زرافتي الجميلة، كُونِي بخير
#جو عام
قبل تطوير حديقة الحيوان، يودع الزوار الحيوانات، في الويك إند وأيام الأسبوع، ومنهم هبة أنيس التي أرادت توديع المكان والاطمئنان على أجمل حيوانة تسكنه.
#دليل
نسجت أشعة الشمس خيوطها الذهبية وملأت الأرجاء بالدفء، تخففتُ من معطفي الثقيل للاستمتاع بالطقس المُشمس، والاستعداد للدخول، ليقطع هذا المشهد، ما يشبه الشجار على مدخل حديقة الحيوان بالجيزة، يرفض رجل الأمن السماح بدخول شخص يحمل كاميرا كبيرة بيده لتصوير الحديقة.
يسأله رجل الأمن إن كان يحمل تصريحًا، مبررًا ذلك بأن التصوير ممنوع دون تصريح. ثم طلب منه إفساح الطريق للسماح للمواطنين خلفه بالدخول ليأتي دوري، قدمتُ تذكرتي، وتبادلت مع حامل الكاميرا ابتسامة فكلانا نسعى لدخول الحديقة لنفس الغرض؛ توديعها قبل التطوير.
بدأتُ زياتي بالبحث عن الزرافة، التي رأيتها للمرة الأولى منذ ثلاثة أعوام لتودعيها، لكن يبدو أنني لم أكن الوحيدة التي أرادت توديع الحديقة، بل لمحت أسرة تفترش الأرض، ويتناول أفرادها ساندوتشات وأمامهم زجاجات المياه، كأن نزهتهم، مثلي، لتوديع الحديقة التي امتلأت طرقاتها بالزائرين المودعين، رغم أن اليوم لم يكن نهاية الأسبوع. لا أعرف سر تعلقي بالزرافة، ربما لأنني لم أر زرافات من قبل، بل لم أر حيوانات أيضًا كالأسد والدب والقرد لأن زيارتي الأولى لحديقة حيوان كانت قبل ثلاثة أعوام. ربما تعلقت بالزرافة لأنها كانت قادمة حينها من جنوب إفريقيا، وقفت برقبتها الطويلة أمام زائرين يصورونها ويطعمونها، ومثلهم فعلتُ. كانت جميلة جدًا.
كنت دائمًا أسمع حكايات تُروى عن «حديقة الحيوان بالجيزة» أنها الأكبر والأجمل من بين الحدائق المصرية، فكانت تُسمى «جوهرة التاج لحدائق الحيوان في إفريقيا»، باعتبارها أول وأعرق حدائق الحيوان بمصر والمنطقة. مثلًا زيارتها كانت ضمن برامج الرحلات المدرسية حيث نشأت بالمنصورة، لكني لم أتمكن من زيارتها صغيرةً، لذا رسمتُ لها صورة في خيالي على مدار سنوات، مساحة كبيرة مليئة بالأشجار والحيوانات، تشعر بالمتعة عند التجول بين أشجارها وأقفاصها، والتقاط الصور أمام شلالاتها المائية وبحيراتها حيث تحط الطيور ويسبح البط، أو المشي فوق جسورها الخشبية.
ومع سن الثلاثين، زرتها صحبة ابنتي، استكشفنا طرقاتها سويًا، ورأينا أسدًا داخل قفصه، ودب أسود وآخر أبيض، وقردًا يأكل الموز، والتقطت ابنتي صورة بجواره. رغم سعادتنا بالرحلة، لم نكرر التجربة، لأنها ستظل موجودة ويمكننا زيارتها في أي وقت، لكن مع انتشار أخبار التطوير، قررت توديعها، أو بالأصح توديع الزرافة، لأن تجارب التطوير السابقة لأماكن أخرى، تنتهي عادة بتغيّر معالم أي مكان وإغلاقه على فئة معينة. نحن لا نكون دائمًا ضمن الخطة، تزيد أسعار التذاكر، أو يستبعدنا التطوير.
لكن هذه المرة لم أتمكن من اصطحاب ابنتي لصناعة ذكرى أخيرة مع الحديقة، بسبب مواعيد المدرسة، سأروي لها تفاصيل الرحلة لتصنع الذكرى بخيالها. استمر في السير بحثًا عن الزرافة، وبعد أمتار، وقف بائعون، منهم مَن يردد «اكتب اسمك على حظاظة بـ5 جنيه»، وآخرون يعرضون التصوير مع أسد صغير، فابتسمت لأحدهم تعبيرًا عن الرفض وسرت مبتعدة عنه، فقال: «الحقي قبل ما الجنينة تتشال»، فعدت إليه لأسأله عمّا سيفعله حين تُغلق الحديقة لتطويرها، لم تكن لديه خطة؛ «هنشوف مكان تاني نسترزق فيه».
أمام قفص الغزالة، وقفت أسرة صحبة صغارها، طلبت الأسرة من الحارس تصوير الصغار مع الغزالة، فأعطاهم عصًا طويلة لإطعامها عشب أخضر بنهايتها، أكلت الغزالة التي بدت نحيلة، تأملتها مودعة، وظننتُ أنها كانت تبادلني نظرات بدت حزينة، أو هكذا رأيتها.. كأننا نتبادل الوداع.
تكرر المشهد أمام قفص الجَمل الأسيوي، لم يكن الجمهور أسرًا فقط، بل جَمع أصدقاء، منهم ثلاثة من الشباب وقفوا لمشاهدة الجَمل الظاهرة عظامه بشكل واضح، ويتناول عشبًا أخضر يناوله له الحارس عبر عصا طويلة. لا يعرف الحارس مصيره حين يبدأ التطوير، بل بدا في حديثي معه كأنه يودع القفص الذي جلس أمامه لسنوات طويلة يطعم الحيوانات القابعة داخله، ويلتقط الصور مع الزائرين، إكمالًا لطقس توديع الحديقة.
عند بيت الزواحف، لمحت مشاهد وداع، ثلاث فتيات يصورن بعضهن، ثم يلتقطن سيلفي، واستمر طقسهن الوداعي بين الأشجار، وأمام أقفاص الحيوانات والثعابين والتماسيح. وعند بركة البجع تبادلنا ابتسامة، فطلبن مني تصويرهن سويًا، وبعد التقاطي لهم ثلاث صور، تابعن طقسهن.
قبل ثلاثة أعوام، كان بيت الزراف وجهتي الأولى. وفي الزيارة الأحدث، بعد لف وبحث، سألت الحراس عن مكانه، ليخبرني أحدهم أنه «بيت الزرافات المشؤوم» حيث توفي قبل سنوات مولود لم يتجاوز عمره سبع سنوات أُطلق عليه «عزيز»، وقبله ماتت زرافة كانت تُدعى «روكا»، وجدوها مختنقة بعد تعلق رأسها في إحدى الأشجار.
وفي ليلة رأس سنة 2021، شهد البيت المشؤوم حادثة صادمة تخص ذكر زراف قادم من جنوب إفريقيا قبلها بأيام حيث اعتاد الجو المشمس بالصيف هناك، (يحل شتاء جنوب إفريقيا بين شهري يونيو وأغسطس). عند نقل الزراف من مكان لآخر تتبدل الحالة النفسية، مع احتمال الإصابة بالاكتئاب، لكن في حالة الذكر الذي جاء من صيف جنوب إفريقيا صحبة زرافتين إلى شتاء الجيزة مرت مصر بموجة طقس بارد، وعلى إثرها توفي بصدمة رئوية بعد أيام.. هكذا يتضح سر تسمية بيت الزراف بالمشؤوم، لذا فضلت عدم دخوله، مودعة الزرافة من بعيد، متمنية أن تكون بخير.
في تمام الرابعة، عدتُ من نفس الطريق التي سرتها، وجدتُ زائرين أتوا لوداع الحديقة، لا أعرف أن كانوا مثلي أردوا توديع زرافة أم حيوانات أخرى. لكن أتمنى لهم حظًا أفضل.
وعند مدخل / مخرج الحديقة، تجولت بعيني يمينًا ويسارًا، لأجد لافتة كبيرة دُوّن عليها «مع تمنياتنا بوقت سعيد»، إلا أنني لا أعرف متى سيمكنني قضاء وقت سعيد مجددًا هُنا، لكن حتى نلتقي عزيزتي الزرافة، أرجو أن تكوني بخير.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن