تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن خبرات تحصين البيوت

عن خبرات تحصين البيوت

خطوة عزيزة #1| المدخل

كتابة: مريم عبد العزيز 10 دقيقة قراءة

#جو عام

«خطوة عزيزة»، سلسلة جديدة في ديتوكس عن البيت، تفكك علاقة كتابها بمكان البيات والصحو والأكل والمعيشة والتربية والمشاعر (والعمل عند الزنقة)، وتسكّن خبراتهم في نصوص السلسلة التي وضع أساسها ودعا الناس للإقامة بها، هيثم الشاطر وهاني المصطفى. وفي كل حلقة ندعوكم إلى غرفة أو مكان مفضل بالنسبة لأحد سكان السلسلة. وبين ترحيب صاحب البيت وكرمه وخجلنا كضيوف وفضولنا، نقرأ تاريخ المكان وحكاية ناسه وجوانب مهملة من بيوت الطبقة المتوسطة من الثمانينيات وطالع. 

خطوة عزيزة، نورتوا أول بيوت السلسلة، وصاحبته، مريم عبد العزيز، تصطحبنا داخله، وتدعونا لمعاينة منافده ومداخله، من الشُراعة إلى الشباك، حتى البلكونة.

#خطوة عزيزة

كان لبيتنا بعابدين باب بشُراعة زجاجية ينكسر زجاجها كثيرًا إذا أغلقناه بعنف أو أصابته كرة أخي «الكَفر» في مقتل، مثله مثل كل زجاج آخر في شقتنا كزجاج باب الأنتريه، وزجاج دولاب الفضية، المتواجهين واللذين كانا عادة مرميين لفريقين لكرة القدم أحدهما يضم لاعبًا ونصف (أخواي مع فارق خمس سنوات في العمر بينهما) والفريق الآخر يضم لاعبًا مخضرمًا هو بابا ولاعبًا صغيرًا هو أنا.

توقفت هذه المباريات حين انكسر زجاج النيش بتسديدة قوية صرخ أخي «جوووون»، وصدر على إثرها قرار ينص على «ممنوع لعب شقة في الكورة» هكذا قالها بابا. 

الشُراعة اختراع غريب جدًا، باطل يُراد به حق، ربما هي تحوير لفكرة «خوخة الباب» في العمارة الإسلامية؛ الباب الصغير في قلب البوابة الكبيرة. أراد مخترعه أن يمكّن صاحب البيت من كشف شخصية الطارق دون أن يسمح لعيون الطارق باختراق البيت، فنزع الستر عن البيت بكامله. وليس للخشب يد في كشف ستر البيوت غير أن الزجاج هو جالب الفضائح، وأنا لم أنتبه لهذا إلا عند زيارة طنط إيفون أم شريف، أصحاب الصيدلية التي تورّد الدواء لعمل بابا. كنّا نزورها مرتين كل عام في العيدين (الميلاد والقيامة) في إحدى العمارات العريقة الضخمة لجاردن سيتي. كانت الشراعات تختلف عن شراعة بيتنا، فزجاجها شفاف أو ملون وهو على أقل تقدير يحمل للواقف على الباب صورًا تحاكي مسرحيات خيال الظل.

فكنا نرى من خلفها خيال مدام إيفون حين نضرب الجرس تروح وتجيء أمامنا مرات -تضع لمسات من النظام على البيت وتملأ البونبونيرة بالملبس- قبل أن تفتح. كنت أراها بوضوح وأعجب كيف تتجاهل أننا نراها من خلف الشراعة. 

المهم أن شراعة بيتنا المكسورة على الدوام أخافت ماما، في أول الأمر كانت تستخدم الزجاج المصنفر، فبدا أنه لا يكفي، فلوّنت الزجاج بالطلاء الأبيض لتسلبه إحدى خصائصه: الشفافية، وأخيرًا حين انكسر كسرًا لم تفلح معه الشرائط اللاصقة دقت بدلًا عن الزجاج لوحًا من خشب الأبلكاش، لوح بدائي بلا صنفرة ولا قشرة أو دهان، كرقعة بنية اللون في رداء الباب الأبيض يشوّه منظره. 

وعند أول اختبار عجز الخشب عن حمل الأمان لنا، إذ دخل غرباء البيت في غيابنا عن طريق هذه الشراعة، كانوا ضيوفًا تفاجأوا بغياب سكان البيت وقرروا الاستراحة من المشوار قبل الرحيل، في المسافة بين مسمارين من المسامير التي تثبت اللوح في جسد الباب، مد الشاب الضيف أطراف أصابعه، فانفتق الخشب عن بعضه وصار الفتق يتسع حتى نفذت كفه ثم ذراعه إلى أكرة الباب، وتمكن من فتحه.

أصابت هذه الحادثة ماما بالفزع، حتى إنها تحكيها بنفس الحُرقة إلى يومنا. وحملت أنا خوف أمي، خوف يمتد من بيت لبيت، لا حيلة فيه لطوب الجدران أو خشب الأبواب والنوافذ. خوف يتسرب مثل كف الشاب التي اخترقت الشراعة. 

حين أغلقت ماما الشراعة كان على الخوف أن يتحايل لإيجاد منفذ آخر يخترق به البيت. بطول ضلع كامل من أضلاع بيتنا امتدت البلكونة، تبدأ من باب بغرفة ماما وتمر بالحمام والمطبخ ثم تنتهي بباب آخر في غرفتنا. هذا الامتداد صنع لنا مسارًا ندور حوله في أثناء اللعب أو الهرب من مطارداتها لنا. أسدلت ماما ستائر ثقيلة، لا تشف ولا تصف، طويلة بحيث يمكنها أن تشبكها في أبعد حبل غسيل، فتحجب عن البيت أعين الفضوليين. 

مع هذا الامتداد طالت حبال غسيلنا لتتسع لغسيل الجيران أيضًا، وهذا ليس من قبيل المبالغة، فقد سمحت ماما لجارتنا التي تقتصر مساحة بلكونتها على ربع مساحة بلكونتنا بأن تنشر بعض غسيلها على حبالنا، إذا فاض ما غسلته عن سعة حبالها. تحمل إحدى بناتها طبقًا بلاستيكيًا ملونًا وتمر في رحلتها هذه من أبواب عدة؛ باب شقتهم ثم باب شقتنا ومنه إلى باب غرفتنا ثم باب البلكونة. على سريري المقابل للحبال كانت تضع طبق الغسيل وكنت أجلس بجواره لا لمتابعتها، ولكن لأشم رائحة مسحوق غسيل يختلف عن الذي تستخدمه ماما. وحدث أن عدنا للبيت مرة فوجدنا غسيل الجارة على حبالنا، أخبرنا سكان العمارة المقابلة أن ابن جارتنا قفز في حركة بهلوانية خطرة من ألعاب السيرك، فعبر الجدار الفاصل بين بلكونتنا وبلكونتهم ودخل بيتنا في رحلة عكس التي كانت تقوم بها أخته، لتعبر البنت حاملة طبق الغسيل.

ثغرة جديدة عبر منها الخوف واستطال بامتداد البلكونة، ليصبح شبحًا أطارده كل ليلة وأنا أُسمّر عيني على باب البلكونة قبل أن أسقط في النوم، أراقب ظلالًا من خلفه يصنعها ضوء عمود الإنارة في الشارع، ويحمل الهواء معها أصوات نبش القطط والكلاب والمشردين في صناديق القمامة أو مرور شلّة مراهقين يجربون صدى أصواتهم في صمت الليل، فيقلدون كل ما يخطر على البال من أصوات مخيفة: مرة بعواء ذئب مسعور، ومرة بصراخ امرأة تستغيث، ومرة بضحكات الأشرار في الأفلام القديمة. 

بعقلية قائد عسكري يبحث عن طريقة لتأمين الثغور، قررت ماما رفع الأسوار. متخلية عن نصف طول البلكونة. حضر العمال ليهدموا حائطًا كان يتوسطه باب البلكونة وأدخلتها في مساحة الغرفة، بينما بقي موضع الحائط الأصلي على الأرض كتجويف عارٍ يفصل بين بلاط الغرفة وبلاط البلكونة، فأنتبه كلما وقعت عيني عليه أن من هنا تسلل الخوف.

حين أفكر في النوافذ لا يطالعني سوى شباك بيتنا المطل على شارع مصطفى كامل، في البدء كان الشباك لجدتي تجلس على كنبة أسفل منه، تسند ذراعيها على حافته السفلية لتطل على الحياة، لم أعاصر هذه الجدة، لكن مَن عاشوا تلك الفترة أطلقوا على الشباك «البرواز»، فمن الشارع يبدو كإطار لبورتريه عن امرأة تنتظر، امرأة فتحت باب بيتها الذي يقف على ناصية العالم لاستقبال العابرين والعائدين، حتى صار من الصعب على كل امرأة -أصبحت ستًا للبيت بعدها- أن تتحكم في ثغوره. والشباك الذي كان لجدة لم أرها قط آل إليّ بعد عقد ونصف من رحيلها ليصبح عيني على الشارع. وهذه العين التي صارت تلاحظ انتبهت لبقايا طلاء يلوث زجاج النافذة، قالوا إنه من زمن الحرب، يحجب الضوء في الداخل عن أعين الغارات. كنت أنظر لنافذة جدتي وأترقب حربًا تأتي عبرها لأننا أزلنا الطلاء.

ولم تكن كلمة الغارات وقتها جديدة على سمعنا، عرفناها في العام الذي سافر فيه بابا لليبيا، في زيارات الأصدقاء والأهل لتوديعه قبل السفر كانت الغارات الأمريكية نشيدًا يردده كل زائر، بينما بابا بهدوئه المعهود يطمئن الجميع. عند موقف أتوبيسات الترجمان ودعت أبًا ذاهبًا للحصار بإرادة حرة، وعدت أحمل خوفًا من غارات تطارد الباص في الصحراء وتعبر من كل نافذة أُزيل طلاؤها. 

العام الذي قضاه بابا في ليبيا أسميته عام الخوف. كان الباب مرتبكًا، وبدا أن ماما لم يستقر رأيها: هل تغلقه فتحكم الحصار هي الأخرى، أم تفتحه فتعيد للجيران سيرة الأولين. حتى حسمت الطبيعة الخيار في يوم الزلزال الكبير، فتحت كل الأبواب ولم يعد الخوف حكرًا علينا، بل أصبح وليمة يتشارك فيها الجميع. جلست الجارات على درجات مدخل العمارة لأيام، وقد حزمت كل واحدة ما غلا ثمنه وخف وزنه في حقائب في حالة تأهب لمعرفة مصير البيت، ولم يكن البيت قديمًا أو باليًا لينهار كالبيوت التي نراها في التغطية الإخبارية للكارثة، لكن صور المشردين في خيام الإيواء وفي الشوارع جعلت الخوف ماردًا خرج لتوه من القمقم ليختبر قدراته على الجميع. كنت أخاف أن يسقط البيت في غياب بابا الذي تخيلته رجلًا يصارع الغارة في الصحراء، وحين ينجو منها ويعود فلا يجد له بيتًا.

صمد البيت، لكن عام الخوف أبَى أن يرحل دون دراما، عاد رجل من ليبيا وسأل عن بابا، مؤكدًا أنه أوصله للباص بنفسه. لثلاثة أيام تجمع الأعمام في رحلات لصحراء ألماظة حيث موقف الباصات، ألبس فستاني الجديد وأذهب معهم. نقف تحت مظلة الموقف وتتشبع أنوفنا برائحة بول السائقين، مختلطًا بزيوت تسربت من الباصات المتهالكة ورماد سجائر تكومت أعقابها في الأركان. نتفقد أوجه العائدين ونسأل السائقين، ونعود آخر الليل بلا جواب. على نافذة جدتي البرواز كنت أسهر أراقب الداخلين للشارع لعلّي أتعرف على وجه بابا بينهم. حتى عاد بهدوئه المعهود في الليلة الأخيرة، سيارة «بيجو» طويلة دخلت الشارع وترجل منها، رفع رأسه فرآني في نافذة أمه أنتظر كما كانت تنتظر جدتي في زمن بعيد. 

اليوم وقد أصبحت تلك الأحداث في عداد التاريخ، أدركت أنها كانت مناورة أخرى للخوف، أن يتنكر في صورة فراغ كبير، فقد لعزيز: شخص أو مكان، بابا أو البيت، كأن البيوت أيضًا أحباب لا طاقة لنا على غيابهم. وكأن غارات الأمريكان والزلزال صور متعددة للخطر الذي لا يمكن توقع موعده أو طريقته في الهجوم، خطر لن تفلح معه طريقة ماما في مقاومة كل خوف سابق. 

في إحدى المحاضرات الخاصة بمادة المنشآت المعدنية، أكد الأستاذ أن الحديد ليس كالخرسانة، يتطلب العمل في هذا المجال حرصًا وحذرًا. لأنك إن قطعته أقصر من المطلوب أو ثقبته في مكان خاطئ، فإن تكلفة الإصلاح تكون أكبر، كما أنها قد لا تعطي نفس مقاومة المعدن الأصلي للأحمال. وفي السنة الأولى للعمل في الهندسة كنا نرسم اللوحات ثم يدققها زميل أكبر منا، فيستخرج الأخطاء لنصححها قبل التصنيع. ولكي تعلمني الحياة درسًا في الحذر، مرت لوحاتي من تحت يديه بخطأ لم يلحظه، مسمار مُرحّل عن مكانه الأصلي بسنتيمتر واحد، ورغم أنها مسافة صغيرة جدًا في أعين مَن هو خارج مجال الهندسة، فإنها كانت كفيلة بتعطيل التركيب وإعادة الحديد للمصنع مرة أخرى للبحث عن حل للمشكلة.

خلال سنوات دراستي كنت قد ربيت قدرًا من الثقة في قدراتي، طعنتها هذه الغلطة في مقتل. ولمدة عام أصبحت وصمة في ملفي الوظيفي تشكك في دقة لوحاتي. علمتني ثقوب المسامير هذه ألّا أعوّل على أعين سوى عينيّ لتدقيق العمل، علمتني الحذر والشك وكلاهما يحفز الخوف بطريقة ما، ولمدة 12 عامًا تلت تلك الحادثة، أوليت اهتمامًا خاصًا للثقوب، أتحقق من أعدادها وأعيد حساب المسافات بينها، فنحن لا نعرف ما يمكن أن تجلبه لنا الثقوب. 

كبرنا، إن لم يكن بفعل الزمن، فلمرض بابا ألف يد في ذلك. كان هذا هو أشرس الوحوش التي تسللت إلينا من ثقب مجهول في الحياة. وبات الخوف فردًا منا، يفترس طعامنا ونفسح له في فراشنا، بينما نتبادل نحن اليقظة نرعى مريضنا ونسأل الخوف أن ينام، فيأبى، بل يزيد في عناده فيتكاثر ويتكاثر.

أوصى طبيب العلاج الطبيعي بتمرينات على المشي وصعود الدرج وهبوطه، لنكتشف فجأة أن البيت ضيق أو أن جسد الإنسان إذ يمرض يشغل مساحة أكبر من تلك التي يشغلها وهو سليم، ضاق البيت فجأة على سكان ازداد عددهم، فالخوف، وأبناؤه، ونحن والمرض وأطباء يحضرون بانتظام وزوار لا ينقطعون بالطبع، حمل ثقيل على بضعة وسبعين مترًا مربعًا حط بها جدي رحاله في خمسينيات القرن الماضي. فجاء القرار، وقطعنا الحبل السري الذي ربط العائلة بعابدين بعد نحو 60 عامًا شغلنا فيها تلك المساحة الصغيرة وعبرت منها أجيالنا إلى أرجاء العالم.

ومنذ تلك الليلة أصبحت الثقوب تُحيل إلى معانٍ أكبر؛ كالفراغ والغياب والرحيل. إذ لم تغادرني لليوم صورة البيت الفارغ من الأثاث كلثة طالتها الشيخوخة فهجرتها الأسنان، والثقوب في جدرانه بعد نزع الصور واللوحات عنها كآثار لجروح قديمة لم يتمكن الزمن من علاجها أو إخفاء مواضعها.

رحلنا عن البيت في منتصف ليلة شتوية كما خططت ماما، ليستيقظ الجيران في الصباح على فراغ تركناه، لنستوطن حيًّا آخر، نتنقل فيه كالبدو الرُحّل بين بيوت يحكم قانون الإيجار الجديد العلاقة بيننا وبينها؛ بيوت لم تمكنني سنوات إقامتي فيها ـوالتي لا تتعدى أصابع الكف الواحدةـ من نعتها بـ«البيت» بألف ولام التعريف، أعامل جدرانها بحذر وأخشى أن أدق فيها المسامير لتعليق لوحة أو ساعة حائط، لا من باب الحفاظ على ممتلكات الغير فحسب، ولكن لأنني أعرف أن من تلك الثقوب قد يتسلل شعاع من الخوف. رغم أنني على يقين الآن أن هذا الوحش -الخوف- لا يستوطن البيوت، لكنه يسكن قلوبنا ويتنقل معنا من بيت إلى بيت كقطع الأثاث، أو كحيوان منزلي رغم شراسته أصبح لزامًا علينا بعد طول العِشرة استئناسه.

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن