تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دايت لغوي

دايت لغوي

#94 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: أحمد عبد اللطيف 8 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

كُتب جو عام مع الانتباه لملاحظات الكاتب والمترجم أحمد عبد اللطيف عن علامات الترقيم بوصفها مثل الدهون في جسد اللغة والتي سرت على هذا العدد من ديتوكس الذي نرجو أن تتكيف عيون القراء مع حساسيته تجاه الترقيم

#دليل #قراءة 

1

تُعرّف الكتابة بأنها تدوين للتعبير الإنساني بهدف حفظ الذاكرة لكنها لم تُعرّف من قبل كمحاكاة للغة الشفاهية ولهذا السبب تعتني الكتابة بأن تكون أدبية وتتطلع للبلاغة في مقابل التلقائية التي تتميز بها الشفاهة ورغم أن الشفاهة هي الأصل إلا أنها مع مرور الوقت تبدأ اكتساب صفات الكتابة أو الاستعارة منها والأدب في نفس الوقت يحاول استجلاب الشفاهة أو الخيال الشعبي في النص مبررًا ذلك في الحوار وأحيانًا في متن السرد ولأن الكتابة هي المدونة الكبرى للبشرية احتفظت بسمات إلهية وعملت كفلتر للشفاهة وفرضت رقابتها عليها

2

وفيما يمكن الرجوع لمعرفة كيف كان الناس يكتبون في القرن الثامن عشر يصعب معرفة كيف كان الناس يتكلمون ويسبون ويعبّرون عن مشاعرهم وفي حالة اللغة العربية هناك محاولات للثبات على النص القرنوسطي ومحاولات أخرى ناجحة قليلة سعت لتجديده وهي مسألة تعرضت لها اللغات الأخرى أكثر من العربية إذ شهدت حتى قلب حروف لتحل محلها حروف أخرى كما يحدث في حرفي الـ h والـ f

3

وإذا كان العرب الأقدمون اضطروا لأسباب دينية إلى إضافة النقاط للحفاظ على النص القرآني المقدس من سوء الفهم ثم سرت القاعدة على اللغة المكتوبة بأسرها وكان في ذلك منطق إذ الخليل ليس هو الجليل وقد يحدث لبس في القراءة لتساوي سياق الكلمتين فعلامات الترقيم وليدة الحداثة العربية أو السعي لها إذ لم تظهر في النصوص العربية قبل القرن العشرين وذلك حتى عمل أحمد زكي باشا على تضمينها في العربية المكتوبة فأضاف النقطة والفاصلة والفاصلة المنقوطة وعلامة الاستفهام والتعجب والشرطة والقوسين اعتمادًا على المنجز اللغوي الغربي في هذا الحقل ونشر منجزه في عام 1911 في رسالة أو مقالة عنوانها الترقيم وعلاماته وتعتبر هذه أول محاولة عربية لتأسيس كتابة تحاكي وقفات اللغة أو وقفات الكلام للفت نظر القارئ إلى أن العبارة استفهامية أو تعجبية أو أن العبارة انتهت أو الفكرة تمت وهي كما نرى محاولة جاءت في ظل سياق تحديثي يرى في الغرب النموذج الأكمل وهذه مسألة بدأت منذ الحملة الفرنسية إذ معها اكتشف المصريون حياتهم البائسة والفقيرة واكتشفوا أنماطًا أخرى من الحياة والثياب والأسلحة والقوة وهي أشياء افتقدها الشعب على مدار قرون طويلة وامتد الانبهار المصري بالغرب بعد ذلك في القرن التاسع عشر مع البعثات الدراسية للخارج ولعل في كتاب الإبريز في تلخيص باريز لرفاعة الطهطاوي تفاصيل مفيدة لحالة الانبهار الشعبي والثقافي ويمكن الرجوع إليه وفي هذا السياق الداعي للغربنة والمؤمن في أعماق نفسه بأن الحضارة الإسلامية سلّمت الراية للحضارة الغربية وأننا لم يكن لنا نصيب في الثورة الصناعية واكتفينا بإسهامنا الأول في الثورة الزراعية كان يجب أن يلتفت أحد لمسألة اللغة المدونة ومحاولة محاكاتها بالشكل الغربي أثناء عملية تحديث دواوين الحكم وبعد أن أسس الخديوي إسماعيل مدارس للفتيات وبدأ المبعثون في العودة إلى وطنهم الأم بخبرات فرنسية فكان هذا دور أحمد زكي باشا وهو بالمناسبة كان من العلماء الذين حققوا التراث العربي واعتبره المستعرب الإسباني إميليو جارثيا جوميث أحد أهم الشخصيات العربية التي قابلها في مصر في بدايات القرن العشرين واستفاد منه في تعلم اللغة العربية وفهم الثقافة الإسلامية وجوميث مؤسس قسم الدراسات العربية الإسلامية بإسبانيا

4

 وعودة إلى ما بدأنا لم يكن لعلامات الترقيم أي أثر في لغتنا الجميلة ثم صار له أثر كبير وصرنا مشغولين بها ونختلف عليها وخاصة على الفاصلة المنقوطة وهي أقل علامات الترقيم استخدامًا لكن الحقيقة الأخرى بالإضافة لهدف تنظيم قراءة الجمل عند قراءة نص أن علامات الترقيم لها فائدة أخرى جوهرية أشرت إليها في بداية الكلام وهي الإيهام بمحاكاة اللغة المنطوقة والمقصود بها هنا خلق موسيقى وإيقاع للنص المكتوب يبدو من خلالهما كأنك تستمع للكاتب كأنه محاور وهو ما أعتبره إيهامًا بالحقيقة لأننا في واقع الأمر لا نتوقف كل هذه الوقفات أثناء الحديث أو أننا نتوقف كثيرًا أثناء الحديث أو أننا نتلعثم أثناء الحديث أو نتردد أو حتى نعاني من مشاكل في نطق حرف الراء أو السين أو اللام وهي مسائل تضرب بقوة برهان أن الكتابة تحاكي الشفاهة ولكنها محاولة محمودة بدأت في القرن الفائت لتنظيم القراءة ولتسهيلها على القارئ العربي ومن قبله القارئ الغربي لكن ما أعيد فيه التفكير الآن ماذا لو استغنينا عن علامات الترقيم تمامًا لخلق موسيقى أخرى في النص وخلق إيقاع لغوي جديد في اللغة العربية يكون هدمًا فعالًا لإيهام أننا نحاكي اللغة ببناء فعال هو محاكاة اللغة بالفعل بكل ما فيها من ثرثرة وتلعثم وتردد ووساوس لتكون اللغة نفسها قادرة على كشف المضمون وبدلًا من إشارة الراوي في النص السردي مثلًا إلى أن البطل يعاني من الوحدة أو التلعثم أو التكرار أو التيه أو الذهان يمكن للغة نفسها بتوترها وسيولتها أن تقول ذلك لأن اللغة بالفعل بوسعها أن تقول ذلك ولأن اللغة العربية أكثر من أي لغة أخرى تستطيع أن تقول ذلك وهو ما اختبرته مع مترجمين لنصوص لي كانت خالية من علامات الترقيم عند نقلها إلى الإسبانية والإنجليزية إذ اضطروا لاستخدام علامات الترقيم وتحرير النص من التكرار بذريعة أن الإنجليزية والإسبانية لا تحتمل هذه التجربة وبالتالي بقية اللغات اللاتينية لأنها تسير على نفس القاعدة وإن كنت أرى أنه الفارق في الطموح اللغوي بين الكاتب والمترجم وليس فقط الفارق في اللغة العربية وغيرها من اللغات مع ذلك سأنحاز إلى اللغة العربية أكثر لأن إيقاعها يرن في أذني أكثر ولأن وجداني شُيّد عليها أكثر من غيرها من اللغات بما فيها ما تعلمته في سن صغيرة

5

والآن لاحظت أثناء الكتابة أني تكلمت في نقطتين تبدوان منفصلتين وهما علامات الترقيم والاستغناء عنها وأثر ذلك في خلق إيقاع لغوي والأخرى خلق كتابة تحاكي الشفاهة والنقطة الأولى تعيدنا إلى أحمد زكي باشا إذ كان تفكيره منصبًا على القارئ حين وضع علامات الترقيم ومعنى ذلك أن الكاتب أي كاتب ينتمي لذاك العصر غير مهتم أو لا تدخل في أولوياته مسألة الإيقاع اللغوي فكان الهدف تسهيل قراءة القارئ ويبدو لي موقفًا حقيقيًا وصادقًا لو رجعنا إلى النصوص التراثية فنادرًا ما نجد هذا الاهتمام بالموسيقى اللغوية في السرد أما الشعر فقصة أخرى أساسها الموسيقى ومن هنا كان تصنيف الأنواع الأدبية بأنها نثر وشعر وقرآن ولعل إحدى مزايا النص القرآني حرصه على الإيقاع والموسيقى رغم ما يتمتع به من نثر وذلك لا يعني أن العرب لم يهتموا ولو قليلًا بتطوير لغتهم في عصور ما بعد الرسالة وإنما اهتموا بذلك في محاور أخرى لم تكن الموسيقى من بينها

6

العرب إذن تعاملوا مع لغتهم طول الوقت كوسيلة للتوصيل ووعاء يحمل الأفكار إلى المستمع والقارئ لكن ما لم يلتفتوا إليه ربما أو التفتوا إليه قليلًا أن اللغة أصلًا مشكلة وليست حلًا وأن اللغة ليست وعاءً لأن اللغة نفسها هي الأفكار وكلما اتسعت لغتنا اتسعت أفكارنا والعلاقة بين اللغة والتفكير هي نفس العلاقة بين البيضة والدجاجة ولأدلل على ذلك سأحيلك إلى أن الشيء يبقى هائمًا وهلاميًا ما لم نضع له اسمًا وأن اسم الشيء تعريف له فلمس الرجل للمرأة لا يصير جريمة ما لم نسمه تحرشًا أو اغتصابًا والصراخ في المرأة يكتسب بعدًا آخر حين نسميه العنف ضد المرأة والفرق بين اقترض وسرق ليس إلا في تسمية الشيء لأن التسمية عرّفت الفعل بأنه حدث في الخفاء أم في العلن بالرضا أم بالغصب ومن هنا يأتي دور اللغة الاجتماعي أو ما تسميه الأكاديميا اللغويات الاجتماعية ومن هنا يأتي علم تحليل الخطاب لدراسة المعنى والمدلول في سياق جديد لكن مشكلات اللغة المكتوبة متعددة ربما أكثر من اللغة المنطوقة إذ الكتابة تدوين ووعد بالبقاء والخلود وهي قدسية استمدتها من الكتب السماوية والطريقة التي أراد بها الله مخاطبة الإنسان وبالتالي هي الذاكرة والتاريخ

7

لكل ذلك فمشكلة اللغة المكتوبة أنها يجب أن تعبّر عن عصرها فلغة طه حسين ليست لغة الجاحط والجاحظ ليس ابن عربي وهي بداهة أظن أننا نتفق فيها وربما ما أطرحه هنا وأحاول برهنته أن اللغة المكتوبة لا تأتي وحدها وإنما نستجلبها نحن لنناقشها ونفهمها ونسأل عن فائدتها وفي ذلك وجدت أن علامات الترقيم مثل الدهون في جسد اللغة وأنه يمكن الاستغناء عنها تمامًا لمنح سيولة للنص من أجل تدفق سردي وهي مسألة لا تخص القارئ وحده كما تطلع أحمد زكي باشا وإنما تخص الكاتب أيضًا باعتباره منتج النص بكل ما فيه من أفكار ومفردات وبنية وبالتالي إيقاع وموسيقى لا بهدف أن تكون أفضل أو أسوأ من إيقاع آخر موجود وسائد وإنما بهدف التعبير عن مضمونه ذاته وخصوصيته ذاتها والتمتع بأسلوبه وحين أقول إن علامات الترقيم مثل الدهون فهذا لا ينفي احتياج الجسد إليها وبالتالي لا أريد التخلص منها تمامًا وإنما استخدامها بطرق أخرى كعجينة كصلصال كأي مادة لينة يمكن تشكيلها وإعادة تشكيلها حينًا أمحوها من النص فلا وجود لها وحينًا أصنع منها جملة قصيرة جدًا وحينًا يكون النص جملة طويلة ممتدة كما يمكن استخدام الفصلات بإفراط وتفريط وفي كل ذلك نعثر على إيقاع آخر نكتشف من خلاله قدرات اللغة ولعلك تذكر أن أهمية رواية الغريب لألبير كامو لم تكن بالتحديد في عدمية بطلها ولا تأسيسها للعدمية الأدبية ولا لبنيتها المؤسسة على غير نموذج وإنما بالتحديد لأن كامو اخترع الجملة القصيرة في الفرنسية التي تميزت على طول تاريخها بالجملة الطويلة والجمل الاعتراضية شأنها في ذلك شأن اللغات المشتقة من اللاتينية بذلك عثر كامو على قدرة أخرى داخل اللغة كانت مختبئة ولم يغب بالطبع القارئ الفرنسي الذي شعر بامتعاض من هذا الكاتب صاحب الجمل القصيرة وبالتأكيد لم يغب النقد الذي قال ماذا يفعل هذا الكاتب باللغة لكن في النهاية كان صوت التجديد والتجريب في اللغة هو الصوت الأقوى لأن الناس يفهمون ويقدرون ولأن الحياة تفرض شروطها القصد أن تجربة كامو يمكن أن تكون مرجعية لمَن يبحث عن مرجعية لكن الحقيقة وبعيدًا عن تجربة الغريب واللغة الفرنسية التي لا تشغلني فالنص العربي يحتاج إلى تجديد واللغة العربية كنز كما أراها وأشبهها أحيانًا بأنها مثل النار كلما قلّبناها زاد وهجها ولن يقلّبها إلا كُتّابها وحتى لا يُساء فهمي فهذه ليس دعوة إلى كتابة نص موحد يكتبه الجميع ولكنه تأمل في اللغة وإيقاعها وطرحها كمشكلة وليست أداة للتوصيل لأنها لو ظلت أداة للتوصيل ستظل مثل حمار يحمل أسفارًا بدون أن يستفيد هو نفسه منها فتصل الأفكار إلى القارئ بدون أن تستفيد اللغة نفسها من أفكارها وحتى أكون متسقًا مع نفسي وحتى تكون لغتي متسقة مع مضمونها فهذا النص مكتوب بدون علامات ترقيم

وسلام

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن