حوار مع شيخة البهاويد| عن الحراك النسوي في الكويت وما ينقصه
ننشر هذا النص ضمن فترة التدريب والدراسة الخاصة بـ«الأكاديمية البديلة للصحافة العربية»، حيث نعمل عن قرب مع كُتّاب وكاتبات من المنطقة في تطوير مهاراتهم الصحفية. الأكاديمية هي برنامج زمالة مُكثف مدته عام، يشجع على الإبداع والتفكير النقدي في الصحافة وتشرف عليه «فبراير»: شبكة وسائل الإعلام التقدمية المستقلة الرائدة في الشرق الأوسط: مدى مصر | الجمهورية | معازف | ميغافون | صوت. على مدار عامٍ كاملٍ من القراءة والنقاش والممارسة والعمل في هذه المؤسسات الصحفية، تحاول الأكاديمية تجريب واختبار مساحات جديدة وخلّاقة للسرد والتعبير، والاشتباك مع الكثير من المسلمات في سياقنا العربي، والتدرب على نهج مختلف في طرح الأسئلة والاستقصاء والبحث، ومناقشة علاقة الصحافة بالتاريخ والمكان والتراكمات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية.

شيخة البهاويد، كاتبة من الكويت، درست القانون في كلية الحقوق بجامعة الكويت، وأكملت الدراسات العليا، لتوظف كل ما درسته في الصحافة، وفي نشاطها النسوي والفكري.
اليوم هي مديرة تحرير موقع «منشور»، ونسوية تدافع عن حقوق المرأة، وتحكي بكل جرأة عن وضع المرأة في الكويت والخليج عمومًا، وتسلط الضوء على القوانين المتعلقة بكل ما يخص المرأة، ونشاطها الفكري يجعل قضيتها النسوية تتقاطع مع كل الجوانب الاجتماعية والإنسانية لتتناول كل المواضع وتنتقل برشاقة لتناقش كل ما هو تابو ومحظور.. وهو ما ظهر في حوارها معنا، وهي تحكي عن واقع المرأة وطبيعة الحراك النسوي في الكويت.
مدى مصر: كقانونية وحقوقية، اتجهت للعمل الصحفي، ورغم الرقابة المجتمعية اخترتِ الكتابة النسوية في الكثير من كتاباتك، كيف اتجهتِ للصحافة؟ وكيف أصبحت نسوية؟
شيخة البهاويد: في الحديث عن النقطة الأولى، دراسة القانون والعمل الصحفي، بدأتُ الكتابة من عمر صغير، كتبت أعمال أدبية طفولية صغيرة، وشاركت في مسابقات كنت أحب الكتابة من الصغر.
خلال السنة الأولى في كلية الحقوق أُتيحت لي فرصة العمل في الصحافة، أدرت صفحة قانونية حينها، وكانت أفضل فرصة تُتاح لي، بعدها لم أعمل كليًا في شهادة القانون، لكن استخدمت المعلومات التي درستها في العمل الصحفي.
بخصوص الكتابة عن النسوية، لا أستطيع التعبير عن لحظة تشكّل فيها الوعي النسوي، في طفولتنا لا نعرف مصطلح النسوية، لكنني لاحظت الفروقات الجندرية بين الولد والبنت، والسلطة المفروضة تبعًا لهذه الفروقات كانت واضحة بالنسبة إليّ، وكنت أتكلم عنها دائمًا وأحتجّ عليها.
في بدايات الكتابة، كنتُ صغيرة بالعمر، لكن بالفعل كتبت كتابات نسوية، ربما لم تكن ناضجة كفاية لنطلق عليها مصطلح النسوية، لكن كانت عن المرأة، ومع النضج تحولت الكتابات إلى «كتابات نسوية»، أستطيع القول لم يكن تحول جذري من.. إلى.. هي رحلة نضج مشيت بنفس السلالة بالكتابة بشكل عام وبالكتابة عن المرأة.
مدى مصر: في الحديث عن الكتابة النسوية، أتذكر أول مقال لك مع منشور كان بعنوان «هل هناك حركة نسوية حقيقية في الكويت» اشتبكتِ فيه مع ما أسميتِها «النسوية الطفولية» و«النسوية البرجوازية»، لكن اليوم في ظل التحولات بالمشهد النسوي في الكويت خاصة بعد حملات مثل حملة «عزاء النساء» التي لم يقتصر التفاعل معها على الكويت بل امتد صداها للمنطقة، كيف نقرأ الحراك النسوي اليوم؟
ش ب: عندما كتبتُ المقال لم يكن في الكويت حراكًا، كان مجرد عمل نسائي، وكما قلتِ وجدت طبقة برجوازية تتكلم عن المرأة من منظورها الخاص ومن مشاكلها الخاصة، لكن بحسب تحليلي الشخصي مع الثورات العربية، بدأ في الكويت حراك سياسي من 2010 مرورًا بـ2011 و2012، وهذا الحراك أتى بعد انقطاع طويل من الحراكات السياسية في الكويت، وهنا بدأت مشاركة المرأة واضحة في هذا الحراك، بعد نقاش حاد أدى لطرح مسألة قبول المرأة في الحراك السياسي أم رفضها، وهذا حرّك المياه الراكدة.
من جهة أخرى، كان للنسويات السعوديات تأثيرًا كبيرًا جدًا على السوشال ميديا، وكان لهن تأثير على نسويات في الكثير من الدول، لكن بطبيعة الوضع الاجتماعي تأثيرهن على الكويت كان الأكبر، بعدها بدأت موجة الاعتقالات في السعودية سواء للناشطات النسويات أو أي شخص يقوم بأي حركة سياسية، انسحبت النسوية السعودية من الساحة إلى السوشال ميديا، وهنا بدأت تظهر النسوية في الكويت بشكل أوضح.
البنات الصغيرات عرفن أنهن يمتلكن القدرة على الكلام، ثم امتلكت النسوية في الكويت أدوات جديدة برأيي بعضها تناسب المجتمع الكويتي، وبعضها الآخر لا، لكن تعلمنّ أن يتحركن.
عندما بدأنا حملة «عزاء النساء»، أنا من الناس التي عملت عليها، كنّا متوقعين تفاعل، لكن لم نتوقع تفاعلًا بهذا الحجم، وهذا كان واحدًا من الأشياء التي أثبتت أن الحراك النسوي في الكويت بات واضحًا.
نزول للشوارع، واعتصامات متكررة وهذا تغير جذري عن الفترة التي كتبت بها المقال، أتذكر أني كتبته بين 2015-2016 والاختلاف كبير جدًا بين تلك المرحلة واليوم، حتى النسوية البرجوازية التي انتقدتها، الجمعية الثقافية النسائية في الكويت بدأت اليوم تغيّر من سياساتها، أصبحت تتكلم عن نساء البدون، والتعليم، ونزلت لشرائح مختلفة في المجتمع، وبدأت تحضر أشخاصًا من خارج «عوائل معينة» عكس ما كانت تفعل في السابق، حتى أعضاء مجلس إدارتها كانت في السابق أصغرهن عمرها بحدود 56 سنة، اليوم يوجد بنات صغيرات يدخلن مجلس الإدارة، حتى الجمعية الوحيدة المُرخصة المعنية بالمرأة بالكويت عدّلت سياستها بسبب وجود هذا الحراك.
اليوم يوجد حراك نسوي، يوجد تفكيك لأفكار المجتمع، لكن هذا الحراك غير كاف، لازال صغيرًا وغير ناضج أو منظم، يحتاج أن يكون أكثر ترتيبًا وتنظيمًا، أكثر من مجرد الشكوى، واللجوء إلى العمل بالواقع وعلى الأرض أكثر.
مدى مصر: إذا كان الحراك لا يكفي، وبنفس الوقت تكلمتِ سابقًا عن تناقضات بقوانين الأحوال الشخصية، والصعوبات التي تواجهها المرأة عندما تتوجه للشكوى القانونية إثر حادثة عنف أو تحرش، ومن الصعب تغيير القانون، إلى ماذا تحتاج النسويات في الكويت اليوم؟
ش ب: يوجد صعوبة بتغيير القانون، لكن ليس بالصعوبة التي تعني استحالة تغييره بالنسبة للحراك النسوي في الكويت، مؤخرًا أُقرّت قوانين العنف الأسري والعمالة المنزلية والعنف ضد الطفل، اقتُرِح قانون آخر ضد التحرش، حتى اعتصامات النساء شارك فيها نواب.
القدرة على بناء التحالفات والدفع بإقرار قوانين تحمي المرأة موجودة، مع إمكانية تطبيقها أيضًا، ليست مستحيلة، لكن انعدام العمل المنظم، وعدم معرفة الأهداف الواضحة وترتيب الأولويات كلها مشكلات تُدخل الحراك في دوامات الشكوى، والهاشتاجات، وتبعد الحراك عن العمل الحقيقي.
من ناحية، بالنسبة للمشرعين والقوانين قضايا المرأة ثانوية، لكنهم لا يمانعون إقرارها. مثلًا الكويت دولة لا تمانع إقرار أي قانون يحقق مساواة للمرأة، بالطبع التطبيق يكون مختلفًا ببعض الأحيان، ومن الممكن أن يحوي القرار ثغرات وما إلى ذلك، لكن سياسة الدولة العامة لا تمتلك أي مشكلة مع قضايا المرأة، وانعدام وجود هذه المشكلة لسببين أو ثلاثة.
السبب الأول حقيقة أن الكويت دولة بُنيت على هجرات، فبنيت على انفتاح معين، منذ بداية الدولة لا تتعرض المرأة لقمع كبير، بل كان وضع المرأة في الكويت -والبحرين أيضًا- متقدمًا نوعًا ما بالمقارنة مع بقية دول الخليج، تعلمت الكثير من النساء في الجامعات، ودرست خارج الكويت وقادت السيارة، لكن هذا بالطبع لا يشمل جميع شرائح المجتمع، فقد ظلت بعض الشرائح دون الحصول على هذه الحقوق لأسباب اجتماعية.
السبب الثاني الكويت تهتم بصورتها الخارجية بشكل مهول، بل غير طبيعي، مهم جدًا بالنسبة لها أن تظهر كدولة داعمة للمرأة ومنفتحة وديمقراطية، بسبب كمية الاستثمارات الخارجية الكبيرة جدًا في الكويت، وعدم إظهار صورة ديمقراطية ولائقة قد يؤثر على استثماراتها.
من جهة أخرى، وهي الأهم، خلال فترة الغزو العراقي للكويت، دول التحالف - أميركا وبريطانيا وفرنسا- التي ستحرر الكويت، كانت تحاول قمع الشعوب ومجلس النواب. ورئيس الدولة وهو يحاول إقناع مجلس النواب في الدول الثلاث بتحرير الكويت، كان رفض مجالس النواب أو الكونجرس أن الكويت دولة مشيخية لا داعي لتحريرها، لكن كان حجتها أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة بالخليج. فكانت فكرة التحريرة قائمة على تحرير دولة ديمقراطية من أخرى ديكتاتورية، وهذا ما جعل الكويت تُغيّر سياساتها تجاه مجلس الأمة، الذي أصبح البرلمان بعد التحرير.
عدتُ للوراء كثيرًا، لأن حجة الكويت بأنها الديمقراطية في الخليج هي التي حررت الكويت، وإذا ظهرت اليوم بمظهر غير ديمقراطي ستخسر عمودًا مهمًا في صورتها أمام الدول التي لا تزال تتكلم عن تحرير الكويت، ولهذا السبب نجد دائمًا وزيرة في الحكومة لذر الرمال في العين كما يُقال، «تريدون امرأة؟» لدينا وزيرة، ووكيلات نيابة، وفتحنا الباب للشرطيات والقاضيات.
لكل تلك الأسباب لا تتعارض السياسة العليا للدولة مع قضايا النساء، إلّا في حال تعارض أي حق للمرأة مع خطة أو قرار يفكرون به، فحق المرأة يبقى في المرتبة الثانية، فالدولة لا تمانع قضايا المرأة، لكنها تعارض تجنيس أبناء المرأة الكويتية المتزوجة من غير كويتي لأن مسألة الجنسية لها مميزات اقتصادية، وأيضًا بسبب العنصرية العِرقية بعدم إدخال جنسيات أخرى مع الجنسية الكويتية، فهنا في حال تعارض حق امرأة مع رغبة عليا موجودة حقها آخر ما يفكرون به.. المشهد مُعقد نوعًا ما.
مدى مصر: بالفعل سبقتِ فضولي، لقد لفت نظري كيف استفادت النسويات في الكويت من النشاط السعودي والنسويات السعوديات الرائعات فعلًا؟
ش ب: الحركة النسائية بالكويت -لا الحركة النسوية- بدأت منذ بداية تأسيس الدولة، بداية الحراك والمطالبات في الستينيات كانت المطالبات بالمساواة والعمل على تحقيقها، لكن دون أساس فكري أو تنظيري وهو ما جاءت به الحركة النسوية لاحقًا والتي كرست التقاطع بين بقية الفئات من النساء على أسس نظرية.
فأول تعليم نظامي للنساء في الخليج كان في الكويت، والبحرين كذلك كانت مقاربة للكويت في بداية التعليم والثقافة والفن، لأن البحرين دولة عندها تحرك كاف وثقافة أيضًا، كونها أيضًا دولة تاريخية.
في بداياتها، اهتمت الكويت بتعليم المرأة، ووجودها بالعمل وفي الجامعات، ولم تكن معضلة قيادة المرأة للسيارة مثلًا مع أول سيارة دخلت الكويت، وعند المطالبة بحقوق معينة وجدت حينها تجمعات نسائية للمطالبة بها، تُعطى الحقوق من الرجال طبعًا، لكن المطالبات كانت موجودة، كانت تحركات نسائية حينها، لكن اليوم صار حراكًا نسويًا. وعلى الرغم من أنه غير منظم، لكنه يتبنى مدارس فلسفية معينة، وأكثر مدرسة مُتبناة اليوم في الكويت هي النسوية التقاطعية والتي تتقاطع فيها قضايا كل شرائح النساء والقضايا التي تشابه قضايا المرأة في الهيكل القامع للمرأة.
مدى مصر: بالعودة في تاريخ الصحافة، الكويت كانت من الدول العربية القليلة التي حظيت فيها الصحافة بحرية، على الرغم من ذلك التجربة النسائية كانت متواضعة جدًا، كيف تغيّر دور النساء في الصحافة؟ وهل خدمتنا المواقع المستقلة؟
ش ب: مبدئيًا فكرة المواقع المستقلة موجودة أكثر في سوريا، والأردن، ومصر.
في السعودية، كان موقع «ثمانية» مستقلًا، لكن تم الاستحواذ عليه من مؤسسة حكومية، أمّا بالكويت فـ«منشور» الموقع المستقل الوحيد بالكويت، سيكون مستغربًا إذا سمعت بمواقع أخرى لا أعرفها فأنا متابعة جيدة، لكن ربما أكون غفلت عن شيء، يوجد حسابات إخبارية وشيء من هذا القبيل فقط.
عن النساء الصحفيات، خلال فترة السبعينيات عُرفت كاتبة صحفية كويتية اسمها ليلى أحمد، كانت ناقدة فنية لكن هذا كان مُستغربًا، ويُعتبر معيبًا أن تعمل المرأة في الصحافة. اليوم الموضوع صار أسهل نوعًا ما، لكن النظرة المجتمعية هنا ليست فقط للمرأة التي تعمل في الصحافة، بل يُنظر لأي شخص يعمل في الصحافة على أنه شخص غير متعلم، حتى أنا لليوم حين أخبر أحد أنني درست الماجستير في القانون يستغرب ويسألني عن سبب عملي في الصحافة.
بالنسبة لهم عمل الصحافة متدني اجتماعيًا، بسبب غياب فكرة العمل الصحفي الحرفي، والبحث عن قصة صحفية، والبحث عن مسألة تغيير المجتمع عبر كتابات معينة.
بناء القصص، حرفية العمل الصحفي، لا تزال تقف عند الستينيات وتقليدية، حتى لا شيء ممتع للقراءة.
بالعودة لموضوع ليلى أحمد، عندما كانت تكتب ربما كانت الصحفية الوحيدة من الكويت، والبقية من دول عربية ثانية، وبعدها أتت صحفيات جديدات وهكذا تطور الموضوع، اليوم ألاحظ بنات صغيرات يكتبن ضمن اختصاصاتهن، مَن تدرس اقتصاد مثلًا تعمل على موضوع صحفي اقتصادي، أيضًا بسبب النظرة للصحافة في الكويت لا تصبح الصحفيات متفرغات ومحترفات.
مدى مصر: في الحديث عن نظرة المجتمع للصحافة سواء الرجال أو النساء، قرأت سابقًا أنه يُمنع ظهور المرأة الكويتية بالمسلسلات الكويتية كنادلة في مطعم مثلًا، هل تُعمم النظرة؟
ش ب: هذا للرجال والنساء بسبب داء النفط، يوجد نظرة متعالية بالمجتمع لوظائف معينة، ونظرة احتقار لو ظهر شخص عادي بوظيفة عادية، ويُعتبر إنجاز يُحتفى به ويظهر على الشاشات واللقاءات إذا تنازل شخصٌ ما وعمل في مطعم أو جراج، يُحتفل به حرفيًا، ويحصل على نوبل، كويتي وعمل بيديه.
مدى مصر: عملتِ في «منشور» على ملفات جريئة وحساسة في المجتمع، مثل ملف «الهوية الجنسية» أو «الانتحار» أو ملفات أخرى لها علاقة بالتكفير أو الآراء الدينية، كان واضحًا هامش الحرية، هل كان اعتمادًا على سياسية الكويت، أم أن حرية الموقع المستقل فرضت نفسها؟
ش ب: اعتمدنا على الاثنين، أولًا يوجد هامش حرية في الصحافة بالكويت نستطيع التحرك فيه، ثانيًا «منشور» ظهر كموقع إلكتروني مستقل في وقت ما قبل قانون المنشورات الإلكترونية الذي يُعرف اليوم بقانون الجرائم الإلكترونية.
بدون هذا القانون، كانت المساحة أكبر، وكون الموقع مستقل مؤسسينه أفراد عاديين، لا تحكم سياسة التحرير مصالح معينة، مجرد مجموعة أشخاص لديهم نفس الأفكار ويعبرون عنها، هذا أعطانا مساحة أكبر وأكبر، وأتاح لـ«منشور» الدخول في قضايا، بدون الضغط الذي تفرضه أماكن أخرى.
مدى مصر: لاحظنا بفترة غياب «منشور» عن الساحة ثم اتجاهه للمحلي أكثر، ماذا حصل؟
ش ب: أنطلق «منشور» في البداية كمدونة، ثم تحولت إلى موقع تأسس في الكويت، بعدها توسع بافتتاح مكتب آخر في مصر إلى جانب وجوده بالكويت. لكن بسبب معاناة الصحافة المستقلة من مشكلة التمويل، اضطررنا إلى إغلاق مكتب مصر والاكتفاء بوجودنا في الكويت، وهذه كانت فترة لمحاولة لملمة الشتات، بعدها عدنا ثانية مع وجود مستثمرين، لكن هذه العودة كانت بشكل محلي أكثر.
مدى مصر: في معايير النشر مع «منشور» ملاحظات تقول استخدام الأسلوب البسيط المباشر، دون تحذلق واستعراض لغوي، هل كان الهدف الابتعاد عن النخبوية، أم محاولة توسيع شريحة القراء؟
ش ب: الهدف الأساسي توسيع شريحة القراء مثلما قلتِ، بنفس الوقت الفكرة الأساسية من «منشور» هو المنشور الزجاجي، الذي يتحول من اللون الأبيض للألوان المختلفة، أحلل وأفكك الموضوع، فإذا فككتُ الموضوع بشكل صعب ولغة أصعب من الموضوع نفسه فأين يكون التفسير، أكون قد فسرت الماء بالماء.
أيضًا الوصول إلى شرائح عمرية والوصول إلى درجات الثقافات المختلفة، والأهم أصلًا في كل فكرة نطرحها، أن تصل للناس، إذا كانت الكتابة ثقيلة جدًا من الصعب أن يقرأها شخص ما زال يحاول التعلم، لذلك نحاول التبسيط قدر الإمكان، وهذه طريقة الكتابة الأكبر في «منشور».
مدى مصر: أنتِ دائمًا داعمة لقضية البدون أو العاملات المنزليات واعتمدتِ خلفيتك القانونية لدعم فكرك، اليوم ما هي التحديات التي تعاني منها النساء بهذه الطبقات المسحوقة والمهمشة ونغفل عنها؟
ش ب: بالمقام الأول أن يملكن صوتًا ليتمكن من التعبير عمّا يعانين منه، في النهاية نحن نتكلم عن الذي نراه.
عندما أتكلم عن القوانين أو نماذج معينة فهذا ما أراه أو أسمع عنه، لكن صاحب القضية عندما يتكلم سيعبّر عن القضية أفضل منّي، هذا بخصوص عاملات المنازل اللاتي يفقدن وجود صوت لهن.
بالنسبة للبدون، أفضل ما فعلته السوشال ميديا تحرك البنات الصغيرات، مؤخرًا النسويات البدون بدأن يتكلمن عن قضاياهن، واختلافها عن قضايا البنات الكويتيات، ماذا يواجهن، يومياتهن، وما يتعرضن له من أحداث.
البنت البدون تحتاج تجديد وثائقها الرسمية كل ثلاثة أشهر تقريبًا، ومن الممكن أن يتم التحرش بها ومساومتها مقابل علاقة معينة مع الموظف أو صاحب الإدارة. لو كانت معلمة وأنجبت يوم الخميس فإنها يجب أن تكون موجودة بالمدرسة يوم الأحد، وإلا ستُحرم من راتبها، وذلك على عكس وضع المرأة الكويتية التي من الممكن أن تأخذ إجازة رضاعة سنة كاملة.
فالقضايا التي تتعرض لها المرأة البدون تختلف عن قضاياي، لا أعتقد إذا أردت تجديد أوراقي من الممكن أن يساومني أحد، من الممكن أن أجددها أونلاين أصلًا.
اليوم البنات البدون يتكلمن بأسمائهن على تويتر، وحين يتكلم صاحب القضية نحن ندعمه، لا نتكلم بدلًا عنه، نسمع لصاحب القضية يتكلم عن نفسه والصوت يظهر ويعلو، والقضايا المهمشة مثل المرأة البدون أو العاملة المنزلية أو المرأة السوداء عندها قضاياها المختلفة. المرأة من الأصول الفارسية اليوم هي الفئة الوحيدة في الكويت التي تعاني من زواج القاصرات.
حتى المرأة البدوية لديها قضاياها المختلفة فهي تعاني من منعها من التعليم والسفر والدراسة الجامعية والعمل، تعاني من حصرها في وظائف معينة وتزويجها بالرغم عنها، ومن العنف الاقتصادي والمنزلي أيضًا. والعاملة المنزلية بالطبع لديها قضاياها المختلفة.
أما عندما نتكلم عن المرأة الكويتية فنحن نتكلم عن مشاكلها في المنزل، جنسية أولادها، المساواة في الأجور، لكننا نغفل عن نساء لا يملكن أجورًا في الأساس، لذلك أنا ممتنة جدًا للبنات الصغيرات اللاتي تبنين النسوية التقاطعية، وهذا فكر متقدم جدًا.
مدى مصر: تكلمت عن نقطة أرغب بالإضاءة عليها، وهي تواجد النساء في مراكز صنع القرار، يوجد وزيرة ووكيلات نيابة، هل هو مجرد تواجد نسائي شكلي؟
ش ب: الدور الحقيقي بالنسبة لي هو في النظام نفسه، إذا قلنا في الحكومة مثلًا وزيرة واحدة مقابل 18 وزيرًا، هل نستطيع القول إن دورها ليس حقيقيًا؟
هنا دعينا أن نوضح أننا نمتلك وزيرة امرأة واحدة، ومن ناحية أخرى لدينا ما يقارب 16 وزيرًا لإكمال العدد، فيوجد ثلاث أو أربع وزارات فقط هي الفعّالة.
الموضوع لا يقتصر على كونك رجلًا أو امرأة، بل نظام سيء يُطبق على الجميع، لكنه يتضح أكثر بالنسبة إلى النساء، فنحن دائمًا نريد قياس نجاحاتها، دائمًا المرأة تحت الاختبار.
في حال هذه الوزيرة لم تقم بدورها بشكل جيد، هذا يعني أن النساء كلهن لا ينفعن، حتى مجلس القضاء الأعلى في الكويت عندما قبِل وكيلات نيابة في أول دفعة، لم يقبل في الدفعة التي تلتها، بحجة أن عليهم تجريب الدفعة الأولى إذا نفعت، وعليهم قياس نجاح المرأة في هذا العمل قبل قبول دفعة ثانية.
الموضوع غريب جدًا لأن غلطة امرأة تتحملها كل النساء، لكن على الرغم من المشاكل التي تحصل بالقضاء لا أحد يقول علينا التوقف عن قبول الرجال، لأن الرجل يتحمل خطأه وحده.
فهذه المشكلة تمنعنا من الجزم ما إذا كانت المرأة فعّالة بشكل حقيقي أو صوري، لأن النظام بحد ذاته في كثير من الأحيان يكون صوريًا.
لكن النساء يعملن عملًا حقيقيًا في القضاء والنيابة، ومجالس إدارات شركات تجارية كبيرة بالقطاع الخاص، والبنوك. دورهن حقيقي وفعّال، ويحصلن على مناصبهن بجدارة.
في الرياضة النسائية مَن حصلن على مناصب فعلًا حصلن عليها بجدارة أتقنَّ الرياضة من الألف للياء.
بالنهاية يوجد أماكن وجود النساء فيها فعّال وصحيح، ويتم اختيار المرأة الصحيحة لا لمجرد كونها امرأة، لكن في الأماكن التي يسيطر عليها نظام ضعيف، يحصل خلل وتتداخل فيها عوامل كثيرة ليصبح فيها وجود المرأة مثل عدمه.
مدى مصر: دائمًا يوجد بُعد إنساني للصحفي من الممكن أن يغفل عنه القارئ، اليوم أنت امرأة في مجتمع محافظ موجودة فيه القبلية والطائفية، تناقشين مواضيع حساسة، وتطرحين أفكارك الجريئة، كيف يؤثر عملك على حياتك الشخصية؟
ش ب: أنا من المحظوظات اللواتي يملكن مساحة تحرك، وهذا حظ صرف لم أبذل أي جهد لأحصل عليه.
ربما توجد أخريات ممَن هن أشطر مني في الكتابة، لكن للأسف لا يمتلكن هذه المساحة.
في العائلة لا يوجد ضغط كبير عليّ، ربما يكون الضغط في حال مناقشة موضوعات معينة، لكن في النهاية نحن في هذا المجتمع، وأعتقد لو أي بلبلة حصلت سيتم الضغط عليّ، لا أعتقد سيكون موقف العائلة مُختلفًا عن موقف المجتمع، خوفًا من المجتمع، لا من الموضوع الذي أطرحه.
لا أعرف، ربما العائلة لا تقرأ لي كثيرًا، يتابعونني على مواقع التواصل الاجتماعي، يرون جرأة في الطرح وقوة في النقد، وبالطبع لديهم فكرة عن طريقة تفكيري، لكن لليوم لم تحصل لي هذا النوع من المشاكل المجتمعية، لكنها ليست مستبعدة، حتى وأنا أقول إني محظوظة، هذا المقدار من الحظ لأي فتاة هنا (don’t take it too far).
لذلك تحاول الواحدة منا إخراج كل ما عندها، قبل أن يحصل شيء يمنعها، وفي حال حصل نكون قد كتبنا عن كل الأفكار وانتهى الموضوع، نكتب عن اغتصاب الأزواج عن الإجهاض، بسرعة.. بسرعة قبل أن يحصل شيء.
تقارير ذات صلة
الماركسية والنسوية والمشاعات
المقال الثالث في ملف «المشاعات»
في أوراق هدى شعراوي: عندما استقلت بنت الذوات قطار الثورة
الحلقة الثانية من برنامج قراءة «شهود عيان»
اعترافات غير مطلوبة| حوار بين 9 نسويات
مؤسسات ومجتمعات بين الهشاشة والراديكالية في سياق العنف الجنسي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن