تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«دخل الربيع يضحك»: أن تكسر عفوية النساء قواعد السينما الاحترافية

«دخل الربيع يضحك»: أن تكسر عفوية النساء قواعد السينما الاحترافية

الفيلم الفائز بأربع جوائز في مهرجان القاهرة السينمائي

كتابة: آية طنطاوي 7 دقيقة قراءة
من فيلم دخل الربيع يضحك

مر عام على العرض الأول لفيلم «دخل الربيع يضحك» (2024) للمخرجة نهى عادل ومن إنتاج كوثر يونس، ضمن فعاليات الدورة الخامسة والأربعين لمهرجان القاهرة السينمائي، لكنه لم يعرض ثانية إلا هذه الأيام في سينما زاوية. حصد الفيلم أربع جوائز في المهرجان، منها جائزة صلاح أبو سيف لأفضل مخرجة.

لم يكن أحد يعرف بطلات الفيلم، أو المخرجة التي تصنع فيلمًا للمرة الأولى، لذا كان الفضول تجاهها كبيرًا، خاصة أنه كان الفيلم الوحيد الذي مثّل مصر في المسابقة الرسمية لـ«القاهرة السينمائي» . تُصرح نهى عادل في مناقشة للفيلم بسينما زاوية أنها لا تحب السجاجيد الحمراء، ولا العروض التجارية في السينمات، وليست مستعدة نفسيًا لخوض تجربة المهرجانات الدولية، والأكيد أنها تريد عرض فيلمها في سينما زاوية بوسط البلد فقط.

يبدو أن مخرجة «دخل الربيع يضحك» غير مهتمة بكل أمور الشهرة والدعاية الجماهيرية التي يحتاجها أي فيلم سواء على مستوى الصناعة أو على مستوى التوزيع، لكن الأكيد أننا أمام صانعة أفلام تعرف جيدًا ما الذي تريده وما الذي ترفضه، لا تهتم مطلقًا بالقواعد المفروضة على الصناعة، وهذه تحديدًا نقطة تفردها.

 قواعد سينمائية

بنت نهى عادل سيناريو «دخل الربيع يضحك» بناءً غير ملتزم بقواعد السيناريو الاحترافي، واختارت برؤية واعية بروح حكاياتها وحميميتها المتقلبة أن تبني الفيلم استنادًا إلى طبيعة فصل الربيع، المُبهج في بداياته والقاسي في تقلباته بالزعابيب والهواء الذي يُطيح فجأة بالبهجة، وهو ما يذكرنا بعض الشيء بربيعنا العربي. الفيلم عبارة عن أربع حكايات قصيرة عن نساء، لا يربطهن شيء سوى أنهن يتعرضن لمواقف محرجة في شهور الربيع، كما عنونت كل فصل من فصول الفيلم باسم الشهر.

تعزيزًا لحالة الربيع وتقلباته الدرامية تُلقي بطلة الحكاية الأولى في بداية الفيلم إحدى رباعيات صلاح جاهين:

 «دخل الربيع يضحك لقاني حزين

نده الربيع على إسمي لم قلت مين

حط الربيع أزهاره جنبي وراح

وإيش تعمل الأزهار للميتين

وعجبي..»

 

يتناص الفيلم مع أشعار صلاح جاهين والأغنيات القديمة والحكايات الشعبية، في جو يتغذى بالأساس على النوستالجيا كنسمة عابرة، والأصالة المصرية بمعناها غير الكليشيهي، فتخلق نعومة وعذوبة، وكلها عناصر درامية تغزل الحالة الشعورية للفيلم وبناءه الدرامي، فمثلًا نسمع في الحكاية الأولى أغنية تأتي من شباك الجيران، لعبد الحليم حافظ، تضفي بهجة وشيئًا من النوستالجيا على الجيران الذين يقضون وقتًا لطيفًا في البلكونة، مستمتعين بلطافة فصل الربيع وباقة الزهور البرتقالية وأكواب شاي الربيع -لأنه أحلى من شاي العروسة- وبمجرد أن تشتعل المشاجرة بينهم، وينقلب الجو الدرامي تخفت الأغنية بالتدريج من شريط الصوت، ويطغى عليه الحوار ونتورط في المراشقات الكلامية بين الابن والابنة إلى أن نصل لقمة الأزمة تزامنًا مع لحظات الصمت. هذا التصاعد الدرامي والصوتي يمهدنا إلى الجو العام للفيلم في الحكايات التالية.

الشيء نفسه يحدث في الحكاية الأخيرة، عندما تغني النساء حول العروسة «يا حنة يا قطر الندى» في جو حميمي مبهج ثم فجأة تنخفض أصواتهن بالتدريج، عندما تدخل صديقة العروسة وتندلع المشاجرة التي تؤدي بها إلى التراشق بالكلام مع أم العروسة ومغادرة الفرح، وصولًا لانهيار العروسة تمامًا.

هذا البناء الدرامي من حال مبهج إلى متوتر ليس ببعيد عن البناء الدرامي للأفلام القصيرة، كما أنه تجسيد لدخول الربيع تزامنًا مع حزن صاحب القصيدة. كل هذا يحدث بطريقة توحي بعدم اعتماد الفيلم على سيناريو محدد.

تسجيلي أم روائي؟

 تطرح لغة الفيلم الخاصة سؤالًا شغل أذهان الجمهور العادي وصنّاع الأفلام بنفس القدر، كيف كُتب سيناريو هذا الفيلم؟ وهل كان مكتوبًا أصلًا أم أن الممثلات اعتمدن على الارتجال في اللوكيشن؟ توضح نهى عادل في مناقشة للفيلم بعد عرضه الجماهيري في سينما زاوية أنها كتبت الأربع حكايات بصيغة تشبه التتابع أو القصص القصيرة، وأنها عاشت كل هذه الحكايات وكانت طرفًا فيها في الواقع، وهذا ما شاركته مع الممثلات في مرحلة البروفات والتحضيرات ثم طلبت منهن أن ينسين تمامًا السيناريو المكتوب، ويبدأن في الأداء الارتجالي والتركيز على طبيعة الشخصية، انفعالاتها، حركة الجسد، نبرة الصوت، التنقل بين نقاط القوة والضعف.

 منذ حكايته الأولى، يتعزز أمام المشاهد شعور بأن الفيلم على الأغلب تسجيلي، ورغم أنه روائي كما هو مُعلن في الدعاية والنشرات الترويجية وحسب تصنيفه في المهرجانات، لكن هذا الشعور متعمد تمامًا وغير مزعج. نحن أمام شخصيات في جلسات حميمة خاصة، يتبادلون الحديث العفوي والارتجالي في أغلبه، فتتقاطع أحاديثهم، تمامًا كما الواقع، وهو ما يخلق ذلك الشعور بأنه لا تمثيل هنا، ولا التزام بقواعد شريط الصوت بألا تتقاطع الأصوات ليخرج الحوار مفهومًا بالكامل. طريقة أخرى لتكسير القواعد السينمائية نتج عنها لغة وتكوين سينمائي جديد، يتماشى مع طبيعة الفيلم.

caption

تخلي صانعة الفيلم عن الالتزام بقواعد السيناريو لم يقف عند هذه المرحلة، بل امتد لطريقة التصوير التي بدت أقرب لكاميرا حائرة تلاحق الشخصيات الجالسات حول طاولة في مطعم، أو المحصورات في كوافير شعبي ضيق، أو الملتفات حول العروسة في غرفتها قبل الفرح. كادرات ضيقة، قريبة، تلتقط تفاصيل بسيطة مثل طريقة الأكل والإمساك بالسجائر وتوتر الأيادي والأقدام في لحظات الذروة، ثم تلتقط الكاميرا الحوارات وكأنها تفاجأ بمن يتحدث فتسارع إلى تصويره، قبل أن تنتقل لشخصية أخرى تقاطع الحوار.

 ظهرت الصورة في عدة لقطات خارج نطاق تركيز العدسة Out of focus وهذا إن اعتبرته مديرة التصوير خطأً يعيبها كمسؤولة عن الصورة فإن مخرجة الفيلم اعتبرته -كما صرّحت في المناقشة- أمرًا عاديًا بل جزءًا من جو التجربة التلقائية للفيلم، لأنها ببساطة لا تريد التمسك بقواعد السينما الاحترافية بقدر ما تريد أن تعكس تلك التجربة بشكل واقعي، فلا يهم أن يشعر المشاهد بالحِرفة، الأهم أن يشعر بالواقعية. وهذا بالتحديد، وتفاصيل أخرى مشابهة الشيء الذي يشكل مفردات جديدة للغة السينمائية لنهى عادل، القائمة على تحطيم القواعد السينمائية وتقديم الواقع بطريقتها، وهو قرار شجاع منها خاصة أنه فيلمها الروائي الطويل الأول.

 هل تصنع السينما الواقع حقًا؟

التلقائية الأقرب للواقعية التي قد يعتبرها البعض مربكة وغير احترافية من ناحية الصنعة، اعتبرها الجمهور العادي نقطة قوة للفيلم، لسبب بسيط، أن الفيلم بدا لهم واقعيًا، يشبه حياتهم، وهذا يفتح لنا بابًا جديدًا لقراءة الجمهور المصري وذائقته.

الفيلم يأتي بعد سنوات من غرق سوق الفن السينمائي والدرامي بأعمال يطغى عليها استعراض الفنيات، أو الميلودراما، أو حكايات تتناسب مع القيم المثالية الزاعقة للأسرة المصرية، أو الكوميديا التي تجاهد لاستخراج الضحك، في المرحلة الاجتماعية الحالية التي ابتعدت السينما فيها عن الواقع، وبات القرب منه مصدر خطر، وكأنه كشف لجرح لا تفلح معه المداواة، ولنا في فيلم «ريش» خير مثال.

في السنوات الأخيرة، نجحت تجارب سينمائية ودرامية من أنواع مختلفة في حيازة إعجاب الجمهور، والمشترك بين هذه الأعمال الشيء ذاته «حقيقي قوي، شبهنا كده». ببساطة يبحث الجمهور عن حكايات تشبهه، تمثله، تمثل العادي البسيط، يرى بيوتًا تشبه بيته، أهلًا يشبهون أهله، أزمات حياتية يتماس معاها، حوارات عفوية، تمثيل تلقائي أقرب للارتجال. تحققت تلك المعادلة في مسلسل «سابع جار» الذي لم ينجح مسلسل مثله في تقديم تجربة فنية واقعية مشابهة، بإيقاع أقرب للزمن الطبيعي ولا يخلو من ملل.

الشيء ذاته سبب إعجاب الجمهور بـ«دخل الربيع يضحك»، رؤية شيء من الواقع بدون فلاتر أو رتوش، ورغم أنه في أغلبه يقدم حكايات من الطبقة المتوسطة العليا إلا أن طبيعة الحوار تعكس شيئًا من طابع الحكايات المصرية التي قد تجدها في أي طبقة. لذلك، وإلى جانب الواقعية، فإن الفيلم مصري بامتياز، قد يعجب به جمهور من ثقافات مختلفة لكن لن يتماس معه إلا المصريين.

caption

 نسائي أم نسوي؟

الغلبة في «دخل الربيع يضحك» للنساء في أغلب مراحل الصناعة، أمام الكاميرا وخلفها. وبخلاف الممثلات، فمخرجة الفيلم ومنتجته ومديرة التصوير والمونتيرة، كلهن نساء. لكن هل هذا يعني أنه فيلم نسوي؟

يخلط الكثيرون بين معنى ومضمون النسوية والنسائية، وتكثر الكتابات التي توظف اللفظين في سياقات متباينة. «دخل الربيع يضحك» نموذج مثالي للتفرقة بين الأفلام النسائية والنسوية، والتأكيد على أن أي فيلم تصنعه امرأة وبطولة نساء ويحكي حكايات عن النساء لا يعني مطلقًا أنه فيلم نسوي، لأن النسوية ببساطة توجه فكري لا علاقة له بالطبيعة الجندرية لصاحبه أو أبطاله.

على صعيد آخر مواز، تصاعُد الخلافات الحادة بين النساء في الفيلم يتعارض مع فكرة الأُختية وقوامها تكاتف النساء ومساندتهن لبعضهن، فنحن أمام ابنة تعترض على زواج أمها بعد وفاة والدها، وصديقة تخون صديقتها، ونساء يحكمن على مظهرهن وظهور تجاعيد على وجوههن، وأخريات يكشفن أسرار بعضهن الزوجية.

الانطباع الأكيد الذي يخرج به جمهور الفيلم أنه مختلف لا يشبه أفلامًا أخرى، فكرته جديدة، كذلك لغته، حميمي، خاص، مصري جدًا، واقعي، تسجيلي، يشبهنا، فيه نساء ثرثارات ورغم عيوبهن وصوتهن العالي تحبهن وتأنس بمراقبتهن على الشاشة، وتضحك معهن وترتبك لما يتعرضن له، وممثلاته رغم أنهن لسن ممثلات محترفات إلا أنك تشعر أن وجوههن مألوفة للغاية.

 صرّحت نهى عادل في مناقشة الفيلم أن مشروعها السينمائي القادم هو فيلم روائي طويل، وعلى العكس تمامًا من «دخل الربيع يضحك»، فالفيلم الجديد كل أبطاله رجال، وأحداثه تدور في الليل، وفي عز فصل الشتاء. ويبدو أنها لن تتخلى عن أسلوبها السينمائي، وستقدم لنا بنفس الطريقة المزيد من الحكايات عن الرجال.

ما خلصت إليه من تجربة نهى عادل السينمائية، أن صانع الفيلم عليه أن يتخلى أحيانًا عن القواعد السينمائية التي قد تحجمه في صناعة الأفلام، ليكتشف بنفسه قاعدته الخاصة التي تشبهه ويجد راحته فيها. كما عليه أن يمتلك حكاية جيدة، ويؤمن تمامًا بها، يخدمها بكل أدواته، والأهم من كل هذا أن يجيد الحكي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن