تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حيرة في الثانوية العامة.. التحول من «الأوبن بوك» لـ«ورقة مفاهيم»

حيرة في الثانوية العامة.. التحول من «الأوبن بوك» لـ«ورقة مفاهيم»

كتابة: محمد أشرف أبو عميرة 8 دقيقة قراءة
صورة أرشيفية لطلاب خلال امتحانات الثانوية العامة / الصورة من موقع وزارة التربية والتعليم

فوجئت رضوى شريف، طالبة بالصف الثالث الثانوي من محافظة الجيزة، خلال حضورها الدرس الخصوصي في مادة التاريخ، أبريل الماضي، بنبأ من مُعلمها أن اختبار الثانوية العامة هذا العام لن يُسمح فيه باصطحاب الكتاب الورقي، أو التابلت للاطلاع على الكتب الرقمية. «كنت في الدرس في رمضان، ولقيتهم فجأة، بيقولوا مفيش أوبن بوك». 

ارتبكت شريف عند سماعها الخبر، «يعني مثلًا كطالبة أدبي فيه تواريخ كتير مستحيل أحفظها قبل الامتحان بشهرين؛ محتاجة السنة كلها».

بدأ طلاب الثانوية العامة امتحاناتهم الأساسية 26 يونيو 2022، بأداء اختبار اللغة العربية، وانتهى ماراثون الاختبارات في 21 يوليو، بأداء اختبارات الفلسفة والمنطق، والأحياء، والرياضيات التطبيقية، وشهدت هذه الاختبارات جدلًا كبيرًا قبل بدايتها بنحو شهرين، على إثر قرار وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، طارق شوقي، باستبدال اصطحاب الكُتب والتابلت في الاختبار، بـ«ورقة مفاهيم» تعدها الوزارة، وهو الجدل الذي فتح الباب لتساؤلات حول تجربة «الأوبن بوك»، ومدى نجاحها في تحقيق أهدافها المرجوة منها.

بعد سنتين من أداء طلاب الصف الأول الثانوي لامتحانات «الأوبن بوك» التجريبية في 2019، كأحد عناصر خطة «تطوير التعليم»، أصبحوا أول دفعة لاحقًا، تمتحن الثانوية العامة في العام الدراسي الماضي 2021/2020 بنظام «الأوبن بوك»، وهو ما كان يُفترض أن يستمر هذا العام الدراسي 2022/2021 أيضًا. كان الهدف المعلن من اصطحاب الكتب وقتها هو «تغيير الفكر والأسلوب والتحضير من إن بحَضر لأني بفهم، والدليل على كدة، إني في كل الامتحانات، هنسمح فيها بالكتب، كتاب مفتوح»، بحسب ما قاله شوقي في أبريل 2018. 

لكن شوقي أعلن في 20 أبريل الماضي، بعدم السماح بالتابلت أو الكتب، مع توزيع «ورقة مفاهيم» على الطلاب في اللجان، يمثل محتواها ملخصًا لأهم دروس ومفاهيم كل مادة للشُعب الثلاثة: أدبي وعلمي علوم ورياضة، وهو القرار الذي أطلق عاصفة من الغضب تجاه الوزير عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأنشأ الطلاب هاشتاج #انا_نظامى_اوبن_بوك_وحقى_ادخل_بالكتاب، للتعبير عن غضبهم من القرار.

برر شوقي قراره بعد ذلك في تصريحات إعلامية، بأن الطلاب سبق واستغلوا نظام «الأوبن بوك» في امتحان الثانوية العامة في السنة الدراسية الماضية 2021/2020 في الغش، وقال: «الطلاب يريدون دخول لجان الامتحان بالكتب الخارجية. قد يكون الكتاب منسوخ، وممكن يكون شكله كتاب وجواه ملازم أو موبايل. عدد ضخم من الطلاب كانوا يخبئون هواتفهم المحمولة داخل الكتب خلال امتحانات العام الماضي، ما أخل بتكافؤ الفرص لدى جميع الطلاب، لذا تقرر هذا العام عدم الدخول بالكتب أو التابلت»، وهو ما كرره لاحقًا خلال اجتماعه مع مديري المديريات التعليمية.

غضب الأهالي من إلغاء نظام «الكتاب المفتوح» دفع الوزير إلى الوعد بإتاحة «مجلدات المفاهيم» رقمية؛ تضم جميع «أوراق مفاهيم» مواد كل شعبة من شُعب الثانوية العامة في مجلد واحد رقميًا، لكي يقرأها الطلاب قبل الامتحانات، وهو ما نفذه في 26 مايو الماضي قبل الامتحانات بشهر، مع حرصه على التأكيد على ضخامتها، للإشارة إلى شمولها ما يحتاجه الطالب أثناء الاختبار.

ولكن، لم تحل «مجلدات المفاهيم» أو أوراقها مشكلة أغلب الطلاب، المعتادين في الأصل على الانتهاء من المناهج ومراجعتها مرة على الأقل قبل بداية الامتحانات بشهرين، قبل أن يجد الطلاب أن عليهم التمرين واستيعاب أسلوب مختلف لأداء الاختبار في خلال شهر فقط.

عند إطلاعنا على «ورقة مفاهيم» مادة التاريخ مثلًا، وجدنا ملخصًا لأفكار فصول المادة، وسرد لأبرز الأحداث التاريخية وتاريخ وقوعها ومعلومات عنها، وذلك في 31 صفحة. يحتاج الطلاب لأن يكونوا على معرفة جيدة بكيفية البحث وسط ذلك الكم من المعلومات لاستخراج ما يفيدهم منها.

ترى الشريف أن قرار «ورقة المفاهيم» أربك الترتيبات في الشهر الأخير  للإعداد للامتحانات، خاصًة مع اختلاف آراء المعلمين أنفسهم حول الورقة وفائدتها، وطريقة التعامل معها.

يتفق مع شريف في انتقاد القرار، أحمد مروان*، الطالب بالصف الثالث الثانوي، من محافظة سوهاج، خاصًة أنه شعر بالقلق بعد قراءة «المجلدات» لعدم تغطيتها كامل المعلومات الذي تجنب حفظها. «في الكيمياء مثلًا التفاعلات والعناصر ماجابهمش، والبلاغة سطر واحد».

سابق مُعلمو شريف ومروان الزمن في الاعداد للاختبار بـ«كتيب المفاهيم». فور إتاحته رقميًا، ذاكروه واستخرجوا «التَكّات» (النقاط الأساسية)، التي يمكن أن ينتج عنها أسئلة، قبل أن تواجههم عقبة، وهي أنه لا يغطي كل ما هو في الكتاب. ولضيق الوقت، ركز المعلمون على التدريب على الكتيب فقط، وإعداد اختبارات في الدروس اعتمادًا عليه. 

لكن لا يرى الجميع التحول لـ«ورقة وكتيب المفاهيم» من الكتاب المفتوح شيئًا سلبيًا. تتذكر الشريف بصعوبة أنها سُمح لها بدخول الكتاب لأول مرة في امتحانات الصف الأول الثانوي عام 2020، ولكنها لم تحضر الكتاب بصحبتها؛ «أصل هَبقى غبية لو هضيّع وقتي في كتاب بتاع 100 صفحة أساسًا»، لذا لم تراه الشريف ذو جدوى في أول تجربة لها فَلم تعتمد عليه.

ثم أدت الامتحان الثاني لها بنظام «الأوبن بوك» في الفصل الدراسي الثاني من الصف الأول الثانوي مايو 2020 إلكترونيًا من المنازل بسبب الإجراءات الاحترازية جراء انتشار جائحة كورونا. تشرح تلك المرحلة التي أدت فيها الامتحانات إلكترونيًا بالتابلت من المنزل بنظام «الأوبن بوك»، حيث اعتمدت على وصول الإجابات لها أثناء الامتحان، لكي تنجح. «كان مثلًا معايا تليفون ماما، وعاملين جروب بنات، والمدرسة بتبعت الإجابات، وإحنا بننقلها على طول وبنسلم. نجحنا كدة بركاوي».  

ترى الشريف أن ذلك النظام دفع الطلاب إلى الاتجاه للخيار السهل، وهو عدم اللجوء للمذاكرة طالما سيتم اصطحاب الكتاب، وهو رأي الكثير من زملائها، فيما ازداد الأمر سوءًا عند الامتحان من المنزل، وهو ما سَهّل الغش. 

مدير مديرية التربية والتعليم بمحافظة القاهرة السابقة، فاطمة خضر، ترى أن السبب وراء قرار الوزير، إلى جانب انتشار الغش العام الماضي، هو اكتشاف أن الطلاب لم يستوعبوا بعد نظام «الأوبن بوك»، حيث لم يذاكروا، لأن الكتب ستكون معهم أثناء الامتحان، لكنهم فوجئوا بنظام من الأسئلة مختلف، ولم يستطيعوا استخراج الإجابات مباشرة من الكتب كما توقعوا، وأدى امتحانهم بتلك الطريقة الجديدة سواء من حيث الأسئلة كاختيار من متعدد «بابل شييت»، أو بنظام «الأوبن بوك»، لانخفاض درجاتهم الكلية عن العام السابق. «الطالب قال خلاص بقى ما أنا هدخل بالكتاب. دخل ومش عارف مكان الإجابة رغم أن الكتاب معاه». 

بلغت نسبة النجاح في العام الماضي 74%، مقارنة بـ81.5 % في العام الذي سبقه، والذي لم يُطبق فيه نظام «الأوبن بوك» على طلاب الثانوية العامة.

محمد فؤاد، معلم اللغة العربية، يرى أنه لا يمكن إغفال أهمية التجريب الذي كان وراء فكرة «الأوبن بوك»، حتى لو لم تُطبق بشكل صحيح بالكامل في سنواتها الأولى. «بدء تطبيق ذلك يساعد على توسيع مدارك الطلاب وعدم تقييدهم بنظام محدد للدراسة، وما نقيسه يكون نواتج تعلم الطالب طوال مشواره الدراسي، ما يجعل الأمر يتحول لقياس عملية التعلم وليس الحفظ. الميزة هنا أننا خطونا الخطوات الأولى في إطار تغيير النظام الحالي».

لكن تطبيق الفكرة شَهد عدد من السلبيات، حسب فؤاد، الذي ينتقد أسلوب أسئلة الاختيار من المتعدد «البابل شييت» الذي طُبق ليلائم نظام «الأوبن بوك»، فذلك جعل كثير من الطلاب الضُعاف ومتوسطي المستوى يعتمدون على الحظ باختيار أي إجابة، وقد تصدف أن يختاروا الإجابة الصحيحة دون أن يكونوا على علم بسبب صحتها، وهو ما شاهده مع أكثر من طالب.

«الناس فاهمه موضوع الأوبن بوك أنه أنا هجيبله سؤال من قلب الكتاب، وهو يدور على الإجابة. مفيش الكلام ده. التجربة محتاجة طالب يكون مُلم بالمادة كويس، وبعدين يدور على حاجة تسند إجابته» يقول فؤاد، مضيفًا أن نوعية ذلك الطالب هو المتفوق الذي سيكون عليه أيضًا التغلب على تحدي ضيق الوقت المخصص للامتحان، والصعوبة البالغة لبعض الأسئلة في النظام الجديد.

ساهم النظام الجديد كذلك في زيادة الاعتماد على الدروس الخصوصية؛ ﻷن كل معلم أصبح يفهم النظام على طريقته، ويحتاج الطالب للإستماع لأكثر من معلم، يقول فؤاد، مؤكدًا أن «ورقة المفاهيم تساعدك على أنك تفهم، مش أنك تحل. أنا بكتب القاعدة مثلًا، وهجيبلك الأسئلة بشكل مختلف، لو أنت فاهم القاعدة، هتقرأها، هتفهم». وهي الفكرة التي يراها إيجابية، وتمنع الغش الذي كان يحدث عند اصطحاب الطلاب للمذكرات إلى اللجان. لكن بالوقت نفسه ما يرى فؤاد أنه غير مقبول هو إبلاغ الطلاب في وقت متأخر فقط باعتمادهم على «ورقة المفاهيم».

دور المعلم يصبح محوريًا هنا. نورا محمد، الطالبة بالصف الثالث الثانوي، من محافظة الجيزة، ترى أن الطالب الذي يستطيع استخراج نواتج التعلم، ومُعلمه دربه على ذلك، «هيسلك في الموضوع».

يرجع الباحث في المركز القومي للبحوث التربوية، كمال مغيث، الخلل في تطبيق تجربة «الأوبن بوك»، إلى تنفيذها بالشكل المخالف لغرضها من الأصل، وعدم تدريب الطلاب والمعلمين عليها، وعدم تطبيقها مبكرًا منذ المراحل الدراسية الأولى.

وهو ما يشتكي منه فؤاد أيضًا قائلًا إنه طوال السنوات الأربع الماضية لم يتم استدعاءه لأي تدريب عقدته الوزارة سواء له أو لأي من زملائه الذي يعرفهم من القطاع الخاص، بالرغم من أنه قدّم من قبل للحصول على تدريبات عقدتها الوزارة لمعلمين آخرين، وهو ما أدى لأن يتدرب بنفسه وكذلك الحال لزملائه عن طريق مشاركة خبراتهم بين بعضهم البعض، والتواصل مع من تلقى تدريب ممن يعرفونه.

يُعطي مغيث، الذي عمل معلمًا لمادة التاريخ في بداية حياته المهنية مثالًا لكيفية تطبيق هذا النظام: في مادة التاريخ لن يصبح لدينا كتاب مقرر من الأصل، ويدرس الطلاب موضوعات متنوعة. مثلًا إذا كان تركيز هذا الفصل الدراسي على تاريخ مصر الحديث، يعرض المعلم أشهر من كتب في ذلك مثل عبد العظيم رمضان، ويونان لبيب رزق، ولو موضوع النقاش الثورة العرابية، يُرشح للطلاب كتب مختلفة تتحدث عنها، من النواحي السياسية والاجتماعية، ثم أطلب منه في سؤال مناقشتها. 

يرى مغيث أننا ليس لدينا معلمون مؤهلون لذلك أو تم تدريبهم، ولا حتى  المناهج تسمح بتلك الطريقة في الشرح، موضحًا أنه مع تطبيق «الأوبن بوك»، استمر وجود الكتاب المقرر كما هو، ولم تتطور الأسئلة لتناسب ذلك النظام. لذا كان من الأفضل البدء في تدريب الطلاب من المرحلة الابتدائية أولًا على هذا النظام. ويضيف «عشان يعودوهم أنهم يعبروا عن نفسهم. الأمر محتاج تغيير الثقافة لدى الطالب من الحفظ إلى أنه من حقه يعبر عن نفسه. مثلًا، اسأل طالب أولى ابتدائي: لو معاك فلوس هتصرفها في إيه؟ واسيبه يقول إجاباته براحته، عشان يتعود إن مفيش حاجة محفوظة لازم يجاوب بيها».

يرى مغيث أن الأمر الأخطر حاليًا هو العبث بمستقبل طلاب الثانوية العامة من خلال التجريب غير المدروس فيهم. «شهادة الثانوية دي لو حبيت تختصر التعليم المصري، اختصره فيها. اللي بيتكتب عنها ضعف اللي بيتكتب على جميع مشاكل التعليم؛ لأن الأسر المتوسطة لمّا بتودي الطلاب المدرسة، مش بتوديه عشان حاجة إلا أنه يجيب مجموع حلو في الثانوية». لذا الثانوية العامة «على زمني كانت تعاقد صارم بين أولياء الأمور والطلاب والوزارة، أول ما احط رجلي في أولى ثانوي ببقى عارف كل التفاصيل عن الثانوية العامة». 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#بودكاست

يعني إيه الـUSAID يقف في مصر؟

نلقي نظرة سريعة على بعض آثار القرارات التنفيذية التي أخذها ترامب لتقليص المعونة الأمريكية على مصر

عثمان الشرنوبي و فرح فنجري 1 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن