تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حياة يجرها حمار

حياة يجرها حمار

#246|دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: محمود الشرقاوي 9 دقيقة قراءة
تصميم: مهرة شرارة

#جو عام

داخل قطاع المجاعة والحصار والإبادة، لا تزال الحياة تقاوم، كما نرى في هذا النص المستوحى من واقع كارثي فاقمته أوامر الإخلاء المتكررة واشتداد القصف، من قلب هذا الجحيم يكتب محمود الشرقاوي عن سعاد وحاتم، حيث صار النزوح المستمر عائقًا يفصلهما عن نفسيهما، بل عن الحياة وتقلص معناها لدرجة حملها على عربة يجرها حمارٌ، أو أن تُطوى داخل خيمة، بينما هي ما كان وما سيكون بعدما ينتهي كل هذا.

 #دليل

لا حلول أمام حاتم إلا أن يستجيب لابتزاز سائق العربة التي يجرها حمار. صوت الصواريخ آخذ بالاقتراب، ورصاص الجنود يزيح فراغات الهواء العليلة. حُجبت الشمس بدخان القنابل فأصبح الوقت ليلًا ولم يكن. لا يملك وقتًا للتفكير، لكن كل شيء حوله صار أكثر ضبابية، حتى صوته يبدو غريبًا في أذنه. دون أن يخبر سائق العربة بموافقته على مبلغ النقل، يضع أمتعته على العربة، يتمتم بشتمٍ خافت لصاحب العربة ويسأل عمن سمى ما يضعه على العربة «أمتعة». «بدفع عمري عشان شوية خردة، إيش جابرني أحمل هالكركايب»، يهمس لنفسه، ولكن ماذا يفعل؟ رغم الشقاء، سيضطر لأخذها إلى مكان نزوحه الجديد.

كانت الأقمشة البالية وأغراض المطبخ التالفة والكراسي وهذه السجادة المهترئة، هي ما سيحمله في رحلة الموت الجديدة. يشعر بحزن يلتف حول قلبه مع كل خطوة على الطريق، لكن لا يمكنه التوقف. وغرب مدينة غزة هو الوجهة، أو بالأحرى، هو مجرد اتجاه لم يتم تحديده بعد. «وين بيتعب الحمار بننصب خيمة جديدة»، يفكر، لكنه يعلم أن المكان سيكون بلا معنى. جيران الخيمة الثرثارين، نوع التربة التي لا تسمح بحفر آبار للصرف الصحي، والموقع القريب من مكب النفايات، كل هذا لا يهم، ما دام الحال دائم التبدل. مصير مجهول كالعادة. إما صاروخ ينهي هذا الفصل من العذاب، وإما أمر إخلاء جديد إلى مكان آخر.

«كانت سعاد والأولاد على جنب الطريق في حي الرمال غرب مدينة غزة، ينتظرون وصول حاتم أو خبرًا منه أو عنه، ففي لحظات وصول أوامر الإخلاء بالتزامن مع القصف العنيف، اعتاد الناس هنا أن تسبق النساء والأطفال إلى مناطق يُعتقد أنها أكثر أمانًا، فيما يتولى الرجال نقل الأغراض لاحقًا رغم الخطر. تحاول سعاد أن يسير الوقت. تناظر من حولها خيام الناس المنصوبة بشكل غير منتظم خلف بعضها، وترى تجمهرهم حول شاحنة المياه. تتذكر الأيام التي كانوا يقصدون فيها غرب مدينة غزة مع الأطفال، كانت المنطقة هنا متنفس الغزيين، مليئة بالحدائق، والمطاعم، ومقاه تطل على البحر. تتذكر الجلوس قرب الجندي المجهول، أكل البوظة من «كاظم»، وقطعة الكنافة من «أبو السعود»، وتناول العشاء في أحد مطاعم الرمال، أو ربما جلسة عائلية في كافتيريا الباقة، حيث تُسمع أصوات ارتطام الأمواج بحجارة الشاطئ.

كانت تلك اللحظات كأنها إشراقة أمل وسط الظلام، حيث كان الناس يضحكون ويتسامرون، وكأن الحرب لا تجرؤ على الاقتراب. لم تكن مجرد مشاوير، بل كانت لحظات نجاة قصيرة من وجع الحياة. والآن، لم يبق شيء، فقد أصبح غرب المدينة مليئًا بالخيام المتلاصقة بين أكوام الركام ومراكز الإيواء، تملأها روائح الغبار، والضجيج، والانتظار.

فيما تغمض عينيها وتغيب عن الواقع نحو شرفة منزلها، تتخيل زقزقة العصافير بدلًا من صوت الضجيج الذي حولها، وبدلًا من الخيام حولها تجاورها منازل جيرانها الأنيقة، ومن حولها في الشرفة زهور الغزاوي الجميلة. ذات صباح كانت سعاد تجلس هنا في مملكتها بين الورود والعصافير وصوت فيروز البديع، ترسم على لوحتها الأمل، أو بورتريه لصورة بكرها ثائر، تستمع إلى حلقات «البودكاست» الثرية، وتتابع ورش «كوميكس»، وتكتب قصصًا تُخبّئها في دفاترها المزينة بخربشات الأولاد. كانت تحلم بمعرض صغير تعرض فيه رسوماتها، وبكتاب قصصي للأطفال يحمل اسمها، وبعالم لا يُسحق فيه الفن وأشياء أخرى تحت جنازير الدبابات.

لكن الواقع وأصواته ينتزعها من الأحلام، حيث يصرخ أحد الأطفال بأن شاحنة المياه غادرت ولم يأخذ نصيبه. تفتح عينيها لتجد الغبار يحاصر وجهها، والعرق على جبين صغيرتها التي تمسك بطرف ثوبها. تنهدت، نظرت إلى الشرق، حيث يُفترض أن يظهر حاتم، وقالت في سرها: «الله يجيبك يا حاتم...عالقليلة بتدبرلنا أمورنا».

من على تبة الأغراض فوق العربة. يناظر حاتم نزوح العائلات من حوله، مشهد عايشه خمس عشرة مرة سابقة، من غزة نحو النصيرات، ومن ثم إلى خان يونس، ومنها إلى رفح، ثم العودة مرة أخرى إلى غرب خان يونس وهكذا دواليك، لا تختلف مرات النزوح عن بعضها، لكن ما يختلف هذه المرة أن يقينهم أنهم لن ينزحوا مرة أخرى تبين كذبه، وها هم ينزحون بعد انهيار وقف إطلاق النار. «يمكن آه صارت هدنة، بس الناس هان مش قادرة تصدق إنه الحرب ممكن تخلص، الموت هان بخلصش». قطع حاتم حبل خياله ليتذكر أنه نسي الحبال التي سيربط بها الخيمة على جانب الطريق قبل المغادرة، يدرك أنه لن يعود لأخذها، يرفع هاتفه ليخبر باقي أفراد الأسرة بطريقه وبضرورة تجهيز حبال لتثبيت الخيمة في موقع النزوح الجديد.

وفي اللحظة التي يشرع فيها حاتم بالاتصال ببقية أفراد عائلته ليخبرهم أنه تحرك من شرق الشجاعية نحو غرب مدينة غزة، سمع صوت انفجار هائل، ثم انقطع الاتصال. سعاد على الطرف الآخر من الهاتف، تتنفس بصعوبة، والدموع تكاد تخنقها، لكن كلمات حاتم كانت لا تزال تدوي في أذنيها. «تحركنا غربًا، في الطريق إليكم سعاد. لا تقلقي... سنتقابل قريبًا». كانت هذه آخر كلمات سمعتها قبل انقطاع الاتصال. تشعر بشيء ثقيل في قلبها، كأن شيئًا غير طبيعي حدث. لكنها تجمعت وأخذت نفسًا عميقًا. كل شيء في غزة يصبح غير متوقع في لحظة. كيف يمكنها أن تعرف ما إذا كان حاتم بخير أم لا؟ كم من مرة عاد ليخبرها أنه بخير، لكن يتضح أنه ليس كذلك، بل كان يداري.  فقط ليصدمها الموقف بعدها؟

القلق ينهش قلبها، لكن سعاد كانت دائمًا ما تدير الأمور، حتى في أصعب الأوقات. «لازم أضل قوية، مش عشاني عشان الأولاد». بينما كانت تلتقط هاتفها لتتصل بمن قد يساعدها، كان عقلها يشرد إلى ذكريات الأيام الماضية، حين كانت تضحك مع حاتم على فنجان قهوة في الصباح. لكن الآن، أصبحت هذه اللحظات وكأنها بعيدة جدًا، في زمن آخر.

هرب ذهن سعاد إلى لحظة بعيدة. حيث يقف حاتم باكرًا على المرآة المثبتة بجوار باب شقتهم ليعدل ربطة عنقه للمرة الأخيرة قبل النزول، ينادي على الأولاد حتى يصحبهم إلى المدرسة قبل أن يتأخر عن عمله، تتأكد سعاد أن حقائب الأطفال فيها كل ما يلزم، وأن حاتم لم ينس رشة عطره قبل النزول، والأهم أنه لم ينس وعده باصطحابهم إلى البحر مساءً، ينقطع حبل ذكريات سعاد قبل أن يكتمل، ويعود القلق ينهش ما تبقى فيها من أمل.

تمسك بيدها بقوة صورة حاتم، في محاولة لإبعاد أفكار الخوف. تفكر في كل شيء من حولها: كيف سيتعاملون مع مكان النزوح الجديد؟ هل سيصمدون مرة أخرى؟ هل سيكونون معًا بعد هذا اليوم؟ بينما تبدأ في الاستعداد لرحلة جديدة، تجد نفسها تتساءل: هل ستتمكن من تحمل مزيد من الفقد؟ وهل ستجد حاتم في النهاية، أم سيظل مصيره ضبابيًا كحال كل شيء في غزة؟

سريعًا يزول الضباب عن مصير حاتم، حين يرن هاتف سعاد، «قلقت عليك والله يا حاتم، يا زلمة وين وصلت؟!» يرد أحدهم ومن خلفه الضجيج «أنا مش حاتم، أنا طبيب من المستشفى العربي الأهلي، وصلنا حاتم عالمستشفى مصاب ومعه هادا الجوال».

سعاد دون أن تجيب الطبيب. تهرع إلى المستشفى دون انتظار، تترك الأولاد لدى رب أسرتهم الصغير ذي الخمس عشرة سنة، ثائر، على جانب الطريق غرب مدينة غزة. سيتحمل ثائر مسؤولية هذه الأسرة إلى حين عودة أمه وأبيه أو أحدهما، سيضطر للاحتطاب وإشعال النار وطهو الطعام، ولن ينسى موعد دواء يامن ذي الثلاث سنوات، وعليه أن يحمي ياسمين وفاطمة من أي خطرٍ، فسيتكفل بلا شك بأخذ القرار المناسب إذا ما اقترب خطرٌ من مكان انتظارهم.

كان قلب سعاد منقسمًا بين مصير حاتم المجهول، والأولاد الذين تركتهم على قارعة الطريق في مكان ما غرب مدينة غزة. لكن مصائر الناس في قطاع غزة لا تبقى مجهولة كثيرًا، بل يقطع الناس الشك باليقين إذا ما طال الغياب وانقطعت الأخبار. سعاد تصل إلى حاتم أخيرًا، لم تناظره ببدلته وربطة عنقه كما اعتادت وأحب، اختلط على جسده غبار النقل بغبار الصواريخ وبللهما دمه، ينزف جسد حاتم من كل مكان، يقول الطبيب بسرعة توحي بأنه مضطر لمساعدة مصاب آخر «فش وقت كتير معانا، هلقيت لازم تنقلوه عالمستشفى الأوروبي بخانيونس، لو ما عمل العملية حنكون مضطرين نقص رِجله، ولازم يكون معه مرافق»

يملأ الطنين أذني سعاد فلا تسمع، وترتجف قدماها على الأرض ويزوغ بصرها، سيل من الأفكار يفتك بما تبقى من صوابها، وحاتم ما زال بين الصحو والغياب، يتفقد جرح قدمه دون أن يعرف مصيرها. وفي الشارع يعجز ثائر عن إسكات بكاء يامن الذي يستوحش الشارع ويطول عليه غياب أمه وأبيه.

يعود وعي حاتم قليلًا، فيجد سعاد إلى جانبه، كما كانت دائمًا، متعبة من النزوح المتكرر، لكنها كلما شعرت باليأس، كانت تذكر نفسها بأن الأطفال بحاجة إلى الأمل. كان الأطفال، الذين رأوا حياتهم كلها تدميرًا، لا يعرفون بعد كيف يصمدون أمام طوفان الحياة في غزة، لكنهم سيفعلون ذلك كرهًا عنهم.

تأخر الوقت وعلى سعاد أن تترك حاتم، عليها أن تعتلي تبة الأغراض بدلًا عنه، حتى تتمكن من نصب الخيمة في أسرع وقت، ثم تعود العربة التي يجرها حمار لنقل حاتم إلى الجنوب في محاولة لإنقاذ قدمه من البتر. تمشي الدابة بخطى ثقيلة نحو الغرب حتى تصل إلى ثائر والأولاد. الوجهة هذه المرة معلومة، لكن المصير مجهول. وصلت العربة إلى مكان الانتظار، ووجدت سعاد يامن قد اتخذ من قدمي ثائر وسادة ونام في الشارع، فيما فشل ثائر في إرضاء ياسمين وفاطمة بصحن الفاصولياء الذي قاتل أمام تكية الطعام ليحصل عليه.

لا حلول أمام حاتم مرة أخرى، عليه أن يتجه نحو الجنوب في محاولة شبه إعجازية لإنقاذ قدمه، يقول الطبيب هنا إن في المستشفى الأوروبي إمكانات على قلتها تبقى أكثر مما هو عليه الوضع هنا. على ذات العربة التي يجرها حمار سينتقل حاتم مصابًا إلى جنوب قطاع غزة عبر شارع الرشيد الساحلي، لا مفر إلا الرشيد.. ذاك الشارع الوحيد الذي تركوه مفتوحًا.. للعابرين بين موتين، جيش الاحتلال يغلق كل الشوارع ويمنع حركة الناس من شمال قطاع غزة إلى جنوبه والعكس، إلا مشيًا على الأقدام أو بعربة يجرها حيوان عبر شارع الرشيد الساحلي، وعلى الرغم من مخاطر الانتقال تلك، فإنه مضطرٌ للنزوح إلى جنوب قطاع غزة في محاولة شبه مستحيلة يصحبه فيها أخوه عمر، فهو أصغر أشقائه والوحيد غير المتزوج بينهم.

في صباح اليوم التالي، وعلى ذات العربة التي حملت متاعه في رحلة النزوح، وها هو الآن فوقها مرةً أخرى، لكن ليس بجسده السليم، بل بقدمٍ تنزف وألمٍ لا يُحتمل، حمله أخوه عمر بصمت نحو الجنوب. طريق الموت ذاته أصبح طريق العلاج، والنزوح وسيلة النجاة. يغادر حاتم مدينة غزة، تاركًا قلبه مع سعاد، وثائر، ويامن، وياسمين، وفاطمة. ترك كل شيء خلفه، ولم يكن يحمل معه سوى صورةٍ باهتة للعائلة في نزهةٍ نادرة على شاطئ البحر.

وفي غرب المدينة، جلست سعاد تحت شجرة زيتون متيبّسة، ترقّب في عينيها غروب شمسٍ جديدة، لا تحمل غير التعب. كانت تعرف أنها الآن وحدها، تمامًا، لا وقت للضعف، ولا مكان للخوف. ثائر الصغير صار رب الأسرة، والشتات صار بيتًا، والمجهول صار عُرفًا لا استثناء.

في غزة، لا تُدفن الأحلام مرةً واحدة. بل تُنزَح، وتُبعثر، وتُرمم على عَجل، تُخبّأ تحت خيمة، أو تُعلّق على جدار خَرِب، علّ الحياة تمنحهم فُسحة يومٍ آخر… لا أكثر. وفي الأفق، تمضي عربة أخرى، يجرّها حمار، تحمل من بقي، وتترك من رحل. وفي القلب، يبقى رجاءٌ صغير، أن تنتهي الرحلة يومًا، وتعود العصافير إلى شرفات البيوت بعد عودة سكانها إليها، وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن