ديوان ميسي
منذ أسبوع، في حوالي العاشرة والربع مساءً بتوقيت القاهرة، اشتعلت المقاهي المصرية بصرخات إعجاب وانبهار ودهشة، صاحبها في أحيان كثيرة ألفاظ خارجة، تكرر الأمر مرتين، فصلت بينهما دقائق قليلة.. وفي كلتاهما كان السبب واحد: ليونيل ميسي.
المباراة كانت بين برشلونة الإسباني وبايرن ميونيخ الألماني في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، على ملعب الأول، الكامب نو، ما فعله ليونيل ميسي فيها كان خارجًا عن المألوف، كان لا مثيل له، كان مبدعًا، ربما لقيمة الفريقين، ربما لصعوبة إحراز هدف في نوير، حارس مرمى الفريق الألماني، ولكن السبب الأوضح كان المتعة.. أمتع ميسي كل من لهم علاقة بكرة القدم، وبعض من ليس لهم علاقة بها، بشكل لا يتكرر كثيرًا، أحرز هدفين، أولهما رائع، والثاني لا يوصف، لا يُصَنَف، لا يمكن.. وإن كانت تلك المتعة انعكست في المقاهي على شكل صرخات وسباب.. إلا أنها كانت إلهامًا للشاعر أحمد ندا..
رأى ندا أن ما حدث من ميسي، وأن ميسي نفسه، لا يستحق أن يعلق عليه أناس عاديون فقط، لا تكفي محاولات عصام الشوالي المتكررة في وصفه بـ"المتأبط شرًا"، ولا حديث محمود بكر عنه خلال مباريات الدوري المصري ومقارنته بـ"الضظوي".. رأى ندا أن ميسي يستحق تعليق عدد من أشهر وأمتع شعراء العرب.. وبالفعل، على مدار الأسبوع تقمص ندا شخصيات عدد منهم، وكتب عددًا من الأبيات التي أوضح فيها كم هو عاشق للشعر، وعاشق لمن كتب بأسمائهم.. وكن هو مفتونٌ بميسي..
واليوم، وقبل ساعات من لقاء العودة بين ميسي وأصدقائه وبايرن ميونيخ، في ألمانيا، ننشر #ديوان_ميسي .. الذي اجتمع فيه كل ما كتب أحمد ندا بأقلام الشعراء، في رحاب ميسي.

لفراشة في البحر، للكرة التي خرجت من التفّاح
قد نُقعت بزيت اللوز
للهدف الذي قتل الغياب وبلّه بالموت
أنا في بهاء حضوره والأزرق المائيّ يزهو في حريق الأحمر القاني
يندغمان في لغة الشّباك.
يقول المسافر:
هبني قليلًا من الوقت للوقت
خمس دقائق سحرُ التفاصيل
عجز الكلام عن الوصف
ميسي يسوق النجوم إلي حاضري
ينثني/ يتلاعب/ يعدو/ يراوغ/ يذهب/ يصعد/ يركل/
يصرخ جمع الذين أتوا
يا إلهي! هدفْ!
من حسن حظي أني رأيت المقدس
يترك معناه للقدم اليمنى
ويموت الفتى بواتنج بطلقة معجزة
ويقول سأترك عالمكم
والفتى المستحيل
إلى المستحيل


الذين هاجروا إلى الملاعب،
لم يصطادوا نجمة
ولا اسما
ولا حتى صرصارا.
تركوا أجسادهم للغياب
وعبروا بين مستطيلين
غير عابئين بشيء
إلا أن يركلوا الماضي
الماضي المتكثف كرة هواء
هؤلاء الغباريون
الذين يقولون وداعا يا الله
ويعانقون اللهو
.. كان منهم
بهيئة صيّادٍ متحول
كان أجملهم إذا زاغ بصره عن غير الطريق
ولا يحيد
أبصرْته يوم اصطفاني العدم
فتركت عدمي معلقا على الباب
وذهبت معه إلى خلوده
أجوب حانات برشلونة
متحدثا عن بيونس آيرس
قدمه على الأرض
وقلبه في السماء
وهدفه في الشباك


الاسم: ميسي.. المهنة: متعب
تشوف تقول ده فريق بيلعب
عفريت مصوّر وشماله سمّ
شوف لما ياخد فريق دفاع
بيمينه ماشي وشماله ماشي
ابن الرعاع
لو ترموا رجله في غيطان ضباع
هيزوغ كأنه ع النيل بيمشي
ونقول يا سيدي نقول يا عم!
ميسي ده يبقى م الارجنتين
يعني بلد جابت جيفارا
وميدانه ملعب
الاسم: ميسي.. المهنة: متعب
شوفوا نضاله لما البايرن
قالوا ده شَطَب
قال لا.. فَشَر
هخلي يومك يوم للعبر
وده اللي صار
في ذات نهار


لقدمٍ كأميرة تغتسل في نهر
لقدمٍ كرغبة كثدي كمعجزة في غير أوانها
كعطلة خريفية
كصعوبة إغماض العين عن متعة كالشهوة
قدم جميلة والأرض فتيّة
أتت إلينا من أحلام تبددت
سوف تكون ملاكا
سوف تكون غرامنا لغير النساء
قدم محفورة في القلوب
تغني وتشعل رغبتي في الغناء
اسمعوني
اسمعوني
أناديك يا ميسي من ظلمة الشك في الكرة
أناديك أمسك رأسي وأرجحها بين قدميك
أطعمني نقلاتك الخرافية ككتاب مقدس
العالم أحمق
وقدمك هي العقل الوحيد
أناديك يا ميسي
خذ قلبي واركله في الشباك
لكن رأسي فارغة من الهواء
وقلبي ليس كرويا
والعالم لا يعرفني


بين يديك أيها العالم
أتفرّج وفي يدي زهرة
وفي قلبي رصاصة
بين يديك أيها العالم
أصفّق كقرد
وأصرخ كطفل غاضب
وأعدو كنجمة في آخر الليل
بين يديك أيها العالم
أسلمك قدميه لتحفظهما
اسمه ميسي
يحمل ثمانية وعشرين برتقالة
وبرعم موهبة صغير
لا تسألوه عن ربه عن عبث هرمونات النمو
لا تسألوه عن كرته التي ضيعها صغيرا
لا تسألوا القميص المخطط عن صدفة التاريخ
لا تسألوا بيونس آيرس عن قطيع الصارخين اسمه
كل الأسئلة لن تمنع الشمس بين قدميه
الشمس المطيعة كعبد
أن تكون قُبلة مثبتة بالدبابيس الفضية كالنجوم
في شباك من يريد
ومن الأفضل
أن نشاهده
لا أن نتكلم


كانت الأرضُ أحذيةً بنجومٍ، كانت حشائش تتأطر بالأبيض
كيف لجرحٍ بهيئة بشرية أن يقيم أقدارًا
أن يكون إلهًا؟
كان لعدوه بين متنمّرين يغارون من أجنحته
هسيس لغة لم تضع مفاهيمها
أيتها اللغة اللغة، الوقت بطيء يتكئ على معناه
من بين السيقان يخرج،
يؤسس وردة بين الشباك
من الموهبة يخرج إلى الأبد
ليس على الهدف أن يحرق الحقول
أيتها اللغة الكرة، من أنت في حضوره
الهدف يزعرد بمسّه
م
ي
س
ي


الليل قديم
والشوارع واخدة عهد منه
إنه يمشي واحدة واحدة
بس أنا من كتر ما اتبهدلت وِحدة
قلت أصاحب أي صاحب
بس يكون جدع وقلبه
ما يخافش من العواقب
وف ليلة هادية
كان سوادها عيون صحابي
قلت لَزمَن أسيب قصايدي وأسيب كتابي
وأشوف معاهم
يطلع إيه ميسي ده
جن هو ولا إيه؟
ولا صايع ولا بيه؟
طلع بيلعب حاجة بيسموها كورة
والكورة في بلدنا تبقى جلد
بس ما قلتش لحد
إني لما كنت عيل
كنت أخاف أروح مع العيال
للخرابة جنب بيت فاطنة
أصل فاطنة ما يعجبهاش لعب العيال
كانت تقولي:
انت راجل ليه بتلعب
شفت أخوك ولا ابن عمك
انت ما بتشبعش لعب
ومن ساعتها
وكل ما أشوف الكورة أقول يا فاطنة
الواد ميسي واخدها جد
ده لعب كيف والناس بتهتف ولا المظاهرة
بيقولوا ميسي
يا معَلّي حِسي
بس حسي راح خلاص
واللي باقي حديتك يا فاطنة


سأعترف لكِ
أنت جميلة جدا
وأعددت لهذه الليلة التي ستجمعنا
منذ تظاهرت بعدم ملاحظتي
لصدرك الذي يناديني
لكنني لم أنم بالأمس مثلما أخبرتك
ولم أكن مريضا
ولا سكرانا
ولا شغلني غيرك
لكني سمعت صراخ الأصدقاء المجانين
على القهوة
باسم ميسي
فقلت لنفسي
أيها الشاعر القليل الحظ
لا تفوت لحظة كهذه مرة أخرى
.. لا تعقدي حاجبيك هكذا
لو كنت معي وقتها
لرغبت فيّ أكثر
أنا يا صديقتي
مجنون بعض الشيء
أتخلى عن ليلة جنس
مقابل هدف جميل
.. لست وحدي الذي يفعل ذلك
كل من سبقوني إلى سريرك
تركوك لأجل لحظة كهذه
صدقيني
سنشاهد المباراة القادمة معا
عاريين
لكن بالله عليك
لا تشتهيه


في ليل ذهبيّ
منفلت من زمن آسنْ
كان القادم عاري الفخذينِ
يعاكس تكرار الأيام
بلحظة إنسان وحشيّ
يستبدل قتل عبيد الدولة
بالكرة الجلد
المظلومة بين الأقدام
والأحلام
والتوق إلى أن يهتف هذا الجمع
بالاسم الماسيّ
"ميسي ميسي"
والإنسان الميسي
يركض
يقفز
يتقاسم حظ الله
مع الجمع الهادر
الإنسان الميسيّ
في الليل الذهبي
يناوئ هذا الجمع الوحشي
ويقول لهم
انتظروا القادم


ولد غريب
مغناطيس رباني
مختبئ بقدمه اليسرى
ويقول قصائد
للبنات والأولاد
فيصرخون "يا ولد!"
كأنه مجذوب قريتنا
صاحب الكرامات
الذي لم يرم شباكه في النهر
بل صعدت الأسماء طواعية
إلى شباكه
ولم يصدقه أحد
أنا رأيت
ذلك بعيني والله
يوم أصبته بالخطأ
بكرتي الشراب
وأنا أحاول تقليد مارادونا


ليونيل وقوم الجن أقاربْ
في بلد مخفيّ منسيّ تطعم كرة القدم صباح مساءَ
وتتغنى في الليل بشابٍ يقترب من الأرض
ويمشي حيّا وسط الموتى
ينساب كمن يركب قاربْ
ليونيل وخيل الأرض أقارب
يركض وسط الحانات
المملوءة بالشاشات
.. عيون تتبعه ككلام الله
فما أجملهم
ما أجملك
وكل الناس تحب خطاك:
الأطفال الحافية المجنونة باللعب
الشبان الموصومين بحلم الشهرة
كل نساء الأرض الحالمة
بشيء غير الشاربْ
ماذا يدعى تمثيلك ببواتينج
بليل كتالونيّ أبيض
مثل أياديك على النادي
ماذا يدعى فوزك في خمس دقائق
وكأنك تجري في الزمن وراء عقاربْ
وخلافا للأرجنتيني الأول
لم تتدخل يدك لتصنع قدرك
بل الله تدخل شخصيا
في صنع الشيء من اللاشيء
وأنت إذا كانت الملعب مضمار الحرب
الأجمل يا خير محارب


الأولة: ميسي
والتانية: بواتنج
والتالتة: حطُّه
وازاي نقول الشعر على ناس بيتلطّوا
الواد مخيف ياجدع.. عنتيل دخل شمطه
ميسي ده صنع عجيب ماتقالش في الحواديت
نيّيك مالُهش مثيل، بيمينه بعبصهم
برك المدافع قوام، وطياظه صدرهم
والناس تقول الله، ده صنف م العفاريت


ركلةٌ من سنين الجلوس على مقعد الانتظار
لرأي الطبيب
ويحتضن الكرة التي حازها في ملاعب بلدته
حين راوغ نصف العيال
وهيكله المنهك المتقزم
يقسم آلامه بين عدو خفيف
وثغرة حظ أمام القدرْ.
الطبيب الذي كان ملتحيا مثل جيفارا
قال له: جسمك الغضّ يحتاج هرمونا للنمو
فلم يفهم.
قال له: هل تحب الكرة؟
خبأ الطفل لعبته بين فخذيه، تشبث في ثوب والده، وارتعد.
كان الطريق طويلا: مشافٍ، علاج، تمارين هيكله الهش
لم تشفه غير عين المدرب، كانت تقول له: ستكون ملاكا يتابعك الناس، تطلب معجزة.
مر عشرون عاما،
وصار الفتى فارسا
وملاكا يتابعه الناس
عشرون عاما
وميسي يعاند هرمونه بالمراوغة الألمعية
حتى تهادى المصير وأودع خطّته في الشباك


الشعر يا صديقتي
كتابة الحماقَة
هواية تواجه الأعراف والخذلان والصفاقة..
حروفه هويتي
ومسكني إذا نُفيتُ من قبيلتي
لكنني يا حلوتي
مرتبكٌ أمام تحفتين:
نهديك مشرعين رغم أعين الرقابة
وميسي إذ يسطّر التاريخ من جديدٍ
ويعبر الأسوارا.
يمناهُ تلك تعرف اللغات كلها
وتصنع الأقدارا
فميسي يا رفيقتي
حكايةٌ تعرفها كل بنات الحيّ
فكيف لم تشاهدي؟
من مر من هنا إلى هناك
حتى نسيت لذة الكتابة
سيدتي
في دفتري قصائدي
ألف قصيدة حبٍ
ألف لسان غاضب من مستبد ظالم
لكن ميسي ها هنا
أكبر من قصائدي
أجمل من دفاتري
يعانق الكرات مثل نهد
ويعدو بالكرات مثل فهد
ميسي أيا صديقتي
رواية.. لن أستطيع تركها
من أجل هذا.. قلت يا صديقتي
لنترك الحب لوقت آخر
ولتبدأ الصداقة

ساحة معارك، والجنود واقفين
من غير سلاح ولا عدة ولا نياشين
على أرض خضرا بيجروا ورا كيس هوا
واللي يشوطه يعيش مع الخالدين
وعجبي
كان في ولد خلق القدر بيمينه
زحف المدافع عجْل على سكينه
والدبح كان من غير دماء.. ياجدع
ده طبع ميسي.. وكلنا عارفينه
وعجبي
مش أي جون يدخل نقول يا ولد
ولا أي هز شباك صيته يلف البلد
لينويل قصير صحيح.. لكين مارد
رجله دهب وعينيه تشوف الأبد
وعجبي


صاحبيّ شكايتي أرتجيها ** من إلهي بعتمة أو بشمس
قتل الناس فرحتي من ظنون ** دبجوها وثبتوا يوم نحسي
وعلى خطو "البحتري" قصيدي ** ثم "شوقي" عن المهاجم "ميسي"
من يراه يظنه صنع جن ** فيصيح الراؤون بل فعل مسِّ
وبواتنج يرتمي من هلاك ** أودعته السماء في رجْل إنسي
ورفاق من العجائب قالوا ** أي مرء يهينه، كيف يمسي؟
ليت شعري، فمن يجابه غولا ** يشعل الأرض من "بكين" لـ"قدس"
"ليونيلُ" أيا زمانا عفيّا ** عبقريا وناصعا دون لبس

تقارير ذات صلة
تحقيق دولي ومداهمة بالشيخ زايد: «ستريم إيست» فكرة والفكرة لا تموت
ما يدفع الناس إلى القرصنة ليس الجشع، بل الإقصاء
التشجيع من خُرم «تذكرتي»
سمحت منظومة «تذكرتي» بالتحكم الأمني في تركيبة المشجعين المسموح لهم بدخول المدرجات
كرة المونديال ليست مصرية
قصة تصنيع كرة القدم في مصر وعدم مشاركتها في كأس العالم بقطر
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن