تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رشق الخناجر

رشق الخناجر

#248|دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: آية جمال محيي 7 دقيقة قراءة

#جو عام

بهدوء، تكتب آية جمال محيي عما يعتمل داخل الجسد، كيف يتحوّل مصدر الحياة ليصدّر العذاب إلى سائر الأعضاء. لا تشقينا آية برحلة شقت فيها حتى تفهم سرّ ألمها، بل تستخلص لنا دليلًا يخبرنا كيف نصاحب ما يؤلمنا، طالما أنه بلا علاج ولن يتوقف عن غزواته المباغتة.

 #دليل

تنسى أمي كثيرًا، وفي تلك اللحظة نسيت اسمي، فوقفت في استقبال الأشعة تنطق باسم أختي، وتغضب على الموظف والممرضة زاعمة أن هذا هو دوري/ لكن الاسم لأختي، وأننا انتظرنا هنا كثيرًا، والانتظار يقتل في لحظات التعب. كنت مندهشة، وأنا أعرف أن أُمي يُسهى عليها فيما يخص الأسماء والأشياء. وقفت وذكّرتها بكل بساطة «ماما، أنا آية»، وبعد دقيقة نادى الموظف اسمي أخيرًا.

أخبرتني الممرضة أنني سوف أظل في جهاز الرنين المغناطيسي وحدي لمدة ربع ساعة تقريبًا. ليتها ما تفوهت بتلك الجملة قط.

واحد،

اثنين… 

مئة. 

الوقت لا يمر أبدًا. يتيبس جسدي تمامًا. بسبب الرباط؟ لا بد أن رباطًا أو حزامًا أسود لف بطني وضغط بشدة على جانبيّ. ألمس جلدي، وأريد التيقن من مكاني، أن أهمس، أن تتحرك الحروف على لساني. يضيق نفسي، يضيق جهاز الرنين عليّ. 

فُتح الباب بعد ساعة تقريبًا، هالتني رؤية وجه أمي الشاحب. أخبرتني أنني تأخرت كثيرًا. الفكرة أننا جئنا من أجل الاطمئنان على شيء وإذ بشيء آخر يفرض نفسه. أشعر في أثناء المشي بشيء ما يُثقل وزني، لا أتحمل جسدي، كثيرًا ما خانتني قدمايّ، وجلست على الرصيف أبكي. وعلى مدار سنين طويلة، ذهبت إلى أطباء عظام، وروماتيزم ومناعة، وجراحة وأعصاب لأن الخناجر لا تكف عن رشق ظهري وإيلامي. الأطباء، وكلهم ذكور وهذا التحديد مهم لفهم القصة، يظنون أنني أبالغ في وصف ما أشعر به. يمنحوني «دهانات ومسكنات وبس». أحدهم أخبرني أن النساء دائمًا تتصور أشياء غير حقيقية، فالألم النفسي يجعل جسد المرأة يتوهم الألم بصورة أو بأخرى، وأن هذا الأمر معروف منذ زمن بعيد. وتابع قوله بهدوء شديد وأصابعه تمسك بقلم فضي يتحرك في كل اتجاه، بأن إنسان العصر الحديث أطرافه صارت هشة وضعيفة لأنه يُغرق نفسه في الجلوس على المكتب لوقت طويل، ويا خسارة أننا لم نعد نعمل في الأرض مثل أجدادنا. ومن كرسيه الجلد، راح يُعدل هِندامه ويُحكم وضع رابطة عنقه ويقول كزعيم سياسي «أجدادنا كانت صحتهم أفضل بكثير مننا، لأنهم يحرثون الأرض ويحصدون الزرع، حتى إن الأمهات كن يعملن من الفجر بلا كلل»، ثم يسألني بإشفاق إذا كنت أعاني من أي مرض نفسي، ويختم سؤاله بـ«شكلك مكتئبة». 

أجيبه بالنفي، أسأله إذا كنت في حاجة إلى أشعة؟ «لا طبعًا، فلوس على الفاضي». ثم يبتسم ابتسامة سخيفة كأنه أخيرًا انتشلني من طريق مظلم كان من الممكن أن أضيع فيه لولاه. يسكت ثم يوصيني بالطبع بالبروزاك. أعود إلى البيت، وأرسل إلى صديقتي التي أوصتني به «الدكتور ده مابيفهمش خالص. بيقول إن أنا بتوهم ومكتئبة وأنا أقسم بالله ما عندي اكتئاب»، رغم ذلك تثني صديقتي عليه وتؤكد أنه بالفعل ممتاز. 

أنا أعرف ما أشعر به.. لذا صدقت ألمي، وصممت أن أسمع ما يخبرني به عقلي.

تتعرض أغلب النساء لـ medical gaslighting. يصف التلاعب الطبي سلوكًا يقوم فيه الطبيب أو غيره من المتخصصين بتجاهل الأعراض الجسدية للمريض أو التقليل من شأنها، أو عزوها إلى سبب آخر، مثل حالة نفسية. ربما لا يسمع الطبيب في الأساس ما تنطق به المرأة، فلديه وصفة جاهزة ونظرة دونية وتصور مُسبق أن المرأة تتحمل الألم مهما كانت درجته وينبغي أصلًا ألا تشتكي أبدًا. 

لكن كل شيء تغيّر حين كشفت مع طبيبة. بدأ كل شيء يتكشف ليّ، وفي كل لحظة كان قلبي يخفق. كل ما عشته كان له معنى وسبب. القدر إذن هو ما أوصلني إلى هنا. الأشعة التي بين يديّ طبيبة النساء تخبرها بأمر لا أتبينه، تسألني عن تاريخي المرضي كله. «طب تعالي» تنظر إلى شاشة سوداء أمامها، وتُشير إلى نقطة ما، بينما تضغط بقسوة على جسدي. أرى القلق في وجه أُمي. نجلس وتُسهب الطبيبة في الشرح. كلماتها تصطدم بعقلي. لكن مع كل كلمة، أرى غمامة سوداء تنزاح عن عينيّ. لا أشتكي سوى من الألم كأن آلة قاسية تطحن عظامي، لدي وجع رهيب في العظام والمعدة، ومؤخرًا في الحوض. مَن سبقوها ظنوا تشخيصات خاطئة مختلفة. 

يتسرب إلى أذني صوتها بنبرته الحادة والودودة في آن وهي تقول اسم التشخيص للمرة الأولى «بطانة الرحم المهاجرة». ترسم على ورقة بيضاء رحمًا عشوائيًا وكيس شوكولاتة في غاية الصغر، وتشرح لي بشكل مُبسط ما أُعانيه. تأخذ بيديّ وتدخلني إلى حديقة وردية، أنت الآن تدركين ما يحدث في جسمك، تتصلين بكيانك. (شعرت بذلك والله، بالفعل لاحظت في الشهور الأخيرة الصعبة أن الألم الذي أصبح يعجزني عن الحركة يقل عندما تبدأ الدورة وليس العكس). هذا مرض مزمن ليس له علاج. البطانة تترك مسكنها وتنمو أنسجة الرحم في أماكن أُخرى من الجسم غير الرحم، وغالبًا هذا ما يُسبب أعراضًا تتضمن آلامًا شديدة في الحوض. لن نأخذ أي علاج كي لا تؤثر على الهرمونات. فقط عليّ اللجوء إلى المُسكنات إذا ما افترسني الألم. ورغم أن المرض يصيب 10% من النساء، فإن تشخيصه يستغرق وقتًا طويلًا، ويعود ذلك جزئيًا إلى طبيعة الحالة المُعقدة. وتداخل أعراضها مع اضطرابات أخرى. 

لم يتحمل جسدي فكرة المُسكنات كثيرًا. انفرط توازني، فقدت الكثير من وزني، وكدت أن أجن. البطانة تُسبب لي تعبًا، يهاجمني وجع في البطن وعظام الحوض. والسكاكين ترشق نصالها في جسمي. نوبات من الألم تستمر لساعات وأيام أنسى فيها نفسي. يلازمني شعور عارم بالوهن والتعب. فكان لا بد من سؤال المجرب لا الطبيب، وصفات تخفف الألم وفيديوهات عن معجزات الطب الشعبي.

***

أمشي وأنا أسأل هل خطواتي توحي بأنني مُتعبة؟ أحمل جنونًا في رأسي، وأسير خلف شبح من الصراخ، يرغب في كل ثانية أن يأخذ كفيّ، ويقول هيا أطلقي العنان لصوتك المكتوم وابكي. 

أعرف ذاتي في الألم. مَن أنا إذا خرجت منه؟ إن تسلل هو مني وصاد فريسة أخرى؟ أحيانًا أنساه، أنسى وجوده تمامًا، لكنه سرعان ما يرفع رايته ويعلن عن نفسه بزهوٍ. 

يأتي الصباح ولا أعرف كيف يأتي، ينبعث نور خفيف من شباك أزرق، أشعر بوخز في عظامي، كأن الليل سيارة ضخمة تدهس عمودي الفقري فقرة تلو الأخرى. الوجع كله يتركز في ظهري. أود القول إني متعبة، لكن الكلمات محبوسة، أنهض من سريري، أمد ساقًا خلف ساق في تريث. تعرف أمي من مشيتي أنني أتألم، تسألني إذا كان ظهري ما زال يؤلمني، لكن رشق الخناجر أوضح من الرد. أعد فنجان قهوة، أُعطر جسدي وملابسي برائحة الورد والفانيليا، أكتب قصيدة، أخاف أن تضيع مني الكلمات. أريد التهام الأشياء التي أحب، التنعم بزرقة السماء وصفاء البحر. أخرج من البيت، وأنا أحمل كتابًا لفروغ فرخزاد، أمشي ببطء، أحس كأن أجنحة تنبت لي. نسمات هواء منعشة تلمس وجهي، وموسيقى راجح داود تهمس في أذني بعذوبة. أشتري ورودًا حمراء، ومن قائمة الأطعمة التي تخفف الالتهابات: بابونج وشاي بالتوت والقرنفل وشوكولاتة داكنة. فجأة أشعر بتنميل في جانبي الأيمن، وخزة قوية تباغتني، أريد نهشها بأظافري، أن أحك أسفل جلدي. أشعر بالإنهاك الشديد. 

أسقط..

لا أسقط.

في البيت، أقف أمام المرآة، أُمشط شعري، بينما الدموع تنساب من عينيّ. لمرة وحيدة، أبكي بصوت عالٍ، ينتفض جسدي. أحمل علب الدواء، وأقرر ألا أضعها على لساني مرة أخرى. هذا الدواء اللعين سأتخلص منه. أتناول مُسكنًا قويًا وأتعهد بأنها المرة الأخيرة. أدعو اللّه بأن أنام الليلة، خذ كل شيء ودعني أنام. كيف للرحم أن يتحول من بيت جميل وشاعري وباعث على الخلق والتكوين والحياة إلى مكمن للألم؟

أتذكر نصيحة أختي بأن أجرب الحجامة، فأقرأ عن تأثيرها وأنها مفيدة للنساء فعلًا، يا سلام. أتذكر الفيديو الذي شاهدت فيه امرأة سمراء كحيلة العينين، على كفها حناء حمراء مرسومة على شكل غزالة، تلف شالًا أبيض على شعرها الغجري، وتتحدث بلغة عذبة ولسان فصيح، تسألها المذيعة عن بطانة الرحم، فترد المرأة التي تشبه العرافات بأن لها اليد في شفاء الكثير من السيدات عن طريق الكوي، لجأن إليها عندما شعرن باليأس، خاصة عندما تعثرن في الإنجاب. الغريب أن أغلب التعليقات تشيد بها، وتدعو إلى الاعتراف بالطب الشعبي. 

هل إذا اعترفت به سيخف رشق الخناجر، سيتوقف الألم؟! هل أصدق تلك الخرافات وألجأ إليها؟ 

أنا صيدة هشة يا الله

لفم جائع

قطعة لحم ينهشها المرض

يتغذى عليها بلا رحمة.

لا أمتلك القدرة على الصراخ

لذا أحبس صوتي في علبة دواء،

وأضع العلبة في صدري

وأُخبيء صدري وراء الحائط

وأراقب العالم يتداعى.

أبكي أثناء المشي

أمشي أثناء البكاء،

لأن المشي نوع آخر من البكاء.

أرسل خطواتي في الأرض؛ أتعب. 

أكثر اللحظات قسوة 

عندما غادرني جسدي،

خلع عنه جلده،

وتمدد في جهاز رنين أبيض.

لا بد أن البرد مرادف للقسوة،

فيه أنت بلا يدين، بلا رجلين.

لا توجد أربطة لتفكها

ولا ساقين تمشي بهما

فيه أنت قطعة خُردة

لا يريدها أحد.

لا معنى أيضًا للزمن،

تتوقف عقارب الساعة

يُراقبك الفني على شاشة سوداء،

بينما تود أن تُهشم رأسه. 

تقف الغزلان على الباب

تنتظر خروجك إليها بوجه متجهم

تجذب أصابعك الصغيرة في يدها،

ترحل بك إلى غابة صفراء.

أرى أمي في البهو الشاسع

ترتدي فستانًا أحمر من الساتان

وعقد أبيض من اللؤلؤ

تهتز خصلات شعرها الطويل في إفراط.

تمشي أسفل شعاع خفيف من الشمس الحمراء 

تأكل آيس كريم بالبندق

وتهمس لي بأن كل شيء سيكون بخير

وأن هذا التعب سوف يزول.

وسلام.

عن الكاتب

آية جمال محيي

كاتبة وشاعرة مصرية. تكتب عن تجربة الجسد والهشاشة الإنسانية والبيت والاغتراب، والعلاقة بين الألم الشخصي والعالم. تخرجت في كلية الحقوق (قسم اللغة الإنجليزية) بجامعة بنها عام 2019، وحصلت على ماجستير…

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن