ذوبان العُقد بمفعول الدلع
#جو عام
في روقان الويك إند نقدم ديتوكس مكتوب بأسلوب هاني المصطفى المميز في الحكي بالعامية عن هاني الأبيض والأسمر وذوبان عقدهما الطبقية مع اكتشاف ذوقهما المشترك؛ حبهما لحسن الأسمر، وننشر هذا الديتوكس بمناسبة ذكرى ميلاد المغني الشعبي الراحل.
#قراءة #دليل
من عشر سنين عرفت هاني الأبيض عن طريق حاجات جميلة كان بينزلها في مدونة اسمها «جمعة المزيكة». مقالات أو خواطر عن أنواع موسيقية ومطربين من حتت كتير في العالم مع لينكات للمزيكة دي. الحاجات كانت بتنزل على جمعة المزيكة مرة سبت، ومرة أربع، وساعات جمعة، ولكن من باب إن حتى السنجاب الأعمى يجد طريقه إلى شجرة البلوط أحيانًا. المفيد إن الكتابات دي انقطعت فجأة وقعدت سنين منتظر وأقول يمكن نسا يمكن قسا يمكن ظروف المدرسة، لغاية ما دخلت بالصدفة على مدونته من فترة عشان ألاقي آخر تدوينة نزلها بعنوان: «سا آ لوني آنا مين!»
من عشر سنين كنت بكتب في مدونتي عن حاجات بحبها. خواطر أو تقديمات عن أو لأنواع مزيكة من أماكن مختلفة من العالم مع روابط ليها من اليوتيوب. الكلام ده كان قبل ما الفيسبوك يسهّل على الناس تشير لينكات بالهبل. كنت بقعد بالأسابيع أدور وأسمع لحد ما ألاقي حاجة حلوة اشيّرها وأكتب عنها. كنت مشترك في راديو باندورا لغاية ما خلوه حصري جوه أمريكا بس. وبعدها اشتركت في «لاست إف إم»، وقبليها كنت بسمع برنامج وان وورلد ميوزيك على البرنامج الأوروبي في الإذاعة كل يوم حد بالليل، وأسجل منه الأغاني اللي تعجبني، وأدور على الإنترنت على أعمال تانية للفنانين دول. كل دي وغيرها كانت طرق للهروب من حصار الإذاعات الرسمية ليّ بموسيقى الربع تون بالتحديد من مصر ولبنان، وأحيانًا سوريا فقط. كان ومازال فيه تجاهل تام حتى للنوع الموسيقي ده من بلاد شقيقة زي العراق وفلسطين وبلاد المغرب العربي، ناهيك عن الموسيقى الخماسي النوبي والسوداني.
كان الدون ريجوبيرتو يتبع في مكتبته نظامًا شديد الصرامة فيما يتعلق بتجميع الأعمال الفنية. فلا يمكن أن تزيد عدد الأسطوانات في منزله عن لنقل مثلًا خمسين أسطوانة. فإذا أراد أن يضيف إليها أسطوانة جديدة، تخلص من أسطوانة قديمة لكيلا يتجاوز ذلك الرقم المقدس. كان يفعل هذا عن طيب خاطر، ولتعويد ذاته على التقشف والانتقائية. أما أنا.. وحدي أنا.. فاتبعت هذا النظام من باب قُصر الذيل. لأنني لم أستطع أن أجدد جهاز الكمبيوتر الخاص بي أبو هارد 4 جيجا طيلة سنوات عملي أثناء دراستي في شركات الكمبيوتر في حي مدينة نصر. فالأربعون أو الخمسون جنيهًا التي كنت أتقاضاها كعمولة جراء عملي كفني صيانة أولًا ثم مندوبًا للمبيعات، لم تجعلني أكثر من مجرد خبير بأشكال وألوان الهاردات والبورد والبروسيسورز الغالية فشخ دون أن أمتلك منها شيئًا. ولكن لدأبي على قراءة كتب التنمية البشرية التي كانت بدأت في الانتشار وقتها، تعلمت منها أن أصنع من الليمونة المرة شرابًا حلوًا، وقررت أن أكوّن ثقافة موسيقية شديدة الانتقائية لا تتجاوز حدود مساحة هاردي الـ4 جيجا. ظللت هكذا لسنوات حتى بعد أن بدأ غطاء كيستي في تضخيم أصوات جهازي القديم بشكل استدعى شكوى الجيران من الضوضاء، وبعد أن تركت مهمة تهوية الكيسة للهواء الطلق لأن المراوح أضحت مساكنًا آمنة للعناكب وأنظمة بيئية عديدة لا تعلمونهم الله يعلمهم. هنا فقط اضطررت لكسر الحصالة مع بداية الألفية الثانية واتجهت إلى شركة كمبيوتر في حي الزهور في مدينة نصر لأشتري جهازًا جديدًا.
وقابلت في الشركة هناك واحد بيشتغل فني اسمه هاني الأسمر. لا هو من مدينة نصر ولا عمره عرف الهارد الـ4 جيجا. مش لا سمح الله عشان هو متطور ومش كحيان زي حالاتي. معرفوش عشان لما إحنا كنا راجعين، كان هو بيتنقل من ورشة عربيات لفرن عيش لمحل بقال في عشوائيات المطرية والمرج والألج حيث كانت كلمة كمبيوتر تُطلق على لا مؤاخذة الدبوس المشبك اللي بيمسك كولة التي شيرت الأبيض المبهوقة اللي كانوا بيلبسوها تحت القميص المشجر المفتوح كي يحاول أن يبدو صاحبها البائس كعمرو دياب في كليب نور العين أو شريف منير في فيلم ديسكو ديسكو. رأيت الدبوس لأول مرة مع أصدقائي في رقبة شباب يقفون أمامنا على سلم كهربائي هابط للأسفل في الحرية مول عشية عيد فطر أعاده الله علينا وعلى طبقتنا البرجوازية بالخير واليمن والبركات ونحن نتندر على هاني الأسمر وآله وصحبه إلى يوم الدين. لا أدري ما الذي جعلني أمسك يد صديقي قبل أن يفك هذا الدبوس ويجعله كعيد «الخواجة لامبو اللي مات في إسبانيا» حيث الغناي فيه مبسوطين والفقير فيه مش سعيد!
كانت هذه هي التسعينيات أعزائي المشاهدين بما لها وما عليها. أما في الألفية الجديدة فقد تغيّرت القصة قليلًا. أصبحت لا أهنئ بالـ 40 والـ 50 جنيهًا التي يتفضل بي عليها أصحاب شركات الكمبيوتر الكزرة، كما أني كنت قد تخرجت وأصبحت عمالة غير مرغوبة بالنسبة لهم، لأن الكمبيوتر لم يعد في حاجة لشباب برجوازي لتسويقه. فقد تشبعت تلك الطبقة الآن وحان وقت التوسع بغزو العشوائيات وكفور ونجوع مصر. ضاع رونق الشغلانة وأصبحت وظيفة بيئة تليق برجال تركوا الفانلات البيضاء المبهوقة لارتداء ملابس كلاسيكية مبهوقة أيضًا يشترونها من منافذ بيع مصانع الملابس بسعر التكلفة. وارتدوا معها شفاه ملوية تنادي عليك بـ«يا مستر» و«حدرتك» و«مفييييش مشكلة» بنغمة لعوبة تثير اشمئزاز مشابه لما أصبحت أحمل لطبقتي التي استبدلت أسمائها بأسماء كيفن وريتشارد وجوش أثناء عملنا كموظفي خدمة عملاء لشركات أمريكية من مكاتب برج مصر للسياحة المطل على حي العباسية الذي سأتطرق له لاحقًا. نعيش نحن الكيفن والريتشارد والجوش في مصر حسب التوقيت الأمريكي. فننام نهارًا ونعمل ليلًا ونعطّل فقط في الثانكسجيفينج والميموريال داي وأصبحنا عاجزين عن التسكع في الحرية مول عشية عيد الفطر، وحرمنا إلى الأبد من متعة السخرية من ملابس ودبابيس كائنات السلالم المتحركة، عشان عندنا شغل!

استدراك:
ربما كانت تلك الفترة التي حجبت عن عيني مرأى الطبقة العاملة هي التي جعلتني أرى نفسي في قاع مجتمعي الوظيفي مسلوب الاسم والهوية والتوقيت والتقويم! رأيتني هانيًا أسمرًا يرتدي هوية أمريكية مبهوقة يمسك بها دبوس هش يمكن لأحد العملاء الأمريكان فكه إن سألني أين أسكن وتصادف أنه أيضًا يسكن في نفس المدينة التي ادعيتُ سكني بها! رأيتني ألوي شفتي لأتقن مخارج الحروف الإنجليزية كي أحَبُك الدور. رأيتني هاني أبيض بالدخل الكبير نسبيًا لأبناء جيلي من الخريجين الجدد، وهاني أسمر بالنسبة للعملاء الأمريكان الذين أقوم بتلقي طلبات خدمتهم على الهاتف. اجلس يا هاني يا أسمر أمامي الآن واستعرض بلا خجل عليّ معرفتك بأنواع الكمبيوترات التي أصبحت أجهلها. لنعلن لقاء السحاب هذا الذي جمعنا هنا في بهو الشركة ونحن نحتسي ما أسميته بالـ«سينامون» الدافئ هدنة في تلك الحرب الطبقية الباردة بيننا ونحن على بعد لحظات من الطقس المقدس المسمى بـ«ملو الهارد»
بعد أن أرهق هاني الأسمر شفتيه باللبونة وهو يمسترني ويؤستذني ويضحك دون أن يفتح فاه على أي سخافة أطلقها، جلس أمامي ليريني فولدرات هارده الخاص الـ 40 جيجا، متجولين بين الأفلام والأغاني ودروس عمرو خالد وفيلم غريزة أساسية وإعلان كلوروكس المدبلج بأبذأ الشتائم ووسط ظاظا الملبن المتراقص على واحدة ونص، وجدت فولدرًا أمامي اسمه شعبيات، فطلبت من هاني الاسمر أن أرى محتواه. لوى الأسمر شفتيه بسعادة وأطلق آخر كلماته بالنغمة المصطنعة وهو يسألني: إيه ده يا مستر هاني! إنت بتسمع شعبي؟! وهنا وجدت فرصة استعراض لا تعوض لأحكي له عن جيرتي لمكتشف حسن الأسمر. فقد كنت صديقًا لكمال ودولسي أبناء عم محمد البلدي الذين انتقلوا إلى السكن على أطراف مدينة نصر في منتصف الثمانينيات بعد أن فتح الله على عم محمد البلدي في محله الجديد في حي العباسية حيث نشأ، وحيث يطل أيضًا برج مصر للسياحة حيث أعمل الآن ككيفن أو ريتشارد أو جوش. كان في حي العباسية في بداية الثمانينيات شاب صنايعي، جميل الصوت مبحوحه، يغني لأهل حتته في الأفراح والليالي الملاح، أتى به عم محمد البلدي ليغني في افتتاح محله الجديد ليكون على موعد مع القدر. فقد كان أحد ضيوف الحفلة غير المدعوين ليلتها متعهد نِمَر وجد طريقه إلى هناك على رائحة عشوة حلوة ونغمة سلوة. أكل واستمع وطرب لذلك الشاب وطلب مقابلته واصطحبه فيما بعد إلى شارع الهرم حيث تألق وتوهج وأصبح من عرفتموه فيما بعد بالفنان حسن الأسمر، ومَن عرفناه أنا وكمال ودولسي وإخوتهم بأبوهاني. لم يعلم عم محمد البلدي بما حدث إلا من أبو هاني نفسه الذي أتى له طوعًا ليقدم له نفحة مما تقاضاه من أول ليلة غناء في شارع الهرم. لم تكن هذه أولى بوادر جدعنة أبوهاني مع أهل حتته، فخيركم في الجاهلية خيركم في الإسلام. ولا عجب في أن تجد حتى يومنا هذا وبعد عشر سنوات على وفاته صور الفنان تتوسط حوائط بيوت ومحلات أهالي العباسية كابن من أبنائهم. وكل مَن مر بالعباسية في التسعينيات وبداية الألفينيات يعلم أنه كان يلعب دور الوسيط بين أبناء حي العباسية ومرشحيهم في انتخابات البرلمان من أجل تحقيق مطالبهم وتوصيل شكاواهم. كان صوت حي العباسية بالمعنى الحرفي والمجازي.

كان هذا على المستوى الرسمي، أما على المستوى الشخصي فكان كمال ودولسي وإخوتهم يحكون لي ولأصدقاء ذلك الحي الواقع مِن مدينة نصر على زيارات الفنان المتعددة لهم بالذات في بداية العام الدراسي حاملًا حقائب مدرسية وكتب خارجية وأقلام وكراريس وجلاد واساتيك وبرايات ومقالم لهم جميعًا، رغم عدم حاجتهم للمساعدة. ولكن كان ذلك الامتنان الممتد أمد الدهر من الفنان لأسرة صاحب الوش الحلو عليه كما كان يحب أن يسميه، عم محمد البلدي أحلى واحد تاكل من عنده فراخ وكفتة في العباسية ومدينة نصر. امتنان استمر فترة تألق الفنان في التليفزيون والسينما والمسرح، ولم ينته حتى بعد انحسار الأضواء عنه.
عند تلك اللحظة كان هاني الأسمر قد تخلص نهائيًا من لوية الشفايف والمسترة تحت هول مفاجأة أن حتة العيل الفرفور اللي قدامه طلع ابن حنت وعنده حكايات عن مطربه الشعبي المفضل، فقرر طبعًا أن يزايد على ديك مامتي، ولكن بصنعة لطافة، فبدأ حكايته بسؤال شهرزادي: طب تعرف يا أستاذ هاني إني شفت الأستاذ حسن؟ وسلمت عليه كمان؟! وقبل أن يبرد وجهي من كبسته، انطلق الأسمر مع حكايته:
أنا أصلي ليّ واد حبيبي بيشتغل في المجال الفني يعني بيسترزق، حاجة هنا، حاجة هناك. المهم لقيته مرة بيقولي أنا شغال اليومين دول مع الفنان حسن الأسمر. ولمّا عرف إني بحبه أوي سألني تحب تقابله؟ قولتله آه يا ريت. قاللي استنى أقوله الأول. وغطس يومين ولقيته بيكلمني ويقولي تعالى الفنان عايز يشوفك. أخدت العنوان ولبست كويس، ورُحت في اليوم وفي الميعاد كازينو كده نسيت اسمه، اريزونا أو اريزوكا حاجة زي كده. ورنيت على صاحبي كنسل عليّ وجالي برّه عند الباب عشان يدخلني. دخلت جوه وقعدني على طرابيزة. شوية ولقيت صاحبي جاي ومعاه الأستاذ حسن لابس إيه بقى بدلة وآخر شياكة وسلم عليّ وحضني وأنا معرفتش اقول كلمتين على بعض. ولمّا لقاني ملخوم كده سألني اسمك ايه؟ قولتله هاني. قاللي أنا ابني برضه اسمه هاني. إنت زي ابني بقى فمتعملش تكليف. قولي إنت بتشرب ولا لأ، قولتله لأ مابشربش. قاللي معلش معلش ونده على السفرجي وقاله الأستاذ هاني ابني شوف يحب يطلب إيه وأنا نزلي العشا بتاعي معاه بس بعد النمرة بتاعتي وبلاش شرب انهارده. واستأذني عشان يقوم يحضر نفسه للنمرة. وانا كل ده حاسس إني بتفرج على فيلم وحياة ربنا. وطلع الفنان وغنى ولعلع وبعدها جه اتعشى معايا وقاللي ايه رأيك؟ قولتله عيب يا أستاذ بقى انا أقول رأيي برضه. وسألني بعمل إيه، ولو بدور على شغل. قولتله لأ أنا بشتغل في شركة كمبيوتر، قاللي كويس. الكمبيوتر ده المستقبل. وبعد الأكل نده على صاحبي قال له هات الحاجة من جوه. فلقيت صاحبي جاي ومعاه بوستر ملفوف كده للفنان أخده منه وفتحه قدامي وقالي وهو بيضحك إيه رأيك بقى يا عم هاني! كان بوستر ليه من اللي بيعلقوه بره على باب المحلات. أخدته منه وأنا بشكره وبتاع. قاللي استنى هات أما أمضيلك عليه، وطلب قلم وراح كاتبلي «مع حبي وتمنياتي حسن الأسمر». ومرضيش أحاسب على حاجة وبعت صاحبي يوصلني لحد باب المحل. وكان شكله والله مبسوط أكتر مني بمقابلته.

نزلت الحكايتان بردًا وسلامًا على أحقادنا الدفينة على بعضنا. وجمع بيننا ود صاحب الصوت الآسر والسيرة العطرة الفنان حسن الأسمر، أبو هاني الأبيض والأسمر في هذه الليلة. ومررنا على محتويات فولدر حسن الأسمر تراكًا تراكًا، نتوقف عند أغانيه الفرفوشة أكثر من الحزينة التي سجنته فيها دوائر الإعلام الرسمي حتى قضت عليه حزنًا بعدها بسنوات في إشهار لزج وردئ لشركة الزيرو اتناشر عام ألفين وحداشر.
طلبنا عشاء وشرابًا، وظللنا طوال الليل نستمع إلى عم حسن يوصينا وصيته الأخيرة «كله يدلع نفسه كله يدلع نفسه بالعقل وبالأصول. إوعى تدلعها زيااادة، لا تشمت فيك عزول»
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن