تخوض ليلى سويف تجربة الإضراب وهي في العقد السابع من عمرها. الجميع مرتعد من تصور الفكرة ذاتها. هذا جسد ليلى الأم، الذي قدمته مرارًا كخط دفاع عن ابنها علاء عبد الفتاح، سجين حكم عبد الفتاح السيسي منذ توليه رئاسة الجمهورية. وبعد انقضاء الحكم الثاني لعلاء، لتصبح المحصلة 11 سنة في سجون مصر، لا يكتفي النظام بكل هذا العمر المنقضي ويريد المزيد. ربما يسرقون أيامًا إضافية من عمر علاء، لكن لن يحدث هذا دون أن ترفع ليلى صوتها وتقاوم، البدن يفدي البدن والروح صفية الروح.
كانت تجربتي قصيرة مع الإضراب عن الطعام، أيام معدودة، لكنني أتذكر جيدًا الحصاد الذهني الصافي بعد اليوم الثالث من غياب الطعام عن الجسم، كيف تتقشر طبقات الوعي والذاكرة، كأن الطعام يضع طبقات من الشحم على مراكز النشاط الذهني.
في اليوم الثالث من إضراب ليلى سويف، وانكشاف جبل من الحكايات التي تستدعيها الصحبة واللحظة، والأهم حالة التقشير الذهني التي يدافع بها الجسد عن وجوده، شعرت أن هذه التفاصيل تفسر الظاهرة، وتعيد رسم صورة ليلى من الداخل. الحكايات هي التي تصنعنا وعلينا أن نكون أوفياءً لها، نوثقها ونحكيها وتجد مكانًا في التاريخ الحقيقي للناس.
هناك شيء في ليلى يدعونا دائمًا لمنازلة الروح، كيف نطوعها لترضى، لتقاوم وتجد الطريق؟ أردت أن تنطلق الحوارات وتتشكل مع اللحظة، ما تجود به ذاكرتها التي لا تزال حاضرة بقوة. سجلت من الذاكرة القريبة ما نقوله. كنت أنزل من البيت، وأسجل الملاحظات، ثم أكتب الحوارات بعد عودتي مباشرة. انتظرت اللحظة التي أعطيها نسخة من هذه الحوارات، لتقرأها وتعطيني الملاحظات. شعرت بحماس وخوف، حماس أن تجد بعضًا مما قالته في هذه الفترة، وخوف من اللحظة التي ستتوقف فيها هذه الحكايات.
اليوم الثالث من الإضراب
الأربعاء 2 أكتوبر
الحضور: عايدة سيف الدولة - علاء سويف وزوجته سهير - أهداف سويف - أحمد دومة - سمر.
نفتح النقاش بمناسبة العام الدراسي الجديد. تحدثنا عن رغبات الطلاب في الالتحاق بالجامعات، وأن دراسة شيء لا نحبه يجعل الإنسان سجينًا. تقول لي: «كنت في الابتدائية عندما أدركت أنني أريد دراسة الرياضيات. قلت لأبي أنني أقضي أوقاتًا سعيدة عندما أجلس لحل المسائل الرياضية، ولا أعتبرها جهدًا. قال لي: إذن يمكنك التخصص حين تكبرين في الرياضة البحتة. لم أكن أفهم معنى الجملة، لكنها عجبتني وعششت في رأسي. حين كنت في الثانوية العامة، كانت والدتي تريدني أن أدخل كلية الطب، فرفضت، فطلبت مني أن أحصل على مجموع كلية الطب، ثم أختار ما أريده. وافقت، وحصلت على مجموع كلية الطب، وقررت دخول كلية العلوم قسم الرياضة».
عاشت ليلى حياتها في ظلال حياة أكاديمية لأبوين كانا من رموز جامعة القاهرة، هي الابنة الوسطى للدكتورة فاطمة موسى، أستاذة الأدب الإنجليزي وأحد رواد الترجمة المعاصرة، والدكتور مصطفى سويف، أول رئيس لقسم علم النفس بجامعة القاهرة ومؤسس أكاديمية الفنون. كان للأبوين إصدارات فارقة في الفنون والعلوم، لم يكن لهما أي نشاط سياسي مباشر، لكنهما فتحا كل الأبواب أمام اختيارات أبنائهم الثلاثة، الذين عملوا ما بين الأدب والهندسة وتدريس الرياضيات البحتة.
ينتقل الحوار إلى آخر إضراب نظمته كل من عايدة وليلى معًا، كان إضراب بمركز هشام مبارك ضد قانون الجمعيات الأهلية عام 1999، الذي صدر بتضييقات كبيرة على حرية التنظيم، وتم فضه بعد أسبوع، مع وعود بتغيير القانون، وهو ما لم يحدث.
اليوم الخامس من الإضراب
الجمعة 4 أكتوبر
كنا وحدنا
أحكي عن صديقتنا سلمى وزين وتعثر حياة الأم الحديثة، تقول بوضوح: «أنا أودعت أطفالي الحضانة من الشهر الثالث. كان لدي الماجستير والدكتوراة والتدريس والنشاط السياسي. لم أجرب الأمومة»، ولكنني تعجبت من سرعة الانفصال عن الرضيع. أسألها: هل هذا سهل؟ تقول: «الوحيد الذي ذهب للحضانة بعد 6 أشهر هو علاء، لأن أحمد (سيف زوجها) لم يكن يعمل حينها، وقرر أن يقضي وقته كله معه، لدرجة أنني زهقت منه. تضحك. بقى زي الستات اللي بتخلف تلزق في العيل ومتعملش حاجة تانية. الصورة عندنا كانت مقلوبة شوية. تضحك بقوة مرة أخرى. بعد الشهر السادس، أودعت علاء الحضانة وطلبت من سيف أن يفعل شيئًا بوقته. كان يمر بفترة إحباط مثل أغلب جيلنا مع مطلع الثمانينيات وبداية عصر حسني مبارك. كانت فترة صعبة. لكن المشكلة أنه حين خرج من البيت، وبدأ العمل والنشاط السياسي مرة أخرى، ذهب لتأسيس تنظيم مسلح. يعني من قعدة البيت على التنظيم علطول». تضحك طويلًا.
أقول لها: كنتِ خليه قاعد في البيت مع الواد. وجدتني أسألها عن لجوء هذا الجيل للسلاح، وهل جاء كرد فعل على الهزيمة السياسية التي وقعت لجيلهم؟ تنفي ذلك بوضوح، وتقول: «لم نعتبر وقتها اللجوء للسلاح تعبيرًا عن الهزيمة بقدر ما كان امتدادًا لحركات التحرر بالعالم في هذه اللحظة، وكان المنطق طالما عاملنا النظام بالسلاح والقمع، فمن الجائز مواجهته بالسلاح».
يقودني هذا إلى سؤال آخر: متى شعر جيلهم بالهزيمة. أذكر ورفاقي أن عامي 2014 و2015 هما بداية شعورنا بالهزيمة الجماعية، وأن الشباب توزعوا بين السجون والمنافي، وصرنا قلائل في مواجهة الطاغوت.
تقول: «الهزيمة الحقيقية كانت للمشروع السياسي لليسار بعد كل حراك الطلاب والعمال في نهاية الستينيات وطوال السبعينيات الصاخبة. واجهنا الهزيمة بالتدريج، عندما وجدنا الإخوان يكسبون كل الانتخابات في النقابات والأندية مع مطلع الثمانينيات، وبعد نضالنا الطويل في فتح كل مواقعنا مثل معركتنا في أول انتخابات لنادي أعضاء هيئة تدريس جامعة القاهرة. حينها كانت الانتخابات لا تزور، يهزم فيها مرشحو الحكومة، لهذا اكتسحت قائمة سميت حينها قائمة شادية الشيشيني، أستاذة الهندسة الكيميائية بجامعة القاهرة، وضمت القائمة عددًا من المدرسين المحسوبين على اليسار والمستقلين والأسماء المحترمة. وبعد معركة كبيرة وحدنا مع التزوير وفوزنا، جاء الإخوان في الانتخابات التالية، وحصدوا ما فعلناه من استرداد النادي من الدولة، وهذا ما حدث في أغلب المعارك النقابية. كما فعلوا في الثورة بالضبط، لذلك أستطيع فهم حساسية عدد كبير من أبناء جيلي من ممارسات الإخوان، لأننا عشنا معهم فترة قاسية في الممارسة السياسية خلال السبعينيات والثمانينيات».
تنضم إلينا صحبة من الصديقات، ونتحدث عن المخبرين الموجودين تحت منزل ليلى بشكل مستمر. هناك موجات من المد والجزر، كانت أشدها بعد عودة سناء الأخت الصغرى لعلاء، من مؤتمر المناخ في 2022، حيث كانوا يجلسون تحت البيت حتى زيارتهم لعلاء في وادي النطرون.
تقول وهي تتعثر في الكلام من الضحك: «بيراقبونا وإحنا رايحين عندهم».
أذكر أن في هذه الفترة، بعد أن أنهينا الإضراب الذي نظمناه كصحفيات مصريات (إيمان عوف ومنى سليم وأنا) في النقابة للتضامن مع إضراب علاء، أول مكان خرجنا إليه، كان بيت ليلى سويف. حينها، أحضرنا خلفنا المخبرين بتوعنا مع المخبرين الموجودين أساسًا تحت بيت ليلى، ونظموا منتخب المخبرين تحت البيت.
تحكي ليلى عن واقعة غباء المخبرين المتواصل عبر العصور، ففي منتصف الثمانينيات، كانوا في سهرة لدى أصدقائهم في حي الطالبية، وحينها، كانت وسيف يسكنان في فيصل. نزلا من البيت، ورَأَيَا المخبر يقود سيارة تاكسي، فقررا المشي لبيتهما نكاية فيه. مشيا على أقدامهما، وظل المخبر يمشي بالسيارة خلفهما ببطء. كاد المخبر أن يقول لنا: «ما تيجوا أوصلكم عشان أخلص»!
اليوم السابع من الإضراب
الأحد 6 أكتوبر
كنا وحدنا
تبدو مرهقة هذا اليوم. لن تذهب للجامعة، اليوم إجازة رسمية بمناسبة السادس من أكتوبر. لديها تصحيح رسالة ماجستير لأحد طلابها. تجلس في الصالة مع الأوراق، تسقط رأسها قليلًا للخلف لترتاح، وفي يدها الأوراق، ثم تحصل على جرعة من القهوة، وتستكمل العمل. أطلب منها أن أنجز بعض الأعمال المنزلية حتى تستكمل عملها وأنا أجد ما أفعله. تستجيب أخيرًا وتطلب مني نشر ملابس سجن علاء البيضاء.
جاءت المهمة مفاجأة، كنت أطمع في تنظيف المطبخ، وتجهيز وجبة توكة، الكلبة الرفيقة. وجدتني مع ملابس علاء البيضاء التي تعدها للزيارة القادمة. أحملها إلى المنشر، أمسك كل قطعة وأنفضها بقوة. أرى حجمه في الملابس، وصورته التي لا تفارق الأبيض منذ عقد من الزمن، أتوتر وأنتهي من المهمة بسرعة. ثم دخلت لندخن سيجارة سويًا.
كنا نسمع الأغاني الوطنية الدعائية في كل مكان في هذا اليوم، واشتكيت من أصوات طوابير المدارس الصباحية التي أصحو بجوارها منذ فترة. تتذكر ليلى أول يوم لها في المدرسة الثانوية. تزامن ذلك مع موت جمال عبد الناصر. ذهبت إلى طابور الصباح، ووجدت البنات منهارات، وأصيبت العشرات منهن بحالات إغماء. تذكرت أنها قضت أول يوم دراسي تحمل الفتيات اللاتي سقطن في الحوش. تضحك وتقول: «لا أعرف ما علاقة الإغماء بالحزن، من الواضح أنها كانت موضة لإعلان الحزن في هذا الوقت». ظللنا نضحك طويلًا.
ومن هنا، تتحدث عن عبد الناصر. تقول: «مقارنة بما يحدث الآن، عبد الناصر كان الأكثر تقدمية من جميع ممن جاءوا بعده. أفهم الخراب الذي بدأ في الستينيات بكل المناحي، لكن البلاد كان يمكن أن تحقق ما هو أكبر مما قدر لنا مع الأسف».
نذهب بالحديث عن وزير التعليم الجديد، الذي جاء مثل غيره يتحدث عن تطوير منظومة التعليم من خلال تطوير الثانوية العامة فقط. تقول إن أي مسؤول يأتي ويتجاهل الحديث عن ضرورة تنفيذ مشروعات لمرحلة التعليم الأساسي، لا بد أن نعرف أن عملية التطوير ستكون غير مجدية بالمرة. إنهم مصرون على استهلاك الموارد بعيدًا عن المكان الصحيح، كما جرت العادة في كل عمليات التطوير الفاشلة السابقة.
هنا تتحدث عن حلمها الخاص، الذي حددته وقت انتصار الثورة جزئيًا، وجاء الوقت لنقدم مشروعات لتنمية البلاد. رشحها كثيرون لوزارة التعليم العالي، لكن هذا لم يكن أبدًا حلمها. كان حلمها الذي عملت عليه خلال حملة ترشيح خالد علي هو مشروع تطوير المرحلة الأساسية في التعليم الحكومي. كان لديها استراتيجية تعتمد على الاستثمار في المدرسين وأجورهم، وأن يعمل المدرس مع 25 طالبًا فقط في الفصل، وأن يستمر كل مدرس في بناء قدرات الطلبة من السنة الأولى حتى السنة الرابعة من التعليم الأساسي، بالإضافة إلى إشراك المجتمع المحلي في تطوير البنية الأساسية للتعليم من خلال دعم المدارس بوجبات يومية، وكذلك إيجاد أماكن مناسبة للدراسة إذا عجزت الدولة عن توفير مدارس أو قاعات للتعليم بدلًا من حشر عشرات الطلاب في فصل واحد كما يجري الآن.
اليوم الثاني عشر من الإضراب
الجمعة 11 أكتوبر
الحضور: مي وماهينور المصري
تقول لي: «فكرت فيكي بالأمس، بعدما أنجزت أول محاضرة لطلبة الفرقة الأولى. أود إبلاغك أن الأمور سارت على خير وحضر الطلاب وكان لدي طاقة». نتبادل الابتسامات، وأسألها عن حال الطلبة وإذا كانوا متجاوبين في أول محاضرات لهم بالحياة الجامعية. تقول إنها تحب الطلبة الجدد. «منذ العام الأول، نعرف مين مركز وهيكمل». تقول لهم نصائح بداية العام في هذا اليوم. تعرف أن غالبية الطلبة يعملون إلى جانب الدراسة لتغطية تكاليف المعيشة ومصروفات الجامعة، لم يعد الأهالي قادرين على ذلك. لكنها تطلب منهم أن يركزوا فيما يستطيعون دراسته وتوزيع المواد، وتأجيل بعضها إذا لزم الأمر، بدلًا من السقوط المتواصل، حتى لا يختل التقدير العام، لأن القسم صعب ومن ينجح مع الرياضة يستطيع تعلم أشياء كثيرة، وفي الغالب يكون نابغة بالفعل.
تذكر طالب لديها منذ سنوات، كان يدرس في أثناء فترة التجنيد، ويأتي إلى المحاضرات في السابعة مساء، بعد انتهاء يوم عمله في الوحدة، وكانت تضبط مواعيد المحاضرة على ظروفه. ليست وحدها من يفعل ذلك مع الطلبة المجتهدين، ما زال المدرسون يساندون الطلبة المجتهدين. هنا تذكر أن ما كانت تقدمه الجامعات من إمكانات يحدد مسار حياة الطلبة بالفعل.
تقول: «العام القادم، سنشهد مئوية الكلية، التي تأسست عقب إعلان تأسيس جامعة فؤاد الأول مباشرة. كان الهدف واضحًا في اهتمام الدولة بالعلوم في هذه اللحظة، وكانت الجامعة محطة تقدمية لمصر، تضم المفكرين والعلماء، فدخلت النساء كلية العلوم منذ سنوات التأسيس الأولى، عكس كليات أخرى تأخرت قليلًا في إلحاق النساء بالدراسة. تزامن ذلك مع وجود قيادة تقدمية في كلية العلوم، فرفضت كلية الطب إلحاق الكاتبة والسياسية سهير القلماوي بها، ما دعا طه حسين إلى ضمها لكلية الآداب، ولولا وجود عالم الفيزياء مصطفى مشرفة في كلية العلوم، لما التحقت بها عالمة الذرة سميرة موسى. التحاق الطالبات بكلية الزراعة أيضًا لم يكن سهلًا».
تتذكر أنه لولا مكافأة التفوق الشهرية التي كانت تحصل عليها من الجامعة، لما سارت في خطواتها العملية بطريقة أسرع في زواجها الأول. كانت تنفق على نفسها من المكافأة الشهرية، كما كان زوجها الطالب المتفوق يفعل. كانت معلومة أنها تزوجت لأول مرة في السنة الأولى للجامعة جديدة على مسامعي. كيف تزوجت في هذه السن الصغيرة ووافق والدها ووالدتها؟ فعلتها، واحترم أهلها القرار، وتزوجت في غرفة صغيرة ببيت أهلها. أضحك وأقول لها: «أنتِ كنتِ مستعجلة على إيه؟»، تقول: «ماذا كان يمنعني من الزواج بشخص أحببته ما دمنا ننفق على أنفسنا ونتحمل المسؤولية ونتفوق في التعليم؟ استمرت الزيجة طوال فترة الدراسة».
نتحدث عن المشروبات العشبية التي تحاول تناولها بجوار اليانسون في أثناء الإضراب، ولم يعجبها منها شيئًا إلا المرمرية والكركديه أحيانًا. تقول إنها لا تفضل في المشروبات سوى الشاي والقهوة فقط، لكنه الإضراب وأحكامه.
ترحل الصديقات من الجلسة، وينضم إلينا دومة، ونتحدث قليلًا عن قضية الازدراء الموجهة ضده، ومواجهته عشرات البلاغات من شخصيات مجهولة، رغم معرفتنا أن الجهات المحركة لهذه البلاغات ليست مجهولة أبدًا.
اليوم الرابع عشر من الإضراب
الأحد 13 أكتوبر
الحضور: أحمد دومة
أذهب إليها في منتصف النهار عكس عادة الزيارات المسائية، كان لديها إشراف للقسم في الجامعة منذ الخامسة مساءً، فقررت الذهاب ظهرًا وتوصيلها للجامعة.
أفتح معها الحديث عن زواجها الأول مرة أخرى، وكيف تعرفت بعد ذلك على أحمد سيف، الذي كان طالبًا مشهورًا في النشاط الطلابي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية حينذاك. تقول إن سيف كان صديقًا لها قبل أن تبدأ علاقتهما العاطفية، وكانا يحترمان بعضهما، لأنه كان شخصًا راقيًا ومتفهمًا ومتطورًا وسط أقرانه. وفي خضم الاعتقالات التي أعقبت انتفاضة الخبز عام 1977 حين ألقي القبض على عشرات الطلاب، وملاحقة البقية الباقية، كان من بينهم سيف الذي ظل هاربًا حتى صدر قرار إحالة القضية دون اسمه.
كانت قرارات الإحالة تأخذ وقتًا طويلًا ولم تكن الأمور كما نعرفها اليوم في مسار التقاضي. كانت النيابة لا تقبل بإحالة قضايا مضروبة أو تالفة أو ضعيفة، لذلك كان أمر الإحالة يأخذ شهورًا وأحيانًا سنة أو سنتين، وإن لم يتضمن على قرائن وأدلة. «كنت في هذه الفترة أحاول مساعدة الهاربين ومن بينهم سيف. لم يقبض عليّ، ولم يوضع اسمي في قوائم المطلوبين، ويعود السبب في ذلك إلى أنني كنت من القلائل الذين يحضرون محاضراتهم بانتظام. لم أجلس لساعات يوميًا في الكافيتيريا كما كان يفعل كل طلاب اليسار في هذا الوقت». تضحك عاليًا وتتعثر في استكمال الجملة، وأضحك معها. «المخبر المكلف بمراقبتهم مكنش يعرفني ولا بيشوفني معاهم كتير، ففلت من الملاحقة».
ننزل من البيت. كانت سيارتي مركونة بعيدًا عن البيت بمسافة، وأحاول إقناعها أن تقف تنتظر وأذهب لإحضارها، لكنها ترفض. تمشي ببطء، تجر أقدامها، وتلوح بيديها لأصحاب المحلات والبوابين وجيرانها في المنطقة. نركب السيارة وننطلق إلى الجامعة، مرورًا بمنطقة بين السرايات. تقول إنها تحب هذه المنطقة وكانت دائمة التردد عليها لشراء الخضار واللحوم في أثناء سكنها بمدينة المبعوثين.
أسألها عن عدد البيوت التي عاشت فيها مع أسرتها، والتي أغلبها يقع في حي الجيزة بجوار الجامعة. 5 منازل حتى الآن. نصل إلى باب الجامعة. يلمح الأمن وجه الدكتورة ليلى، فيسمح بمرور سيارتي لدخول الحرم، وبخبرتها العتيدة، نستطيع الوصول إلى الأبواب الخلفية للجامعة. عند وصولنا، تشير إلى الباب الأخضر الصغير، وتضحك: «شايفة الباب الأخضر الصغير ده؟ في زيه كتير في الجامعة وفي الكليات، علمتهم كلهم لسيف لما كنا طلبة عشان يعرف يستناني أو إزاي يزوغ من الأمن».
اليوم السادس عشر من الإضراب
الثلاثاء 15 أكتوبر
ينضم إلينا المحاميان خالد علي ومحمد فتحي، للاطمئنان عليها قبل السفر. كنت قد سألت ليلى في وقت سابق عن أرشيف القضايا التي عمل عليها سيف، وأنه ربما جاء الوقت لتوثيق هذه القضايا كما فعل سيف مع بعض قضايا المحامي الكبير نبيل الهلالى، خاصة قضية التنظيم المسلح. عندما حضر خالد، سألناه وحاولنا الوصول لخريطة الأماكن المتوقعة لأوراق القضايا.
أذكر أنني تعرفت على خالد منذ أكثر من 25 عامًا في مركز هشام مبارك الذي كان بمثابة جامعة حقوقية للجيل الأصغر من المحامين والباحثين الذين رباهم سيف، ودائمًا ما يملك خالد حكايات خاصة عن أبيه الروحي.
وصل الحديث عن علاقة سيف بالمال، وذكرت ليلى أنهم مروا بأزمات مختلفة نتيجة أن «اللي كان في جيبه مكنش ليه»، يتدخل خالد بحديثه: «كنا نشاهد سيف يقبض مرتبه ويوزعه قبل أن يدخل جيبه على إخوته ورفاقه. كثيرًا ما كنا نعمل جمعيات مشتركة وحين يقبضها يقول سلموها لكذا»، تضيف ليلى «لذلك لم يرث أولادنا مليمًا من سيف، وكنا نفعل هذا ونحن راضون تمامًا، كنا منهكين دائمًا في المصروفات، بس الدنيا كانت بتمشي. حتى ورث سيف من أبيه، رفض يأخد منه مليمًا، وقرر توزيعه على أخوته البنات اللاتي حرمتهن العائلة من التعليم»، تتوقف عن الحديث قليلًا ثم تستطرد: «والله سيف ده مكنش فيه نقطة ذكورية».
يرحل خالد وفتحي، ثم نبدأ في التحضير لزيارات علاء القادمة. ندخل المطبخ المقلوب حاله، أستمع لخطتها في الترتيب والتعبئة، وأنفذ بقدر المستطاع، وأقترح أحيانًا، وتقبل اقتراحاتي أحيانًا. لدى ليلى نظام خاص في تحضير الزيارة التي تكررها منذ 11 عامًا.
في البداية، تضع الخضراوات والفواكه الطازجة والحلويات في ركن عالٍ بالمطبخ بعيدًا عن الكلبة توكة، وأدوات النظافة والكتب والمجلات في ركن آخر على ترابيزة السفرة، ثم تنتقل إلى الطعام المطبوخ، لا بد أن تنقله كله في علب بلاستيك محكمة الغلق، ثم تدخل على الثلاجة. تخلي الفريزر تمامًا، وتبدأ في رص علب الطعام المطبوخ ليتجمد ويتحمل الرحلة الطويلة لوادي النطرون. كان دوري بسيطًا، في اختيار بعض العلب وتفريغ بعض الأطعمة ورص بعضها في الثلاجة، وفي أثناء ذلك، تعرض ليلى عليّ دائمًا أن أتذوق القليل من بعض الأصناف المميزة المتاحة، وأفعلها بود مضطرب.
ننتهي من المهمة وتطلب الكلبة توكة بصراخ حاد قضاء حاجتها. أقترح أن أصطحبها للشارع، فتقترح أن نصعد معها للسطوح لتقضي حاجتها ونشرب سيجارة. تجد ليلى مساحة من السور تعرفها. تجلس فوقها ونشعل سجائرنا ونتسامر، وفي أثناء مراقبتنا أسطح المنازل، أحكي لها عن الفصول الأخيرة في مغامراتي للحصول على شقة بالقاهرة.
اليوم الثامن عشر من الإضراب
الخميس 16 أكتوبر
كنا وحدنا
كان لدى ليلى خطة أن هذا هو اليوم الذي ستنهي كل عمل الجامعة قبل السفر. أحدثها في التليفون. تقول: «أنتِ مش غريبة، تعالي نشرب سيجارة سوا وآخد استراحة». طقس شرب السيجارة مع ليلى كان أقرب لحكاية جديدة تحب أن ترويها اليوم. لم نكن نحرق الكلام مع صدورنا، بل تشتعل الحكايات كأنها حدثت بالأمس القريب، وليس منذ 20 أو 30 عامًا. كانت قد بدأت تعرف أنني أحببت هذا الطقس، وأتوق لهذه اللحظة الخاصة من اليوم، فكانت تستعد وأنا أيضًا.
كانت قصة اليوم تحتاج منا تمارين عديدة، مثل التي جرت خلال الأيام السابقة، في مد حبال الكلام والوصول إلى المساحة. فتح النقاش بسبب تفاصيل قصة الاعتداء على دومة في شارع بحي الزمالك، واحتمالية أن يكون للسلطة دور في تحريك الأمر.
تقول: «متى يدركون أن هذا الشاب لن يتم كسره بهذا الشكل». كنت غاضبة وأرى أن القصة أعمق من الخوف المباشر من السلطة، وأنهم يريدون أن يجعلونا خائفين من مجرد المشي في الشوارع، وأن نركز فقط على أمننا الشخصي، وهذا شر أخطر من المواجهة المباشرة. تقول إنها تدخل مواجهات مع السلطة منذ 40 عامًا، ومنذ اللحظة الأولى قالت لضابط حاول الاقتراب منها إن اللحظة التي يفكر فيها بلمس جسدها هي اللحظة التي ربما تكون لحظة موتها، فلن تسمح بذلك. تقول إنهم دائما على وعي بمن سيرد الضربة ويفتح المعركة ومن سيقع.
تتذكر معركة الحصول على جواب من علاء، حين أغلقت السجون لفترة بحجة انتشار كورونا، وامتنعت إدارة سجن طرة عن تسليم خطابات علاء، لكنها أصرت على ذلك، ونظمت اعتصامًا بجوار سور السجن حينها، وانضمت إليها ابنتاها منى وسناء، ثم حاولت الأجهزة الأمنية فض الاعتصام بإحضار سيدات بلطجيات اعتدين عليهن بجوار سور السجن.
تتذكر ليلى أن المواجهة في هذه الواقعة كانت ردًا على استخدام هذا النوع من الأدوات، وتقول بتركيز وصوت خفيض: «يومها قادتني رغبتي للرد على الاعتداءات لحدود الموت. شعرت بأن عليا الرد بحزم عن ما جرى. دفعت نفسي مع السيدة البلطجية أمام السيارات على طريق الأتوستراد، لتدهسنا نحن الاثنتين، ولم أندم». تسكت بعد هذه الكلمة، ويغمرنا صمت. أقول لها: «أوافق على أن الهدف هو كسر الناس في كل المعارك، وفي السجون». تقول: «صحيح، لكن يمكن استدراك المواقف، وتحويل الهجمة إلى ضربة مضادة، كما حدث في قضية تعذيب سيف في الثمانينات، حتى أكبر لحظات انكسار الناس وخوفهم يمكن أن تصبح مؤقتة. حتى لحظة كسر سيف بعد التعذيب، تجاوزناها».
كان ألقي القبض على بعض رفاق سيف في قضية عرفت باسم «التنظيم الشيوعي المسلح»، بينما كانت ليلى تنجز رسالة الدكتوراة في فرنسا، وكانت حاملًا في ابنتها الوسطى منى، ومعها علاء طفلًا. قرر سيف تسليم نفسه بدلًا من الهرب لزوجته وابنه في فرنسا، ثم تعرض ورفاقه لتعذيب بشع وكسر ذراعه وقدمه.
يعود وجهها الباسم وتقول: «لا أنسى أن سيف قال حينها: زيارة ليلى في السجن بعد التعذيب أنقذتني. عدت فورًا، وذهبت إلى السجن، ومن أول ما شوفته، تعيد الجملة الأخيرة مرتين، وينخفض صوتها، قلت له فيما معناه، خلاص يالله. كان هو ومعه سجين آخر من أبلغا عن التعذيب عندما ذهبا للنيابة، ومعنى هذا أنه تجاوز الكسر وأبلغ عما جرى رغم هوله. في الغالب، كان المعذبون لا يذكرون ذلك خوفًا من المصير بعد العودة للسجون. تحدثت معه عن جزء من خطتي لمواجهة ما جرى لهم. فهم أنني لن أصمت، ومن يومها بدأت معركة نشر وقائع التعذيب في السجون. كنا في منتصف الثمانينات وكان الناس يعتقدون أن التعذيب بصورته المتوحشة في عصر صلاح نصر، أشرس رئيس للمخابرات في عهد جمال عبد الناصر، قد انتهى بعد نهاية دولة المخابرات كما وصفها أنور السادات الذي حاول إعطاء صورة مغايرة لعصره. لكنها كانت أول قضية تعذيب تثار في عهد حسني مبارك الذي أخرج معتقلي عصر السادات»، وتضيف «حينها بحثت عن صحيفة تنشر قصة تعذيب سيف ورفاقه، فلم أجد، حتى صحيفة الأهالي اليسارية، الأكثر جماهيرية حينها، رفضت. قابلت الكاتب الصحفي محمد عبد القدوس، الذي لم أنس له أبدًا هذا الموقف، وتحمس للنشر في جريدة الشعب، ثم أرسلت الوقائع مكتوبة عبر صديقة إلى فيليب جلاب، رئيس تحرير جريدة الأهالي الذي نشرها في عموده الخاص بالجريدة وعلى مسؤوليته، ثم توالت عملية النشر عن وقائع التعذيب في المعتقلات، وفتح هذا الملف الذي استمر في التصاعد خلال عهد مبارك حتى قيام الثورة. في هذه المعركة أدركت أن المواجهة أنقذت سيف وأنقذت مستقبلنا من الانكسار الذي أرادوه له وللحركة ولنا».
تقارير ذات صلة
لينُكساوي: لنحرر العالم
كان مكاوي أشياء كثيرة: منظِّم، عبقري تكنولوجيا، مستشارًا للحكومة، رائد أعمال، بنّاء
سينما صيفي| «روكي» وعلاء عبد الفتاح
يحتفل بسام مرتضى بالإفراج عن علاء عبد الفتاح
«الرفض بلحم الجسد»: ليلى سويف، كافكا، ودولة لا تُفجَع
لا يطلب إضراب ليلى الشفقة، بل يدعو إلى مساءلة أخلاقية وسياسية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن