دليل المقاوم الخاسر
كل صباح..
أفتح الصنبور في إرهاق
مغتسلًا في مائه الرقراق
فيسقط الماء على يدي دمًا
هكذا يقول أمل دنقل تعليقًا على ما حدث. ونحن كل صباح منذ اندلاع الحرب، نرتدي ملابسنا ونذهب إلى العمل، لا أحد يقترب من الطريق، ولا أحد يغادر.
غمر فيضُ الصور القادمة من غزة مداخل ومخارج الأيام العادية، ليس بالضرورة أن يصبغها أو يخفيها، لكن كانت هناك أوقات أستمع فيها إلى أصدقائي وزملائي في العمل، أو ألتقطُ أحاديث عن رغبة ملحة في تجنب النظر، خشية من انبثاق غزة من شاشة أو شارع.
يقول أمل:
أحفظ رأسي في الخزائن الحديدية
وعندما أبدأ رحلتي النهارية
أحمل في مكانها .. مذياعًا
(أنشر حولي البيانات الحماسية.. والصداع)
باستمرار ودأب، نراقب الأخبار، مستعدين أن نفعل أي شيء، ولا تهمنا الخسارة، لكن ليس لدينا أي فكرة عن مدى جدوى ذلك للبلد التي لم نزرها يومًا، والتي أصبحت في وجداننا قلبًا محشورًا، يعج بالنازحين ويدق.
كل صباح، يخرج جاري، يجر عربة يد يجلس بداخلها طفلاه التوأمان. وفوقهما غطاء شفاف يقيهما غبار الهدم والبناء المفاجئ الذي ينفذه حي شرق الإسكندرية. ومع مروره أمامي، لم يعد جاري الرجل الذي أعرفه، ملامحه راحت تتحول تدريجيًا إلى انكماشة وجه امرأة نازحة من غزة، تتكتم بكاءها وهي تدفع عربة تحمل نعشًا صغيرًا لطفلين سقطا في غارة.
غير أن الفيض البصري القادم من غزة أسال فيضًا آخر من الصور ليمتصه. امتصاص كإسفنجة البار: تمتص ما يتسرب من كؤوس القادرين على الفنجلة، لتحيله كأسًا هجينًا لمزدوجي الرؤية. صور للتظاهرات الأوروبية على الضفة الأخرى من غزة، وأخرى فردية لانهيارات ودموع وصراخ هستيري للمتضامنين حول العالم، وشارات خرائط مثبتة بدبابيس على الملابس. رُكام بصري لا يتيح لصورة واحدة أن تفتح لنا تأويلًا مفتوحًا للحرب.

كلما رأيت خريطة النزوح في غزة، وتكتُل الفلسطينيين داخل مساحات ملونة صغيرة داخل خريطتهم، أتذكر الخرائط التي كان يرسمها في طفولتي زميل دراسة فلسطيني يُدعى فارس. ما زال رنين اسمه الثلاثي يتردد في أذني، إذ كان يتفاخر به دومًا، أو ربما لأن ما يرويه من طرفات أو مغامرات، أطرافها الابن والأب والجد مجتمعين. لم يكن منتظمًا في الدراسة، لكثرة اضطراره إلى السفر مع أسرته فجأة. في أحد خرائط كتاب المدرسة، كان يشير إلى المسافة التي يقضيها نائمًا على كتف أبيه، من داخل غزة مرورًا بمعبر رفح وصولًا إلى شمال سيناء. كنا نتأملها معًا في مدرسة الرمل الميري شرق الإسكندرية. بالطبع، لم تكن تلك الأسماء تعني لي شيئا آنذاك، ولم أفهم دلالاتها، وما كان لها أن تلتصق بالذاكرة، لولا اقترابها من وقع مشروب سيناكولا، ومن الريح التي تهب في حاء «رفح»، ومع أنفاس الأبطال في أفلام حرب أكتوبر.
ربما كانت خريطة الكتاب تشير إلى قارة أخرى، لكن فارس كان يرسم كروكي أبيه في مسيرته عملاقًا، ساق في يابسة واسعة وأخرى في المحيط، وأشجار- بدت لي لاحقًا كأشجار زيتون- علامات على الطريق.
كان رسم خريطة المدرسة صغيرًا، ومهزوز الطباعة، لكن خريطة جسده لا تنتهي. في بيتنا، أزاح قميصه مرة، وكشف لي عن ظهره وساقيه، وأراني آثار خراطيش جنود الاحتلال على جسده. كان يتوقف عند كل جرح يلمسه بإصبعه كأنه نقطة على خريطة، ويتنقل من علامة إلى أخرى. أذكر ابتسامته عند خدش بعينه، كأنه يذكره بمسار بين بيتين، وكيف كان يضيع بين الخدوش وهو يحكي. لا أتذكر ملامحه ولا الحكايات بقدر ما أتذكر قفزاته بحماس فوق الأثاث ومحاولته التسلق، كأنه في حصار غير مرئي.
في عيد ميلادي العاشر، كنت أحب أن نلتقط صورة جماعية، ثم صورة خاصة تجمعني بكل صديق أمام التورتة وزجاجات الكوكاكولا. في إحدى الصور كان فارس يرتدي شورتًا قصيرًا، فبان جزءٌ من تلك الخريطة المرسومة على جسده. استقر فارس لاحقًا في بلده، أو ربما سافر إلى بلد آخر، لا أعرف. في تلك الفترة تعلمتُ منه كلمة جديدة: الأردن. ذكر أن أهله تشتتوا فيها. أو هكذا هي الآن ذكراه. ما لم أستطع التخلي عنه هو تلك الخريطة التي تركها على جلده، كلما عادت، وجدتُ معها ساق ناديا في «أرض البرتقال الحزين» لغسان كنفاني:
«أبدًا لن أنسى ساق ناديا المبتورة من أعلى الفخذ، لا، ولن أنسى الحزن الذي هيكل وجهها واندمج فيه تقاطيعه الحلوة إلى الأبد.. لقد خرجت يومها من المستشفى إلى شوارع غزة، وأنا أشد باحتقار صارخ على الجنيهين اللذين احضرتُهما معي لاعطيهما لناديا، كانت الشمس الساطعة تملأ الشوارع بلون الدم».
لا يكتب غسان انطلاقًا من السؤال الخارجي، ولا يبدو أنه يريد أن يكتب عن الأرض المعذبة، برغم أنها موضوعه الظاهر، ما يجعلني أغلق كتابه لأنسحب قليلًا ثم أعود فافتحه داخل القصة الواحدة، هو ذلك السطح المرئي تحت كلماته: «سِير أحبائه وأمكنته، تومض في لحظات لا تكون فيها مُستباحة، لحظات محصنة، تتقاسم فيما بينها ما يستعصي على العين المجردة للمعتدي أن تلتقطه».

ذات يوم، عثرتُ على صورة لسيوة بعنوان: صورة الفضاء، مذيلة باسم المصورة لي ميلر عام 1937، وبدهشة لم أستطع كبتها حتى اليوم، وجدتني أمام صورة لا تكف عن الإلحاح بأسئلة: نافذة خيمة، ومن خلال ناموسية ممزقة، تطل على صحراء سيوة، حاملة جوهرًا خفيًا للمكان، كاشفة عن عينين يطلان من التمزق. وقبل أن أقرأ عن الصورة، لم أفهم منها سوى أن الحياة سلسلة من لحظات الوحدة. نسيتها، ثم عادت في ذهني كمعادل بصري لفيديو مقتل السنوار. ومنذ ذلك الحين، لم أستطع الفصل بينهما تمامًا.
ما مصدر هذا الالتباس؟
لي ميلر في صورة صحراء سيوة، والدرون في مخبأ السنوار، ظلا يراوغانني.
تبدأ صفحات البحث الأكاديمي:

بصورة لميلر، تظهر فيها كامرأة أمريكية تتلفح بغطاء رأس بدوي رجالي، وتحمل كاميرا ألمانية.
يصعب اختزالها في رمز، ويصعب التغاضي عما ترمز إليه، إذ ثمة طرق متعددة لفهم هويتها. انتقلت المصورة السريالية لي ميلر إلي مصر عام 1934 بعد زواجها من الثري المصري عزيز علوي بك، قبل ذلك كانت فتاة أغلفة Vogue، ثم مساعدة وموديل لمصورين سرياليين، لتصبح هي نفسها موضوعًا للسريالية، قبل أن تغادر مركزيتها الباريسية بحثًا عن موضوعها السريالي في مصر.
أما الدرون، فقد انزاح عن وظيفته الاستكشافية ليسجل فضاء غير مألوف للحرب: عين ميكانيكية بلا تاريخ، تفيض بسرياليتها، بعيدة عن مركزية الفائض البصري اليومي.
تكاد الصورتان تتقاطعان في بنيتهما: ميلر قدمت صورة مبتكرة لمصر، خريطة ناقدة للتصورات الغربية الاستعمارية التي حصرت البلاد في خراب أو آثار جامدة. بينما الدرون سقط في السريالية قسرًا، فبعد حركة سريعة، حين تمركز ككائن يترصد، كشف عن ثلاث طبقات في لقطة واحدة: باطن الأرض كعالم موازٍ، وما فوقه من الركام، وصولًا إلى السنوار في علية البيت، بحركات توحي بالحياة.
التمزق في صورة ميلر الذي التقطته مصورة محترفة، والمجرم الهاوي وهو يصور البيت المشطور في فيديو السنوار، كلاهما قابل للاختراق، لكن في الأخير هو منظور بديل، طبقاته لا تنفصل إلا بتدميرها، كاشفا عن البيت، عن تحوله من عمارة صماء -التي في أفضل لحظات البصر تستدعي تاريخ سكانها- إلى جسم مفتوح: شق، جرح، أحشاء ترى، شطرها ضربة لشكلها الكامل الوظيفي، وأظهر مقاومتها البصرية، لا كملجأ أو مأوى، بل كوضع إدراكي مقلق للعين، يربك عين المحتل أمام لامكان جديد.
ما يخفيه البيت، وتعجز عدسة الدرون عن التقاطه، هو تدفق الحيوات المتخيلة التي استدعاها فوران الدم في لحظات السنوار الأخيرة، فالذي اغتُيل هنا ليس مناضلًا ضد الاحتلال فحسب، بل كاتبًا، صاحب رواية «الشوك والقرنفل»، كأنّ حصيلة القتلى لا تكتمل إلا إذا أضفنا إليها كتّاب وفنانين. وهو في جوهره، اغتيال للمخيلة الفلسطينية، أو لواء فكري مسلح كما علّقت جولدا مائير على اغتيال كنفاني. مسودات ولوحات غير مكتملة تستيقظ شخوصها وأمكنتها، وتعيد تشكيل الأرض المسلوبة. لكن «قلم السبورة هو أصلب ما في بيتي» لأن القلم يقاوم، كما يقول الشاعر رفعت العرعير قبل اغتياله.
عادة ما يستخفّ الناس بالمجاز، وينكرونه، حتى حين يتشكل أمامهم. مع أن كل ما يحتاجه المجاز هو أن يُرى، ليتدفق سرده الخاص وحشيًّا ومنصفًا.
«الشوك والقرنفل»، في ذاتها غير مكتملة، رواية أسيرة قاوم كاتبها جاذبية الخيال لصالح التصريح بما هو مألوف في سردية فلسطين. كان لديه متسع من الوقت ليطهوها ببطء في السجن، ذاك المكان الذي لا تجد فيه سوى نفسك لتؤنسك. وربما كان يتعجل تهريبها من بين الجدران. يومًا ما، نستطيع أن نوقظ ما لم يُكتب منها بعد.

حين أعود إلى بيتي بعد العمل، وأشاهد على القنوات الإخبارية مقطع فيديو يوثق لحظة انهيار شرفة في غزة، بعد تدافع للحصول على مساعدات سقطت فيها. عادة، وأثناء التصفح السريع لفيديوهات التواصل الاجتماعي، أجد مقاطع توثق لحظة انهيار عمارة قديمة يبدأ الفيديو قبيل لحظة الانهيار، حيث يجتمع جمعٌ من المارة أو الجيران حول العمارة، يطوقونها. كنت موجودًا مرة أثناء تصوير أحد هذه الفيديوهات، وكان جليًا، ليس فقط لأن العمارة في حالة تصدع منذ فترة، بل لأن تلك اللحظة كانت لحظة التصدع الأخير قبل الانهيار. غير أن العمارة كانت خاوية من السكان، ورغبة الموجودين لم تكن فقط في حضور المشهد ورؤية كيف يحدث الانهيار الأخير، بل كأنه فعل كابوسي لا إرادي، يدفعهم للالتفاف حول العمارة، حتى ولو كان في ذلك خطر على حياتهم بسبب هذا القرب.
لكن فيديو سقوط المواطنين في غزة داخل الشرفة، يظل أكثر تمثيلًا للكابوس المفزع: ينحشر عدد كبير من الغزاوية داخل الشرفة، يتطلعون إلى مائدة تسقط من السماء، فتنهار بهم الشرفة وتسقط على مجموعة أخرى أسفلها، عالقين داخل هذه اللفة السيليولويدية أو الرقمية المصورة. هناك شيء من التكرار، حين يبث الفيديو عبر منصات إخبارية عدة، في تأكيد على التفاعل المعقد بين الكوابيس والواقع، كابوس لم يلمسنا أحد فيه جسديًا، ومع ذلك يظل مرئيًا أكثر من اللازم في أصداء الحياة اليومية بعيدًا عن غزة.
تجبر صورة إلقاء المساعدات الطبية والغذائية من الطائرات، وتجبر الأسوار المحيطة بغزة على تحويل الكوابيس إلى ساحة معركة حية، وتهبط بديلًا لها مستودعات المخاوف التي أودعناها في عوالم معلقة، بعيدًا عن اليوم العادي، ومرفوعة فوقه.
صوّرت لي ميلر، في زمن الحرب العالمية الثانية وسقوط الرايخ الثالث، زوجة وابنة أمين صندوق مدينة لايبزيغ بعد انتحارهما، وبجوارهما خريطة مهترئة مطروحة على الأرض، كأنها انهيار رمزي لأراضي الرايخ الثالث. أفكر في فيض الصور والكوابيس، خريطة فارس، شعر أمل والعرعير، سرد غسان والسنوار، ضرورة الحياة والمقاومة في هذا الزمن الأغبر، حيث نعيش كأشباح في واقع ترسمه خرائط النازي الجديد. نقاوم يمكن فرجه قريب.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن