خبرات مُكتسبة من بيع الكوكاكولا
#جو عام
على هامش العمل في الإجازة بمحل خردوات اكتسب هيثم الشاطر خبرات لا أول أو آخر لها، انفتح على المدينة من رصيف عمارة هيكل السكندرية، وباع الكوكاكولا مستمتعًا بالدردشة مع شاربيها، اتسع عالمه، وفقد شعور الاستحقاق بداخله، وعرف كيف يُمكن تقليب العيش بالحب والود والدهلكة، وشاركنا تلك الخبرات في هذا الديتوكس.
#دليل
اهترأ الجاكيت الأخضر الثقيل تمامًا، هذا الشتاء كان الأخير له، مرّ بمراحل عديدة من جاكت للخروج ثم جاكت للتدفئة بالمنزل، وأخيرًا كعباية نتلفح بها على غير هدى أو نظام محدد. اشتراه لنا قريبي من بائع سُني يفرش بضاعته بحديقة مسجد القائد إبراهيم قرب محطة الرمل. في طفولتي، كانت الجماعة السُنية تستولي على الأنشطة بالحديقة، تبيع مستلزمات دينية متنوعة، ومن ضمنها جواكت خضراء ثقيلة للغاية وبلا ملامح. في تلك الفترة، كانت السُنية تُحرم الخيار، وتحسم الجدل في أي قضية خلافية؛ إذا كان التلفزيون يعرض أشياءً جيدة وأخرى سيئة فهو حرام، موارد الحكومة المالية بها شبهة حرمانية، إذًا فلنترك العمل بالحكومة ونصنع مستحضرات تنظيف منزلية، ونبيعها في أكشاك يصدح منها صوت طارق سويدان متحدثًا عن عذاب الآخرة، إذا كان الجو شديد البرودة والملابس المعروضة بالسوق غالية وخفيفة، فلنبيع جواكت رخيصة خضراء ثقيلة بلا ملامح في حديقة مسجد القائد إبراهيم، لا وقت للتسامح مع الضعف البشري.
كان الجاكيت الأخضر اقتراحًا من قريب للوالد لديه محل خردوات قرب «القائد إبراهيم»، ويقع على شارع أمين فكرى أمام عمارة هيكل مباشرة.
عمارة هيكل كانت الأكبر في الإسكندرية لسنوات طويلة، يقبع أسفلها كوافير علام، وتوكيل ناشيونال لماكينات الصرافة، ويقطنها آلهة الطب جمال عزب ورفيق زاهر وفودة والعمروسي. وعلى الناصية المجاورة سينما راديو، ويفصل بينهما شارع أمين فكرى حيث يوجد محل خردوات «السد العالي» الذي يمتلكه الحاج مصطفي قريب الوالد.
مبنى سينما راديو المقابل لعمارة هيكل منقسم لجزئين، الأمامي المُطل علي الترام يحوي المدخل الرئيسي، وقاعة العرض، وخردوات محسن وبزالو للأثاث، والجزء الخلفي الموجود بشارع أمين فكري مكون من طابقين؛ بالأرضي محل السد العالي وبقالة هيلتون، والدور العلوي مجموعة غرف لخياطين رجالي.
العمل في محل الخردوات في الإجازة الصيفية كان فرض عين لكل شباب الأسرة، تتعلم فيه ترك عالمك الخاص والانفتاح على المدينة من أوسع أبوابها، وكيف تقتل الاستحقاق الذي بداخلك، ومن أين يأتي التذاكي، وكيف يبني مجتمع الاستعراض نفسه.
ترى في شبابك شادية أو لبنى عبد العزيز تدخل كوافير علام متخفية بإيشارب ونظارة شمسية، تسافر الفنانة من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار، وتتجه من محطة القطار مباشرة للكوافير لتصنع فورمة الشعر التي تمكنها من مواجهة العالم. تتعلم احترام خصوصية شادية ولبني، وكل الممثلات المتخفيات الذاهبات لكوافير علام خلسة.
بجانب كوافير علام أسفل عمارة هيكل، توكيل ناشيونال لبيع وإصلاح ماكينات الصرافة.
ماكينات الصرافة التي يبيعها توكيل ناشيونال كانت آلة مهمة في انتظام عملية البيع في فروع شركات القطاع العام لبيع السلع الاستهلاكية والمعمرة، تغذي الماكينة ببكرة ورق بيضاء صغيرة، يأخذ الصراف بالفرع قسيمة شراء السلعة ومبلغها، ويضع النقود في الماكينة، ويسجل العملية، فتطبع الماكينة رقم العملية ومبلغ السلعة على بكرة الورق وهكذا.
في نهاية اليوم تُنزع بكرة الورق، وتُعطى لمدير الفرع ليقارن بين المبلغ الإجمالي للعمليات المكتوبة على البكرة والنقود الموجودة بالماكينة. في صبيحة اليوم التالي يبلغ مدير الفرع الإدارة المالية بالتليفون «الشَفر» وهو حصيلة بيع الفرع في اليوم الفائت.
في حالة تعطل الماكينة الناشيونال لا تتوقف حركة البيع، للكون ناموس لا يعطله شيء، يلجأ البائع للـ«برانية» وهو دفتر خارجي يسجل فيه عمليات البيع ويحتفظ في جيبه بالنقود حتى ينتهي فني شركة ناشيونال من إصلاح الماكينة. البائع المتميز هو البائع الذي تتفوق برانيته علي ماكينة ناشيونال، بائع معتزل يرجح العقل على النقل.
يرتدي العاملون بورشة الإصلاح الملحقة بتوكيل ناشيونال بالطو أبيض، يحكي لنا الرنس أن محل حلويات «إخوان يوسف» بالمنشية يعمل به بنات ترتدي بالطو أبيض لزوم تعبئة النوجة والملبن وبونبون سيما فقش، بالطو أبيض لدى فتيات إخوان يوسف وفنيي ناشيونال. الآن البالطو الأبيض حصري لعاملي محلات الجزارة الباذخة؛ جزارة شهاب علي محطة ترام جليم، وجزارة اللؤلؤة بالقرب من ميدان محمد نجيب بسيدي بشر.
يتوافد عاملو ناشيونال على المحل لتناول الحاجة الساقعة والدردشة معنا، لتناول الكوكاكولا بالأخص، المشروب المُسيطر في تلك الفترة أكثر من أي نوع آخر، لم يكن من السهل صيفًا إيجاد سيارة توزيع الكوكاكولا لشدة الطلب عليها. ولتتعاقد مباشرة مع شركة، وتُوضع في خطة سيارة توزيعها، عليك استهلاك حد أدنى من الصناديق يوميًا لا يقدر عليه الجميع.
بالقرب من عمارة هيكل محطة ترام الرمل، المحطة الرئيسية الشهيرة للترام الزرقاء، في حيز المحطة كانت توجد محلات وأكشاك لبيع البسكويتات والحاجة الساقعة المتعاقدة مع شركة كوكاكولا، فكان إجباري على سيارات التوزيع المرور على تلك المحلات لتسليمها حصة صناديق الحاجة الساقعة المُتعاقد عليها، كانت الصيحات تصلنا في محل خردوات السد العالي لتنبهنا أن سيارات التوزيع قد وصلت لمحطة الرمل، لدينا حامل معدني بعجلات نضع فوقه الصناديق الممتلئة بالزجاجات الفارغة ونجري بجوار الترام حتى نصل للمحطة وننال ما نستطيعه من سيارات التوزيع بالحب والود والدهلكة. تسمع النداء يصدح في محطة الرمل بأكملها «عربية الكاكولا جت.. عربية الكاكولا جت»
الحاجة الساقعة ليست مُربحة في حد ذاتها، ولكنها الفخ المُثلج لاستهلاك البسكويتات والحلويات وكل البضاعة الأخرى بمحل الخردوات، أثناء تناولك لزجاجة الحاجة الساقعة تتأمل الفاترينة والشارع وتفتح حوارًا قصيرًا مع صاحب المحل لتربطك به رابطة أبدية. سيارات توزيع الكوكاكولا تشترط عليك إكمال صندوق الحاجة الساقعة بالزجاجات الفارغة كاملًا لتتمكن من تبديله، لا رحمة أو تساهل في هذا الأمر، على مُتولي زمام الأمور بمحل الخردوات التسجيل بشكل دوري، على ورق كرتون أبيض كان في لحظة ما غلاف قاروصة سجائر، مكان وعدد الزجاجات الفارغة:
- 5 فانتا برتقال لدى كوافير علام.
- 3 كوكاكولا لدي دكتور العمروسي.
- 7 سبرايت بمحل ناشيونال.
ليجمعها آخر النهار بدون لوم لأحد، لدى الجميع حاجة ساقعة، والفرق بين محل وآخر، التسامح وطول البال.
بالطوابق الأخيرة لعمارة هيكل يقع فندقا هايد بارك وإليما هاوس، أقام بهما الخبراء العسكريون الروس في فترة جمال عبد الناصر، كان لديهم أتوبيس ينقلهم للقاعدة العسكرية برأس التين ذهابًا وإيابًا، يبكرون صباحًا لمحل الخردوات لتناول زجاجات لبن «سيكلم» ربع كيلو وبسكويت سادة، صنعنا لهم رفوفًا خشبية بجوار المحل ليتحلقوا حولها أثناء تناول اللبن والبسكويت، يحتفظون في مفكرة صغيرة بأسعار المنتجات لمراجعة الحساب، تعلمنا منهم الأرقام بالروسي، وأن لبس الشراب القطني الأبيض علي الصندل هو أعلى درجات الاهتمام بالجسد ومتطلباته. فيما بعد سيُطلق على مرتدي الشراب القطني الأبيض على صندل السائح الألماني، ولا أعلم السبب.
بمسافة ليست بعيدة عن عمارة هيكل تقبع سينما ستراند أمام محطة ترام الرمل التي تحضر بها سيارات توزيع الكوكاكولا.
بجوار السينما يوجد ملهي ليلي، ربما الملهي الليلي بمبني سينما ستراند ذاته، ولكنها ألاعيب الذاكرة، تقدم به لولا فقرة يومية ساحرة ببدلة رقص مفتوحة. بعد الفوز بصناديق الحاجة الساقعة من سيارات توزيع الكوكاكولا بمحطة الرمل كنتُ استغل المكان والمشوار وخلو البال للتلصص علي لولا، علي مدار كل لحظات التلصص العديدة لم استطع إطالة النظر إليها، سطوعها ودلالها يحول دون ذلك، أنوثة لا أعرف كيف يمكن تحملها ومواجهتها، عرفتُ أن قريب لي خطبها فشعرت بالفخر، لم أتخيّل أن في الإمكان أن تُخطب لولا وتتزوج وتكف عن الرقص يومًا ما. حتى لو كان هذا الفارس خياط حريمي شهير لديه غرفة واسعة للتفصيل بعمارة التليفزيون في شارع فؤاد، وتعمل لديه فتيات في كثير من الأحيان أحلى من لولا نفسها. وكما توقعت لم تكف لولا عن الرقص وانفصل قريبي عنها. تقيم مع مجموعة من الراقصات بشقة بجوار مركز «دار الأشعة» بشارع أمين فكري الذي تقبع على ناصيته عمارة هيكل، شقة تهبها حرية الحركة والمزاج والدلع والقرب من الملهى الليلي، شقة تهبها محبة الرجال. يشرف على أمور الشقة رجل لا يهوى النساء، بيظا تأمن الراقصات جانبه، للمصادفة كان البيظا من منطقة زعربانة، جار قديم لنا. عندما أراد قريبي استرداد ذهبه وهداياه طوال فترة الخطوبة من لولا، كلمني للتوسط عند البيظا، لتمر الأمور بسلام وقد كان، يومها رأيت لولا عن قرب، وأدركت كم هي جميلة، وعرفت لماذا مَن يشرف على أمور الراقصات الجميلات ولا يهواهن يُدعى بيظا.
كانت عمارة هيكل قِبلة المرضى بالمدينة، رأيت السلال، رئيس اليمن، يترجل منفردًا من سيارته ليصعد لعيادة الدكتور جمال الدين، مسعود إخصائي الأشعة الشهير، وسيارات تحمل لوحات مرور ليبية تقل مرضى وأطفال رضع وشيوخ ركع تملأ شارع أمين فكرى الكائنة به عمارة هيكل حيث رفيق زاهر، دكتور الباطنة العظيم صاحب الملامح الأوروبية، وفودة، دكتور الأمراض الصدرية، والأخوين حساب، أحدهما كان جراحًا والآخر دكتور عظام، تحولت الشقة التي تحوي العيادتين إلى معمل تحاليل لابنة أحدهما، أمينة حساب، المعمل الذي سيصبح فيما بعد أحد أشهر معامل التحاليل بمصر «معامل حساب للتحاليل»
بهاء عمارة هيكل الطبي امتد للشارع بأكمله لدرجة أن أبو العلا، دكتور جراحات الفم والأسنان، أصبح الطبيب المُعالج للرئيس السادات لمجرد أن عيادته في نفس الشارع الذي به عمارة هيكل. لم يكن مهندسًا وإنما جار مهندس.
رغم كل هذه الأسماء العظيمة في عالم الطب، لم يعلق بالقلب سوى نجم القاهرة إسكندرية أسوان، الأستاذ الدكتور جمال عزب.
امتلك عيادة في أواخر الستينيات بعمارة هيكل، لم يكن قد سطع نجمه في تلك الفترة، تفتح العيادة بالفترة المسائية فقط ولوقت محدود. بنهاية السبعينيات كان عليك الانتظار شهورًا طويلة لتحجز لديه، سيارته ذات الأرقام المميزة يركنها أمام باب العمارة منفردًا، تقول الإشاعات وقتها إن لدى جميع أفراد المرور بالمدينة رقم سيارته لتُعفى من أي مخالفات، والسماح لها بالركنة في أي مكان. يضع على مكتبه طبق فاكهة ليأكل منه أثناء الكشف، استغراقك مع المرضى لساعات طويلة بدون غذاء يضعفك ويقلل تركيزك. نلمح النجم من محل الخردوات عند ولوجه أو مغادرته العمارة متجهًا لسيارته، يلقي علينا التحية. وفي بعض اللحظات الرائقة، يقف ليتناول حاجة ساقعة ويدردش معنا. مثل كل أساتذة الطب الكبار، كان لجمال عزب مساعدًا يخلصه من كدر الحياة ليتفرغ لطبه وفنه، هو محمود عبد السيد. ذراع جمال عزب اليمنى، يُدير العيادة ويقود السيارة في السفريات الطويلة ويحجب عنه ما لا يسره. مثلًا يعلن محمود عبد السيد في صالة انتظار المرضى أن كشوفات اليوم أُلغيت لأن الدكتور قد استُدعى للكشف على المحافظ. محمود عبد السيد يعمل نهارًا بوظيفة رئيس القطاع الطبي بالشركة العامة للورق «راكتا»، كان مديرًا إداريًا محنكًا. في المستشفيات هناك مدير فني وآخر إداري، المدير الإداري هو شخص غالبًا ليس له علاقة بالطب من الناحية التقنية، وإنما محنك بكل الأمور المُتعلقة بسير العملية الطبية من تعاقدات، وشراء مواد طبية وعلاجية، وتراخيص، وكف أهالي المرضى المتذمرين عن أطباء المستشفى، واستغلال الأماكن المتوفرة بالعناية في الأزمات بشكل مثالي.. وهكذا مهنة صعبة لها مواصفات خاصة، ولها سوق انتقالات.
يسكن محمود عبد السيد بالظاهرية، تقول الحكمة إن كل مَن يسكن بالظاهرية أو زعربانة، وهي منطقة فرعية داخل حدود الظاهرية، يكتب في بطاقته «خلف ونجت» أو «خلف بوكلي» أو خلف أي اسم اجنبي لمنطقة سكنية راقية متاخمة للظاهرية أو زعربانة، تكنيك للاختفاء، للاحتفاء ببوكلي وونجت وكل القادة الإنجليز.
في المخيلة الجمعية لسكان شارع أمين فكرى المتواجدة به عمارة هيكل حكاية شهيرة تخص الأستاذ الدكتور جمال عزب؛ جاء تليفون لعيادته من رئاسة الجمهورية لاستدعائه للكشف علي نجل الرئيس مبارك، لا أتذكر جمال أم علاء، بل ما أتذكره أن الترشيح كان من الدكتور خيري السمرة، أستاذ المخ والأعصاب الشهير بالقاهرة، بعد أن شخّص حالة نجل الرئيس طلب منه اللجوء لجمال عزب للتأكد من التشخيص. يومها كان محمود عبد السيد مُتغيبًا عن العيادة، وكان على جمال عزب التحرك مبكرًا بسيارته للقاهرة ليكون في قصر الرئاسة حسب الموعد المُتفق عليه، كيف سيبلغ جمال عزب محمود عبد السيد، ليس لديه عنوانه، وعبد السيد ليس لديه تليفون منزلي. جاء إلينا الدكتور بمحل الخردوات مُستنجدًا، طمأنه الحاج مصطفى بأنه سيخبر عبد السيد، فهو جاره بـ«خلف ونجت» أو «خلف بوكلي»، لا نقول زعربانة في المعاملات الرسمية أو أمام طبيب عظيم يسكن بكفر عبده، هكذا تقول القاعدة.
عزة هيكل، الأستاذة بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية سابقًا، هي حفيدة مالك عمارة هيكل، لدى العائلة العديد من العمارات الشهيرة بالإسكندرية، منها العمارة المُلاصقة لفندق سيسيل والتي يقع أسفلها مقهى إمبريال، ومنها العمارة الغامضة الكائنة بتقاطع شارع المعسكر الروماني مع شارع أبي قير. تحكي هيكل في كتابها «الثقافة السكندرية» عن انتقال أسرتها للسكن بالعمارة علي ناصية شارع المعسكر الروماني بعد أن كانت تقطن قصر خيالي قريب من كلية الهندسة. العمارة على شكل الحرف الأول من اسم العائلة «H»، عمارة مازالت قائمة وبداخلها مساحة خضراء غريبة على الشارع، عمارة بمساحة خضراء بمنتصفها، عمارة تحدثك لترى. تحكي هيكل أنها كانت تذهب مع مربيتها إلى جنينة المارشال «ألنبي» بمنطقة كفر عبده المجاورة لهم للترويح عن النفس واللعب كبديل للعب في جنينة قصرهم القديم، وهكذا كان يفعل جيرانهم، ولم يكن ينغص عليهم الفسحة سوى اجتياح الجنينة من قِبل أطفال مشردين قادمين من حي مجاور يُدعى أكواخ زعربانة.
ذهب الحاج مصطفى لأكواخ زعربانة سابقًا، خلف ونجت حاليًا، ليُبلغ محمود عبد السيد بالمهمة. بعد انتهاء الكشف علي نجل الرئيس يسأل مبارك جمال عزب عن محمود عبد السيد، فيجيب بأنه ذراعه الأيمن، وتراوده في هذه الفترة فكرة السفر لأمريكا وتركه وحيدًا، فيرد مبارك ضاحكًا: «متقلقش دا إحنا نجيبه من على سلم الطيارة»

في منتصف شارع أمين فكري مدرسة المنار للفتيات، فتيات سكندريات متشربات بالحداثة، يقول فيرناند ليبرتي إن «السكندريات المُتشربات بالحداثة حتى أخمص أقدامهن الصغيرة الرقيقة ذات الأظافر المصبوغة، تدفعهن رغبة جارفة للقطيعة مع الأحكام المُسبقة، وتذوق كل صنوف المتعة»
بجانب الحاجة الساقعة والحلويات بمحل الخردوات، يقدم الحاج مصطفى خدمة نوعية لمُتشربات الحداثة، يغازلهن بالنوبي، ويعلمهن كيف يمكن لفتاة جميلة مغازلة شاب وسيم بلغة إثنية لا تفهمها سوى الفتاة والحاج مصطفي، وعلى الشاب الوسيم أن يستفتي قلبه ليعلم إلى أي مدى تحبه الفتاة.
تحب فتيات مدرسة المنار شيكولاتة كورونا، تُباع الشيكولاتة بالأرقام، «كورونا الزرقاء» تأخذ رقم 995، كورونا التي عليها رسمة وردة تأخذ رقم 1007، تصنع شركة الإسكندرية للحلويات شيكولاتة مُلغزة تعجب فتيات مدرسة المنار الخاصة بشارع أمين فكرى قرب محطة الرمل.
يُختم اللقاء اليومي بين الحاج مصطفى والفتيات بسؤاله لهم «الدنيا دي إيه؟» فترد الفتيات: «الدنيا دي فرندكش.. أبو الحسين ركب الفرس.. أخد عصايته وقام رقص» حفظت الفتيات منه جملته الأثيرة، وأصبحت مسك ختام لا يُنسى.
أثناء العمل بالمحل تتعلم كيف تبني ذوقك في اختيار ملابسك، أمامك الملابس الحاسمة للجماعة السُنية بالقائد إبراهيم، وملابس تحمل وعد بغد أفضل في محل jeans street لصاحبه ريمون.
ارتحل ريمون عن بورسعيد ليعمل في توكيل levi's في الإسكندرية في بداية التسعينيات، تعلم منه أن يكون ناعمًا يتكلم ببطء، ولا يتذمر من سؤال الزبون وإن لم يشتر، كان يتقن الفرنسية، ويرتدي الكثير من الفضة.
محطة الرمل كانت مركز التسوق الراقي في تلك الفترة. وفي 97 أقنع ريمون إدارة سينما راديو أن تقتطع جزءًا من المدخل الجانبي للسينما لتأهيله ليصبح محلًا جديدًا يُطل على شارع أمين فكري. اختيار أن يكون المحل في مبنى سينما راديو لم يكن عشوائيًا، موقع السينما ليس في قلب محطة الرمل، وإنما على حوافها، في مناطق زرقاء خفيفة الروح رطبة الهواء، تلك المناطق التي تسبق وسط أي مدينة، المناطق الملهمة لموزعين موسيقيين كحميد الشاعري لصناعة أغاني تعجبنا كـ «عودة»
ريمون ارتضى للمحل ديكورًا خشبيًا، إن صح التعبير، بطريقة لم تكن مألوفة في ذلك الحين، يعرض ملابس رجالي وحريمي يغلب عليها الجينز والجلد، وتنويعات المربعات، وأحذية شبه رياضية شبه خفيفة، تثير الأرض، ولا تسقي الحرث، وأكسسوارات من عينة كوفيات، قبعات، ملمع أحذية، محافظ جلد طبيعي، شورت بحر، سابوهات جلد خفيفة للمصايف.. وهكذا. المعروضات لم تكن كثيرة لسببين، أولهما ليعطي انطباعًا بقيمة القطع وتفردها، والثاني ضيق المساحة.
لا ينشغل ريمون بالموضة بل بفلسفتها أو هكذا خُيل إليّ، ينشغل بألا يشبه زبونه الآخرين، أن يكون زبونًا فريدًا يرتدي قطعًا فريدة، يقول جيل ليبتوفسكي إن «الموضة ظهرت تزامنًا مع تكريس الشعور بالفردانية في نهاية القرون الوسطى، انشغال المرء أن يكون ذاته والإعلاء من الهوية الشخصية، أي ألا يكون الفرد مثل الآخرين، بل أن يكون فريدًا، حيث نما وعي الفطنة والرغبة في المنافسة، والتنافس في الأشياء الخاصة والتشجيع على التعبير عن الأذواق المتفردة بإبداع حيل جديدة، حتى صارت إثارة نظرات الآخرين التي تستعرض علامات الاختلاف ولعًا وتطلعًا حتميًا في عالم الطيش»
لدى ريمون تكييف في المحل، وكان جزءًا من المُخطط، تدلف للمحل غارقًا في العرق كافرًا بالمسلمات بسبب الرطوبة، فيستقبلك ريمون بابتسامة، يُغلق الباب خلفك، يُشعل التكييف بواسطة الريموت، يُرش معطر جو خفيف، ويُلهو عنك قليلًا ليترك لعواطفك المساحة والوقت لتحب المحل وأشياءه وتكييفه. كان يوفر تجربة أن تشتري أنت وصديقتك ملابس من نفس المحل مُستحضرًا روح هشام عباس وعالية في «تعالى»
يافطة المحل تحمل اسم Jeans street، المكتوب أيضًا على أعجوبة الكيس القماشي الذي اخترعه ريمون كبديل للأكياس البلاستيكية الرديئة المُتعبة لليد التي توزع بمحلات أبو هندية ونوشا ودكتور حسان.
يجلس دائمًا علي كرسي خشب رشيق صغير بجوار باب المحل، يرتدي بنتاكورًا وقميص كتان واسع، وحذاءً خفيفًا بدون رباط، يحتسي النسكافيه بتمهل في مج بصحبة مارلبورو أحمر، وتصدح من المحل أغاني وبروموهات قناة MTV اللبنانية التي لا تنقطع عن تلفازه.
ريمون أول مَن عرفني على المج والنيسكافيه، المج الملون وبرطمان نسكافيه نستله كانا جزءًا من ديكور المحل، بل جزءًا من ريمون نفسه.
دائمًا ما يلج المحل فتيات في أواخر العشرينات حزينات مُحجبات، لا يفارق الجينز الضيق أوراكهن، تتناثر القبلات بينهن وريمون، ويجلسن بجانبه يتحدثن الفرنسية، ويشاركنه المارلبورو الأحمر، ولا يقطع الجو الغرائبي سوي تعليقه علي جاكت جلد يقيسه زبون مرددًا عليه اسم الماركة، ومفسًرا سعره الغالي، الفتيات المُدخنات يَأمَن على كلام ريمون، ويقلن بالفرنسية ما معناه أن الجاكيت شيك فشخ.
محل هو جزء من دار سينما على تخوم محطة الرمل به تكييف ومعطر وفتيات مدخنات متحدثات بالفرنسية، والنسكافيه والمج وMTV اللبنانية، لن يجد من الزبائن مقاومة تُذكر.
و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن