تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رقصة تأخرت كثيرًا

رقصة تأخرت كثيرًا

#132 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: هبة خميس 7 دقيقة قراءة
تصوير: عُمر مصطفى

#جو عام

في هذا الديتوكس تسرد لنا هبة خميس كيف تمكنت أخيرًا من الرقص، بعد سنوات من الاختباء وراء ملابس فضفاضة وغير ملائمة، وتحمّلها قيودًا بحجج العيب، تحكي عن تصالحها مع جسدها بوحي من حضور طيف زميلة دراسة سابقة لم تخجل أبدًا من جسدها. 

#دليل #قراءة

رفعتُ ذراعيّ للأعلى كي أستطيع إدخالهما في كمي الفستان الذي أقيسه، وحينما أنزلت ذراعيّ اصطدمتا بجدران الغرفة الضيقة، التي يعوض ضيقها مرآة طويلة أرى بها مدى ملاءمة الفستان لي. منذ فترة وبينما أتصفح السوشال ميديا، أعجبني فستانًا في إعلان عن البراند الخاص به، لم يكن بالفستان شيئًا مختلفًا عن موضة ذلك الصيف من الألوان الصارخة والقماش المنقوش، لكنني فور رؤيتي للفستان وددت ارتداؤه، ذكرني بصورة شهيرة لسعاد حسني بفستان أحمر مرقط بدوائر بيضاء صغيرة وبفتحة عنق مربعة وكم منفوخ قصير.

يبدو الفستان من بعيد شديد الشبه بفستان سعاد حسني في صورتها المشهورة، لكن النقاط البيضاء كانت أضيق قليلًا، وأحمره مائل للبرتقالي، وكميه أقل انتفاخًا.

ارتديت الفستان ووقفت صامتة أتابع انعكاسي في المرآة، القياس مناسب، نظرت برضا لانعكاسي، قبل خلع الفستان وشرائه.

لطالما أردت فستانًا يشبه ذلك الفستان، ففي مراهقتي ظلت سعاد حسني تحتل الصورة الذهنية للفتاة المرحة والجميلة فكنت أتخيل جسدي محشورًا في تلك الفساتين الملونة والتي تُعتبر مختلفة عما ألبسه من ألوان داكنة، وملابس واسعة. فبينما كانت كل الفتيات تتحضر لدخول طور الأنوثة كنت أختبئ أسفل طبقات من الملابس والألوان تخفي تلك الأنوثة لتظل مُتخيلة فقط. تلك الصورة الذهنية التي تحوّلت بعد سنوات قليلة لتحتل بوسي المشهد، وتكون رمزًا لكل ما افتقدتُه من مشاعر تجاه أنوثتي.

بوسي هي فتاة كانت منقولة حديثًا لمدرستنا الثانوية بالإسكندرية، وتستقل معي نفس الباص إذ تسكن بالقرب من منزلي. بوسي جسدها ضخم وملامحها غليظة وشعرها أشقر بفعل صبغة، ولها طرقعة لبان مُميزة. ووالدتها صاحبة كوافير قريب منزلي، وتعمل بوسي معها، والدها توفى وهي صغيرة، ولا تحكي عنه أبدًا.

ربما يبدو غريبًا أن أقارن نفسي ببوسي، لكنني كنت أفعل ذلك كلما صعدت سلمات الباص القليلة وظهرت ساقها الممتلئة من فتحة جونلتها الرمادية، أو انحنت وبانت ضخامة ردفيها. جسد بوسي وافر مثل جسدي، لكنها تفخر بجسدها. تمشي بغنج وتضحك بصوت عالٍ وتفتح أزرار قميصها الضيق لإظهار مفرق ثدييها وتتعمد إبراز مؤخرتها بينما أرتدي البلوزات الواسعة كي لا تُرى انحناءات مؤخرتي.

لم تعان بوسي من خجل يجعلها تداري جسدها، وكانت تسمع كل النميمة حولها بسبب افتقارها للجمال، لكنها تجيد الاعتناء بنفسها، شعرها مفرود وحاجبيها مشذبين بدقة في الوقت الذي كانت نصف الطالبات تعاني متاعب مع أسرتها لتشذيب حواجبهن الكثيفة. على مدى عامين كنت قريبة من مكان بوسي في الباص ولم أشم رائحة عرق لها مثل باقي الطالبات اللائي أنفر من رائحتهن. بل كانت متعطرة وشعرها مُرتب والكحل في عينيها، وترتدي جونلة مكوية جيدًا وقميصًا نظيفًا مع الأساور الذهبية في معصمها.

مع بداية الفصل الدراسي كوّنت بوسي شلة من الفتيات المتعطشات لحيلها الجمالية، فبدأت في نزع شواربهن الخفيفة بالفتلة بين الحصص، كما وزعت عليهن النصائح حول نزع الشعر من أجسادهن بعجينة السكر، وقص شعورهن في بدايات الشهور العربية. ومع الوقت زادت شلة بوسي طلبًا للنصائح المجانية التي تحفظها وتطبقها من خلال نشأتها في الكوافير، وبعد النصائح تحكي عما تسمعه من الزبونات عن الهجر، وما يحدث في غرف النوم، وتتسع حدقات الفتيات حولها حينما تبدأ في سرد تلك الحكايات.

في معظم الأوقات التي يغيب فيها أحد مدرسي الفصل، تغلق بوسي الباب في هدوء وتبدأ صديقتها في الطبل والدندنة على التخت. ثم تدور بوسي بجسدها لتحيينا، وتشير لصديقتها لتخلع البنت حجابها الأبيض وتمنحه لها ليلتف أسفل وسطها ونتحلق حولها في دائرة، ونزيح كل ما يضايق حركتها، يدها مرفوعة لأعلى تتلوى في نعومة بينما تنزل ببطء مع حركة وسطها، واهتزاز مؤخرتها مع الموسيقى.

حركات بوسي في تلك اللحظة كانت تثير حقدي تجاهها، كيف ترقص بخفة بجسد ضخم، بينما كانت تكتفني نظرات أبي وأمي فأكتفي بالتصفيق في حفلات الزفاف، كنت أتابع حركة قريباتي واغبطهن على رقصهن المُنطلق، يشبهن بوسي بينما أشبه لوح خشب. لم تكن التنشئة المُحافظة فقط هي سبب جمودي، لكنني كنت أفتقد تلك المجتمعات النسائية، فلكل واحدة من قريباتي أخت واحدة على الأقل، بينما نشأت وسط أخوة من الذكور يتحركون بحريتهم، وجسدي مُكبل.

بعد إتمامي العشر سنوات، بدأت سيرة الحجاب، بالتزامن مع انتشار شرائط عمرو خالد والشيوخ التي تخاطب المراهقات ليرتدين الحجاب، ولكوني ابنة لأم محجبة توقعت أني سأضطر لارتداء الحجاب قريبًا، ليس لوازع الديني وإنما إرضاءً للمجتمع شكليًا. 

كل يوم يمر ترتدي إحدانا الحجاب، كأننا منتظرات دورنا في طابور طويل لنيل رضاء المجتمع والدين في ضربة واحدة.

السؤال يتكرر حينما نزور الأقارب «امتى هتتحجبي؟» وصار السؤال تخويفًا من مصيري. لم أكن أعلم أن شَعري له تلك الأهمية عند أقاربي ومعارفي، بعد ذلك بدأ الضغط في المنزل مع تضييق كي يدفعونني دفعًا لارتداء الحجاب. لكن شعري المجعد الهائش لم يمثل لي شيئًا طوال سنوات، لذا ارتديت الحجاب، وصرت أسأل زميلاتي غير المحجبات عن الحجاب لنصير مُتشابهات.

لكن بوسي لم تسع لتكون مثل الأخريات، بل استمرت بصبغ شعرها بالألوان الصارخة مثل الأشقر الذهبي والأحمر الناري طوال الوقت، وتبدو في كامل تأنقها.

***

قبل عرسي اتفقت صديقاتي على عمل ليلة حنة لي كي يرقصن ويرتدين فساتين مكشوفة دون الاحتكاك بالوجود الذكوري الذي سيكون حاضرًا في ليلة الزفاف التي لن يلبسن فيها مثلما يردن، فقررت عمل الحنة قبل الزفاف بيومين لأترك لنفسي اليوم الذي يليه للنوم والاسترخاء بعد تعب شهور من تحضيرات للزفاف.

اتجهت معي صديقتي للبحث عن كوافير لفرد شعري الطويل تجهيزًا لليلة الحنة، اختارت صديقتي فرد شعرها لدى كوافير بلا قسم خاص للمحجبات، فافترقنا، واتجهت لكوافيرة مغربية في شارع  قريب. خلعت حجابي، وما إن رأت الكوفيرة كثافة وطول شعري رفعت السعر، وحينما انتهت أثنت على جمالي، وحين قمت تأملت جسدي قليلًا، علقت:

«عروسة قمر لكن جسمك غليظ»

 في تلك الليلة حينما اجتمعت صديقاتي ليرقصن لم يفلح فستاني الأحمر في تحريك جسدي حتى يئست، وجلست بثقلي أصفق لهن وأدعو أن يمنحني الله جسدًا أصغر قليلًا، ومرن يتحرك طوع أمري.

 شعرت بجسدي يقيدني حتى كرهته، أتابع أخوتي الذكور، لا شيء يكبلهم، وأتمنى في تلك الأوقات أن أصبح رجلًا. كنت أتوق إلى جسد خفيف يجعلني أملك الحرية التي أريدها.

***

مع حملي، كنت لأول مرة في حياتي غير قلقة تجاه وزني الذي يزداد بجنون، وبطني التي تجعلني أعجز عن الانحناء وارتداء حذائي. في المرآة أحتضن بطني الكبيرة، غير مكترثة بجلدي الممتد والخطوط عليه. حين أزور طبيبي زيارتي الأسبوعية أسمع النبض لمدة أطول. ومع الشهر الرابع رأيت الجنين الذي بدأ يتخذ شكل إنسان حقيقي، لمحت يديه ورجليه، ورأسه، وميزت أسفل بطنه عضوًا ذكريًا صغيرًا، لنعرف نوعه للمرة الأولى.

مع مرور الوقت كنت فضولية إزاء شكله، فكرت إن كان سيرث قلقي الزائد، وعين والده. أمام المرآة وقفت أعدل ملابسي واتفقد بطني التي تضخمت، خشيت من لحظة خروجه من جسدي، كنت أتساءل بعد تسع شهور من ألفة وجوده داخل جسدي ما الذي سيملأ الفراغ الذي سيخلفه حين يصير جسدًا منفصلًا؟
في غرفة العمليات أعطاني الطبيب مخدرًا نصفيًا بينما استوت رأسي بين يدي زوجي، وبعد لحظات كنت أحتضن طفلي، ألمسه وأضمه كي أستعيد ذلك الشعور حينما كنّا جسدًا واحدًا. 

 ****

دعتني صديقة قديمة لجلسة علاج بالرقص، لم أتحمس مطلقًا، بل اعتبرتُها فرصة لإشباع فضولي، وبقليل من البحث ومشاهدة المقاطع المصورة، بدأت الاكتشاف: 

يُعرف العلاج بالرقص على أنه علاج معتمد على حركات الجسم لدعم الثقة بالنفس والتغلب على المشاعر السلبية، وهو أحد أشكال العلاج التعبيري مثل العلاج بالفن. ويُعرف الرقص المُستخدم في هذا العلاج بالرقص الحر الذي لا يشبه أي من أنواع الرقص، ولا يخضع لتعليمات محددة.

بالقرب من محطة الترام وجدت عنوان المركز الذي تُقام به الجلسات، عمارة حديثة وعالية ويحتل المركز الطابق الأول منها. انتظرت في الداخل قبل توافد المشاركات حتى وصلت المُعالِجة ودخلنا القاعة الفارغة التي ستتم بها الجلسة.

أصدرت حكمًا قاطعًا على نفسي أنني لن أستطيع التحرك مطلقًا، كما اعتدت من جسدي مجرد لوح خشب، ودخلت الحصة. 

كنت أقف في أحد الأركان أراقب المُشتركات على اختلاف أعمارهن وأنماط ملابسهن، خليط اعتبرته غريبًا، فظللت أتابعهن من بعيد حتى بدأت الموسيقى.

تحركت حسب توجيهات المُعالجة، وفي ذهني قررت التوقف لمدة ساعة ونصف الساعة تمامًا عن إصدار الأحكام حول شكل جسدي المتحرك. وحينما اتخذت ذلك القرار توقفت عن ملاحظة الاختلافات في المُشاركات من حولي، هكذا بدونا متشابهات، نتحرك دون إيقاع ثابت أو محدد، لا نؤدي رقصًا معينًا، لكن حركتنا متناغمة دون اتفاق.

على المرآة أتابع جسدي يتحرك بسلاسة على الإيقاع، وبجواري طيف بوسي بالحجاب المربوط على وسطها والنشوة على وجهها، أمرر نظري بين انعكاسي وطيفها، سعيدة برقصة تأخرت كثيرًا، شاعرة بخفة لم أعرفها من قبل. 

و#سلام.

عن الكاتب

هبة خميس

كاتبة وروائية مصرية صدرت لها، عن دار «الشروق»، رواية «مساكن الأمريكان». في 2019، حصلت على جائزة ساويرس في الأدب عن المجموعة القصصية «زار». وحصلت على الجائزة المركزية لقصور الثقافة في…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن