تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حوار| مارك لطفي: طالما قاعد في مصر أنا في إسكندرية

حوار| مارك لطفي: طالما قاعد في مصر أنا في إسكندرية

كتابة: إسلام ميلّبا، يوسف الحريري 26 دقيقة قراءة
مارك لطفي

في يونيو الماضي أعلن تيري فريمو، المدير الفني لمهرجان «كان» السينمائي الدولي، عن اختيار فيلم «سعاد» (إخراج آيتن أمين- تأليفها مع محمود عزت)، ضمن اختيارات «كان» الرسمية للأفلام الروائية الطويلة، وفيلم «ستاشر» (إخراج وتأليف سامح علاء) ضمن المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة، لنسخة 2020 من المهرجان. الاختياران تبعهما حالة احتفاء كبيرة بكل المساهمين في الفيلمين، بمختلف أدوراهم. 

ومشاركة مارك لطفي، كمنتج فني في الفيلمين المختارين في هذه الدورة، ما هو إلا نجاح جديد في مسيرته المهنية التي بدأت منذ مشاركته في تأسيس كيان «فيج ليف استوديوز» Fig Leaf studios في 2005، مع رفاقه، لتحقيق رؤيتهم السينمائية وتقديم ألوان الأفلام التي يفضلونها ويجدون متعة في صناعتها. وساهم الكيان الذي أسسه في تطوير المشهد السينمائي المستقل بإنتاج العديد من الأفلام التي تنوعت بين الروائية الطويلة والقصيرة والتسجيلية، وحققت نجاحًا على مستوى المهرجانات المحلية الكبرى أو المهرجانات الدولية.

لحظة ذروة النجاح هذه، سبقتها رحلة طويلة بدأها المخرج والمنتج السكندري مارك لطفي بالكتابة في سن السابعة عشر، حين شارك صديقيه شارل عقل (كاتب مصري) ومينا طلعت في كتابة مسلسل عن نقد الحياة الدينية في المجتمع المسيحي. مع عقل كانت للطفي محاولات أيضًا في كتابة فيلم عن سعاد حسني، ومسرحية عن علاقة الإنسان بأدائه الظاهري، وفيلم تاريخي عن الشِدة المستنصرية. 

 تلك البداية لم تكن تبشر بأن طالب كلية الهندسة قسم الاتصالات سيلتزم بمجاله، وبالفعل بعد تعرفه على مجموعة «الرعيل الأول»، كما سماهم؛ عماد ماهر والتوأم سامح وسمير نبيل وتامر نادي، ومع  شارل عقل أنشأوا شركة «فيج ليف» للإنتاج، ثم توالت مجموعات التأسيس حتى اليوم.

حتى تلك اللحظة لم يكن مارك يعتبر نفسه مؤسسًا وحيدًا لذلك الكيان أكثر من كونه كاتب وسيناريست. وبعد تأسيس «فيج ليف» تقدم مارك مع عقل للالتحاق بالدفعة الأولى لمدرسة الجيزويت السينمائية، ولم يتم قبوله، لكنه قُبل لاحقًا في الدفعة الثانية. تعلم مارك الإنتاج السينمائي عبر الممارسة بشكل كبير، لكنه لم يكتفِ بها، فقد  شارك في برامج تدريبية مهمة في مجال الإنتاج مثل برنامج Docu-Med التابع لمؤسسة بيروت دي سي، الذي شارك به في عام 2011.  وطوال الفترة الأولى لاستوديو «فيج ليف» لم تكن مهنته هي الإنتاج فقط، فقد كان يمارس أعمالًا فنية تجارية ينفق بها على صناعة أفلامه وأفلام «فيج ليف» القصيرة. 

لكن المحطة الأبرز للطفي على الساحة السينمائية جاءت مطلع 2010، بالتزامن مع مساهمته في الإشراف على إنتاج فيلم «ميكروفون» (2010) لأحمد عبد الله. في هذا الفيلم بالتحديد ترسخت مهاراته لوجستيًا وفنيًا وإبداعًيا، حيث كان شاهدًا منذ البداية على نمو بذور السيناريو الأولى، وساهمت استضافته للقاءات بين مغنيين وفرق إسكندرية الموسيقية (المستقلة في حينها) والمخرج أحمد عبد الله، في صياغة السردية الرئيسية للفيلم. 

بعد تلك التجربة سطع اسم لطفي في المجال السينمائي، وتنوعت إسهاماته الإنتاجية ما بين أفلام روائية قصيرة وطويلة وتسجيلية، وأعمال مثل «الحلم البعيد» (2018) عبرت عن وجهة نظره الفنية التي تحاول استكشاف الحدود بين السرد الخيالي والفيلم التسجيلي وفن وسائل الميديا الجديدة، وتتساءل عن اليومي والعابر والافتراضي. من الأفلام أيضًا «عندي صورة: الفيلم رقم 1001 في حياة أقدم كومبارس في العالم» (2017)، و«لقاء لم يذاع» (2019).

 خلال رحلته تعاون لطفي مع العديد من الكيانات الإنتاجية الأوروبية والعربية، كما ساهمت أيضًا شركته في تقديم العديد من البرامج التدريبية والورش الهامة لصناع السينما.

التقينا مارك لطفي في جلسة مطولة حول صناعة السينما في مصر، حكى لنا فيها عن بعض ملابسات وكواليس إنتاج الفيلمين المختارين من لجنة مهرجان «كان»، وتحدث بنظرة موسعة عن المجال السينمائي إنتاجًا وتوزيعًا، كما حكى لنا أحلامه الشخصية كصانع أفلام، وشرح كيف تتشابك دوائره الإنتاجية ما بين الإسكندرية ومصر والشرق الأوسط.

1- فيلم «سعاد» قدر يخلق حالة ترقب عند الجمهور والمتابعين للمشهد السينمائي قبل حتى ما يكون متاح للعرض، بعد ترشحه للمسابقة الرئيسية لمهرجان «كان»، في البداية حابين نعرف ظروف صناعة الفيلم، وإيه اللي شدك للتعاون مع مخرجته آيتن أمين؟

الموضوع ابتدا لما اتعرفت على آيتن وقدمت لي فكرة «سعاد»، وأنا معجب جدًا بشغلها، خصوصًا الأفلام القصيرة. الفكرة تتطرق لمواضيع مهمة اجتماعيًا، وبتطرح أسئلة لها علاقة بالحياة في الأقاليم. ورغم إنها تجربة خاصة إلا إنها بتمس حاجات مشتركة عايشينها كلنا، وفيها أسئلة ضرورية عن إزاي بتعيد السوشيال ميديا تشكيل العلاقات الإنسانية (الأسرية والعاطفية)  للأجيال الجديدة. 

ده على مستوى السيناريو، أما على مستوى اللغة البصرية والرؤية الإخراجية ففيه تماس مع اللغة الوثائقية، وفيه شغل على الارتجال؛ إنك تاخد من قصص الناس وتغزل سيناريو. بالإضافة إني كان عندي حماس أشتغل أفلام روائية طويلة، لأني وصلت لمرحلة على مستوى الإنتاج بقيت محطوط في إطار الأفلام الوثائقية، بقى يتقال «عايز وثائقي؟ روح لمارك»، وهو شيء جيد، بس أنا بكره التأطير.

caption

2- هل مرحلة إنتاج الفيلم مشيت بسلاسة؛ إذا كان فيما يخص جانب تطوير السيناريو أو التصوير؟

مرحلة تطوير الفيلم اللي سبقت وجودي كانت حوالي 6 شهور، بدأنا نشتغل على الفيلم أنا وفريق فيج ليف بشكل جماعي من أواخر 2015 أو بداية 2016. 

مرحلة تطوير السيناريو كانت شغالة بالتوازي مع مرحلة تحضيرات ما قبل التصوير؛ اللي شملت تشكيل فريق العمل، اللي فيه المنتج المنفذ المجتهد أحمد زيان، بالإضافة إلى الكاستينج (اختيار الممثلين وتسكينهم في الأدوار)، خصوصًا مع توجه آيتن من الأول للشغل مع ممثلين غير محترفين من الأقاليم، فبالتالي عايشوا تجارب مشابهة، وكمان إيجاد أماكن للتصوير، لأن الفيلم بيدور بين الزقازيق وإسكندرية.

 المنتجة التونسية درة أبو شوشة كان ليها دور كبير في تطوير السيناريو والحصول على دعم عدة جهات مانحة للإنتاج الفيلم، بالإضافة إلى مساهمة جادة ومؤثرة من جانب المنتج سامح عواض في الإدارة والتنظيم، بجانب الاستثمار المباشر. كمان شارك محمد حفظي بخبرته الإنتاجية في أسواق السينما العالمية في الإنتاج بالإضافة إلى الاستثمار المباشر، ومبادرته بأن يكون موزع الفيلم في المنطقة العربية.
تم تصوير «سعاد» على مدار خمس أو ست مراحل لأسباب مالية ولوجستية، ولخصوصية أسلوبية الإنتاج. ده كان ليه جانب إيجابي ومفيد لتدريب الممثلين، وإن آيتن تتفرج على المحتوى اللي صورناه وتعيد التفكير فيه على المستوى الفني، وتفكر في الأسلوب الأنسب لإدارة وتوجيه الممثلين، خاصة مع  اتباعها أسلوب فني يعتمد على الارتجال.

3- من «سعاد» الروائي الطويل لـ «ستاشر» الروائي القصير، إزاي اتعرفت على سامح علاء (مخرج الفيلم) ومحمد تيمور (المنتج المشارك)، وإيه اللي دفعك لإنتاج فيلمه؟

اتعرفت على سامح أيام ما كان بيعمل فيلمه «15» (2017). كنت ساعتها بصوّر مع مروان عمارة «الحلم البعيد»، وكنا معجبين بفكرة الفيلم، بس للأسف ما قدرناش نوفق وقتنا إننا نكون معاه، لكن ساعدته أنا وأحمد زيان بشكل بسيط. 

بعدها اتعرفت على تيمور كمخرج لما كنت بدي ورشة في «مدرار» عن الخط الفاصل بين الفن المعاصر والسينما، وابتديت أشتغل معاه على مشروعه الفني، وبعد مناقشات عرضت عليه فكرة إنه يكون منتج، استغرب شوية وحب الفكرة. بعدها بفترة تيمور رشح لي علاء كمخرج نتعامل معاه في فيلمه «ستاشر»، وأنا كنت بالفعل عرفت سامح وكنت عايز أشتغل معاه، فتحمست.

واللي شدني برضه لـ«ستاشر» هو السيناريو. سيناريو جميل، فيه تقاطعات في الأفكار مع رؤيتي الفنية ونوع مشاريع الأفلام اللي أنا شغال عليها الفترة دي، ده غير إن فيه تساؤل على مستوى اللغة السينمائية، ومستوى الحدوتة والأفكار. قعدنا فيه من مرحلة التطوير لحد ما خلص كليًا، سنتين، من 2018 لـ 2020. علاء بيجمع بين العقلية الفنية جدًا؛ الإبداع والقدرة الفنية، ورؤية استراتيجية للصناعة ككل، وعنده وجهة نظر مش بس في الأفلام لكن في الصناعة وإزاي المفروض تتحرك، عشان كده أتوقع إن علاء مش هيكون مجرد مخرج.

caption

 يعني في «ستاشر» كان بيتكلم من 3 كيفيات وهو بيبص على الفيلم نفسه، من جانب شخصي وإنساني جدًا خارج من تجربة شخصية، ومن جانب فني؛ وهو اللغة السينمائية اللي بيتحرك بيها، وكمان بيفكر من أول يوم ازاي هيكون في المسابقة الرسمية لمهرجان «كان»، ودي طبعًا ثقة وتفكير استراتيجي جيد جدًًا.

حابب برضه ألفت النظر لشخصية محورية ساهمت في تطوير الفيلم ده، وهي محمد فوزي، هو مخرج وكاتب شاطر جدًا، أتوسم إنه هيبقى منتج مهم، وممكن يشتغل في عمليات تطوير الأفلام، لأنه بيقدر يشتغل عالمشاريع بشكل رائع. 

4- نروح لسوق الإنتاج من منظور أوسع، في مناقشة سابقة قلت لنا إن فيه 3 محاور للإنتاج السينمائي المشترك في مصر؛ ( المصري- المصري)، ( المصري- العربي)، (المصري- الأوروبي). وأحيانًا المحاور دي بتتداخل زي ما حصل في «سعاد»، إنتاج (مصري-عربي-أوروبي). من واقع تجربتك وخبرتك في السوق عاوزين نتعرف على كل نموذج إنتاجي منهم، ومواطن قوته وضعفه من وجهة نظرك. نبدأ بالإنتاج (المصري-المصري)، بما إنه الصيغة الإنتاجية الأكثر تعرضًا للنقد؟

طبعًا صيغة (الإنتاج المصري-المصري) هي الأكثر عرضة للانتقاد؛ لإن كتير بيشوفوا إن طالما فيه منتِج مصري، تجيب منتِج مصري تاني ليه؟ لكن الحقيقة في ظل الإمكانيات الاقتصادية، والإشكاليات الفنية والمشكلات الرقابية مش منطقي منتِج واحد يقوم بكل المهام أو يغطي كل جوانب العملية الإنتاجية، لذلك بيكون إيجابي في العديد من الحالات ولمصلحة المشروع يبقى فيه أكتر من منتِج من مصر. الموضوع زي الأوركسترا؛ فيه منتِج عنده قدرة على التطوير والإسهام الفني قوية جدًا، فيه حد تاني عنده شبكة علاقات قوية، فيه منتِج عنده قدرة على التمويل المباشر، وفي منتج عنده قدرة تنفيذية عالية جدًا، وده بيوفر وقت ومجهود.

هي النظرة للسينما كصناعة اتأثرت باعتيادنا إن الشغل الفني نشاط فردي، زي الاختراع كده، زي الفن التشكيلي؛ ده الفنان ودي لوحته، فالصياغات دي خلت رؤيتنا للسينما اللي هي بالأساس عمل جماعي، رؤية قاصرة جدًا، رؤية بنت ثقافة عايزة تحصر وتختزل كل حاجة في فرد واحد، وده للأسف رائج لإنه مريح جدًا لمتابعين الصناعة وبيسهل عليهم النقد السطحي.

5-  مشاركة المنتجة التونسية درة أبو شوشة في إنتاج «سعاد» خلانا نبحث ونشوف أفلام معتمدة في إنتاجها على صيغة الإنتاج (العربي-العربي) ولقينا إنها حاليًا في مرحلة من الازدهار والانتشار، في رأيك شايف ده بيرجع لإيه؟

مؤخرًا ابتدا يكون في اهتمام بالإنتاج (العربي-العربي) ما كنش موجود قبل كده. بقى فيه انفتاح على تجارب الدول العربية بين بعضها البعض، وبقى في ثنائيات عربية. ويمكن ده مرتبط بشكل كبير بتحولات ما بعد الربيع العربي.

 لإن الشعوب العربية رغم الظاهر اللي بيقول إن عندهم دراية سياسية واجتماعية ببعض، إلا إن التحولات دي أوضحت إنهم في حاجة شديدة لإعادة النظر في  تجارب بعض عشان يخلقوا وعي حقيقي؛ التحولات اللي فيها انتقلنا من مرحلة طوباوية الربيع العربي («إن كلنا هنبقى وهنغير»)، المبنية على التفكير بشكل فردي إلى مرحلة الفشل (فشل الثورات العربية) أدت إلى إعادة النظر في أهمية الآخر وجدوى التعاون معاه.
إن مفيش إمكانية للنجاح لوحدنا، وإن الدعم اللي كان موجود في المرحلة السابقة، واللي كان على مساحة متباعدة، محتاج يبقى دعم براجماتي، نحط فيه إيدينا في إيدين بعض، بعد ما أدركنا حجم التحديات. 

التعاونات في الفترة الأخيرة بقت قائمة على إن فلان، مثلًا، عنده خبرة، رؤية استراتيجية أومساهمة فنية أو إضافة مالية مش عندي فهشتغل معاه. النموذج ده بيكسر القالب اللي بيعتبر إن المُنتَج المحلي بالضرورة مفهوم عربيًا بشكل تلقائي (مثال الفيلم المغربي للجمهور الفلسطيني وإنه يفهمه ويتفاعل معاه والعكس)، لكن في الحقيقة إن المُنتج المحلي عشان يكون عنده اتصال مع المشاهد العربي أو الإفريقي محتاج خطوة أبعد، وده اللي بتحققه (صيغة الإنتاج العربي- العربي).

6- نروح للصيغة الإنتاجية الأكثر ذيوعًا وهي الإنتاج (المصري-الأوروبي)، شايفها إزاي في الوقت الحالي، سواء فيما يتعلق بالتحديات أو الصعوبات، أو تطوير آلية الإنتاج نفسها؟

ابتدت علاقتي بالتعاون الأوروبي مع تجربة «الحلم البعيد». شاركت كمنتِج في الفيلم مع المنتج الألماني رومان رويزمان. لحسن الحظ أو شطارة مننا، الفيلم حصل على دعم من معظم الجهات المانحة في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة، وده اعتبرته نجاح ليّ على المستوى الإنتاجي. 

caption

صعوبة التعاونات بتتمثل في شروط الإنتاج، وهي إن مين البلد أو الجهة اللي تُمثل الفيلم بشكل رسمي وقانوني، كمان بالإضافة إلى بعض الشروط، اللي قد تكون مجحفة. إنه مثلًا لو الدعم جاي من مؤسسة من دولة ما، فالشروط بتفرض إن الدعم يتصرف داخل الدولة دي، حتى لو الفيلم بيتم إنتاجه في دولة تانية. 

والشروط دي حصل عليها رد فعل مضاد، مثلًا، المنتجة والمخرجة المصرية جيهان الطاهري، وأظن معاها رشا السلطي ومهند اليعقوبي (مخرج ومنتج فلسطيني) عملوا زي مانيفيستو في Dox Box سنة 2019 ناقشوا فيه فكرة الإنتاج المشترك وآلياته وإزاي الأفلام العربية أوالإفريقية بتتعرض لعراقيل في تقديم مواضيعها، بسبب شروط الإنتاج المشترك، لأنها بتبقى صعبة جدًا. 

على جانب تاني لازم يتم النظر في أشكال الدعم للأعمال المصرية والعربية اللي بيبقى فيها طرف أوروبي منفذ. اشتراطها وجود مخرج عربي أو مصري مبقاش مفهوم حاليًا، لأن التمسك بأن المخرج يبقى مركز العملية الإبداعية في الفيلم يمكن كان مهم زمان عشان يحافظ على رؤيته الفنية من التشويش، لكن حاليًا انت عندك منتجين فنيين مستقلين، عندهم طابع فني واضح ووجهة نظر بيطبقوها،  لأنهم في الأساس كتاب ومخرجين أصلًا.

ليه بشير للنقطة دي؟ لأن مش مسموح مثلًا إن يبقى الفيلم مخرجه آسيوي أو أوروبي أو أمريكي وتنتقل المركزية للمنتج الفني اللي هيبقى مصري أو عربي، وده بيخلق تفوق غربي. هو بيبقى عنده فائض فبينتج بيه لمخرج مصري، ودولته بتدعمه في الخطوة دي. 

طب عندنا دور الدولة بعافية شوية. ليه ده ما يبقاش دور رجال الأعمال الواعيين أو صناديق الدعم العربية. أنا مثلًا كان معروض عليّا فيلم ياباني عن جنينة مصرية، تم تأسيسها في اليابان في أوائل عام 1900 بدعم من مصر، وما زال صاحبها لحد دلوقتي بيدخل المصريين ببلاش؛ الموضوع مصري والمخرج ياباني. 

محدش يقدر يعمل عمل زي كده غير باستثمار مباشر (بدون دعم)، زي حفظي أو ساويرس مثلًا. طيب أنا راجل مستقل ما عنديش الإمكانية دي؛ عشان منح الإنتاج العربية كلها بتحتم إن المخرج يبقى عربي. ليه ما يبقاش فيه جايزة في الجونة أو القاهرة في المنح العربية تشترط إن المنتِج هو اللي يبقى عربي مش المخرج أو حتى الكاتب؟ وبكده  تقدر تقدّم مُنتج مفتوح لكل جنسيات العالم، وتقدم توازن جديد وتساهم في تشكيل المشهد السينمائي العالمي.

7- بس يظل السؤال الأهم اللي هنصطدم بيه في الجزئية دي هو: طب إيه اللي هيعود علينا كصناعة سينما من ده؟

أول استفادة إن جنسية الفيلم تحدد بجنسية مُنتجه أو شركة إنتاجه، وبالتالي الأفلام التي حتشارك في إنتاجها لمخرجين من مختلف الدول هتمثَّل عالميًا بوصفها أفلام مصرية، كمان هتستفاد إن هيكون عندك مبدعين مصريين في الطاقم الفني والتنفيذي للأعمال دي، وده شيء إيجابي. والفكرة مش بس حكاية احتكاك واكتساب خبرة، إحنا ليه نحسبها كده؟ انت أصلًا هتبقى بتطور في السينما بتاعتهم لو قبلت مشاريع أوروبية أو آسيوية أو غيرها من الجنسيات، إنتاجيًا، الآخر كمان بيتطور. يمكن هو خلاص مش عايز يعمل أفلام فيها صبغة الاستشراق والأحادية. هو في أمَس الحاجة للتطور؛ بيحصل في مرات عديدة إنك تقعد مع مخرج أوروبي بعد ما تناقشه يقول لك إنه مكانش شايف فيلمه بالطريقة اللي انت شفته بيها. أنا رأيي إن ده هيغير في كل آليات التعاون بعد كده، لأنه هيبقى فيه حتى مساحات للإخراج المشترك.

8- فيه رؤية بتشوف إن السنة دي (2020) بدأ يظهر دور المنتج الفني للجمهور إذا كان على مستوى الدراما (كلنا شفنا عودة «العدل جروب» للإنتاج الفني في موسم رمضان وتأثير ده الفني والاقتصادي على السوق)، أو في مجال السينما بترشُح فيلمين للمسابقة الرسمية بمهرجان «كان» (أشرف عليهم أكثر من منتج فني ليهم خبرة كبيرة في المجال)، إيه رأيك في ده؟ وهل شايف إن صعود دور المنتج الفني هيخلخل من مركزية المخرج، ويعمل وضع جديد فيه مركزية ثنائية بيشارك فيها المنتج الفني؛ بحيث يتغير الوضع اللي ظاهر للجمهور حتى، اللي بيعتبر إن المنتج هو تهامي باشا اللي بيصرف فلوس بس؟

هذكر لكم نموذج غريب جدًا، في قصة الإنتاج الفني، أنا مثلًا بشوف السبكي كمنتج «فني» ليه دور كبير جدًا في الصناعة في مصر؛ لأنك كمشاهد، وبسبب القوة الفنية لأفلامه بتعلّق لما بتشوف فيها سمات معينة بـ «ده فيلم السبكي». والقوة الفنية هنا مش معناها «القيمة الفنية»، وما يعنيش إنه عنده «نضال ما»، بل هي قوة الخط الفني الواضح اللي ممكن تتفق معاه أو تشوفه رخيص، بس الراجل عنده وجهة نظر بيقدمها في كل أفلامه، هو «منتج ذو أسلوبية»؛ بيقعد في أوضة المونتاج وبيختار الممثلين وبيختار الرقاصة، ومش بيختارهم اعتباطًا، ده بيناقش ليه الرقاصة دي تحديدًا؟

بيتابع حركات كل رقاصة، ويشوف مين فيهم بتعمل حركة جديدة، وهتبقى أول مرة تتقدم للجمهور، ويحدد مغني معين يشتغل مع رقاصة بعينها، ويبقى عايز مثلًا دويتو جديد لمغني ورقاصة ما اشتغلوش مع بعض قبل كده. بيشوف إيه الديكورات أو اللوكيشنز اللي ما تقدمتش قبل كده؛ البار، أوالكباريه، أو القطر [إشارة لأفلام شارع الهرم، كباريه، وساعة ونص].

أنا بشوف إنه صاحب وجهة نظر، وهو أكيد بيشتغل مع مستثمرين أو ممولين، وقادر يحافظ على دورة راس ماله بمنتهى الذكاء بشكل يخليه يكمل، وهو مُلم بآليات الصناعة وبيختلف وبيشتبك مع المخرج.

فأنا تخيُّلي إن مفيش منتِج مش منتِج فني، لا يمكن. ممكن اللي ما يبقالوش دور وتأثير هم المشاركين الممولين. لكن معظم المنتجين أصحاب رؤية فنية في الأصل، عشان يحتملوا كل تعقيدات السينما وصعوباتها.

وأنا الحقيقة مع احترامي للنقاد واللي بيكتبوا عن السينما، إزاي مع وجودهم لسه بنكتشف دلوقتي ان المنتِج هو منتِج فني. فيه أسلوبيات مستقلة آه، فيه محاولات غير تقليدية للتحايل على السوق آه، لكن فكرة الإنتاج فكرة من جذور السينما. والكتابة عن السينما في الحقيقة عليها لوم، لأنها يوم ما تعافت من الكتابة عن الممثلين فقط في العملية السينمائية أقصى ما اتجهت إليه هو المخرج. بعد كده عشان تحاوِر أي فرد من العملية السينمائية لازم يكون متحقق بدرجة تخليه براند أو جراند، وليه جمهوره اللي بيتابعه لاسمه، زي سعيد الشيمي كمدير تصوير أو وحيد حامد كسيناريست مثلًا.

9-  طب من وجهة نظرك، شايف إيه الفرق بين المنتج الفني والممول اللي ممكن من خلاله نتجنب الوقوع في لبس بينهم؟

المنتِج هو شريك ذو إمكانيات لوجستية ومادية، قادر يجمع بين القدرة الفنية على الاشتباك مع الفكرة وتطويرها وحمايتها من أول الحماية النفسية لكل أشكال الحماية، والدفاع عن المشروع لحد ما يكمل. والفكرة بتكون خيالية، يشوبها بعض الغموض أو تنقصها الدقة، وهو شغلته يشتغل مع المخرج على الدقة دي، عشان يوصل لوجهة النظر الفنية، ويتم تحقيقها على أرض الواقع مع معطيات الواقع ده. 

أما الممول فهو مستثمر، ليس له أي اتصال بكل مراحل العملية الإنتاجية، يا بيحط فلوس بهدف الاستثمار والربح، يا بيكون عنده احترام للعمل فبيقدم منحة أو دعم ليه، وممكن يكون الدعم ده على شكل صندوق لتمويل مشروعات فنية معينة.

10- من واقع خبرتك كمنتج، بتشوف إزاي علاقة المنتج بالمخرج طوال مراحل إنتاج الفيلم؟

علاقة المنتج بالمخرج علاقة مختلفة عن علاقته بباقي فريق العمل، ثنائيتهم ممكن تتحول لثالوث مع الكاتب أو المصور أو الـart director، أو المونتير، إلخ. 

وأنا من اللي بيحصل لي في مراحل صناعة أي فيلم كان نفسي أعمل كتاب أسميه «Producers are from mars, Directors are from venus» [المنتجون من المريخ، المخرجون من الزهرة]، ما بين مرحلة العشق ومرحلة الاشتباك والصراع، وازاي تقدر تتعامل مع ده. مثلًا في إحدى مناقشات فيلم «عندي صورة» اللي أخرجه الصديق محمد زيدان،  كنت بحكي إزاي المخرج بيمر( بسبب قسوة آليات الصناعة وضغوط السوق) بمراحل التروما الخمسة، وشبهّت إنتاج الفيلم بالوقوع في كارثة، وبالنسبة للمخرج (قراره بالشروع في إخراج فيلم ما) أقرب ما يكون بشعور الفجيعة. 

المراحل الإنتاجية للفيلم بتمر بعدة محطات، فيها بنكسب أو بنتفاوض للوصول لحلول وسط، ولازم أكون موجود مع المخرج في المراحل دي ماديًا ونفسيًا وفنيًا. يعني أقدر أقول لكم إن جانب كبير من الفعل الإنتاجي هو فعل سيكولوجي بين فردين. في مراحل كتير منه بتعامل مع حد في قمة الانكشاف والهشاشة، وعليّا إني أساعده يعدي المراحل دي. ساعات بقدر وساعات ما بقدرش.

11- إيه اللي بيجي الأول، الدعم ولا الفكرة ؟ يعني هل المشروع بيفرض نفسه ولا الدعم وأهدافه هما اللي بيحددوا أولويات اختيار المشروع وخططك الإنتاجية، ولا الموضوع خليط بين الإتنين؟

اللي بيحركني ناحية المشروع نوعين من الشغف، وهما اللي بيكوّنوا علاقتي مع أي مشروع؛ شغف سينمائي نابع من السينما ذاتها ولذاتها، وده متعلق بلغة السرد السينمائي والسمع/بصري، وفيه شغف ناحية أفكار ومضامين بتشدني للمشروع وإني أكون جزء من تطوير تساؤلاتها. ده غير إن ساعات فيه هم جماعي ناحية الصناعة بيحركني نحو مشاريع معينة.
أما الدعم  فهو لاحق عليهم، عشان كده فيه حاجات بتاخد سنين؛ لأني بكون ارتبطت بيها وعايزها، وأيًا كان هعملها. برتبط بيها وأنا مش متأكد من كل الآليات، وأبتدي أفكر في الآليات عشان الفكرة تكمل.

12- كنت أبديت إعجابك بتجربة مؤسسة بيروت دي سي Beirut DC، إذا كان في الإنتاج أو في برامج دعم الصناعة، وحتى عرَّفتهم تعريف مش متداول قوي في الوسط النقدي السينمائي وهو الـDirect  Industrial Player [لاعب مباشر في الصناعة]، فكنا حابين تقول لنا ليه انت معجب بتجربتهم وتأثيرها على الصناعة، وتعرفنا يعني إيه Direct Industrial Player؟

بيروت دي سي مشروع قايم من أكثر من 20 سنة لدعم السينما، إن كان بالإنتاج المباشر أو دعم صُنّاع نوع أفلام معين، وكمان بيعمل برامج لتطوير مهارات القائمين على العملية الإنتاجية، وبيوفر لهم بعد كده الدعم لمشاريعهم. عشان كده هتلاقي عندهم مثلا مشاريع زي Good Pitch، وده بيعلمك إزاي تكوّن دايرة من الداعمين والرعاة  لفيلمك، أو إزاي تفكر في حملة ما بعد الفيلم أو كيف تحول الفيلم لحالة. عملوا برضه مشاريع تانية زي Beirut Cinema Platform، وكان ليهم دور كبير جدًا في إن السينما الوثائقية تتزق لقدام بمشروع DocMed.

وهُمّ بالمشاريع دي وبالنشاط ده بيطمحوا يكون لهم تأثير في الصناعة في المنطقة، مش لبنان بس. مش بس بدَعم الفيلم كُمنتَج، كمان بإنها تطور مهارات الصُناع عشان يكونوا ملمين وقادرين على تنفيذ كل مراحل الصناعة الفيلمية. وده ينقلنا لسؤالكم التاني عن تعريف الـDirect Industrial Player؛ فهو أي كيان أو مؤسسة أو فرد بيستهدف عمل برامج ومشاريع بتعمل على الصعود بالصناعة ككل وبيبقى تأثيرها على المنتجين والموزعين والصناعة هو الهدف المباشر، بينما بتأثر على المحتوى المقدم بشكل غير مباشر؛ يعني ممكن نسميها في نفس الوقت Indirect Content Producer واللي بيعمله بيروت دي سي هناك هو عكس اللاعب غير المباشر في الصناعة، اللي هو زيي وزي غيري كمنتجين للأفلام المختلفة؛ يعني بيكون هدفنا  هو التأثير بشكل مباشر على المحتوى المقدم، واللي هيأثر بدرجة أقل أو بشكل غير مباشر عالصناعة ككل.

اللاعب المباشر في الصناعة ينقسم لنوعين: نوع بيكون ثابت في مشاريعه زي المخرج أمير رمسيس (المدير الفني لمهرجان الجونة) لما بيعمل برنامج واحد مُتكامل في مهرجان الجونة لتطوير مهارات ما أو  أفكار ما أو مشاريع سينمائية ما، وبيقدم ده من خلال برنامج صحيح بيطور من نفسه ولكنه ثابت. 

caption

والنوع التاني ديناميكي أكتر زي بيروت دي سي، طول الوقت عندهم برامج متغيرة  ليها أهداف محددة لتطوير قطاعات أو صناعات معينة في السينما، زي قطاع صناعة السينما الوثائقية مثلًا. وممكن بعد ما تستوفي هدفها بشكل كامل إنها تستبدل برامج  كُليََا ببرامج ومشاريع جديدة بشكل دوري ومستمر، زي أي صناعة محتاجة للاعب مباشر وغير مباشر هي كمان محتاجة اللاعب الستاتيكي الثابت واللاعب المتغير لدعم وتطوير الصناعة. مصر يمكن بتفتقد شوية اللاعب الديناميكي المباشر ده.

13- إيه اللي خلى بيروت دي سي تقدر تعمل ده في رأيك، وإيه اللي لسه ينقص ساحة السينما المستقلة في مصر عشان تعمله؟

 لا هو إحنا عندنا Direct Industrial Players ليهم نفس التأثير المباشر على الصناعة لو اعتمدنا على التعريف النظري اللي في الإجابة السابقة زي محمد حفظي و ماريان خوري، وعندنا ناس بتحاول تلعب الدور ده زي المخرج مصطفى يوسف ويوسف الشاذلي (سينما زاوية). لكن اللي قصدته بنموذج بيروت دي سي إنه تكتُّل دوره الرئيسي عملية التأثير ده، متفرغين ليه وبيحطوا جهدهم واستثمارهم ووقتهم فيه.

وده مش فرق وعْي أكتر ما هو إدراك للآليات اللي بيشتغلوا بيها في ظل عدم وجود الآليات التقليدية للصناعة زي اللي في مصر، وده اللي بيخليهم يلجأوا 100% للبديل (توفر الآليات ساعات بيعطل التفكير في بدايل).

caption

14- ده بينقلنا لسؤال حول الهامش والمركز؛ هل غياب آليات الصناعة التقليدية في إسكندرية خلاك تشتغل بشكل أكتر مرونة وحرية؟ 

الشغل في إسكندرية كان ليه مميزاته، وهو إننا كنا بنحط قواعدنا. يعني كمثال أنا اشتغلت 4 أفلام مع مروان عمارة؛ 3 حصلوا بالفعل وفيه واحد في الطريق. من التلاتة فيه فيلمين في الأصل كانوا تكليف مشروع من جهات داعمة، [ الزيارة (2016)، واحد زائد واحد يصنع كيكة شيكولاتة فرعونية [2017)] وإحنا بصورة ما استفدنا باستعمال مواد التكليف ده وإمكانياته وعملنا بيها فيلم تاني، فني أكثر وشخصي أكتر، وده مش معتاد في السوق.
ما تنساش كمان إنه كان فيه فراغ وإحنا بره السيستم، محطوطين في زون «بتوع اسكندرية»، وعملية العزل دي كانت في مصلحتنا وحطتنا بره الأطر التقليدية.

 أنا سعادتي إن يبقى فيه 30 لوجو لرعاة من جهات مختلفة على فيلمي زي سعادتي بفيلم إنتاج ذاتي. انت هتلاقي عندنا كذا فيلم (وما أظنش ده موجود كتير) شِبه لم يتلقوا أي دعم  زي «الزيارة» و«عندي صورة»، وكانوا على مستوى فني متميز وخدوا جوايز ونجحوا. ما عنديش طريقة واحدة أتحرك بيها، عندي خمس ست سبع طرق أقدر أتحرك بيهم. كمان ده بَعدنا عن أي مساحات اشتباك أو صراع مُعطلة، لأن محدش مهتم أصلًا بالمشهد في إسكندرية.

15- إيه رأيك في دور المراكز الثقافية في تطوير منظومة الإنتاج للأفلام القصيرة للشباب؟

طبعا دورها مهم، لكن موقفها صعب جدًا، يعني لو عملنا مقاربة بين الموسيقى المستقلة والسينما المستقلة، هتلاقي إن عشان تحضر حفلة موسيقية بتدفع فلوس، فبيدخل عائد للفرق دي عكس الأفلام. انت لحد النهاردة مش مسموح لك تعرض أي فيلم وتاخد مقابل، وده بيأثر جدًا طبعًا بشكل سلبي على عملية الإنتاج. كنت متفهم زمان إنك تعرض فيلمك من غير فلوس، لما كانت الناس مش عارفة يعني إيه سينما مختلفة وأفلام قصيرة. بس النهاردة خلاص، الموضوع بقى منتشر جدًا، آه مش بكميات رهيبة، بس تقدر تعمل عرض وتجيب منه ولو مبلغ بسيط زي 5000 جنيه مثلًا، وده عالأقل إيجار قاعة عرض. يعني في وقت ما المراكز الثقافية كان ليها تأثير إيجابي جدًا وهو إنها عرَّفت جمهور عريض عالسينما المستقلة والمختلفة، بس النهاردة دورها فيه بعض الارتباك، لإنها عودت جمهورها إن ده ببلاش.

16- طيب لو هنيجي لدور ورش عمل تعليم السينما، إيه تقييمك ليه؟

التعليم غير الرسمي أو الموازي بمفهومه الواسع هو أساس من أساسيات الطفرة اللي حصلت السنين اللي فاتت؛ في السينما وفي الإعلانات وفي كل الميديا المصرية. التحول للديجيتال والأونلاين عمل نقلة وتطوير. لكن خلينا نقسم الورش دي لورش مدى طويل وورش مدى قصير، والاتنين مهمين لأي صانع أفلام.

لأن الاشتراك في الإتنين هيديله خبرة كبيرة ومش هيبقى منغلق، ولأن كمان الورش بتعمل احتكاكات مع الأفراد وبتسهل خلق شبكات معارف. لكن بعض الورش (وأغلبها على فيس بوك وإنستجرام) بتتحول لتريند ودي بتبقى خطيرة جدًا، لأنها بتبيع معرفة منقوصة ومفيهاش تكوين بالمعايشة بمعنى تعايش فني/إنساني بين مجموعات حية. يمكن هي كويسة كمدخل، بس مفيهاش علاقة بين الـ Mentor (المدرس/ المرشد) والمشارك زي علاقة المنتج والمخرج. 

الإشكالية التانية إن فيه ورش موجودة أو برامج تدريس سينمائي موجودة  من زمان ومغيرتش من نفسها، وشكلها مش ناوية. وآخر إشكالية خاصة بورش المهرجانات العربية والعالمية، وهي إنها في الأغلب بتطور المشروع الخاص بيك مش بتطور مهاراتك أو أسلوبيتك، هي مهتمة أكثر بالمُنتَج، بغض النظر عن صانعه بشكل تفكيكي، وكأنه المؤلف مات من قبل ما يعمل العمل.

17- لو انتقلنا للتوزيع، تقدر تقول لنا إيه التحديات اللي بتتمحور حواليه، أو إيه هي مشكلة التوزيع بالنسبة للأفلام التسجيلية والأفلام الروائية البديلة؟

أول حاجة إن الموزعين العالميين اللي بنتواصل معاهم مش دايمًا متوفرين في الفعاليات العربية بدرجات كافية، والاتصال بيهم مش متاح بسهولة، ودايمًا بيكون الاتصال من خلال وسطاء. تاني حاجة إن المعرفة بالتوزيع وآلياته مستغلقة، ومش متاحة أصلًا، عكس باقي مجالات الصناعة. يعني المتعارف عليه إن السينما المستقلة في مصر بتنقسم لـ مرحلتين؛ مرحلة التطوير والإنتاج ومرحلة ما بعد الإنتاج، طب وبعد كده؟!، هنعمل إيه باللي أنتجناه؟ مفيش خطة توزيع.

ده حتى مفيش ولو ورشة واحدة تعلمك أساسيات وآليات التوزيع، ولا فيه قسم خاص بالتوزيع في معهد السينما. ده بيؤدي بالتالي إلى إن مفيش صغار موزعين زي ما في صغار منتجين باستثناء محاولة يوسف الشاذلي في سينما زاوية، اللي كانت في ضهرها شركة مصر العالمية، بتراكم خبرتها المعروف.
إحنا عايزين مجموعات؛ سبعة - تمانية يحاولوا. زاوية كانت محاولة جادة رغم الصعوبات، وطبعًا في موزعين كبار زي ماد سولوشنز Mad Solutions، وحفظي عنده شركة فيلم كلينك Film Clinic Distribution ، لكن أنا بتكلم عن موزعين صغار؛ موزع يوزع فيلمين قصيرين في السنة، مش لاين أب من 15 فيلم طويل. ظهور شخصية الموزع الصغير هيعمل غربلة للسوق، وهيبتدي يحصل ابتكار لآليات جديدة للتوزيع من جواه. وبالتالي ناس جديدة تخش الصناعة بشكل ما وبأفكار جديدة، الناس بتطلع أفكار عمرك ما تتخيلها. وحاليًا لا في قسم في المعهد ولا ورش تعليم موازي، وفكرة دعم موجّه للتوزيع ابتدت تظهر مؤخرًا جدًا ومش بشكل كافي، وهي حبة فلوس الله أعلم هنعرف نعمل بيها حاجة ولا لأ.

18- إلى أي مدى شايف أهمية إن المبدع السينمائي يبقى واعي بالجمهور اللي بيستهدفه وهو بيصنع العمل الفني؟

إنك تختار جمهورك، فده على مستوى خيالك ونظرك، إنما على أرض الواقع فالأمر بيكون أشبه بمثال «الجندي» للفيلسوف الفرنسي دولوز؛ الجندي اللي جواه أفكار متمسك ومؤمن بيها (فيلم في الحالة بتاعتنا) بس فيه جهة تانية بتقول له لازم تبخَّر للأوثان (الجمهور). الموضوع عامل زي الثنائية دي؛ الديانة اللي انت ابتكرتها (عملك الفني) اللي متخيل ممكن تلاقي لها رواج، ممكن تكون انت الوحيد اللي مؤمن بيها. إنك تكون دقيق جدًا إنك توصل لجمهور معين دي في حد ذاتها مقدرة. صناع كتير مثلًا بيكونوا متخيلين إن اللي هيعملوه هيقبله جمهور واسع من الشباب، وبعدين يكتشفوا إن لغتهم مثلًا مستعصية على الناس البسيطة، أو اعتبروها معقدة. عملك الفني ممكن يكون فيه وجاهة، لكنه ما يوصلش للجمهور اللي انت متخيله. دايما في تيار سائد وتيار عايز يسود، و أكيد بلا شك اللي عايز يسود هيسعى لده بطرق كتير، لكن السؤال هنا لو ساد هل هيتم السيطرة عليه وتوجيهه ولا هيفضل زي ما هو؟

19- هل حابب انك تشتغل مع منصات عرض زي «نتفليكس» و«شاهد»، وإلى أي مدى شايف إن المنصات ممكن تبقى مساحة جديدة لعرض مضامين مختلفة؟

هو سؤال صعب جدًا، لكن اللي أقدر أقوله إني بطبيعة الحال بَصنع أعمال فنية عشان أتصل بيها مع الجمهور، بس فكرة بعمل الحاجة دي لجمهور واسع ولا جمهور ضيق هو حسب اللي بشتغل عليه. يعني مثلًا أنا عملت مع المخرج إسلام كمال فيلم تجريبي جدًا بميزانية ضئيلة. كان معايا 7000 جنيه. وأنا عارف إن فكرة الفيلم ده رايحة لجمهور خاص، وكانت على منصات معينة. ده مينطبقش مثلًا على «الحلم البعيد» أو «عندي صورة»؛ لأن الأول كان لشريحة أوسع وكان ممكن مثلًا يتعرض على «روتانا» أو WDR الألمانية، والتاني كان لجمهور إقليمي معين زي الوطن العربي. افرض عملت فيلم كوميدي فيه نوع فكاهة يميل أكثر للجمهور الأوروبي، وقادر يعمل توازن بين الفكاهة بتاعته واللغة السينمائية المناسبة ليه، هيبقى فيلم شديد الجماهيرية وهيطلق عليه مجازًا إنه مين استريم (Mainstream تيار السينما السائدة)، لإنه انتشر بشكل جماهيري، بس هو في الحقيقة هيكون مخالف وبيخبط في المين استريم  التجاري اللي موجود حاليًا،  بس مش هثبت على التيمة دي  مثلا وأكرر نفسي وأبقى بعمل ستريوتايب نمطي.

caption

20- شايف المشهد الإنتاجي في إسكندرية حاليًا إزاي، وهل  في حراك لموجة تانية مع انتشار الأفلام المصورة بسمارت فون؟ وهل ممكن تيجي القاهرة؟ 

أتمنى يكون عندي فرع في القاهرة، وده حاليََا  بفكر فيه، بالتعاون مع  محمد تيمور، لكن بالنسبة لي طالما أنا في مصر أنا في إسكندرية. كان والدي زمان بيدي 3 نماذج لـ 3 شخصيات في الدين المسيحي؛ يوحنا (يحيى)، المسيح والقديس بولس. يوحنا ما اتحركش من مكانه وفضل عند نهر الأردن، المسيح لف مُدن فلسطين كلها، والقديس بولس كانت رحلته بين الدول ورسالته عالمية، والدي كان بيقول لي إن الأقوى إنك تعمل توازن بين التلاتة دول؛ إني أفضل في مكاني، وأكون قادر إني أقفز داخليا بين المُدن واتحرك بين الدول .أقرب واحد حاليًا لحالتي هو يوحنا؛ هو قاعد ناحية نهر الأردن وكل حاجة بتتحرك حواليه.

طموحي اللي ما تحققش لحد دلوقتي هو إن إسكندرية يكون فيها تلت أربع شركات بعد روفيز Rufy's وفيج ليف، ومن خلال الأربع شركات دول نعمل خط Direct (مباشر)، نبقى إحنا لاعبين مباشرين في الصناعة، ويبقى فيه منصة للسينما في إسكندرية، الناس تيجي من بره عليها.

عشان كده من ناحية كان نفسي يبقى في روفيز فيلم وغير روفيز، ولما حصل لهم توقف مؤقت ده كان شيء متعب جدًا ليا. 

caption

من ناحية تانية طبعا اتبسطت بفيلمين «كان»، بس سؤالي دايمًا هو «إيه المستقبل؟» إحنا محتاجين وجود كيانات لتكوين حراك سينمائي، عشان نكوّن موجة أو فصل في الطريق، مش مجرد ظاهرة لطيفة لها أثر وخلاص. مناقشة زي دي المفروض تحصل كل يوم وبين الفاعلين نفسهم ومش كلها بشكل رسمي، ولكن بشكل دائم، وفيها توصيف وفيها مناقشة وفيها قرارات مشتركة وخطط، خاصة في التعامل مع الأطراف التانية؛ المؤسسات الأوروبية وغيره، ما نبقاش مجرد رد فعل، بل فعل؛ إحنا بنقول لكم قرار ولازم تستجيبوا يا جماعة. 

مبادرات، مانفيستوهات، منصات غير رسمية؛ لازم يبقى في فكر نظري. لازم كل سينمائي ينشغل بمشروع سينمائي تاني وتالت غير مشروعه الشخصي فقط، خط تاني مختلف. إني آخد الآخر بمنتهى الجدية، لدرجة إني أذاكره. القطيعة مع ألوان السينما المختلفة طالما مش مقاطعة موقفية هتخلق عدم وعي بالآخر وبتجارب اللي حواليك، فمفيش حاجة اسمها قطيعة، وده بيعطل التطور.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن