رائحة جثة «الحديد والصلب»
بعضٌ من وقائع نهب المال العام في تصفية عملاق الصناعة الوطنية
بعد نقاشات عاصفة ومشادات كلامية، انتهت الجمعية العمومية لشركة الحديد والصلب المصرية «تحت التصفية»، التي انعقدت في 22 سبتمبر الماضي، بالموافقة على مد أجل التصفية لعام خامس يبدأ في أول يناير المقبل، لتهتز القاعة بهتافات المساهمين الأفراد: «باطل.. باطل.. باطل.. خمس سنين تصفية باطل».
كانت الجمعية العمومية غير العادية للشركة، التي عُقدت في 11 يناير 2021، واتخذت قرار التصفية، قد حددت أجلها بعامين. لكن مع انتهاء المدة كانت إدارة التصفية بالكاد قد بدأت عملها، فتم تمديد الأجل عامًا تلو الآخر.
وعلى مدار الأعوام الأربعة الماضية وحتى الآن، طالب المساهمون، أصحاب حصة الأقلية، مرارًا وتكرارًا، لجنة التصفية، ببيان واضح ودقيق لأصول الشركة العملاقة، خاصة الأراضي، وتقييمها بشكل عادل وفقًا لأسعار السوق وليس دفتريًا، لمعرفة قيمة مستحقاتهم في نهاية التصفية بعد سداد ديون والتزامات الشركة، حسبما قال أحد المساهمين، خلال جمعية سبتمبر.
طوال هذه الفترة، لم يتلق المساهمون من المصفين الخمسة الذين تعاقبوا على إدارة عملية التصفية، سوى «التسويف والمماطلة»، على حد قول أحد المساهمين خلال جمعية سبتمبر، ما راكم قلقًا وتوترًا متصاعدين، ظهرا بوضوح خلال الجمعيات العامة المتتالية في شكل مشادات ومشاحنات بين المساهمين الأقلية، الذين يمتلكون 15.52% من أسهم الشركة، ولجنة التصفية تحت إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية، المالكة لـ84.48% من الأسهم.
قلق المساهمين عبّر عن نفسه أيضًا في سيل من الشكاوى أرسلوها إلى البورصة المصرية وهيئة الرقابة المالية، طالبوا فيها بإقالة المصفي الحالي، أسامة بدوي، وتعيين آخر «محايد ومستقل»، لمخالفة قرار تعيينه نص المادة 26 من قانون الجهاز المركزي للمحاسبات رقم 144 لسنة 1988، إذ كان بدوي يراقب حسابات الشركة حتى بداية التصفية، باعتباره مدير إدارة مراقبة الحسابات بالجهاز المركزي للمحاسبات، قبل استقالة المصفي، وليد محمد هلال محمود عبده (أكتوبر 2023 - فبراير 2024)، الذي كان بدأ بفرض رقابة مشددة على أعمال التصفية لمنع السرقات، حسبما قال مساهمون لـ«مدى مصر».

شملت الشكاوى أيضًا مخالفات في عملية التصفية، منها إخفاء معلومات جوهرية عن الجهات الرقابية والبورصة والمساهمين، مثل تعاقدات بيع خطوط إنتاج وخردة بقيمة 14 مليار جنيه، دون الإفصاح عنها في تقارير المصفي أو محاضر الجمعيات العمومية، كذلك عدم الاستجابة لطلبات «المركزي للمحاسبات» المتكررة بتقديم جرد فعلي لمخازن الشركة وعدم الاكتفاء بالمسجل في الدفاتر، بالإضافة إلى عدم تقديم حصر دقيق لمساحات الأراضي التابعة للشركة وتقييمها بشكل عادل، فضلًا عن انتشار معلومات بشأن عودة نشاط أراضي الشركة إلى «صناعي صديق للبيئة»، رغم موافقة الجمعية العامة للشركة على تغيير النشاط إلى عقاري، بهدف تعظيم العائد من بيع هذه الأراضي، خاصة أن بعضها يقع في مناطق متميزة على نيل حلوان مباشرة.
كان هدف الدولة المعلن عند اتخاذ قرارها بقتل عملاق الصناعة الوطنية، بعد إعلانها استحالة تعافيه، وقف نزيف الخسائر المستمر والتخفف من أعباء الإنفاق على التشغيل غير المربح، الذي فاقم ديون الحكومة ممثلة في الشركة القابضة للصناعات المعدنية التابعة لوزارة قطاع الأعمال، بالإضافة إلى هدف آخر تمثل في تعظيم الاستفادة من أصول الشركة الهائلة عبر إعادة استثمارها في أنشطة اقتصادية مربحة، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة تعاني منها مصر.
رغم ذلك، وبعد ما يزيد على أربع سنوات، ما زالت جثة «الحديد والصلب»، مترامية الأطراف، على قارعة التصفية، تحاول جهات عدة -أغلبها حكومية- انتزاع أكبر حصة ممكنة من تلك الغنيمة، سواء عبر أدوات أمنية بيروقراطية أو بالنهب الصريح المباشر، كما يظهر بوضوح في تقارير مراجعات الجهاز المركزي للمحاسبات لأعمال التصفية ومناقشات الجمعيات العامة العادية وغير العادية، التي تحتوي على كَم هائل من الوقائع والتفاصيل ترقى لكونها أدلة على الفساد وإهدار المال العام، اخترنا منها فقط ما كانت رائحته لا تطاق.
لصوص «الأمر المباشر»
في تقريره عن المركز المالي لأعمال التصفية في النصف الأول من عام 2024، وجه الجهاز المركزي للمحاسبات انتقادات حادة لإجراءات بيع ممتلكات الشركة عن طريق «الأمر المباشر»، والتي شابها الكثير من وقائع الفساد، شملت محاباة شركات معينة، بعضها تابع لـ«أجهزة سيادية»، والبيع لها بأسعار أقل مما حددته آلية التقييم، بالإضافة إلى اكتشاف سرقات متكررة، دون أن تتخذ لجنة التصفية الإجراءات القانونية اللازمة.
بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات»، باعت لجنة التصفية عن طريق «الأمر المباشر»، «مخزن المواسير والأصناف التابعة له، وفرني 3 و4 بملحقاتهما، لشركة التجارة متعددة الأطراف «مالتي تريد القاهرة»، التابعة لجهاز المخابرات العامة، مقابل نحو مليار و534 مليون جنيه، وتم تحرير عقد في 21 أبريل 2024».
لاحظ «المركزي للمحاسبات» أن اللجنة باعت الفرنين وملحقاتهما بسعر 1.5 مليار جنيه (شامل الضريبة) رغم أن أسعار مكاتب التقييم كانت كالتالي: «نحو 3.615 مليار جنيه لمكتب مصر كابيتال، نحو 1.491 مليار جنيه لمكتب الأمناء الاستشاريون، نحو 2.049 مليار جنيه لمكتب المجموعة الفنية. وباتباع ما درجت عليه الشركة من أخذ متوسطات التقييم كمؤشر للموافقة على البيع، يكون المتوسط هو 2.358 مليار جنيه» غير شامل «ما اعتادت عليه الشركة من إضافة نحو 15%»، وكذلك دون إضافة «ضريبة القيمة المضافة». وأوضح تقرير الجهاز أن لجنة التصفية اجتمعت واستبعدت تقييم المكتبين الأول والثالث، واعتمدت أقل سعر، المقدم من «الأمناء الاستشاريون».
كان رد لجنة التصفية على ملاحظة الجهاز، صادمًا: «... في ضوء اعتراض ممثل شركة مالتي تريد على التقييمات بأنها مغالى فيها بغرض تخسير شركة تابعة لجهة سيادية في الدولة كما سبق في البيوع السابقة، فقد تم إعداد دراسة من اللجنة المشكلة بالقرار رقم 29 لسنة 2023 [لجنة التصفية] بالاشتراك مع المختصين بالشركة التي انتهت في تقريرها إلى موضوعية التقييم الذي تم البيع على أساسه…».
في ضوء هذا الرد يمكن فهم ملاحظات الجهاز الأخرى بشأن وقائع الفساد في المعاملة التفضيلية للشركة السيادية.
فبالإضافة إلى الصفقة السابقة، باعت لجنة التصفية لـ«مالتي تريد» معدات وآلات خطي إنتاج قطاع درفلة الكتل والقطاعات الثقيلة وقطاع درفلة الألواح والصاج والدرافيل والمخازن الفرعية الموجودين بها بكامل مشتملاتها، بمبلغ 631 مليون جنيه (غير شامل الضريبة) بموجب عقد محرر في 20 يونيو 2023. ونص العقد على تنفيذ الصفقة عبر خمس مراحل خلال ستة أشهر (180 يوم عمل فعلي) على ألا يتم تنفيذ أي مرحلة قبل انتهاء السابقة، كما نص على غرامة تأخير بنسبة 0.5% من إجمالي قيمة الصفقة عن كل أسبوع تأخير بحد أقصى ثلاثة أسابيع، وغرامة تأخر في الاستلام 1%، بحد أقصى أربعة أسابيع تُزاد إلى 2% عن كل أسبوع بعد الأربعة الأولى لمدة أربعة أسابيع أخرى.
لم تلتزم «مالتي تريد» بتوقيتات الاستلام أو تسديد الدفعات المالية في المواعيد المحددة، فقامت لجنة التصفية، في 17 سبتمبر 2023، بعمل ملحق للعقد عدّلت فيه قيمة الدفعات وتوقيتاتها وزادت مدة الاستلام إلى 275 يوم عمل فعلي.
وكان من المفترض أن تدفع «مالتي تريد» 5% من قيمة الصفقة كتأمين نهائي عند تحرير العقد، لكنها لم تفعل، فحررت لجنة التصفية، في 3 أكتوبر 2023، ملحقًا ثانيًا للعقد جعلت فيه قيمة التأمين النهائي جزءًا من قيمة المرحلة الأولى من العقد المعدّل في سبتمبر، «وبالتالي لا يوجد أي ضمانات للعقد»، بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات».
سلمت لجنة التصفية الموقع لـ«مالتي تريد» في 9 أكتوبر 2023 لتنفيذ المرحلة الأولى، والتي تمثل 6% من قيمة الصفقة، لمدة 25 يوم عمل. لكن، مع حلول موعد نهاية المرحلة في 12 نوفمبر، تم مد أجلها إلى 11 يناير 2024 «على الرغم من إفادة السيد المهندس رئيس لجنة التسليم بتقاعس العميل في الاستلام»، حسب تقرير «المركزي للمحاسبات». تم حساب غرامة تأخر من قبل لجنة التصفية بنحو 697 ألف جنيه نسبة إلى المتبقي من أعمال المرحلة «بالمخالفة لنص البند الحادي عشر من العقد» والذي بموجبه تكون الغرامة نحو 3.029 مليون جنيه، كما لم يتم حساب غرامة تأخير السداد عن المرحلة الثانية من العقد والمستحقة في 13 نوفمبر بقيمة نحو 1.3 مليون جنيه.
ورغم هذا الأوكازيون، لم تدفع «مالتي تريد» أي غرامات، بعد أن قررت لجنة التصفية في 13 ديسمبر 2023 إعفاءها من الغرامة، لأن «التأخير خارج عن إرادتها، ومراعاة للظروف الاقتصادية»، بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات»، الذي أضاف أن لجنة التصفية حررت في 21 نوفمبر 2023 ملحقًا ثالثًا للعقد باعت بموجبه للشركة بـ«الأمر المباشر» أيضًا ثلاثة آلاف طن من المعدات الثقيلة «درافيل» بسعر 24 ألفًا و600 جنيه للطن.
لم تتوقف لجنة التصفية عن إهداء «مالتي تريد» المال العام عند هذا الحد.
بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات»، باعت اللجنة للشركة السيادية بموجب العقد المحرر في 26 ديسمبر 2023، معدات وآلات خطي الدرفلة على الساخن والبارد، والمخازن الفرعية الموجودة بهما بكامل ملحقاتها، بالإضافة إلى الفرنين 1 و2 بملحقاتهما، وثلاثة عنابر تشطيب بقطاع الصلب، ومحطة الأكسجين 3، ومعدات وآلات أخرى، بمبلغ ثلاثة مليارات و138 مليون جنيه، «غير شامل الضريبة». وبعد نحو ستة أشهر، عدّلت لجنة التصفية العقد، في 3 يونيو 2024، لتصبح القيمة «شاملة الضريبة»، كما عدّلت في آجال أقساط باقي قيمة خطي الدرفلة (بقيمة إجمالية مليارين و142 مليون جنيه) لتصبح على 15 قسطًا تبدأ في 6 يونيو 2024 بدلًا من أول فبراير من نفس العام، ما اعتبره الجهاز «لا يتناسب مع تاريخ التصفية المحدد انتهائه في 31 ديسمبر 2024».
وفي أكتوبر 2024، وافقت الجمعية العامة لشركة الحديد والصلب على مد فترة التصفية لمدة عام اعتبارًا من يناير 2025.
لم تكن «مالتي تريد» الشركة السيادية الوحيدة التي تلقت معاملة تفضيلية من لجنة التصفية.
ففي 3 أكتوبر 2021، طرحت اللجنة زهر متجمد وأتربة تحمل خام الحديد ومخلفات للبيع من خلال «ممارسة»، وهي أحد أساليب البيع التي تتم عن طريق اختيار الإدارة من بين عروض شراء مقدمة لها. لاحظ «المركزي» في تقرير مراجعة الميزانية في 30 يونيو 2024، أنه «لم يتم الإعلان عن الممارسة بالطرق المنصوص عليها بلائحة الشركة… سواء [من حيث] الحالات التي تتم فيها الممارسة أو بتحديد الكميات المطروحة للبيع وشروط البيع… وموعد تقديم العروض»، مشيرًا إلى أنه «تم الاكتفاء بالعروض المقدمة من أربع شركات فقط»، وفي نهاية المطاف «تمت الترسية على شركة مصر العليا للتصنيع الزراعي واستصلاح الأراضي، إحدى شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابعة لوزارة الدفاع، بسعر 4100 جنيه شامل [الضريبة] لطن الزهر [و] سعر 140 جنيهًا شامل [الضريبة] لطن الأتربة»، وتم تحرير عقدين بذلك.
بعد نحو عامين ونصف، قررت لجنة التصفية، في 27 مايو 2024، إنهاء التعاقد «وديًا» بسبب «وجود بعض المفقودات والسرقات في موقع العمل»، وكذلك بسبب العمل بطريقة خاطئة فنيًا، ما أدى إلى إتلاف كميات من التراب الذي يحتوي على خام الحديد لتصبح «غير ذات قيمة». ورغم ذلك لاحظ الجهاز أن «مصر العليا» استردت باقي قيمة التأمين النهائي، وباقي قيمة الدفعة المقدمة، دون تطبيق الشرط الجزائي المحدد في البند 11 من العقد، رغم تسلمها مليونًا و284 ألف طن من أصل إجمالي الصفقة البالغ مليون و800 ألف طن، بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات».
في تقريره، رصد «المركزي للمحاسبات» قيام إدارة الأمن في «الحديد والصلب» بضبط خمس محاولات سرقة، بينها ثلاث ارتكبها موظفون تابعون لـ«مصر العليا»، وواحدة لموظفين تابعين لـ«مالتي تريد»، والأخيرة ارتكبها موظفون تابعون لشركة الشروق للتجارة والتوريدات. ولاحظ «المركزي للمحاسبات» أن لجنة التصفية اكتفت في جميع الحالات باسترداد المسروقات وتوقيع غرامات، دون إبلاغ جهات التحقيق.

لم يكن إهدار لجنة التصفية المال العام لصالح جهات سيادية فقط، بل امتد «الأمر المباشر» إلى القطاع الخاص.
وفقًا لتقرير «المركزي للمحاسبات» عن ميزانية 2024، باعت لجنة التصفية آلات ومعدات محطة الأكسجين «ليندا 4»، بمشتملاتها «بالأمر المباشر» إلى الشركة العربية للصلب المخصوص (أركوستيل)، المملوكة لرئيس غرفة القاهرة التجارية، رجل الأعمال أيمن العشري، بسعر 154 مليون جنيه غير شامل الضريبة، اعتمادًا على متوسط تقييمات أجرتها أربعة مكاتب متخصصة، في أبريل ومايو 2023، وتم تحرير العقد في 27 نوفمبر من العام نفسه.
لاحظ «المركزي للمحاسبات» أن عملية البيع لم تأخذ في الاعتبار «المتغيرات الاقتصادية خلال تلك الفترة وما نصت عليه التقييمات من أن حساسية التقييم [هامش زيادة في الأسعار وفق آليات السوق] 10% و15%، وأن صلاحية التقرير [الخاص بالتقييمات] ستة أشهر من تاريخه، فضلًا عن أن التكلفة التاريخية للمحطة بمشتملاتها تبلغ نحو 331 مليون جنيه، وصافي القيمة الدفترية نحو 149 مليون جنيه».
في رده على تقرير «المركزي للمحاسبات» خلال اجتماع الجمعية العامة المنعقدة في أكتوبر 2024، قال المصفي إن البيع تم بناء على التقييم الخارجي للمكاتب المعتمدة لدى البنك المركزي «مع مراعاة أن المحطة تم بيعها بغرض الاستخدام نظرًا لأهميتها الاستراتيجية في توفير الأكسجين لوزارة الصحة». وفي تعقيبه على رد المصفي أوضح ممثل «المركزي للمحاسبات» أن رغم هذه الأهمية الاستراتيجية للمحطة، فالمشتري هو «أركوستيل» وليس وزارة الصحة.
كان القرار رقم 24 لسنة 2021 الذي تم إيقاف آخر ماكينات «الحديد والصلب» بموجبه في 31 مايو من نفس العام، استثنى «ليندا 4» من البيع، نظرًا لاعتماد مستشفيات مصر عليها بشكل أساسي للتزود بالأكسجين خلال جائحة كوفيد-19. «لولا هذه المحطة كانت مصر ستواجه كارثة كبيرة في كورونا»، يقول المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، كمال عباس، لـ«مدى مصر».
غنيمة الأرض
منذ بداية التصفية حتى نهاية النصف الأول من عام 2024، كررت جميع تقارير «المركزي للمحاسبات» ملاحظة وردت في تقريره عن القوائم المالية للشركة في العام المالي المنتهي في 30 يونيو 2020: «لم تقم الشركة بإجراء جرد لكافة الأراضي… لبيان المساحة والموقع بالتفصيل»، تبعها تشديد على أنه: «يتعين إجراء مسح شامل للأراضي التي بحوزة الشركة بمعرفة هيئة المساحة أو أحد المكاتب المختصة للوقوف على حقيقة مساحات وحدود أراضي الشركة، مع موافاتنا بالمستندات المؤيدة لملكية كل منها أو موقفها القانوني».
استجابت لجنة التصفية أخيرًا وأجرت عملية جرد للأراضي، حسبما أوضح تقرير الجهاز عن القوائم المالية للنصف الثاني من عام 2024، الذي ظل يطالب بالمستندات المؤيدة لملكية هذه الأراضي.
لكن الجرد، بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات»، أظهر فارقًا بين ما هو مسجل في دفاتر الشركة، وما ورد في محضر لجنة الجرد، بمقدار مليون و124 ألفًا و917 مترًا مربعًا، حيث بلغت المساحة المسجلة في دفاتر الشركة ثمانية ملايين و899 ألفًا و343 مترًا مربعًا (نحو 2118 فدانًا)، فيما بلغت المساحات المجرودة سبعة ملايين و774 ألفًا و426 مترًا مربعًا (نحو 1851 فدانًا).
كما لاحظ التقرير وجود فارق كبير بين إجمالي مساحة الأراضي المسجل في دفاتر الشركة، وما قدمه المصفي الأسبق، اللواء هشام نظمي (15 يونيو 2022 - 12 يناير 2023)، من حصر لجميع الأراضي، والبالغ إجمالي مساحتها، بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات»، 3448 فدانًا.
لكن، يبدو أن «المركزي للمحاسبات» لم يصله حصر نظمي كاملًا. فبحسب هذا الحصر، الذي حصل «مدى مصر» على نسخة منه، بلغ إجمالي «أملاك الشركة من الأراضي وجميع ما في حيازتها» 3452 فدانًا (14 مليونًا 501 ألف و265 متر مربع).


يُظهر حصر نظمي أن مساحة الأراضي التي صدرت بها قرارات وزارية لإقامة مصانع الحديد والصلب تبلغ وحدها 1500 فدان (ستة ملايين و301 ألف و245 مترًا مربعًا)، بينها 1035 فدانًا (أربعة ملايين و347 ألفًا و859 مترًا مربعًا) «داخل أسوار المصانع».
وبحسب تسجيل صوتي لنقاشات الجمعية العامة التي انعقدت في مايو الماضي، حصل «مدى مصر» على نسخة منه، قاطع أحد المساهمين المصفي العام خلال رده على ملاحظات الجهاز، طالبًا منه الإفصاح عن إجمالي مساحة الأراضي، فأعطى بدوي رقمًا مختلفًا عما ورد في كلٍ من دفاتر الشركة وحصر لجنة الجرد وحصر نظمي وتقرير «المركزي للمحاسبات»: 2615 فدانًا (عشرة ملايين و985 ألفًا و170 مترًا مربعًا)، موضحًا أن المساحة الواردة في الميزانية هي فقط الأراضي المسجلة وبحوزة الشركة، وتبلغ مساحتها 900 فدان (ثلاثة ملايين و780 ألفًا و747 مترًا مربعًا)، وبقية الأرض تندرج تحت بندي «أراضي نزع ملكية بقرارات نزع ملكية» و«أراضي وضع اليد ولا يوجد عليها تعديات».
أوضح حصر نظمي أن من بين الـ1500 فدان، هناك 50 فدانًا في حيازة القوات المسلحة، و30 فدانًا متعدّى عليها من الأهالي وصدرت بحقها قرارات إزالة، مشيرًا إلى أن غير المسجل من هذه المساحة يبلغ «350 فدانًا» فقط، وبالتالي فمن المفترض أن تكون المساحة المسجلة لصالح الشركة 1150 فدانًا وليس 900 فدان فقط كما يقول بدوي.
وبمقارنة إجمالي الأراضي الذي أعلنه بدوي خلال اجتماع الجمعية، مع نتائج لجنة الجرد، سيرتفع إجمالي مساحة الأراضي المفقودة إلى ثلاثة ملايين و210 آلاف و744 مترًا مربعًا.

في كل الأحوال، لم يعلق أي من ممثلي «المركزي للمحاسبات»، خلال اجتماع جمعية مايو، على هذا التضارب، وتم حذف الأرقام التي ذكرها بدوي من مضبطة محضر الجمعية المرسلة إلى البورصة، والتي حصل «مدى مصر» على نسخة منه.
لم تتوقف فوضى الأراضي عند متاهة التسجيل والتعديات وغياب المستندات، بل امتدت إلى أراضٍ تنازلت عنها الشركة بالفعل قبل التصفية لتسوية ديون، ثم اعترضت «الدولة» لاحقًا على ملكية «الحديد والصلب» لها.
قبل ساعات قليلة من إعلان قرار التصفية، عُقدت الجمعية العامة العادية لشركة الحديد والصلب، في 11 يناير 2021، للبت في نقل ملكية بعض الأراضي «المملوكة لشركة الحديد والصلب المصرية» لتسوية مديونيات: الشركة القابضة، وشركة الغاز، وبنك مصر.
في نوفمبر 2018، وقعّت «الحديد والصلب»، بروتوكول تعاون مشترك مع بنك مصر و«القابضة» لتسوية ديون على الشركة مستحقة للبنك تقدر بحوالي 59 مليونًا و561 ألف دولار، وتم الاتفاق على أن «تسدد شركة الحديد والصلب المصرية مبلغ وقدره 750 مليون جنيه كتسوية نهائية لقيمة المديونية، تُسدد كالتالي: مبلغ 375 مليون جنيه عن طريق نقل ملكية 73 مليونًا و685 ألفًا و518 سهمًا من أسهم الحديد والصلب المصرية لصالح بنك مصر، وذلك بسعر 5.11 جنيه للسهم 'من الأسهم المملوكة للشركة القابضة للصناعات المعدنية' [و] مبلغ قدره 375 مليون جنيه عن طريق نقل ملكية أصول عقارية مملوكة للحديد والصلب باسم بنك مصر».
في يناير 2019، نُقلت ملكية الأسهم بالفعل إلى بنك مصر. وفي فبراير 2020، أجرت الشركة تقييمًا لثلاث قطع أرض، بمساحات 20 ألف متر مربع و7500 متر مربع و30 ألف متر مربع، كتسوية عينية لباقي المديونية، وجميعها تقع «داخل المدينة السكنية للحديد والصلب في التبين بحلوان»، بحسب محضر اجتماع الجمعية العامة العادية في يناير 2021، والذي أوضح أن البنك اختار القطعتين الأوليين، بقيمة إجمالية بلغت 375 مليون جنيه، «وفقًا لمتوسط سعر التقييمات» وقتها، ما يعني أن قيمة المتر بلغت نحو 14 ألف جنيه. وتم توقيع عقد نقل ملكية قطعتي الأرض لصالح بنك مصر في 15 يونيو 2020، حسب محضر الجمعية.
لكن، بدايةً من ديسمبر 2022 ظهر بنك مصر في قوائم الشركة المالية باعتباره مَدينًا بـ16.5 مليون جنيه «تمثل باقي قيمة الأرض المُسلمة مقابل المديونية ولم يتم تحصيلها»، بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات» عن أعمال التصفية في النصف الثاني من العام.
ليس هناك أي تفسير، سواء في تقارير المصفين أو مراجعات «المركزي للمحاسبات»، بشأن سبب هذه المديونية. بحسب جمعية يناير 2021، كان سعر قطعتي الأرض اللتين اختارهما البنك بمساحة 27 ألفًا و500 متر مربع «تعادل قيمة باقي المديونية المستحقة للبنك (375 جنيه)». من أين أتت الـ16.5 مليون جنيه إذًا؟
كانت الجمعية العامة للشركة، المنعقدة في 30 نوفمبر 2021، وافقت على تغيير طبيعة نشاط أراضي الشركة من صناعي إلى سكني وبيعها بالمزاد العلني لتعظيم العوائد المحققة منها، على أن يتم إعادة تقييم الأراضي من خلال ثلاثة مكاتب متخصصة ومعتمدة من البنك المركزي، كما قررت تعديل قرار الجمعية السابقة، المنعقدة في الأول من نوفمبر، والخاص بنقل ملكية بعض الأراضي المملوكة لشركة الحديد والصلب لتسوية مستحقات الشركة القابضة، وذلك بناءً على توجيهات وزير قطاع الأعمال بإعادة تقييم أراضي الشركة حفاظًا على حقوق الدائنين وحملة الأسهم.
هل جرت عملية إعادة التقييم بناءً على تغيير النشاط، وبالتالي ارتفع ثمن الأرض أكثر من قيمة المديونية بخلاف ما ذُكر في جمعية يناير 2021؟ لا ذكر لأي إجابة في تقارير المصفين أو «المركزي للمحاسبات».
على مدار السنوات اللاحقة، ظل «المركزي للمحاسبات» يكرر ملاحظته في جميع تقاريره عن التصفية، ويطالب بضرورة تحصيل المديونية المستحقة على بنك مصر حرصًا على حقوق المساهمين، وبدورها كررت لجنة التصفية ردها على الجهاز في محاضر الجمعيات العامة باصطمبة واحدة: «هذه المديونية طبقًا للمساحة المقيدة بعقود البيع وسيتم تحديد القيمة وتحصيلها بعد الانتهاء من الرفع المساحي للأرض والاستلام»، لتضيف المزيد من الغموض حول مصير هذه الأرض وثمنها: هل تسلم البنك الأرض كما يقول الجهاز ومحضر جمعية يناير 2021 الذي حدد موقع قطعتي الأرض داخل المدينة السكنية للحديد والصلب في التبين، أم أنها ما زالت في انتظار الرفع المساحي كما يقول المصفي؟
ظل الغموض عند مستوى الأسئلة السابقة حتى تعمق في اجتماع الجمعية العامة في مايو الماضي. حين أعادت ممثلة الجهاز، داليا الشرقاوي، الملاحظة على مسامع الحاضرين، فقاطعها رئيس الشركة القابضة ورئيس الجمعية، محمد السعداوي، ليكشف مفاجأة: «الدولة قالت دي [الأرض] مش بتاعتكو، دي نزع ملكية، والأرض دي ملك للمحافظة [القاهرة] للأسف يعني». هنا ظهر سؤال جديد طرحه أحد المساهمين عند مناقشة الأراضي في جمعية سبتمبر: «هي الأرض إحلوت في عينهم بعد تغيير النشاط؟».
حاولنا مرارًا التواصل مع السعداوي للإجابة عن التساؤلات المطروحة هنا، لكنه لم يجب عن اتصالاتنا.
كان السعداوي هو من دافع في جمعية يناير 2021 عن نقل ملكية الأرض إلى البنك باعتبارها «مسجلة» والشركة «لديها ما يفيد ذلك»، حين اعترض ممثل «المركزي للمحاسبات» وقتها، أسامة بدوي، بسبب أن هذه الأراضي «ليست مدرجة بسجل أصول الشركة ولا داخل ميزانية الشركة أيضًا، ولا يجوز التصرف فيها نهائيًا، كما أنه يوجد فتوى [لم يوضح جهة صدورها] تفيد بعدم صلاحية ما قامت به الشركة من بيع الأراضي لأن هذه الأراضي تم نزع ملكيتها، وأصبحت للمنفعة العامة».
ورغم أن رئيس قطاع الشؤون المالية بالشركة وقتها، محمد عبد الظاهر سيد، أكد خلال اجتماع الجمعية أنه «يوجد عقود لتسجيل هذه الأراضي بقطاعات المشروعات بالشركة»، فإن بدوي أصر على رأيه: «لا يوجد أي شيء يفيد بصحة هذا الكلام، وإذا كان هناك مستندات وعقود لتسجيل هذه الأراضي، لماذا لم يتم تقديمها للجهاز للاطلاع عليها، على الرغم من أننا طلبنا أي عقود لهذه الأراضي من الشركة بالأمس القريب ولم يتم موافاتنا بها نهائيًا». أصر كلٌ من الطرفين على موقفه، وانتهت الجمعية بتصديق الأغلبية التي تحوزها «القابضة» على نقل ملكية الأرض إلى البنك.
لاحقًاـ وبعد تعيين بدوي المصفي العام في 25 أبريل 2024، تغير موقفه، فلم يعد يرى الأرض المنتقلة ملكيتها إلى بنك مصر «منفعة عامة» لا يجوز التصرف فيها، بل تعهد مع السعداوي في جمعية مايو الماضي بحل الأزمة وتصعيد الموضوع «لأعلى مستوى»، ما دعا ممثلة «المركزي للمحاسبات» إلى مطالبتهما بإدراج توضيح موقف هذه الأرض في الرد على ملاحظات الجهاز، «بدل ما حضرتك ترد على الجهاز المركزي للمحاسبات في تقريره وتقولي إن أنا هشوف لحد ما أعمل رفع مساحي وابتدي أسوي القيمة، يبقى لا بد يكون الرد يقف على الواقع»، وهو ما أقره السعداوي: «معاك حق يا أفندم».
في 24 يونيو الماضي، أرسلت لجنة التصفية محضر اجتماع جمعية مايو في إفصاح إلى البورصة، مدونًا فيه ملاحظة الجهاز عن مديونية بنك مصر، فيما خلا رد اللجنة المكتوب من أي توضيح أو إضافة، واكتفى بالعبارة المعتادة: «هذه المديونية طبقًا للمساحة المقيدة بعقود البيع وسيتم تحديد القيمة وتحصيلها بعد الانتهاء من الرفع المساحي للأرض والاستلام».
وعلى غرار أرض بنك مصر، لا يعلم أحد موقف أرض مخزن القباري بالإسكندرية، البالغة مساحتها 14 ألفًا و12 مترًا مربعًا، والتي باعتها لجنة التصفية إلى وزارة الدفاع.
ورد ذكر هذه الأرض مرة واحدة في فقرة مقتضبة بتقرير المصفي عن أعمال النصف الثاني من عام 2022، بالإشارة إلى أنها لم تُدرج في حساب التصفية خلال الفترة، «حيث لم يتم الانتهاء من عقد البيع والتسجيل بالشهر العقاري، ولم يتم تسديد كامل القيمة والبالغ قيمتها حوالي 14 مليون جنيه حتى تاريخ المركز المالي في 31 ديسمبر 2022»، بحسب تقرير الإيضاحات المتممة للقوائم المالية للفترة المذكورة، رغم أن حصر نظمي، المؤرخ في 22 أكتوبر 2022، ذكر أن هذه الأرض تم تسليمها بالفعل لمشروع «بشاير الخير التابع للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بواقع ألف جنيه للمتر المربع، ولم يتم صرف مبلغ التعويض حتى الآن».
ومنذ ذلك الحين لم ترد أي إشارة إلى هذه الأرض في أي من تقارير المصفين أو الجهاز المركزي للمحاسبات، لتطل أسئلة جديدة تزيد الغموض: كيف تم تقييم سعر الأرض بألف جنيه للمتر؟ هل سُجل العقد؟ وكم تسلمت الشركة من ثمن الأرض؟ وكم متبقي؟

أحد مظاهر الفوضى المتعلقة بحصر أراضي «الحديد والصلب» جاءت تحت عنوان «التعديات».
على غرار مطالبته بجرد الأراضي، ظلت ملاحظة «تَبين استمرار وجود حالات تعدي على أراضي وممتلكات الشركة…» فقرة ثابتة في جميع تقارير الجهاز منذ مراجعته للقوائم المالية للعام المالي المنتهي في 30 يونيو 2020.
من بين تلك التعديات، المستمرة حتى آخر تقرير لـ«المركزي للمحاسبات» المعروض في جمعية سبتمبر الماضي، قطعة أرض بمساحة 107 أفدنة (449 ألفًا و488 مترًا مربعًا) استولى عليها حي التبين، وعلق على سورها لافتة «بعدم جواز التعامل مع تلك الأراضي وأنها ملك حي التبين»، بحسب تقرير «المركزي للمحاسبات» الصادر في ديسمبر 2022.
قصة استيلاء الحي على تلك الأرض، كما رواها لـ«مدى مصر» رئيس مجلس إدارة شركة الحديد والصلب الأسبق، سامي عبد الرحمن (نوفمبر 2017 - يوليو 2018) شديدة الدلالة على مدى تكالب أجهزة الدولة على اقتناص ما تيسر من جثة «الحديد والصلب».
بحسب عبد الرحمن، تعود ملكية الـ107 أفدنة إلى الشركة، وتقع على طريق الجيش الجديد بجوار شركة القومية للأسمنت. وحين تولى منصبه، كان مبنيًا على الأرض ما يقرب من 40 منزلًا بكامل المرافق، بالإضافة إلى عدد من المقابر، فأبلغ الشرطة لإزالة تلك التعديات، عدا المقابر، على حد قوله، وطلب من حي التبين تصريحًا ببناء سور حول الأرض لمنع التعدي عليها مرة أخرى.
كان عبد الرحمن من أنصار تطوير الشركة ورافضًا لتصفيتها، لذا كان متحمسًا لاستعادة أصولها وبيع بعضها لتمويل هذا التطوير، لكن وزير قطاع الأعمال السابق، هشام توفيق، أقاله من منصبه قبل بناء السور، حسبما قال رئيس الشركة الأسبق، لكنه فوجئ بعد ذلك بحكم صادر ضده غيابيًا بغرامة 360 ألف جنيه، بناءً على محضر حرره ضده حي التبين، اتهمه فيه ببناء سور دون ترخيص ومخالف للمواصفات الهندسية.
«عملت معارضة على الحكم، وتم قبولها، وحصلت على براءة، لأني أثبت إن السور اتبنى بعد ما تركت منصبي»، يقول عبد الرحمن لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أنه ظن أن القضية انتهت عند هذا الحد، لكنه كان مخطئًا. بعد بضعة أشهر، فُتحت القضية من جديد بعد ظهور شاهدين جديدين: مدير أملاك الشركة، ورئيس الحي، اللذين شهدا على تورط عبد الرحمن في بناء السور. «قالوا أني كنت واقف والسور بيتبني»، يقول عبد الرحمن ضاحكًا، مضيفًا أن الشركة تقدمت بطلب تصالح وفقًا لقانون مخالفات البناء، وتم قبوله.
في تقريره عن حساب التصفية في النصف الأول من عام 2023، كرر «المركزي للمحاسبات» ملاحظته عن الـ107 أفدنة كما جاءت نصًا في تقاريره السابقة. لكن هذه المرة لم تكتف لجنة التصفية بالرد المعتاد: «جاري اتخاذ اللازم»، بل فصّلت ما اتُخذ بشأن هذه الأرض، بما يؤكد أنها باتت في أحضان الشركة: «... تم اتخاذ إجراءات التصالح مع حي التبين على مخالفة بناء السور تنفيذًا لأحكام قانون التصالح في مخالفات البناء رقم 17 لسنة 2019، وتم استلام نموذج 10 [آخر مرحلة في عملية التصالح قبل إلغائه في تعديلات القانون اللاحقة] علمًا بأنه صدر قرار وزير قطاع الأعمال العام رقم 60 بتاريخ 3 مارس 2022، حيث نص في مادته الأولى بأن يُّزال بالطريق الإداري كافة أوجه التعديات على قطع الأراضي البالغ مساحتها 107 فدان بمنطقة حي التبين بشركة الحديد والصلب تحت التصفية الكائنة أمام البوابة البحرية للشركة»، بحسب محضر اجتماع الجمعية العامة للشركة في 23 أكتوبر 2023.
ومع ذلك، ظلت ملاحظة «المركزي للمحاسبات» عن الـ107 أفدنة في تقريره عن حساب التصفية في النصف الأول من 2024، كما هي دون تغيير كلمة واحدة. ما تغير هو رد المصفي: «سيتم بحث موقف هذه الأراضي واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة وموافاة سيادتكم بها»، بحسب محضر اجتماع الجمعية العامة للشركة في 28 أكتوبر 2024.
مع انتهاء عام 2024، أصدر «المركزي للمحاسبات» تقريره عن حساب التصفية في النصف الثاني من العام، دون أي ذكر لموقف الـ107 أفدنة، واكتفى بإجمالي عدد التعديات على الأراضي (86 حالة)، لكنه ذكر، للمرة الأولى، «وجود سبع جهات حكومية تشغل نحو 123 فدانًا»، مشيرًا إلى أن رد الشركة لم يتطرق إلى ما اتخذته من إجراءات لضمان عدم تكرار حالات التعدي، بحسب محضر اجتماع جمعية مايو الماضي.
خلال نقاشات جمعية مايو، التي استمع إليها «مدى مصر»، قال بدوي: «بالنسبة للتعديات، فيه لجنة مشكلة بمعرفة الفريق أسامة عسكر [السعداوي مقاطعًا: مالوش لازمة الأسامي من فضلك] لإزالة التعديات، وأزلنا حوالي 12 أو 15 فدان». هذا التوضيح سيظهر في محضر اجتماع الجمعية في سطر واحد: «جاري اتخاذ الإجراءات القانونية مع الجهات الأمنية والإدارية المختصة بذلك».
ويستمر النهب
بحسب التسجيل الصوتي لجمعية مايو الماضي، قالت ممثلة الجهاز المركزي للمحاسبات، داليا الشرقاوي، إن لجان التصفية المتعاقبة لم تبع سوى 46% فقط من أصول «الحديد والصلب»، غير شاملة الأراضي، رغم أن الموعد المحدد لانتهاء التصفية هو 13 ديسمبر 2025، كما لاحظت أن بعض التسليمات تمتد إلى ما بعد هذا التاريخ. وأضاف زميلها، أشرف فتح الله، ملاحظة أخرى تخص إجمالي المبالغ المُحصلة من التصفية بنحو ملياري جنيه، في مقابل التزامات على الشركة تصل إلى 7.3 مليار جنيه، متسائلًا: «فهل المتبقي من التصفية متوقع أن يغطي هذا الفرق؟».
هنا فجر المصفي مفاجأة: «التعاقدات اللي تمت فعلًا في وجود عقود موثقة، وتم دفع الدفعة المقدمة وتم إجراءات التسليم والتسلم لها، حوالي 14 مليار جنيه»، مبررًا عدم ظهور هذا الرقم في تقارير التصفية، بأن ما يظهر هو ما تم تحصيله فقط.
في تعليقه، قال فتح الله إنه بالنظر إلى نسبة المتحصل كل ستة أشهر والذي يتراوح بين 500 و600 [ألف جنيه]، فهذا يعني أن التصفية ستستمر ما لا يقل عن عشر سنوات. وهنا تدخل السعداوي: «يا أشرف بيه إنت عارف صعوبات التصفية… كنتوا فين لما الأهلية قعدت 22 سنة»، في إشارة إلى عملية تصفية الشركة الأهلية للصناعات المعدنية المستمرة منذ عام 2004.
أرسلت لجنة التصفية محضر اجتماع جمعية مايو في إفصاح إلى البورصة خالٍ من إجمالي التعاقدات التي ذكرها المصفي، مكتفية بقولها إن «تلك التعاقدات لا يتم تحصيلها دفعة واحدة ويتم سدادها على دفعات… وسوف يتم تقديم خطة معتمدة لإنهاء تنفيذ الأعمال المتعاقد عليها بأسرع وقت لأنه يوجد أسباب خارجة عن إرادة الطرفين تعطل سير العمل».
بعد أربعة أشهر من نقاشات جمعية مايو، قررت الجمعية العامة غير العادية لشركة الحديد والصلب، في 22 سبتمبر الماضي، مد أجل التصفية عامًا آخر، لتستمر عجلة إهدار المال العام في الدوران، ومعها يلهث أصحاب المصلحة من حملة الأسهم للحصول على حقوقهم، دون أي محاسبة أو مساءلة من الجهات المسؤولة.
تقارير ذات صلة
بعد رفع أسعار الوقود.. متى تتخلى الحكومة عن دعم غاز المصانع؟
الاعتراض الأول على خطط التحرير سيأتي من المستثمرين الخليجيين بكبرى شركات الأسمدة في مصر
المنتَج مصري والثمن بالدولار
توجه المصانع للبيع بالدولار جاء بموافقة شفهية من جهات حكومية
المعتصمون في «المؤسسة العمالية» يرفضون قرارات «القوى العاملة والاتحاد»| «التعبئة والإحصاء»: 50% من الأسر تلجأ لـ«السلف»
بلاغ من «القومي للطفولة والأمومة» ضد القائمين على عرض تمثيلي لأطفال في كنيسة عن «مذبحة ليبيا»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن