تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
زيارة في وقتها: حوار مع سامية محرز

زيارة في وقتها: حوار مع سامية محرز

كيف تُعرفنا الكتابة على الآخر الغائب 

كتابة: مهند عبد العظيم 7 دقيقة قراءة

يبدأ الفصل الأول من كتاب «إبراهيم ناجي، زيارة حميمة تأخرت كثيرًا» (2021) لسامية محرز، بزيارة من جمال الغيطاني لمنزلها، الذي بمجرد دخوله يلمح صورة ناجي معلقة ليسأل: «هو الدكتور ناجي بيعمل إيه عندكو؟»، لتخبره محرز أنه جدها. 

في نهاية الزيارة يخبرها أنها تشبهه. تغضب من ذلك، وتحاول عقد مقارنة بينها وبينه لتنفي ذلك الشبه. 

لكن، يتضح أن المشكلة ليست في الشبه بينها وبينه أو في الصورة التي لمحها الغيطاني، بل في الصورة التي كونتها العائلة حوله، والتي ازداد طغيانها عند انضمامها إلى الحقل الأدبي، ورغبة والدتها بأن تذكر أنها أول حفيدة لشاعر الأطلال، والصورة المتخيلة التي صنعها الوعي الجمعي عنه، ولم يكن هو بطلها الحقيقي، بل شخصًا غيره. تقول محرز: «تلك الصورة الأسطورية التي رسمها الجميع باعدت بيني وبينه من فرط حجمها، ورمت بظلالها على تكويني واختياراتي أو هكذا ظننت غير مدركة أن في تغييبي له ازداد هو حضورًا رغم أنفي». 

في بداية الكتاب تكون الكاتبة حبيسة تلك الصورة، ولا يحررها منها سوى الكتابة، لكن على مر الفصول تتبدل العلاقة بين الكاتبة وجدها شاعر الأطلال بسبب فعل الكتابة، التي تصير وسيلة تحرر بالنسبة لها، تمنحها معرفة الآخر كما هو، لا كما تصوره الصورة. دفعتني قراءة الكتاب إلى محاورة سامية محرز عن عملية الكتابة، وكيف تجعلنا نعرف الآخر ونتحرر من صورته المُتخيلة، وكيف تُعين تلك الوسيلة على التحول من الغضب إلى الرضا، وكيف يساعد وصف المكان على وصف تاريخ مرحلة ما.  

سامية محرز (1955) هي أستاذة للأدب العربي ومديرة مركز دراسات الترجمة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وناقدة أدبية وباحثة. وصدر لها عدة كتب بالإنجليزية منها «الكتّاب المصريون بين التاريخ والخيال القصصي: مقالات حول نجيب محفوظ وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني» (1994)، «حروب مصر الثقافية: بين السياسة والممارسة» (2008)،  وبالعربية «‫أطلس القاهرة الأدبي: مائة عام في شوارع القاهرة» (2010)، وكتابها عن إبرهيم ناجي هو الأخير. 

caption

تغيّر صوتك كراوية في الكتاب، في البداية نلمس اضطراب علاقتك بإبراهيم ناجي، ورفضك للشبه بينكما، الذي صرّح إليك به جمال الغيطاني، وبعد ذلك تتغير النبرة لملامح تفهم، ما سر هذا التغير؟

أعتقد أن صوت الراوية تغيّر لأني كما قلت أكتب معه لا عنه. ربما يرجع هذا الأمر إلى أن هذه الزيارة منحتني معرفته بصورة مغايرة عن التي صنعتها في عقلي عندما درست أشعاره، وحتي بصورة مغايرة لما كُتب عنه وما صنعه الوعي الجمعي، وما صنعته عائلتي. 

ما صنع هذا التغير تحديدًا مفكرته. اكتشفت دورًا موسوعيًا له أبعد من أن يختزل ويؤطر في صورة شاعر الأطلال. ناجي كتب عن الـpopular medicine (الطب الشعبي) وكتب في علم النفس بشكل بحثي، وترجم لشكسبير في أحلك أيامه أثناء إصابته بالسل، لذا كل هذا دفعني بشكل غير واعٍ لعلاقة أخرى غير التي كونتها طيلة سنين معه. 

تذكرين موقف قراءة صفحة من مذكراته لإحدى صديقاته كي يطمئنها بأنه لم يذكر اسمها بوضوح، كما ذكرتي في كتابك. ثم بعدها تذكرين الأزمة الأخلاقية لنشر مذكراته بالنسبة لأبنائه، كيف ترين تعامل ابنته مع مذكراته ورغبتها في تنقيحها، وتعاملك مع نفس هذه المذكرات؟ 

أعتقد أن ناجي كان يود نشر هذه المذكرات، لأن لا أحد يكتب مذكرات كي تذهب معه إلى القبر، أو يضعها في جيبه، ناجي كان يكتب مذكراته من أجل قارئ ما. تعاملت معه كباحثة يحتم عليها دورها الأكاديمي التعامل بأساس أكاديمي، وربما نبع الاختلاف في التعامل بيني وبين خالتي أنها تأثرت بكونه أبيها، وبالصورة التي رُسمت له من قبل العائلة؛ أما أنا لم أتعرف عليه إلا من خلال رحلة الكتابة نفسها، وربما هذا كان مفيدًا في أن يظهر الكتاب بشكل مختلف عن ما كُتب عنه في السابق.

في إحدى فصول الكتاب تمتزج العامية بالفصحى في كتابتك، كيف ترين الجدل المثار دائمًا حول الكتابة بالعامية أو تفضيل إحداهما عن الأخرى؟

أرى أنه جدل عقيم، أكبر الكُتّاب العرب كتبوا بالاثنين، والمسألة ليست أي اللغتين أفضل من الثانية، المسألة هي كيفية تطويع مستويات اللغة دون إقحام يفسد المعنى. وفي حالة كتابي بالتحديد، أدركت إنه كتاب غير أكاديمي، ورغم ذلك استخدمت إمكانياتي الأكاديمية في طريقة البحث لإنتاج كتابة مغايرة، عن ما كُتب عنه. ناجي شاعر أكاديمي قتل بحثًا ونقدًا، وأنا لم أكتب عنه كناقدة بل باحثة عنه كإنسان لا شاعر فقط، لذا طوعت اللغة بين عامية وفصحى لاستقطاب محبيه غير المختصين بالنقد الأدبي والمهتمين أكثر بشاعر الأطلال. وعزفت عن الكتابة باللغة المتخصصة أيضًا لأن المادة التي اطلعت عليها أجبرتني على ذلك أيضًا. 

يتجاوز الكتاب في بعض الأحيان فكرة البحث عن مذكرات ناجي الضائعة، ويتجاوز فكرة علاقة حفيدة بجدها، ويتحول إلى تحليل سياسي/اجتماعي للفترة التي عاشها ناجي، هل كان ذلك مقصودًا في خطة الكتابة قبل بدايتها؟ 

الكتاب آني، بمعنى أنه يكتب ويقرأ في لحظتها، كنت أعي بأن المدخل إلى تلك الزيارة يجب أن يكون سهلًا وبسيطًا. هناك بنية درامية في الكتاب، وأنا أعي أبعادها لذا كان عليّ اختيار مدخل بسيط وهو لب الكتاب: الشبه بيني وبينه كما رصده الغيطاني. وذلك الشبه يتطور ويأخذ أبعادًا أخرى في الكتاب كعمله مترجمًا كما أعمل، علاقته بالحقل الأدبي كعلاقتي به أيضًا. أسست الكتاب عبر الشبه بيننا، لكنه يتجاوز ذلك في الفصل الثاني عن منزل ناجي، وربما تأثرت أيضًا بكتابي السابق «أطلس القاهرة الأدبي: مائة عام في شوارع القاهرة «(2010)، بكيف نكتب عن المكان. وقد يبدو هذا الفصل هامشيًا بالنسبة للقارئ، لكن الحقيقة عكس ذلك، أنا أعتمد على تحليل المكان بعيدًا عن كونه شيئًا جامدًا، بل تحليل للمكان كشيء حي يتأثر باللغة والمعمار، وشكل القصور، ولغة الخدم. هناك تفاصيل سردتها عن الطبقة البرجوازية متعمدة، لأني لا أمثل بيت جدي فقط، بل أكتب عن حقبة زمنية وطبقته البرجوازية عن طريق بيت ناجي.   

caption

في الفصل الثامن المعنون بـ«صديقي شكسبير» تقولين لنديم ابنك أن «علينا دائمًا قبل الحكم على الأشياء والمواقف والأفراد أن نضع الأمور في سياقها التاريخي لكي نفهمها فهمًا صحيحًا»، وكانت هذه النصيحة تحديدًا توضح تبدّل علاقتك خلال عملية الكتابة بجدك،  فبعد نفورك من الشبه، تدافعين عنه وعن جيله الذي تأثر بالثقافة الإمبريالية وبشكسبير تحديدًا؟ هل هذه النصيحة تسري على عملية قراءة الأدب؟ 

حاولت من خلال هذه النصيحة توصيل إنه لا يجب فرض رؤية لاحقة على نصوص سابقة، يجب أن نفهم وجهة نظر ناجي وجبران مع الثقافة الغربية، علينا وضع أيديولوجيتهم في سياقها الزمني، قبل تجريمهم ورؤية مسرحيات شكسبير مثلًا بأنها ضد السامية. 

في الفصل التاسع هناك محاولة منك لكشف ما حدث لتحويل إبراهيم ناجي لسلعة، هل هذا له علاقة بالكتب النقدية التي كتبت حوله مثل كتب صالح جودت؟ 

كل شيء، حتى تناول الناس للأطلال، كل ما كتب عنه وحولها كان غير صحيح. تم استغلاله واستغلال حياته لمنفعة شخصية من بعض أصدقائه، كنت أصدّق ما كتبه صالح جودت ووديع فلسطين حتى أتي لي المؤرخ حسين عمر بما يثبت عكس ما قالوه، وحتى لو قرأت ما كُتب عن ناجي من رسائل ماجستير ستجدها إعادة تدوير لما كتبه جودت وفلسطين. وهذه ليست سمة متعلقة بناجي فقط، بل بكل الرموز الثقافية، هناك إهمال في التعامل مع الرموز الثقافية. ربما بدأ التسليع مع ناجي بعد موته بثلاث عشرة عامًا أي وقت ظهور الأطلال، حتى الآن أرى أخبارًا صحفية منشورة عن ملهمات ناجي، وفي الحقيقة كلها خاطئة. 

هل الإهمال الذي تقصدينه في التعامل مع الرموز الثقافية طال ناجي من أسرته أيضًا عندما باعوا المكتبة؟ ولماذا في نهاية الكتاب فصل «الوداع»، تستوقفك صياغة قصاصات التعزية، وتحديدًا تعزية في جريدة الأهرام، تعلقين عليها بمثل شعبي «لما راح المقبرة بقى في طيزه سكرّة»، وترين أن هذا المثال فيه بلاغة الإيجاز، هل ترين التعزية والرثاء نفاقًا؟ 

لم يكن عند جدتي خيارًا آخر، ولم تتعامل مع جدي كسلعة بل تحايلت على ديونه ببيعها لرابطة الأدباء التي أنشأها وترأسها أخيه من بعده، فهي محاولة للتلاعب. لكنهم لم يدركوا ما سيحدث في المستقبل لتلك الرابطة، كانوا يظنون أن هذا أمان للكتب ولهم من خلال الحصول على مبلغ مالي لأمانهم الشخصي وتسديد الديون. الرثاء نفاق لأن أحدًا لم يهتم بإرث ناجي الحقيقي. الجميع كتب عنه وأهمل إرثه، لذا كان نفاقًا لأن الكتابة لم تنقذ هذا الإرث.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن