تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رسائل بُرص

رسائل بُرص

#84 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: هدير المهدوي 5 دقيقة قراءة
رسوم #84 من ديتوكس: عمر مصطفى

#جو عام

في  #84 من ديتوكس، تدلنا هدير المهدوي على سكة جديدة للتعامل مع الخوف، حيث يصير خوفها من البُرص المنسوب إليه «الفسق» و«دسّ السم» توقعًا لرسالة يحملها هذا الكائن المسكين.

في هذه السكة تبدو كل الأبراص التي تظهر في حياة المهدوي برصًا واحدًا ذا نظرة بلهاء، وبدلًا من الخوف الخرافي منه تتخيّله حكيمًا يحمل حلًا يصلح الحال. وللتغلب على مخاوفنا الخرافية، لنجرب السير في سكتها:

 

caption

في حياتي برص، يظهر دائمًا في اللحظات العصيبة، ربما لا يكون البرص ذاته الذي يظهر في كل مرة، لكنني أراه كل مرة برصًا واحدًا، له الهيئة نفسها، صغير تعلو ظهره وذيله خطوط صغيرة، يظهر عادةً مُتبخترًا، ويسير أمامي هازًا ذيله الطويل، وينظر إليّ كي أنتبه لوجوده، وحين أراه يتبختر عائدًا إلى مخبأه.

هذا الكائن الصغير الساذج ذو أصابع الأقدام المُبطنة التي تساعده على تسلّق الأسطح الرأسية، واسمه بالفصحى «وزغة»، هو واحد من آلاف فصائل السحالي، وتثير الكثير من الجدل حول العالم، خاصة الأنواع التي تدخل البيوت منه وتسمّى بالإنجليزية: «House\wall Gecko»، ويُعرف عنه أنه يأكل الحشرات، لكنه يُحاط بخوف غير مُبرر وخرافي مثل تسببه في مرض البَرَص، أو بخه سم قاتل في الملح، أو إشعاله النيران في البيوت، وهو أيضًا رجس من عمل الشيطان فإن قرأنا عليه قرآنا يختفي.

قبل سنوات، كنتُ أصدق أنه قد يبخ سمه في الملح، أو في أفضل الأحوال سيسير فوقي أثناء النوم، لذلك كانت ردة فعلي محاولة قتله، لكن حدث ما جعلني أتوقف عن مطاردة الكائن المسكين؛ أقام معي برص صغير مراوغ للغاية، وبقيتُ لأسابيع كلما طاردتُه اختفى، ثم عاود الظهور ناظرًا لي في تحدٍ، فأطارده لنعيد الكَرَّة من جديد.

وفي إحدى مواجهات النظر، ظل لدقائق ينظر لي في بلاهة، فما كان مني إلا أن بدأت في التحدث إليه كشخص عاقل أخبره أن الحياة أوسع من هذا المنزل الضيق، وأنه بالتأكيد سيكون له مستقبلًا أفضل في الخارج، استمر البرص في النظر إليّ ببلاهة، فقررتُ يائسة اللجوء للطُرق الشعبية، فرددتُ عليه أكثر من مرة بأن «صاحب البيت اسمه محمد»، وهي المقولة التي لا أعرف أصلها لكن يُقال إن البرص إذا سمعها يولّي هاربًا من البيوت، لكن النتيجة كانت نفس النظرة البلهاء.

ضاق خلقي فأمسكتُ بالمقشة لتهويشه، فتحتُ الشبابيك وباب الشقة، وصرتُ أشجعه على الخروج، وكلما اقترب من الباب أو أي شباك عاد إلى الداخل، وحين نفد صبري قتلتُه بالمقشة، ثم وقفتُ أقول له بأداء مسرحي: «يا غبي، بقالي ساعة بحاول اخرجك»، ثم شعرتُ بحزن، فقرأتُ على روحه الفاتحة.

شعرتُ بذنب شديد، وحكيتُ القصة بالصدفة لصديقتي السينمائية ندى زيتونة، التي كانت تحب الأبراص فحزنتَ وبدأتَ في إقناعي بأن البرص كائن لطيف ومسالم ولا يستحق هذه المعاملة.

وحين رحلت ندى عن عالمنا قبل عام ونصف تقريبًا، أخذتُ عهدًا على نفسي بألا أقتل برصًا أبدًا.

caption

بصراحة لم تستهونِ الخرافات المتصلة بالبرص، بل كنتُ ببساطة أخاف من وجوده في حياتي، ومع تكرار ظهور برص حياتي ملتُ إلى قصص أسطورية منسوبة إلى حضارات قديمة حول السحالي، وفي القلب منها الأبراص، تربطها بمعاني مثل الحكمة والحظ السعيد والتجدد بمعنى العودة من الموت.

وبالعودة إلى ثقافتنا العربية نجد عداءً كبيرًا للبرص، ففي الموروث الشعبي ورد عنه أنه «الكائن الوحيد الذي نفخ في النيران التي أُلقي فيها سيدنا إبراهيم [لإشعالها]»، لذلك أطلقت عليه تسمية «فويسق» من «الفسق» (والعياذ بالله)، ويتمّ التعامل معه في الثقافة الشعبية باعتباره حشرة وليس زاحف. وحتى رؤية البرص في الأحلام هي نذير شؤم، فهو رمز للرذيلة، والنميمة، والخسارة، والمرض، والمكيدة، ويُفسّر قتله بالحلم في المقابل كعلامة جيدة، حتى أن ابن سيرين فسّر رؤيته في الحلم بأنه «رجل ضال خامل يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف»، وهو وصم آخر لهذا الكائن المسكين بالفسق.

لكن هذا الكائن «السافل الفاسق» في ثقافتنا، يُعد عند البعض، هو وفصيلته الأم  من السحالي، كائن روحاني يرمز إلى التغيير، وحكيم يجدّد نفسه ويغيّر لونه، وينتقل بين العوالم المرئية والخفية، وإن ظهر في حياتك فهو مرسال سوف يخبرك بأمر عليك تغييره، أو مراقبته بحكمة، أو التخلص منه، أو مواجهة مخاوفك.

وبالعودة إلى برص حياتي، فهو لا يتحرك على الجدران أو الأسقف، كما هو مُعتاد في كل منازل العالم، بل يسير على الأرض باستحقاق لا مبرر له إلا إذا كان يدفع الإيجار مناصفة معي.

اعتدتُ التحدث معه، فهو يؤنس وحدتي، وأعتقد أنه يفهمني وأفهمه، كأنه أصبح كائني الأليف، رغمًا عني. يظهر كلما اشتد ارتباك الحياة وقسوتها، فأمزح معه قائلة: «طبعًا إنت لازم تظهر دلوقتي». وفي أوقات أخف وطأة، حين ألمح سربًا من النمل، ثم أراه أقول له: «يعني أنا أنياك في بيتي اهو وسايباك تبرطع، وإنت لا بتاكل، ولا بتنطق».

ربما يحمّل العالم -وأنا معه- هذا الكائن الصغير أكثر مما يحتمل، لكنني لا أخفي تأثري بقصة انتقاله بسهولة بين العوالم، وأتوقع أنه يحمل رسالة بالفعل، لذا أخاطبه كلما ظهر في وقت عصيب: «يعني أعمل إيه يا أستاذ غسان؟»، مُنتظرة منه رسائل راديكالية، لكنه لا يقدّم لي إلا نظرته البلهاء ثم يختفي.

كان آخر ظهور لبرص حياتي العزيز، قبل يومين، وتركني مثل كل مرة في حيرة من أمري حول رسالته المُنتظرة من العوالم الخفية.

وبينما أعاني الآن من المضاعفات الجانبية لتلقي لقاح كورونا، أفكر ماذا لو نطق البرص فعلًا، أو توقف عن النظر لي ببلاهة وأبلغني بالأمر الواجب عليّ فعله؟ ربما لا يخبرني برسالته، وبدلًا من ذلك يسبني ويسب البشرية في ضجر، ومعه الحق في ذلك. قد يتحدث بلغة فاسق ضال سرسجي ينهي عن المعروف، أو يخاطبني بصوت محشرج عميق كاشفًا خلاصة الحكمة.

ولكن برص حياتي -غالبًا- سوف يتركني لحيرتي وحرارتي، ولن يبالي.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن