تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ذئبة مهاجرة

ذئبة مهاجرة

أليف ووحشي #2

كتابة: نيللي جرجس 7 دقيقة قراءة
تصميمات «أليف ووحشي»: عمر مصطفى

#جو عام

في ثاني حلقات «أليف ووحشي» نمشي مع السورية نيللي جرجس بين صعاب عالم الشركات والإدارة الكندية واكتشافها الذئبة المُتوارية في نفسها، لنقرأ نصها النثري المُطعم شعرًا وما فيه من جمال اكتشاف الوحشي فينا. 

«أليف ووحشي»، سلسلة يعدّها ويحررها ياسر عبد اللطيف ومي المغربي، تعمل على علاقة الإنسان بذاته، وتسير مع كُتّابها في رحلتهم لاكتشاف حيوانهم الداخلي. وتنسجم هذه السلسلة مع أخرى شقيقة عن أوكار وجيوب المدينة سنخوض أولى مغامراتها قريبًا. 

#أليف ووحشي

في مساء يومٍ من أيام عطلة الميلاد الطويلة المُقفرة، أخرج للمشي في الشوارع المحيطة.

يغطي الثلج الرطب الثقيل كل شيء، البيوت وحدائقها، الأشجار وزينة العيد، الرصيف والشارع، أحيانًا يتكتل هنا وهناك في جبال كاذبة سرعان ما تنهار بك لو حاولت صعودها. أمضي في الشوارع المُلطّخة بالثلج والوحل محاولةً قدر الإمكان الاستمرار في طريقي دون التعرض لفضيحة الانزلاق والوقوع. 

الشارع خالٍ من البشر، لكنه ممتلئ بالطاقات والأرواح والكائنات المتوحشة. كبنتٍ للشرق المنحول بحرارة الشمس، قادمة من سهول بلاد ما بين النهرين، كنت أبغض لوحات الطبيعة للفنانين الشماليين حيث الثلج والذئاب تبعث الوحشة في نفسي. اليوم أفهمها، ألجأ إليها لأجد نفسي. توحشت وأصبحت ذئبًا. 

أنظر يمينًا لبستانٍ يمتد عميقًا، فأتخيلني متوارية في إحدى الجنبات:  

في المساء البارد،

 انطلق خارجًا من بين الشجيرات حيث كنت أختبئ 

ألهث، ذئبًا شاردًا أبحث عن قطيعي

 يأتيني صوت الوحش من البعيد 

جَنوبًا،

 أتهيب لحظة، ثم أقرر الاستمرار نحو حلقه.

«ترتبط الذئاب بالعديد من الثقافات المختلفة، وإن كانت مُهيمنةً أكثر في ثقافة السكان الأصليين بشمال القارة الأمريكية حيث يمثل الذئب القوّة، لكن أيضًا الكثير من المعاني الجليلة، إذ تسترشد بعض القبائل كقبيلة الأوجيبوي Ojibwés، التي تعيش فيما يُعرف بوسط كندا حاليًا، في أسلوب حياتها بالذئاب، فتعتمد ديناميكية إطاعة القائد دون التخلي عن خصوصية وشخصية كل فرد». أقرأ النص لصديق وعيناي تلتمعان فخرًا. كنت قد عثرتُ على موقع يقدم اختبارًا لمعرفة حيوانك التوأم قبل أن يقودك لوصلة متجر أون لاين لشراء بعض الإكسسوارات ذات أشكال حيوانية جميلة مع التأكيد على أن الأرباح موجهة لدعم الحياة البرية. 

يشكك الصديق في كلامي «ذئب؟ بجد؟ تخيلتك حيوانًا أليفًا، لاما مثلًا»

أتذكر الإهانة وأنا أمشي في الليل البارد. أستعيد كل ما سمعتُه وقرأتُه عن رمز روما القديمة، الذئبة التي أنقذت وأرضعت التوأم رومولوس ورويموس فأصبحت رمزًا للخصوبة والحماية، أو تلك القصة المُخيفة عن وحش جيفادان، la bête du Gévaudan، الذي هدد الريف الفرنسي في منتصف القرن الثامن عشر وقارب حجمه للثور، وافترس الأطفال والنساء وقتل الرجال وخرج الفرسان لقتاله حتى قال عنه الأساقفة إنه آفة إلهية. يدب الشك في قلبي، ما الذي يجمعني بهذه الكائنات الأسطورية؟

الثلج ثقيل والجو بارد، تخطر لي فكرة الانتقال إلى منتصف الشارع الفارغ حيث آثار مرور السيارات. تهرس عجلاتها الثلج المُوحل فيظهر الأسفلت في خطوط متمايلة لا تنتهي. عيناي على خطواتي لأختار الموضع الأفضل ليتشبث نعل حذائي المطاطي بالأرض بمساحة أكبر. 

يأتي صوت الوحش مُجددًا ويتردد صداه حتى في الغيوم فوق رأسي. أتقدم. 

قلما احتفى العرب بالذئب رغم انتشاره في البادية وبلاد ما بين النهرين. نعتوه بالغدر وسخروا من نحيبه جائعًا، فهذا المفترس الذي ينازع تهديد الانقراض، هو من أصغر سلالات الذئاب ولا يكاد يتعدى الـ25 كيلوجرام وزنًا ونصف المتر ارتفاعًا، يعيش وحيدًا مختبئًا في بعض الجيوب المعزولة في الجزيرة العربية وجنوب بلاد الشام. فراؤه قصير أشهب، أذنه كبيرة كما أنه لا يعوي. 

على عكسهم، هاب الأوربيون الذئب الذي هدّد حياة فرسانهم ورعيانهم بالسواء، فنسجوا حوله الأساطير المرعبة. بينما في القارة الأمريكية، قدّر السكان الكثير من صفات الذئب التي يحلم بها القادة والمحاربون الشجعان. هذه الفروق تعود إلى أنهم لا يتحدثون عن الكائن ذاته، فبينما يُعدّ الذئب الأوراسي المُنتشر في شرق أوروبا أكبر ذئاب العالم القديم والمشهور بفرائه المُلون بين الأسمر والأبيض والبني، وعوائه الطويل، يُعتبر الذئب المُنتشر في كندا من أكبر سلالات الذئب الرمادي كما يشتهر بفرائه الطويل وارتفاع حدة عوائه التي تشق عباب السماء. 

رغم اختفاء القمر وثقل السماء بالغيوم، 

إلا أن العتمة مستحيلة،

فالثلج ناصع البياض يعمل كاللوح العاكس،

فيندثر الضوء البهيّ، فتلتمع أرض الغابة بين جذوع أشجار القيقب المُنتصبة كالخوازيق.

أنسل بينها، 

بحذر

أتلوى بين الجذوع

بحذر

 فأنا مرئي، يلمع الضوء في عينيّ.

يأتيني صوت بومة الجحور المنقّطة كإشارة فانطلق راكضًا.

يلتف الشارع عند اقترابه من النهر، فأقف ناظرةً للغطاء الأبيض النقي الذي يمتد أمامي في فسحة بين منزلين كبيرين. تكثر مثل هذه المساحات على ضفاف النهر، سامحة للسكان بالاقتراب من الماء والجلوس على ضفته في محاولة لنشر العدالة بين الأثرياء الذين يختارون السكن على حافة النهر حيث يتاح لهم استعراض مقتنياتهم من المراكب، ومتوسطي الدخل والفقراء الذين يسعدون بجلوسهم قبالة النهر على مقعد خشبي سيئ. 

أغرز قدمي في الثلج متقدمة بحذر نحو الضفة التي تظهر فجأة بعد عدة أمتار كمنحدر طيني حاد وخطر. أحدق في المياه الرمادية الكسول وأتبين الخدعة، فالمياه ليست بطيئة بل مثقلة بالجليد الشفاف. يترنح النهر في تقدمه كسائل ثقيل أو زيت مكثف. تظهر بعض قطع الجليد البيضاء الثقيلة متكسرة مُسافرة نحو المحيط البعيد. على الضفة المقابلة تتراقص المنازل الكبيرة بأضوائها. أنا في منطقة حيث مجرى نهر البراري هو الأكثر ضيقًا، ورغم ذلك بدت لي البيوت والغابات في الضفة المُقابلة بعيدة جدًا. حاولت تقدير المنطقة وتوصلت إلى أنها الـ«روكس بورد» في الجزء الغربي من جزيرة مونتريال، حيث يقع خلفها المطار الدولي. ما كدت أفكر في ذلك حتى عاد صوت الوحش. 

يعتبر الذئب الرمادي أحد الناجين من حادثة الانقراض الجماعي التي وقعت في أواخر العصر الجليدي الأخير، أي أنه عاش على وجه الأرض منذ ما يقارب 300 ألف سنة. بحسب وزارة البيئة الكندية، فالذئاب حيوانات خجولة تتعمد الابتعاد عن البشر وتعتمد على الانتقال ليلًا لمسافات طويلة. لطالما أحببتُ الليل والمشي فيه ولا تزال مشاهد المشاوير الليلية الطويلة هي الأحب إليّ من كل الذكريات. أتراني ذئبًا عربيًا؟ كيف لي أن أكون ذئبًا شماليًا يشق عواؤه سماء الليل ويصل حتى شمال القارة الأوروبية كما تقول الخرافات وأنا الذي لا أملك أحبالًا صوتية حتى؟ نظرت للسماء أبحث عن إشارة.

أغطس أنفي في كومة ثلج ملوّن

أنفر وأبتعد مسرعًا 

إنه بشر وليس أخ مَن مرّ من هنا

أقنط، 

أنظر للسماء الثقيلة

أنتظر

يأتي الصوت من بعيد

الأخ الأكبر ينادي

صوته بعيد لكنه ناحية الغرب حيث النهر

الأخ في الغرب

بعد النهر

الأخوة في الغرب بعد النهر

أنظر ناحية النهر وأنطلق

زئير الطائرات المُنطلقة في الجو من مدرجات المطار الدولي يتجاوز منطقة الفيلات والنهر ليمرّ من تلك الفسحة الضيقة لحديقة عمومية على الضفة المُقابلة ثم يصل إليّ.

أنظر للنهر، أخرج يداي المتجمدتين من القفازين السميكين، أحاول فتح الموبايل، أنجح بصعوبة، أضعه أمام عيني لأخذ صورة أو اثنتين للنهر، يحجب البخار المُتصاعد من أنفاسي الرؤية، أحاول مرة أخرى. تظهر الصورة مُعتمة باردة. أنظر لأثر قدمي على الثلج السميك وأعود من حيث أتيت وأنا أضع قدميّ في آثارهما ليس لهدف سوى تلافي دخول الثلج مُجددًا في حذائي الطويل. 

أعود للشارع تحت عمود النور الخشبي. يملأني الشجن مع عواميد الكهرباء الخشبية التي تذكرني بسوريا. 

يملأني الشجن حين أتذكر أيضًا المسافة التي عليّ قطعها للعودة لشقتي. لا حل أمامي سوى التقدم. أتذكر قصة من الأدب الأمريكي، يتوه الرجل المُسافر في الثلج، فيقرر قتل ذئب ليستطيع غرز يديه في الدماء الحارة للكائن وتدفئتها. 

أصل البيت أخيرًا، مُتعبة، لاهثة وراجفة. أخلع ملابسي المُبتلة بالعرق وأكتشف جسدي الذي انقلب لونه ورديًا بسبب الحرارة التي حاول توليدها لتفادي تجمديّ. أطرافي فقط، يداي وقدماي، بدت صفراء باردة، إذ أعاني من متلازمة الشعيرات الدموية الدقيقة، فيتعذر على الدم تغذية الأطراف بفعالية. أتجه للماء الساخن في محاولة إنقاذ أطرافي التي فقدها الدم كمسارات له. 

أصاب بخيبة أمل عظيمة أمام فيديو لذئب عربي هزيل شاحب يركض بين الحجارة ويلهث بتعب في محمية مركز الحفية بالإمارات. أتذكر استنكار صديقي، «ذئب؟ بجدّ؟». 

لطالما تمنيتُ أن أكون خارقة. وأنا صغيرة تلبستني أحلام الفرسان والأبطال قبل أن أنتبه لهزالي وانخفاض صوتي وطبيعتي الوادعة. 

في كندا حملتُ أحلام النجاح والتفوق المهني، فعملتُ بكدح لأثبت ملاءمتي للأدوار القيادية وقدرتي على تجهيز المشروعات ونجاح المهمات. وأواجه مصاعب التحكم بالموظفين، إذ أراهم بشرًا وأشخاصًا مختلفين ومتميزين، فيما توجهني مديرة الإتش آر الكندية بملامحها القوقازية الخالية من التعابير لتقييمهم بصرامة وتتبع أخطائهم وتصحيحها، وأتراجع مذعورة أمام امتحان فصل أحدهم. «كيف أقطع عيشه؟» أتساءل برعب مواطن شرق أوسطي يعتبر العمل ورزق الأبناء رديفين. «سيجد عملًا آخر يناسب قدراته» تقول المديرة الكندية بابتسامة باردة حازمة. أقضي مسائي أبكي على مصير الموظف المفصول. 

نعم، لقد تيّقنت الآن. أنا ذئب Canis lupus arabs، لاحمٌ صغير منزوٍ، فراؤه قصير، لا صوت له، قادم من الشمس ويحاول التدرب ليصبح كادرًا مرموقًا في مجموعة الذئاب الشمالية.

وسلام.

عن الكاتب

نيللي جرجس

كاتبة سورية تعيش في كندا. تخرجت من جامعة مونتريال تخصص كيمياء عضوية. وتعمل في مجال الجودة والنوعية للصناعات الغذائية. وظهرت مقالاتها في موقع المنصة ورصيف 22 وبيت الكرتون العربي.

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن