تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رجالٌ خبأتهم الكارثة

رجالٌ خبأتهم الكارثة

هذا النص ضمن العدد #05 من «مُنتهى الأدب»

كتابة: هدى عمران 4 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

كتب غسان كنفاني روايته «رجال في الشمس» وهو مختبئ في بيروت، عام 1963، لأنه كان مُلاحق من السلطات اللبنانية، بسبب التشديد والحصار في البلد إثر محاولة انقلاب. اعتُبِرت الرواية الثمرة الأولى الأبرز في أدبيات ما بعد التهجير الإسرائيلي لشعب فلسطين عام 1948. احتُفى بها بمبالغة رفع شعارات «الدفاع عن القضية- التعبير عن الألم الفلسطيني»، واستُهجنت من جيل أدباء ما بعد الثورات العربية، الفردانيون الجُدد، باعتبار الرواية مجرد نص تقليدي يجنح لفكرة الخلاص الجَماعي، يُنكر ولا يعترف بالأفراد. لكن بغض النظر، عن كون الرواية -أدبيًا- نصًا غير شعاراتي، استخدم كاتبها أسلوبًا سلِسًا، وبناءً مُحكَما، وحكاية مؤثرة لم يغرقها في بكائيات، كان قادرًا على الإبحار فيها، فهي وثيقة هامة في تاريخ الأدبيات العربية تمنحنا دلالات لفهم تاريخ معقد ومتشابك للأدب وتُشكِّل جزءًا من الهوية العربية الأدبية.

تروي «رجال في الشمس» حكاية ثلاثة رجال فلسطينيين من أجيال مختلفة، يحاولون الهرب إلى الكويت، للبحث عن حياة جديدة، أبو قيس وأسعد ومروان، يحملون مآسيهم، في خزان الشاحنة التي يقودها أبو الخيزران، وهو خصيّ، فقد ذكورته في حرب 1948 ويعمل سائقًا على طريق الكويت، يموت الثلاثة رجال بفعل الاختناق، تحت الشمس، دون أن يصدروا أي صرخة للنجاة. طبعًا تُمنح كل الشخصيات دلالات رمزية عن الأجيال الفلسطينية، وعن الخيبة العربية، والخليج الصاعد اقتصاديًا ولاحقًا سياسيًا، وعن ضياع الصوت الفلسطيني في الشتات. لكن ماذا لو كانت «رجال في الشمس» نفسها مجرد «تعبير ذاتي» عن كنفاني نفسه في هذه الفترة، هو المختبئ، الذي خبأ شخصياته أيضًا في صندوق جحيمي، ذاهبًا بهم إلى الموت. هل كان ذلك أهون من الحصار السلطوي في الملاجئ، والهرب المستمر من الرقابة والعقاب؟

في الحصار السُلطوي، تتحول الفضاءات العامة من مجرد أماكن مادية إلى فضاءات نفسية وثقافية، غرضه احتكار أماكن تَحرُك الأفراد، وإعادة تشكيل السلوك والتصرفات وفقًا للمعايير الاجتماعية. لكن في حالات الإبادات الجماعية، يتخطى الحصار دوره في الفرض إلى المحو. كما حدث في القارتين الأمريكيتين مثلًا، وبالتأكيد في فلسطين، يصنع المُحتَّل أماكن مغلقة (ملاجئ مثلًا) ليس فقط للسيطرة على حركة الأشخاص وسلوكهم، لكن أيضًا، لتفتيت هويتهم القديمة، بلا إدماج في هوية أخرى مشتركة. من هنا يستخدم كنفاني فعل الاختباء كحل اضطراري، لا أيديولوجي، حتى لو أدى إلى الموت، لمناوئة هذا الحصار والإبادة المادية أو النفسية التي تحدث إثر سحق هوية الإنسان. قد يكون في هذا الصندوق أملٌ فردي في الخلاص من الإبادة، نحو حالة محددة معروفة حتى لو كانت الموت.

لو رأينا أن الأدب هو تعبير ذاتي لكاتبه عن رؤية العالم، لماذا لا نعتبر «رجال في الشمس» هي التعبير الذاتي الخالص لكنفاني (الكاتب- الشاب العشريني- الفلسطيني- المُحاصر في بيروت- المشرد بلا بيت- المنخرط في العمل السياسي... إلى آخره) لرؤية عالم ما بعد الفجيعة. من هنا قد نتجنب فكرة «التأويل المبالغ» ومنح دلالات رمزية أيديولوجية تتماشى مع خطابات سلطوية لا تعترف بذات الفنان، وحدسه وعواطفه ورغباته، أدلجة لا تعترف أن النص الأدبي هو صورة أو رؤية الفنان أو الكاتب، وذاتيته بالتأكيد قد تتشابك مع الجمع أو تنحصر عنه فتنغلق على معنى ضيق يخصها. ونتجنب أيضا تلقيّ أي أدبٍ يهمه سؤالًا جماعيًا أو سياسيًا باعتباره ضد فكرة الذاتية نفسها. مفهوم أن هذا الرأي الأخير جاء بعد سنين من سيطرة فكرة «الأدب الملتزم» على المشهد، وتهميش أفراده ومعاناتهم، وبعد أخذ مسافة من المأساة العربية، وطرَح الحل الأمريكي الذي قال لنا بأن معضلتنا الأساسية معضلة ديمقراطية.

لكن هذا النص كُتِب عُقب الحلول التام للمأساة الفلسطينية، التي حدثت بعد حرب 1948 بسنين، ترسخ خلالها إدراكٌ جماعي بأن لا عودة إلى البيت (الآن على الأقل). لتنتهي مرحلة الصراخ والألم النازف، نحو فجيعة مكتومة، جماعية، ليست سياسية فقط لكنها ثقافية أيضًا، سارية في الفضاء العربي كله، لتُشَكِّل هُوِية أدبية (فلسطينية) موضوعها الأساسي هو الكارثة. يشملها ألمٌ جماعي طاعن، يستلزم على الأدب إيجاد  لغة مغايرة، أقرب إلى الحياد، يِمكِن، وأحيانًا بل غالبًا يؤدي لفقدان اللغة نفسها، ليحمل سؤال «لماذا لم يقرعوا الخزان؟» دلالات أكبر من فكرة العجز أو الخوف، إلى يأسٍ مطلق واستقرار للنكبة.

ينطلق كنفاني في نصه من هذه النقطة، نقطة سكون الألم، وتحول الفجيعة لجزء هيكليّ في الحكاية الفلسطينية، لاعبًا دورًا كبيرًا «مع غيره» في محاولة بناء الذاكرة الجمعية الأدبية المضادة للذاكرة التي تصنعها سلطة المُحتّل، الذي يراهن على قدرته على الفرض التاريخي لوجوده وسيطرة سرديته المؤلَفة. تؤَسَّس ذاكرة كنفاني على الفقد، وتخلق أشخاصًا يتنقلون بين الحياة والموت، بسهولة مريرة.  يتسق معها عدم صراخ الثلاثة رجال وهم يختنقون داخل الخزان، لأنه مع احتمالية حمل أشخاص لهذه الفجيعة في نفوسهم، قد لا يفقدون لغتهم فقط، لكن حياتهم أيضًا. 

عن الكاتب

هدى عمران

هدى عمران، شاعرة وروائية مصرية، تحضّر الماجيستير في العلوم السياسية، مهتمة بالنقد الثقافي والأنثروبولجيا السياسية، تعمل حاليا في التحرير الأدبي.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن