«رجال في الشمس» بعيدًا عن هالة مؤلفها
هذا النص ضمن العدد #05 من «مُنتهى الأدب»
عادة تفرض سيرة المؤلف نفسها على تلقي أدب غسان كنفاني (1936-1972)، فإن كانت مسيرة أي كاتب راحل يمكن وضعها بين قوسي سنتي ميلاده وموته، فإن قوس غسان الأخير سيخص سنة اغتياله في بيروت إثر تفجير عبوة ناسفة زرعها الموساد، لذا تصعب قراءة هذا الأدب دون التفكير في غسان نفسه، حياته، نضاله مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قتله، الذي حدث لكونه كاتبًا؟ أم لأنه المتحدث الرسمي لجبهة تقاوم الاحتلال؟
ونحن نقلّب صفحات روايات وقصص كنفاني تحضر فلسطين واحتلالها وحق العودة إليها، كما لا يمكننا تجاهل هالة القتيل المُغتال، ولا كون القوس الأول يخص إضراب عمّ فلسطين تُلي بثورة كبرى، أو أن المدة بين قوسيه شهدت نكبة وهزيمة وشتات ومقاومة وتهجير وارتحال بين لبنان وسوريا والكويت، لكن إذا ركزنا على المكتوب في روايات منها «رجال في الشمس» سنجده أدبًا لازم الكلام الكبير ولم يخن المتعة. بتقليب صفحات الرواية الصادرة في 1963، سنجدها تكاد تكون قصة طويلة حبّة، أحداثها لا تدور في فلسطين، بل في العراق، وأبطالها فلسطينيون يحلمون بالذهاب إلى الكويت طلبًا للرزق (سبحان الله لا حق عودة). تتقاطع مسارات الأبطال الثلاثة وتلتقي عند مهرب أرخص من غيره، أجرته عشرة دنانير بدلًا من 15 يطلبها المهربون المحترفون، وهو فلسطيني مثلهم، هكذا يلتزم أبو قيس وأسعد ومروان بخطة «أبو الخيزران» التي يجب تنفيذها نهارًا، لأن هناك دوريات كثيرة في الليل على الطريق، لكن «في النهار لا يمكن لأي دورية أن تغامر بالاستطلاع». في جحيم النهار وحتى يمر أبو الخيزران وسيارته بسلام من أمن نقطتي التفتيش، سيكون على الفلسطينيين الثلاثة الاختباء داخل خزان مياه معدنيّ مُغلق بإحكام على ظهر سيارته بينما تضرب فيه أشعة شمس أغسطس في صحارى الحدود العراقية الكويتية.
صوت راوي «رجال في الشمس» خافت، عاقل، لا يصرخ أو يطنطن، بل يزن الكلمات بلا ثرثرة أو مطّ، راوٍ لا يكبّر أوضاع أبطاله ليتعاطف قارئه معهم، أو يلعن الاحتلال الذي أجبرهم على المجيء إلى بلد آخر والتسلسل نحو دولة أخرى بشكل غير نظامي، بل يسرد الأحداث على قدر الموقف، وينعطف سرده نحو السخرية أحيانًا فحين يسأل أصغر المتسللين أبي الخيزران عمّا إذا كان المخبأ الذي سيختفي فيه هو ورفيقيه به ماء لكونه في الأساس خزان مياه، يروي غسان هذا المشهد بأن السائق ينفجر ضاحكًا، وكذلك يبتسم أسعد «وكأنما راقت الفكرة لأبي الخيزران فقد مضي يقهقه ويضرب فخذيه بكفيه ويدور حول نفسه: ماذا تعتقد؟ هل أنا معلم سباحة؟ أيها الصغير إن الخزان لم يرَ الماء منذ ستة شهور».
لا يضيع الراوي الكثير من الوقت، بل يعلمنا بتنفيذ الخطة شرط تقليل أبي خيزران فترة مكوث الفلسطينيين الثلاثة في بطن الخزان. حين يستفسر رجل أمن عن طبيعة حمولة سيارة أبي الخيزران، يرد الأخير بأن الخزان به «أسلحة ودبابات ومصفحات وست طائرات ومدفعين» رغم السخرية تعدي الأمور على خير بلا تفتيش، وبالفعل يخرجون من بطن الخزان بعد سبع دقائق. لكن حين يعيدون الكَرّة ستكون هذه القاضية، لن ينجو فلسطينيو بطن الخزان عكس يونس في بطن الحوت، فهم لبثوا من الحادية عشرة والنصف حتى الثانية عشرة إلا تسع دقائق، يتعمّد الراوي عدم حساب المدة، بل سيكون على القارئ إجراء تلك العملية بنفسه. كما يتعمد الراوي عدم الكلام عمَن كانوا في بطن الخزان، وهو خيار ذكي، فالرواية تتحول إلى عمل بطله شخصية واحدة، يقرر الراوي ألا يبكي الغائبين أو يرثوهم، بل يضخم أفكار وأصوات أبي الخيزران، لا يلومه لكونه مُهربًا مُستهترًا تسبب في قتل المستجيرين من نار الشتات بجحيم خزانه المقفول، بل يتبنى فكر شخصيته حاكيًا كيف تغوص قدما أبي الخيزران في كل ذلك، بل يغرق كله في مستنقع جرائمه دون أي إدانة من الرواي. خلال الـ 21 دقيقة، (على القارئ حساب المُدة) يتسلّى رجال الأمن بأبي الخيزران ويطالبونه بسرد مغامراته الجنسية مع راقصة ادّعوا أنه يعرفها في البصرة، بينما يعلم القراء أن أبا الخيزران مخْصِي وهي معلومة لا نعرف إن كانت معروفة لرجال الأمن فيكونوا بذلك يذلونه أم أنهم رجال في هياج يتسلون بالسائق الواقف أمامهم ويطيلون -دون دراية منهم- شقاء رجال آخرين في الشمس. لا يخبرنا الراوي، لكن رجال الأمن لم يسمحوا له بالمرور إلا حين يعد أحدهم بأن يصحبه معه إلى البصرة ليعرّفه على كوكب (هذا هو اسم الراقصة). ومع إدراك أبي الخيزران بأن ما في بطن الخزان قد شوته الشمس، تتحول «رجال في الشمس» إلى سرد أزمة سائق غاطس في مستنقع آثامه؛ يتراجع عن إكرامهم بالتعجيل بدفنهم، بل يكومهم عند مكب قمامة خارج المدينة ويجردهم من الفلوس وباقي المتعلقات، بل يلومهم لأنهم لم يقرعوا جدران الخزان خلال الـ 21 دقيقة. هل كان المفروض أن يكونوا بالأساس داخل بطن الخزان؟ أن تطول حبستهم في بطنه؟ لم يتورط راوي غسان في إضافة أسئلة عن تلك التي دارت في ذهن شخصيته، مثلما اختار عدم محاكمته أو إدانته، يترك قراءة «رجال في الشمس» توسّع الأسئلة وتقلّب وجوه الحكاية دون تورط كاتبها في الطنطنة أو فرض ثقل السياسة والقضية، بل تصرف كما تقتضي مهارة القص، الحكي بشكل يوسّع احتمالات القراءة.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن