تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دع الصوبة وابدأ الحياة

دع الصوبة وابدأ الحياة

#120 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: يوسف الحريري 8 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

في هذا العدد من ديتوكس يحكي لنا يوسف الحريري عن تجربة خروجه للشارع متجاوزًا حدود صوبة نصبتها العائلة لتربيته وفقًا لكتالوج لم يعد يناسبه. جرت وقائع هذا الخروج قبل زمن السوشال ميديا، لكن التجربة قد تكون ملهمة للخروج من أي صوبة أو عدم الاستغراق كليًا في يوتوبيا / ديستوبيا تلك الصوبة، أو التعايش معها لحين.

#لعب #دليل

السوشال ميديا لن تغيّر الكون، ولن تعمم بين مستخدميها دليلًا لمناهضة كل الشرور أو خلق مساحة آمنة للتعبير عن الذوات والهويات، هي مجرد مساحة للتنفيس. وكذلك الفرجة على نتفليكس أو غيرها من منصات الترفيه هو فعل للتسلية، لن يحل وضع السينما والدراما المتأزمين المعقدين. هذا ليس تعاليًا على بيرسوناتك أو حضورك الافتراضيين، وإنما محاولة للتذكير بأن تلك ليست إلا فقاعة افتراضية، صوبة.  لذا دعني أريك طريق خروجي من صوبة أخرى، وتلك الوقائع ترجع إلى سنوات طفولتي الخمسة الأولى، زمن ما قبل السوشال ميديا. 

في 2002، لم تكن لديّ أي علاقة سواء بالرياضات الجماعية، أو الألعاب الإلكترونية. حرص والدي على ألا أُصاب بأي أذى نتيجة الاختلاط بالأطفال أو الشباب في الشوارع المحيطة بمنطقتنا السكنية بالرياض أو بمكة، أو أن يزيد البلاي ستيشن أو الموبايل جيمز من ميولي الانعزالية. ومع بدء مشاهدتي للرياضات الجماعية على القنوات الرياضية بالتلفزيون، كنت أمر بحالة فصام مؤقتة في محاولة لمحاكاة ما يدور على الشاشة الصغيرة. ألعب أدوار لاعبي فريقين متنافسين؛ أمرر الكرة لنفسي ثم أخطفها مني لأسجل هدفًا في مرماي بالصالة الواسعة بالشقة، والمجهزة كملعب؛ فيه مرميان متقابلان، وشبكة باسكت. وبعد ساعات متواصلة من الإرهاق الذهني والبدني، أتقمص دور جمهور يهتف، ومعلق متشنج. ثم أعود لممارسة بقية الروتين اليومي. كانت حياتي أشبه بدورة حياة النباتات بالصوب، حيث كانت الحياة عبارة عن تجربة معملية لخلق كائن مناسب لكتالوج المواصفات المثالي. يتناول الطعام بجرعات معينة، ويمشي على نظام مشاهدة التلفزيون لا يتغيّر حتى في الإجازات الأسبوعية، تُوضع له كتب محددة للقراءة، أغلبها تتحدث عن السلوكيات المثالية للفرد المفيد لمجتمعه، أو قصص الأنبياء كمنفذ تسلية وحيد. وساعات اللعب بمكان آمن تمامًا، وأقل الإصابات الجسدية أو المرض يتم تلقيه برد فعل مبالغ فيه، وتُوضع له خطة تداوي صارمة.

كل ذلك تغيّر مع  قطعة كاوتش مدورة، حررت ذلك الفتى المُهتز من رهبة تملكته لتسعة أعوام  منذ ولادته، رهبة التعرض للجروح أو الكسور أو الكدمات، جعلته يحب الملابس الرياضية الواسعة، وتي شيرتات فِرق كرة القدم المضروبة، بعد أن كان أقصى ما يمكن أن يتعرض له هو التعثر في خطواته، أصبح لا يبالي بصدمة سيارة، أو التواء كاحل وهو يحاول اللحاق بكرة قبل أن تخرج من خط التماس. 

بالجراج المجاور لعمارة جدتي بمدينة نصر القاهرية في 2006، وجدت نفسي دون أي مقدمات أدخل على دائرة من المراهقين والشباب مختلفي الأعمار، لأقوم بـ«تنطيء» الكرة التي كانت على وشك الخروج للشارع الرئيسي.

بدخولي للدائرة اكتمل العدد لاثني عشر فردًا، ليقسموا أنفسهم سريعًا إلى أربع فرق، ويقوم شابان متوسطا الطول بإقامة المرمى على الناحيتين المتقابلتين من أرصفة الجراج بالطوب الأحمر. ثم أطاح بي أحد لاعبي الفريق المنافس، والذي يبلغ نصف حجمي. كتف قانوني جعلني أمسح أرضية الجراج بالعرض، ومع خروج الكرة في الهجمة التالية اتجه نحوي ليساعدني على النهوض. صدمة الالتحام البدني الذي لم أتعرض له في حياتي من قبل، بالإضافة إلى عدم وجود رد فعل من المحيطين سواء كانوا لاعبين أو مشاهدين، كل ذلك يختلف عن الكرة الملعوبة مع أقاربي بالأندية والمصايف، حين كان اللعب أليفًا يعتذر فيه المنافس عندما يلمس خصمه، وإن شعر لاعب بالحزن والغضب يتركونه يسجل هدفًا. كانت تلك هي فكرتي عن الكرة كلعبة للهواة. 

وبعد عدة تعثرات وتمريرات خاطئة، ولمسات يد، وتطويحات للكرة، جلست على أحد السيارات منكسًا رأسي، ليستغلها أحد الواقفين للمشاهدة فرصة للمطالبة بالدخول مكاني، وقد كانت فرصة ذهبية بالنسبة لي للخروج من هذا الموقف.. هكذا قرر عالمي الجديد الترحيب بي بطريقته.

أردت اللعب بالشارع مرة أخرى، لذلك قررت النزول باليوم التالي مع كدماتي، بعد توسط جدتي لإثناء والدي الذي كان حينها خارج البلاد ويرفض نزولي الشارع من أساسه، وهي المهمة التي  ظلت تفعلها لثلاث سنوات. ولتجنب المزيد من الإصابات بدأت في الأسبوعين التاليين أنضم للألعاب الأخف، التي يكون فيها الالتحام أقل عنفًا، مثل الـ«واحد والثلاثين» أو «السكواش». الأولى  تمرين ممتاز لتطوير تقنيات الالتحامات وتنشيط الذهن للتفكير بطرق تمرير وتحرك تتيح أكثر عدد من خيارات التمرير، أو أقل عدد منها إن كنتُ المُطالَب بأخذ الكرة. والثانية لتنشيط الذهن. وبمجرد أن يتحول الإتجاه إلى تقسيمة الفرق، أنسحب متعللًا بظرف طارئ، وأذهب إلى بلكونة الشقة بالمنظار لأشاهدهم بأدق صورة ممكنة، فأشاهد كل يوم تحركات لاعب معين على حدة، وكأنني نبطشي مراقبة لديه مجال رؤية كاشف لإطلال الشقة على معظم الشوارع الداخلية أو الجراجات التي تُستغل كملاعب.

حاولت التهرب من اللعب في الويك إند، فهو ذروة لعب الشارع، يتمتع العاملون بمهن حرفية من مختلف الأعمار بعطلة جزئية أو كلية، ويعود حديثو التوظيف لأجواء الصياعة، والطلبة يكونوا أحرارًا من  التزامات الدراسة. وجمهور الويك إند كبير نسبيًا، بحد أقصى ثلاثين أو أربعين فردًا، بالإضافة إلى متفرجي الشبابيك والبلكونات. لكني تورطت في اللعب، أمام إصرار بعض زملاء الملعب، حتى لا يروني جبانًا، أو يحتقروني ويرفضون إشراكي معهم باللعب، أو يتخذوني ملطشة يفسحون له الملعب ليكون مادة للتنمر والتسلية.

لعب الحظ دورًا في أول مباراة في الويك إند، مرت على خير للعبي مع ثانٍ أفضل فريق في المنافسة، بعد أن اختارني سعودي -أحد أهم لاعبي المنطقة- بفريقه، وهذا مقابل أن أحدثه عن الحياة بالسعودية، لكني استعنت بقصص أولاد خالتي بالإمارات، والذين كانوا يذهبون للمدارس، ويخرجون في فسح، ويحتكون بفئات مختلفة من المجتمع، فلا قصص مثيرة لتُحكى عن حياتي بالصوبة التي كانت في السعودية أو هنا.

سعودي ألفا ينتمي للطبقات العاملة بالمنطقة، ومثل كل ألفا عامل فهو في أغلب الأحيان ينحاز لرفاقه من نفس الطبقة أو المعرضين للتنمر أو أصحاب المستويات الضعيفة. وله تكنيك مميز في توزيع مهام لاعبي فريقه، ولا يزال مرجعي الذهني الأهم  لكيفية تنظيم مجموعة من الأفراد واستغلال قدراتهم، فخطته تتكون من لاعب «جتة» ليقوم بالتحجيز على الكرة، وليتكفل بالقدر الأكبر من الالتحامات البدنية، ولاعب مهاري «سفروت» في وسط الملعب، لديه السرعة للارتداد، بالإضافة للمهارات اللازمة لحل مواقف الواحد على واحد، يبدل معه في المراكز الأمامية، والتي كان تُوكل لي للخروج في المرتدات في الكثير من الأحيان. تطبيقها يعطي أفضلية عددية في الملعب في مواقف الواحد على واحد، وهي التقسيمة الأمثل لمباريات البطولات والدورات. لكنها لم تكن مُتاحة دائمًا، الأكثر شيوعًا كانت الخطط التي تعتمد على التطرف، إما ثلاثة مدافعين ومهاجم وحيد للمرتدات، أو ثلاثة مهاريين هدافين لديهم بعض المهارات الدفاعية، ومدافع جتة واحد. 

بعد شهر واحد من تشريس الشوارع كنت منغمسًا تمامًا في ذلك البرنامج الكروي اليومي، كل تلك الأشياء التي افتقدتها في حياة العزلة؛ جمهور المشاهدين، المعلقين، المنافسين.

أكثر نظامي المباريات التي لعبتها كانت إما على نظام «الكسبان مستمر» أو«الرهانات». وتستغرق المباريات (الفورة تكون في الغالب إما من ستة أهداف، أو اثني عشر هدفًا بفارق هدفين عن المنافس) عشر دقائق فقط، هذا بالإضافة طبعًا إلى البطولات المجمعة التي كانت تُقام تحت رعاية المساجد أو مراكز الشباب، أو بالاتفاق مع فرق مناطق سكنية أخرى. 

صاحبت الكثير من المباريات وخاصة التي يقبل عليها جمهور كبير أغاني الراب لمغنيين الأولد سكول الأمريكيين من إيمينيم، إلى جاي زي، وشاجي، وسنوب دوج، وفيفتي سينت، آيس كيوب، وتوباك، وبيجي، وغيرهم. تنظيم وتشغيل الأغاني المصاحبة للمباريات كانت مهمة سميعة المنطقة، أو أصحاب محلات السايبر، لأن الأغاني البوب العربية كالعادة كانت في تلك الفترة رومانسية، بشكل لا يناسب الرتم السريع والعنيف للعب، كما أنها كانت الموسيقى المصاحبة لفيديوهات مهارات لاعبي كرة القدم العالمية المجمعة، المنتشرة بشكل كبير منذ مطلع 2008. 

زاد قاموس الشتائم الخاص بي ثراءً، عن الشتائم المُتعارف عليها بالشارع البسيط، لأخرى أقذع وأكثر تركيبًا، لوصلات الإهانة والسباب، وخاصة في المباريات الخارجية. تعلمت أيضًا كيف تصبح الإيماءات والبصاق في أحيان معينة طرقًا للإهانة. متى يكون الاشتباك الجسدي حلًا لفضّ الشجار، أو أن لفتة مهارية تكفي لكبح الخصم وإذلاله. الإحراج أمام الجمهور قد يتساوى مع سب الدين، وسب الأم، والانتقاص من الرجولة.

وليست دائمًا الظروف صالحة لتكون قادرًا على رد الاستفزاز بشكل مباشر، وهو ما يتطلب قدرًا من البضينة غير المباشرة، دون أن تتورط بأفعال تُحسب عليك.

لكن بقدر ما كان ذلك المجتمع المغلق قادرًا على احتواء أفراده بشكل كامل، فقد كان سُميًا للغاية. الطريقة التي كانت يتم التعامل بها في المباريات انعكست على كل التعاملات الإنسانية الأخرى. أي مختلف في الشكل أو الجنس عن المجموعة كان معرضًا للتعامل معه بشكل جاف لمجرد أنه غريب.

بسبب وجودي بأكثر من محيط، استطعت استيعاب أن لكل بيئة أو مكان مفاتيح تعامل أو كود، المشكلة الوحيدة التي تبقت أن معظمهم ذكور.

ساعد وجود أختي الوحيدة على تأسيس قواعد أساسية في التعامل بين الذكر والأنثى، هذه القواعد تتعلق بمحظورات ومحرمات لا نقاش فيها، سواء على المستوى اللفظي أو الجسدي، لكنها ظلت قوانين تُحفظ دون تطبيق، ولكلٍ منّا عالمه المختلف الذي ينغلق فيه على نفسه.  قوانين مع تطبيقها داخل وخارج المنزل سنصل إلى نتيجة واحدة، وهي «ملكش دعوة بالبنت» نتاج ذلك كان مجموعة من التوصيفات التي تحمل  بطياتها بارادوكسًا لا يمكن التغاضي عنه، مثل التوصيف الذي كنّا نطلقه ونحن مراهقين وفي بدايات الشباب على الفتاة التي لا نشعر ناحيتها بميل عاطفي ولكنها  مقربة لنا بأنها مثل «الأخ» لا «الأخت»؛ «فلانة دي أخويا يا عم»، لأن تعبيراتنا البائسة الكتيانة عن المحبة والود كانت محدودة، وطمست تمامًا أي تعبيرات أنثوية.

وكأني بخروجي من صوبة العائلة زرعت نفسي في صوبة أخرى، تربّي الذكور ولا تسمح بالاختلاط مع الإناث. كومفرت زون، ينمّي انعدام الثقة بالنفس، ويغذيه الجهل بالآخر، وعدم رغبة في استيعابه.

وبدأ الخروج من تلك الصوبة في لحظة إعادة نظر للاختلاط بالأساس.

تكَرر معي في البداية ما حدث ببدايات لعب كرة الشارع، مواقف محرجة، والقليل من التسخيف والاستغراب، محاولات واحباطات منطقية، نتيجة سنين من العيش في الصوب. وكشخص محب للمكاركة وكاره لفكرة اتباع نموذج ما، مَثل ذلك تحديًا ممتعًا كله مطبات ومفارقات مضحكة.

و#سلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن