خديو مصر الأخير: عباس حلمي يتحدث من المنفى
أولى حلقات برنامج قراءة جديد من سلسلة «كوكبة»
راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضا أهم الأحداث.
راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى مثل «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية، وأسقطته وعزلته الإمبراطورية البريطانية بلا رحمة عام 1914 عشية الحرب العالمية الأولى لتعلن الحماية على مصر.
أما «مذكرات هدى شعراوي» فهي لا تغطي البدايات الأولى للحركة النسوية في مصر فقط، بل أيضا تقدّم ملمحًا ومنظورًا مختلفًا لثورة 1919. بالطبع لا يمكن تجنب «الأيام» لطه حسين مهما كانت مشهورة وتناولها الكثيرون، وقُدّمت كمسلسل تليفزيوني، فتجربة الرجل كانت أسطورية ومذهلة.
«مذكرات عريان يوسف سعد» طالب الطب وأقدم سجين سياسي تكشف عن وجه آخر وتداعيات مختلفة لثورة 1919، فقد اعترف عريان بمحاولته اغتيال يوسف وهبة باشا رئيس الوزراء، وحوكم وأمضى الشطر الأكبر من عمره في السجن.
كذلك لايمكن تجنب «مذكرات خالد محيي الدين»، ليس فقط بسبب دوره في تنظيم الضباط الأحرار الذي قام بأخطر انقلاب عسكري ما زلنا نعيش في تداعياته حتى اليوم، بل أيضًا بسبب انتمائه لليسار وتأسيسه لحزب التجمع. وفي السياق نفسه اخترتُ « مذكرات رفعت السعيد» الذي التحق بمنظمة حدتو (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) وهو ما يزال صبيًا، وأمضى عمره في قلب الحياة السياسية، واعتقل في كل العهود، كما أنه بذل مجهودًا هائلًا في التأريخ للحركة الشيوعية المصرية.
اخترتُ أيضًا واحدة من الجداريات الهائلة التي غطّت عقودًا من الحياة السياسية والأدبية والفنية وهي «المولودة» لعايدة كامل أو ماري روزنتال. كما اخترتُ مذكرات محمد أبو الغار «على هامش الرحلة»، التي تكشف عن جوانب أخرى، ولم تكن محل اهتمام غيرها من المذكرات، التي تناولت الفترة نفسها. وللسبب نفسه اخترتُ مذكرات أحمد عباس صالح «عُمرفي العاصفة»، فقد امتدت تجربته ككاتب وصحفي إلى خارج مصر، وكان جزءًا من ظاهرة الطيور المهاجرة التي غادرت مصر، بعد انقلاب السادات في مايو 1971، وتوزعت تلك الطيور بين المنافي العربية والأوروبية.
وأخيرا أخترتُ مذكرات الروائية الراحلة رضوى عاشور، بجزئيها « أثقل من رضوى» و« الصرخة» لأنها عاصرت وشاركت في الحدث الأبرز والأكثر تأثيرًا، أعني ثورة 25 يناير 2011 .
وفي النهاية لا أظن أنني بحاجة لتأكيد أن تناول كل شهادة من شهادات شهود العيان سالفي الذكر، اقتضى بعض المقاربات مع ما كتب شهود عيان آخرون للفترة نفسها، أو الرجوع إلى مصادر تاريخية للتدقيق والبحث عن أقرب رواية للدقة.

حكم مصر خلال الفترة بين عامي 1892 و1914، الخديو عباس حلمي الثاني، خلفًا لأبيه الخديو توفيق، الذي حكم بين 1897 و1892، وهو بدوره كان ابنًا للخديو إسماعيل الذي حكم بين 1863 و 1879.. وتمتد السلسلة حتى تصل إلى حكم محمد علي بين 1805 و1848 الذي أسس نظامًا و«دولة« جديدة لأسرته تحت حُكم الإمبراطورية العثمانية التي حكمت منذ عام 1517.
وعباس حلمي تحديدًا كان آخر خديو في تلك السلسلة، التي حكمت مصر بعد الاحتلال الإنجليزي (والأخير كان قد غزا مصر في أعقاب انتفاضة أحمد عرابي عام 1882 بعد ضرب الإسكندرية بمدافع البوارج الرابضة على الشاطئ، وقامت قوات الإمبراطورية بالغزو الكولونيالي التقليدي، الذي كان سائدًا آنذاك، وتم احتلال مصر حتى تنفيذ اتفاقية الجلاء التي أبرمها الضباط الأحرار عام 1954).
وتتمتع شهادة عباس حلمي بأهمية خاصة بسبب أنه الخديو الأخير، وبسبب أن حكمه جاء في ذروة سنوات النهب الاستعماري والسيطرة المطلقة للمعتمد البريطاني اللورد كرومر، وبسبب أنه ربما كان الحاكم الوحيد الذي حاول استخدام الحركة الوطنية الجنينية المعادية للاستعمار، وعقد مع بعض ممثلي الإنتلجنسيا اتفاقًا سريًا ليساندوه.. لكل هذه الأسباب مجتمعة تبدو شهادة عباس حلمي بالغة الأهمية على فترة مفصلية جديرة بإعادة قراءة تفاصيلها بعد أكثر من مائة عام.
هذه الطبعة
أعتمد هنا على طبعة دار الشروق الصادرة عام 1993 التي ترجمها عن الفرنسية د. جلال يحيى، وكتب مقدمة الكتاب واحد من كبار المؤرخين الأكاديميين، وهو أحمد عبد الرحيم مصطفى. وللأسف هناك مشاكل عديدة تحيط بهذه الطبعة. من بينها مثلًا أن التاريخ الذي وضعه الخديو لكتابة مذكراته هو بين 1936 و1940 والطبعة التي في حوزتنا في 1993، فهل انتظرنا أكثر من 50 عاما قبل أن يُنشر الكتاب بترجمة عربية؟ كذلك يشير د. عبد الرحيم مصطفى في المقدمة إلى أن المذكرات مترجمة عن الفرنسية، فيما حرص المترجم (!!) على أن ينشر صورًا ضوئية لعدة صفحات بالعربية وبخط يد الخديو، أي أن هناك نسخة مكتوبة بالعربية وبخط اليد، فما الحاجة للترجمة إذن؟
كذلك يشير الخديو في التمهيد الذي وضعه لمذكراته أنه كتبها بعد مضي ربع قرن على تنحيته كخديو لمصر، فأين كانت طوال كل تلك السنوات.. هذا إلى جانب ما يذكره المؤرخ الراحل، د. محمد أنيس في كتابه «صفحات مطوية من تاريخ الزعيم مصطفى كامل» – مكتبة الأنجلو- 1962، حيث أورد في هامش ص 15 إشارة واضحة لمذكرات عباس المنشورة في جريدة المصري عام 1951، كما اعتمد على تلك المذكرات في أكثر من موضع في الكتاب المشار إليه.. كل تلك الملاحظات ليس معروفًا لماذا تجاهلها د. عبد الرحيم مصطفى المؤرخ الكبير في مقدمته، ولماذا غفل عنها المترجم وهو أستاذ أكاديمي من المشتغلين بالتاريخ، كما أغفل أي إشارة لدار النشر التي ترجم منها؟
الاتفاق الودي وتقسيم العالم
على أي حال، وباختصار شديد تولى عباس الثاني الحكم وهو في الثامنة عشرة، بعد موت والده الخديو توفيق، الذي تم الاحتلال الإنجليزي في عهده، وبناءً على طلبه وترحيبه، وبعد هزيمة انتفاضة عرابي. كان عباس يدرس في فيينا، شأنه شأن أبناء الحكام والأمراء في أوروبا. وحرص الأخير على تأكيد أن الصدر الأعظم العثماني، وهو الرجل الثاني في إمبراطورية «الرجل المريض»،فقد اعترف بحقه في تولي العرش عن طريق الميراث وأورد نص البرقية، التي أرسلها الصدر الأعظم بوصفه ممثل السلطان العثماني المالك الاسمي لمصر، لرئيس مجلس النظار في مصر، بعد موت أبيه الخديو توفيق مباشرة.
غني عن البيان أن كل تلك الإجراءات كانت شكلية ومسرحية، لأن من كان بيده مقاليد السلطة ويحتل البلاد عسكريًا ويسيطر عليها هو الاحتلال الإنجليزي. وكانت كل من حكومتي إنجلترا وفرنسا قد وقعتا اتفاقًا وديًا عام 1904 تطلق بمقتضاه إنجلترا يد فرنسا فيما يتعلق بالمغرب التي كانت فرنسا تحتلها، وتطلق الأخيرة يد إنجلترا فيما يتعلق بمصر التي تحتلها إنجلترا.
ولم يكن اتفاق كهذا أمر يدعو للاستنكار أو الدهشة. ففي ذلك العصر اقتسمت أوروبا الاستعمارية العالم، خصوصًا بعد أن بدأ غروب الامبراطورية العثمانية وقرب انهيارها، إلى الحد التي استحقت فيه أن يُطلق عليها وصف «رجل أوربا المريض».
أما عباس حلمي فكتب بعد وصوله إلى المحروسة قادمًا من فينا: «عند حضوري، اعتقدت أنني سأقوم بتوجيه مصائر البلد المحتلة عسكريا. ولم يكن في وسعي أن أتصور نفسي، في هذا الاحتلال، والجيش لا يلعب إلا دورًا من الدرجة الثانية، يقوم به لمجرد تغطية مشروعات الموظفين الإنجليز، المكلفين بتشكيل البلاد على النمط البريطاني، ويوجهونها إلى مخططات حكومتهم».. وينتهي إلى القول «إن الجيش كان يعتبر مفقودًا بالنسبة لي».
أما فيما يتعلّق باللورد كرومر ممثل بريطانيا والحاكم الفعلي، فقد دأب على إهانته وتصغيره أمام رعيته، حسبما يذكر، وإجباره على التراجع عن قرارات اتخذها بالفعل والاعتذار عنها علنًا، فضلًا عن إحاطته بالجواسيس والمخبرين في كل مكان، بل ومن بين أفراد عائلته، وفي مواجهة ذلك حاول حماية نفسه ببث عيون له في المدارس والوحدات العسكرية «وحتى في منزل السردار» (وهو قائد الجيش)، وفي مرحلة تالية اتجه إلى التعاون مع مثقفي البلد.
كتب: «كنتُ أحب أن أتحادث مع المثقفين»، حيث كان يحتفظ ببعض زواره من فترة بعد الظهيرة، ويشير إلى أن من بينهم على وجه الخصوص محمد عثمان جلال مترجم «لافونتين» والشيخ محمد عبده ومصطفى كامل فيما بعد ليتجاذب معهم أطراف الحديث.
من بين أكاذيب الخديو
لا أظن أنني أحتاج إلى القول إنه ينبغي أخذ كلام الخديو بكثير من الحذر، فهو يسرف في الكذب والادعاء في مواضع كثيرة. على سبيل المثال يعتبر أن عرابي وحركته سبب كل ما تعانيه مصر، متجاهلًا أن السبب الرئيسي يعود إلى جده الخديو إسماعيل الذي كان يريد أن يجعل مصر قطعة من أوروبا، فقام بفتح البلاد على مصراعيها أمام جيش من المرابين الأوروبيين وبيوت المال التي كانت تنشأ خصيصا للنهب والنصابين واللصوص، وعندما تراكمت الديون، وعجزت الموارد المنهوبة عن سداد فوائد الديون، وليس أصول الديون فقط. تم عزل إسماعيل على الفور، وتولية ابنه توفيق مع تعيين اثنين من الوزراء أحدهما فرنسي والآخر إنجليزي لمراقبة الميزانية واقتطاع الأموال المنهوبة أصلًا. لم يكن هناك تدخل أكثر فظاظة وعدوانًا من ذلك، وطالت المظالم الجيش وعانى من تدني الرواتب، بل وتوقفت الرواتب لعدة أشهر في بعض الأحيان.
باختصار شديد، قام الجيش بحركة محدودة سرعان ما اتسعت، وكانت نتيجتها قيام الضابط أحمد عرابي بانتفاضة اتسعت بسبب انضمام أغلب القوى السياسية والاجتماعية له، بينما استنجد الخديو توفيق بالاستعمار الإنجليزي، وقام الأخير بغزو مصر والقبض على زعماء الانتفاضة ونفيهم إلى سيلان.
أما عباس فكتب أن حركة عرابي «كانت ضرية فظيعة لمصر: لقد مدّت أطناب الفوضى في كل مكان، وحطمت كل شيء. وكان كل فرد قد فَقَد طريقه بين هذا الضياع العام. وكانت فكرة الواجب قد اختفت عند موظفي الدولة».
من جانب آخر، يؤكد الخديو أن السنوات التي أمضاها حاكمًا بين 1892 و1914 تعرّض فيها للإذلال من جانب الاحتلال، ومع ذلك ظل حريصًا على تجنب الصدام المباشر، ولم يكن مستعدًا للمضيّ في الشوط إلى نهايته، أي أن فكرة الجلاء وتحرر البلاد كانت مستبعدة، ومصر بالنسبة له ولاية تتبع الإمبراطورية العثمانية، حتى لو كانت شمس الأخيرة قد أفلت وأوشكت أوصالها على التفكك.
وهكذا لم يكن ما جرى بينه وبين سلطات الاحتلال يتجاوز سعيه لمجرد الوجود على مقعده، مهما بذل في سبيل ذلك ومهما تعرض للإذلال من ممثلي الاحتلال. ومع ذلك يفسح عباس المجال للتحليل المفصّل للقوى العسكرية والسياسية على المسرح الدولي، ومحاولاته معها لتساعده على الاحتفاظ بمجرد الوجود.
فعلى سبيل المثال، كانت مصر حتى ذلك الحين ولاية عثمانية يصدر قرار تولية حكام ولايتها من قصر السلطان العثماني في إسطنبول، إلا أن كل تفاصيل السياسة العثمانية بيد دول أوروبا الاستعمارية. وعباس كان يجد بعض العون من السلطان، إلا أن أوضاع تركيا نفسها بدأت في الاهتزاز، وصعدت حركات سياسية جديدة مثل لجنة الاتحاد والترقي وحركة تركيا الفتاة إلى مسرح السياسة، وعانى عباس من تجاهلها وعدم اعتبارها وتقديرها. ويضيف أنه حاول أن يجد المساعدة من فرنسا، صاحبة العلاقات المتميزة مع مصر منذ حكم محمد علي الذي كان أغلب بعثاته العلمية إلى فرنسا، لكن الأخيرة كانت في طريقها لعقد الاتفاق الودي مع انجلترا لتقسيم هذا الجزء من العالم. وأخيرًا فشلت محاولاته مع إيطاليا التي كانت تعرف جيدًا أنه لا مجال للصدام مع بريطانيا.
اللجوء للحركة الوطنية
اتجه عباس لممثلي الإنتلجنسيا شبه مُرغم، وكانت الأخيرة تعيش في أجواء وتداعيات هزيمة انتفاضة عرابي، وفي ظل احتلال عسكري. كانت فترة بالغة القتامة والظلام، وبدأت محاولات جنينية، تمخضت عن تميز اتجاهين. الأول الحزب المحافظ للأعيان بقيادة الشيخ علي يوسف، والثاني المتطرف بقيادة مصطفى كامل. وعلى الرغم من ميل عباس للحزب المحافظ إلا أنه سعى لاستخدام الحزب المتطرف.
أضيف هنا أن عباس يؤكد أن تعاطفه مع مصطفى كامل كان عاطفيًا تقريبًا، ولا علاقة له بالإنفاق على رحلاته إلى أوروبا للدعاية للقضية المصرية. لكن الرسائل التي كشف عنها د. محمد أنيس وأصدرها في الكتاب المشار إليه تثبت بما لايدع مجالًا للشك بأن عباس كان المموّل لمصطفى كامل، وأنه تم الاتفاق على أن يتظاهر الأخير بأن من ينفق على رحلاته جمعية مصرية وطنية.
وهنا يؤكد أنيس في تقديمه للرسائل المتبادلة بين كامل وقصر الخديو، أن عباس لم يكن «على استعداد للسير في صرامة ضد كرومر إلى حد تصفية الاحتلال نهائيًا، بل كانت معارضته المترددة لسياسة كرومر تستهدف المشاركة في السلطة في ظل الاحتلال. أما مصطفى كامل -حسبما يضيف أنيس- فلم يضع في اعتباره إلا هدفًا واحدًا هو الجلاء، وعدوًا واحدًا هو الاحتلال.
يخصص عباس في كتابه فصولًا عدة لتأسيس الجامعة المصرية عام 1908، وللأوضاع في السودان التي كانت آنذاك امتدادًا طبيعيًا لمصر وجزءًا منها، وللدور الذي لعبه الاحتلال لانتزاع ذلك الجزء من جسد الوطن الأم. كما يخصص فصلًا كاملًا للورد كرومر، وتكفي السطور القليلة التالية للدلالة على ما يضمه هذا الفصل من خزي:
«كان -كرومر- يحاول دائمًا أن يهينني ويقلل من شأني. وكان يحاول أن يجرحني، مدعيًا أن الشعب المصري كان يرغب في أن يثور ضد الأسرة الحاكمة، وأن الإنجليز كانوا قد أتوا من أجل حمايتها وإعادة النظام. وكان يقول لي: لا تنس أن الحركة العرابية موجودة دائمًا، وإنني إذا ما رفعت أصبعي الصغير، فإنه يمكنها أن تظهر من جديد، وأن تطيح بالأسرة خارج البلاد». ويضيف: «وحينما كان يحدثني بهذه الطريقة، لم أكن أرد عليه أبدًا، إذ أنني كنت لا أرغب في نشوب أزمة يمكنه أن يستغلها ضدي».. إلى هذا الحد وصل الهوان بالخديو.
الفصل الأخير
لم يمنع كل ذلك الهوان من توجيه الصفعة الأخيرة لعباس بعد أن لاحت نُذر الحرب العالمية الأولى. وبالمصادفة كان عباس يقضي كعادته إجازته في إسطنبول، وتطورت الأمور سريعًا، عندما أعلنت انجلترا حالة الحرب مع تركيا، وبادرت في ديسمبر 1914 بإرسال خطاب دوري إلى كل الدول يفيد بأن مصر «قد وُضعت تحت حماية صاحب الجلالة البريطانية، وأصبحت بذلك محمية بريطانية وبدون تركيا».
وهنا يشير عباس إلى أنه بعد يومين فقط من صدور الخطاب الدوري «كتب القائم بالأعمال الإنجليزي في القاهرة إلى عمي الأمير حسين كامل باشا، لكي يبلغه بأنه قد تم اختياره من جانب إنجلترا، لكي يأخذ مكانه، ليس كنائب لسلطان إمبراطورية مختفية (يقصد الإمبراطورية العثمانية طبعًا) ولكن كسلطان لمصر التي أخضعت بدرجة أكبر للمحتلين الإنجليز.(ويضيف) ألغيت الخديوية بطريقة تعسفية. وفي إعلان الحماية أكدوا فيما يتعلق بي أن حكومة جلالته (ملك إنجلترا) لديها الدلائل الواضحة بأنه منذ نشوب الحرب مع ألمانيا، كان صاحب السمو عباس حلمي، خديو مصر السابق قد لقى بنفسه، وبشكل نهائي، إلى جانب أعداء جلالته».
وهكذا فإن إعلان حالة الحرب مع تركيا كان معناه الواضح أنها تمتلك كل سلطات السلطان والحكومة العثمانية وكل حقوق الخديو السابق، مهما كانت شكلية في السابق. لم يعد هناك ولاة تصدر بتعيينهم مراسيم عثمانية، ومصر مجرد محمية بريطانية يحكمها سلطان تعيّنه سلطات الاحتلال الإنجليزي.
وفي النهاية، تعرضت مصر خلال سنوات الحرب لما لا يمكن تصوره من ويلات، وفُرض عليها تقديم مواردها وتحمل أرزاء وبلايا حرب لا علاقة لها بها على مدى أربع سنوات حتى انتهت الحرب، وما لبث أن ظهر من يطالب بالاستقلال، وطالب مجموعة من الإنتلجنسيا ورجال السياسة بالسفر إلى أوروبا لعرض قضية مصر على مؤتمر الصلح.. وبدأت مسيرة سعد زغلول، لكن هذه قصة أخرى.
تقارير ذات صلة
ما رآه سعد زهران في الأوردي: سلخانة التعذيب لتركيع المخالفين (2-2)
الحلقة الثالثة من كوكبة «المصريون والسجن: سنوات دامية للمثقفين والجلادين خلف الأسوار»
في شهادة تأخرت ثمانين عامًا (2-2): أنا توماس راسل باشا حكمدار بوليس القاهرة
حلقة جديدة من برنامج قراءة «شهود عيان»
في أوراق أحمد عباس صالح: تغريبة بغدادية وأخرى لندنية (2-2)
الحلقة الحادية عشر من برنامج قراءة «شهود عيان»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن