنحون الحيوانات أسماءً مثل حسين فهمي، أو حسن ونعيمة ليتخيل الزوار أن الفيلين يعيشان غرامًا مثل شخصيات الحكايات الشعبية، مع أن الحيوانات علاقات تزاوجها ليست محكومة بمنطق البشر؛ زواج وإخلاص لشريك واحد. بل خُتمت حكاية هذين الفيلين، بشكل مأساوي عكس ما رسمها الحراس، فنعيمة «لم تكن تريد حسن، وأنها هي من قتلته بنفسها، على الأرجح لأنها لم يكن لديها اختيارات أخرى». 

يحاول الكتاب كسر رتابة الحكي من خلال حوار مع صديقة متخيلة، تلعب دور «وسيط يدوّر الحوار بيني وبين المكان» وهي «الدولفينة البرية». وبالفعل تلعب هذه الصديقة المتخيلة دورًا محدودًا، تسمع كلام الكاتب وتقدم تعليقات قصيرة على كلامه، لكن هذا الدور تتعاظم أهميته كلما تقدمنا في الزيارة، فهي لا تقوم بتسلية القارئ فحسب، بل تقود الزيارة لتكشف ما تشعر به الحيوانات، فتتحوّل إلى راوٍ يعكس مشاعر الحزن والأسى لإثبات أن المشاعر لا تقتصر على البشر، ما يجعل الراوي المتكلم، وهو الكاتب، يشعر بضآلة سرده أمام الحيوانات التي لم نسمع صوتها، وهي لعبة ذكية من إسلام صلاح الدين ليوضح لنا أن مشاعرنا تجاه الحيوانات -الكائنات التي كنا نظنها صامتة- منقوصة، وعبر ما ترويه الدولفينة يكتب سردًا أدبيًا عن الحيوانات يجعلنا نراها على حقيقتها وليس كما تفرضه أجواء الجنينة وأسوارها وحكايات حراسها والفرجة عليها. وتماشيًا مع إدراك حقيقة الحيوانات، وتعاطفًا معها، يقيم مؤلف «زيارة متأخرة» فكرة حديقة الحيوانات، معتبرًا أن الزمن عفا عليها، ولم يعد هناك مبرر لوجودها. طارحًا أفكار مثل إبقاء الحيوانات في محميات طبيعية بدلًا من احتجازها لتكون فرجة لسامعي حكايات الحراس عنها، ومن يريد أن يتفرج فليدخل حديقة حيوان ميتافرس. ويكتمل خيط الزيارة المتأخرة بمشاهد إغلاق الجنينة لتكون هذه الزيارة الأخيرة أيضًا.

عن الكاتب

علي التلباني

علي التلباني (1997-) مدرس تاريخ متقاعد، يكره الروتين ويتقن فنون البحث عن الكتب القديمة التي نفدت طبعاتها ولا تتوافر نسخ منها إلا فيما ندر، ويُعرف أيضًا باسم السيد ع ع.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن