رسالة «كوب27»: توقعات بمدّ قمة المناخ وسط تقدم بطيء في المفاوضات
سادت، اليوم، حالة من اليقين وسط المشاركين في قمة المناخ بشرم الشيخ إزاء مدّ القمة يومًا أو اثنين على الأقل، في ظل التقدم «البطيء» في سير المفاوضات، بحسب عدة مراقبين ومسؤولين مصريين ودوليين، وهو الأمر الذي تكرر في أكثر من قمة مناخ سابقًا.
وفي المؤتمر الصحفي اليومي لرئاسة قمة المناخ، قال الممثل الخاص لرئيس الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الدول الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، وائل أبو المجد، إن المفاوضين لم ينجحوا في التوصل لاتفاق شامل خلال الأسبوع الأول للقمة، لذلك طُلب منهم الاستمرار في التفاوض حتى نهاية اليوم، ليتبعه بعد ذلك الإعلان عن مشروع النص الختامي للمؤتمر. لكن، حتى موعد صدور رسالتنا اليومية، لم تصدر الرئاسة المصرية النص الختامي.
وفي سبيل ذلك، قال أبو المجد إن الرئاسة المصرية شكلت لجان ثنائية تتولى مهمة تقريب وجهات النظر بين الأطراف المشاركة، فيما يتعلق بالنقاط الخمسة الأساسية التي تُناقش في القمة الجارية. ففي مسألة التخفيف، اختارت الرئاسة المصرية لجنة ثنائية من جنوب إفريقيا والدنمارك، بينما تتولى لجنة من جزر المالديف وإسبانيا مناقشة التكيّف، وأخرى تضم الهند وأستراليا تناقش التمويل، وسنغافورة والنرويج في لجنة عن المادة 6 المتعلقة بأسواق الكربون، وأخيرًا، ألمانيا وتشيلي تناقشان المسألة الأعقد، وهي الضرر والخسارة.
وبحسب مدير الحملات في منظمة جرين بيس بالمنطقة العربية، أحمد الدروبي، يحاول التشكيل المُعلن عنه بالفعل تقريب وجهات النظر. فمثلًا في قضية الضرر والخسارة، ألمانيا هي أحد أكبر المتعاطفين مع الدول الأكثر تأثرًا بتغيرات المناخ، بينما موقف تشيلي يميل ناحية الشمال العالمي، لذلك يُسهّل جمعهما التواصل بين وجهتي النظر.
وقال أبو المجد إن المفاوضين عقدوا اجتماعًا مطولًا، مساء أمس، تلقت فيه الرئاسة المصرية مداخلات من مختلف المجموعات المشاركة، تُعلن فيها عن أهم النقاط التي يرونها، وتفضيلاتهم، وأخيرًا، الخطوط الحمراء التي لن يتنازلوا عنها.
وبحسب أبو المجد، فإن بعض المسارات تعطلت بشكل «غريب» كما وصف، رغم توقعات الرئاسة المصرية أنها لن تشكل عائقًا. «اندهشت شخصيًا من مدى السرعة التي سارت بها مفاوضات الشفافية (أحد النقاط الأساسية المتعلقة بإعلان الدول عن حقيقة مستهدفاتها لمواجهة التغير المناخي وتقدمها فيها)، التي انتهت قبل إجازة نهاية الأسبوع، وعلى الجانب الآخر نقاشات الجندر، على سبيل المثال، تعثرت لوقت أطول»، يقول أبو المجد.
المسائل الصغيرة لم تكن وحدها التي تعثرت، بل أيضًا المسارات الخمسة الأوسع، ما هدد نجاح القمة المناخية في تحقيق أهدافها الطموحة التي أعلنت عنها في بداية الانعقاد.
مسؤول السياسات لـ«كوب27» في منظمة جرين بيس الدولية، ويندل تريو، قال لـ«مدى مصر»، اليوم، إن المفاوضات الوزارية عادةً تبدأ في الأسبوع الثاني، لكن هذا العام المفاوضات الوزارية متأخرة خمسة أيام كاملة، ولن تبدأ إلا صباح الخميس، أي يوم واحد فقط من نهاية المؤتمر الأساسية الجمعة، وهو ما يرشح المؤتمر للاستمرار أيام أخرى.
الأمر ذاته أكد عليه مدير التواصل للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي، اليكسانر ساير، الذي قال لـ«مدى مصر» إن «المؤتمر لا ينتهي عادة في وقته، لكن لدينا أمل أن ينتهي يوم السبت». وأضاف ساير أن نص المشروع الختامي سيُقدم للأطراف المشاركة بعد الانتهاء منه، ثم يبدأ التفاوض الحقيقي.
«بعد تقديم مشروع النص، تظهر الخلافات الحقيقية فيما يتعلق بالسياسات الملزمة، وتبدأ الأمور في التأزم أثناء المفاوضات الوزارية لتقريب وجهات النظر»، أضاف ساير.
كانت توقعات عدم نجاح المؤتمر ارتفعت بشدة، أمس، خصوصًا مع إصدار الرئاسة المصرية نسخة أولية من مشروع نص القرار رصدت فيه أهم النقاط التي أشار إليها ممثلو الدول المشاركة، لكنها أغفلت ذكر مسألة الوقود الأحفوري تمامًا.
وردًا على هذا، قال أبو المجد، خلال المؤتمر، إن الرئاسة المصرية فضّلت أن تذكر النقاط العامة فقط في المسودة، لتسهيل التفاهم بين الأطراف، لكن «بالتأكيد كانت مسألة الوقود الأحفوري على الطاولة».
عدم الإشارة لمسألة الوقود الأحفوري في النسخة الأولية، دفع النشطاء والجمعيات البيئية المشاركة في القمة إلى تنظيم مظاهرات محدودة صباح اليوم، للضغط على الدول المشاركة في التخلص من الوقود الأحفوري.
أحد متظاهري اليوم، شيفا راج بهنداري، أمريكي الجنسية، قال لـ«مدى مصر»، إن قادة العالم بحاجة للتمسك بمخرجات اتفاقية باريس خلال المفاوضات، مطالبًا بلاده والدول الغنية بتوفير التمويل اللازم للانتقال للطاقة المتجددة.
وفي ظل مخاوف من العودة للوراء، أعطى بيان مجموعة العشرين، صباح اليوم، دفعة لمفاوضات قمة المناخ، إذ أكد الإبقاء على ارتفاع درجات الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية. وما جعل المفاوضات أكثر تفاؤلًا هو لقاء الرئيس الأمريكي جون بايدن، والزعيم الصيني، شي شينغ، خلال قمة العشرين، ما يُنبئ عن استئناف المحادثات حول المناخ بين البلدين، بعد جمود.
وقال تريو إن بيان الدول العشرين أكد على ضرورة الالتزام بـ1.5 درجة مئوية فقط، بدلًا من نص اتفاقية باريس «الفضفاض» والذي يضع الهدف عند «احتواء الاحترار العالمي لأقل من درجتين، والسعي إلى وقفه عند حدود 1.5 درجة» لتسمح بذلك، نظريًا، بمزيد من المساحة لارتفاع درجات الحرارة لتصل إلى 2 درجة مئوية، بدلًا من 1.5 درجة فقط.
«الأهم من ذلك، هو أن 20 دولة ذات اقتصادات قوية أكدت على التزامها بذلك، وهو ما يعني أن المزيد سيتبعها»، يقول تريو.
على الرغم من ذلك، يرى تريو أن تطور المفاوضات في شرم الشيخ ليس أمرًا محسومًا. «مثلًا بعض الدول التي وقّعت بيان العشرين، تعترض في شرم الشيخ خلال المفاوضات على التأكيد على نقطة الـ1.5 درجة مئوية بشكل واضح، وهو ما يثير شكوك حول مدى جديتها، إذ أن أغلب التقديرات تشير إلى أن استمرار السياسات الحالية سيرفع الاحترار بنحو 2.4 درجة، وهو ما يُلزم بضرورة اتخاذ قرارات حاسمة لخفض الاحترار بنحو 0.9 درجة مئوية، بدلًا من 0.4 درجة إذا سُمح لها بالوصول إلى 2 درجة مئوية».
على الجانب الآخر، كان مبعوث المناخ لهولندا، الأمير جيمي ديبربون دي بارمي، أكثر تفاؤلًا بسير المفاوضات.
«أتيت إلى شرم الشيخ بتوقعات سلبية للغاية بسبب الظروف السياسية العالمية الحالية. وكنت أتخوف حتى من الرجوع خطوة إلى ما قبل COP26 في جلاسكو العام الماضي، وإمكانية تخطي حد 1.5 درجة، لكني الآن متفائل بحذر، فعلى الأقل لن نرجع إلى الوراء»، حسبما قال المبعوث الهولندي لـ«مدى مصر»، اليوم، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن بعض المطالبات للدول النامية قد تكون «غير واقعية».
«وضع الخسائر والأضرار على قائمة المفاوضات يُعتبر نجاحًا في حد ذاته، حتى لو لم نحصل على نتائج ملموسة ومحددة. الأمر ليس بهذه البساطة، وسيستغرق وقتًا. فهو ليس ببساطة فتح دفتر شيكات وكتابة رقم يوزع على الدول النامية. يجب أن نجد طريقة لتدبير التمويل، وتحديد مصادره، ثم حساب طريقة توزيعه، ما يعني الكثير من الحسابات لهندسة الصندوق»، يقول المبعوث الهولندي.
في هذا السياق، كانت مصر قد أعلنت، الأسبوع الماضي، نجاحها في إدراج «الخسائر والأضرار» على أجندة المؤتمر. ويشير مفهوم «الخسائر والأضرار» إلى التداعيات الحتمية للتغير المناخي، مثل أحداث الطقس المتطرفة كالأعاصير والفيضانات، والعمليات المناخية بطيئة الظهور، مثل ارتفاع مستوى سطح البحر والتملح. وما تنتجه من ضرر دائم غير قابل للإصلاح، من قبيل الخسائر في الأرواح وسبل العيش والمنازل والأراضي التي لها قيمة اقتصادية يمكن حسابها، وكذلك الخسائر المتجاوزة للقيمة الاقتصادية مثل فقدان الثقافة والهوية والتنوع البيولوجي.
وفيما قالت مصادر مطلعة على المفاوضات لـ«مدى مصر»، اليوم، إن دول الجنوب تصر على الخروج من قمة المناخ بوثيقة متماسكة حول صندوق تعويضات الخسائر والأضرار، وهو الحديث الذي تحاول العديد من الدول الغنية إرجائه للعام القادم.
لكن لم يجرِ الاتفاق حول المفهوم الجديد كجزء من أي تمويل حتى الآن، على الرغم من كونه مطلبًا أساسيًا لأكثر الدول عرضة لتداعيات التغير المناخي، التي عادة ما تكون مسؤوليتها محدودة جدًا على صعيد انبعاثات غازات الدفيئة المسببة للاحترار.
من وجهة نظر تريو، فذلك لا يعني إلغاء التفاوض، إنما تأجيله.
«تنظر الدول المتقدمة إلى الخسائر والأضرار من وجهة نظر عملية بحتة، وتطلب التريث لمعرفة كيفية توزيع التعويضات، وحساب طريقة للحصول على تأثير حقيقي على الأرض. لكن، على الأقل في المدى القصير، لا يجب أن تكون هذه هي الطريقة».
إلا أن الدول المتقدمة ليست المسؤولة وحدها عن تعثر المفاوضات.
قال تريو لـ«مدى مصر» إن ما يُسمى بمؤتمر الأطراف الإفريقي جاء في وقت كانت البلدان الإفريقية مشتتة للغاية، ومتنوعة في تفصيلاتها، على عكس مجموعة الدول الأقل نموًا أو الدول الجزرية، التي تتعاون معًا في سبيل تنسيق مواقفها بشكل موحد.
ويُمكن تفسير ذلك، بحسب خبير المناخ الألماني، توماس هيرش، بسبب ضعف الرئاسة المصرية في تنسيق العمل مع الدول الإفريقية قبل بداية الـ«كوب»، واستمرار «التحديات» أثناء القمة، حسبما قال لـ«مدى مصر».
«الرئاسة المصرية لقمة عالمية كان يجب أن تُنسق مسبقًا مع باقي الدول المشابهة لها لتحديد هدف موحد يُمكن الضغط في سبيل تحقيقه بشكل يجمع، على الأقل، نحو 55 دولة إفريقية».
بدلًا من ذلك، جاء الضغط الأساسي اليوم من مجموعة الـ77 والصين، التي أطلقت اليوم خطابًا موحدًا تؤكد فيه أولويات توفير التمويل اللازم لمواجهة آثار تغير المناخ، وصفه مدير «جرين بيس» في المنطقة العربية بالخطاب الممتاز، والذي كان ينبغي أن تطلقه الرئاسة المصرية، خاصة كونها عضوًا مؤسسًا في التحالف.
لكن، بحسب هيرش، فإن ذلك جاء استمرارًا لضعف الرئاسة المصرية للمؤتمر بشكل عام، وهو الأمر الذي أشار إليه أيضًا ديبربون.
«بالتأكيد كل كوب يأتي مع بعض المشاكل اللوجيستية. مثلًا في جلاسكو العام الماضي كانت الطرق إلى قاعات المؤتمر طويلة جدًا، وهو ما لم يحدث هذه المرة في شرم الشيخ. بدلًا من ذلك، عانى المشاركون من توافر المياه والطعام على مدار أسبوع كامل»، بحسب ديبربون.
«عندما يحصل المفاوضون على استراحة، فإنها تكون قصيرة، لكنهم هنا يضيعون ربع أو نصف، أو حتى ساعة منتظرين في طابور طويل للحصول على طعام. بالتأكيد سيكونون مرهقين طوال المفاوضات».
بالإضافة لذلك، أشار هيرش إلى تواجد الكاميرات في كل مكان في قاعات المؤتمر، بما في ذلك قاعات التفاوض نفسها، ما يضع عبئًا نفسيًا على المفاوضين طوال الوقت.
تقارير ذات صلة
«كوب 29» بأذربيجان.. طموحات زيادة التمويل وخفض الحرارة مستمرة
ستشهد المفاوضات أيضًا هذا العام محاولات لتفعيل «صندوق الخسائر والأضرار»
من قمة المناخ إلى قمة النفط.. كيف تحول «كوب» عبر عقود؟
أضحت اجتماعات «الكوب» مسرحًا للعالم الحقيقي الذي تحكمه السياسية والمال. وتفتت الهدف الجماعي
خُلاصة «كوب 27»: هل نجحت قمة المناخ؟
اتفاق على تأسيس صندوق يعالج أخطاء الماضي، وإنقاذ البيئة مؤجل للمستقبل
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن