تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حلزونة الطريق العام

حلزونة الطريق العام

كتابة: كريم كيلاني 10 دقيقة قراءة
تصوير: مُهرة

#جو عام 

الخارج من بيته للطريق سيقابل حتمًا شرّ التأخير، بسبب محور قيد البناء أو سكة في طور الإصلاح، أو كوبري في مرحلة رص العواميد، أو تحويلات مفاجئة. سلكان الطريق أمر لا يحدث إلا نادرًا، كأننا ندور في حلزونة كما يكتب كريم كيلاني في هذا الديتوكس، ولنركبها معه.

#دليل #قراءة

كيف حبستنا شبكة الطرق الجديدة في متاهة من الخدمات الإجبارية؛ فأنت على طريق واحد لوجهة واحدة، تتزود بالوقود في منافذ ثابتة، وتحتسي قهوتك في أماكن محددة سلفًا، لتصل إلى وجهة لا بديل لها.

عندما تتضرع فرقة كولدبلاي إلى الله أن يمنح مغنيها الرئيسي ابتسامة، فإنها تأتي بعد تصريح شديد العدمية بأنه Where do we go nobody knows، هل كانت هذه حالتي عندما انطلقت في رحلة من غرب القاهرة الكبرى ناحية برَّها الشرقي؟ تؤكد لي كولدبلاي أن don't say you're on your on your way down. وعلى الرغم من أن الاتجاهات في حالتي لا تشي باختلاف كبير، فطريق كالواحات في محافظة الجيزة، ليس هو نفس الطريق منذ عدة أشهر، بل منذ عدة أيام، أحدهم مر من هنا، كما يخبرني صديقي المهندس هيثم الذي يعمل في مجالات الإنشاءات، بينما يربط حزام الأمان بسيارته. أفطن إلى أن أحدهم مر من هنا حتمًا، ولكن في أي اتجاه يقصد؟ لقد تشابهت عليَّ الطرق، ومازال يلح عليَّ السؤال: أي منزَل علينا أن نسلك؟

تتقاطع أمامي على شاشة الهاتف خطوطًا زرقاء تتخللها بقع حمراء، الزرقاء تعني سلكان، والحمراء تعني عوجان، هكذا شُبِّه لي الأمر قبل انتصاف النهار، أنبه صديقي المهندس أن الطريق على الجي بي إس لا يبدو مبشرًا لكننا ننطلق على أي حال، فعلينا أن نمضي إلى إحدى المجمعات السكنية الحديثة بالعاصمة الإدارية في شرق القاهرة، وذلك لاستلام مستخلص قديم (مستحقات) عن أساسات الكهرباء التي أنهى صديقي المهندس إحدى مراحلها. كان من المفترض أن يحصّل قيمته منذ شهور من شركة مقاولات كبرى تتولى عدة مشاريع ضخمة في البلاد، لكنها تؤخره كعادتها مع أغلب مقاولي الباطن، الذين يضطرون بدورهم لتأخير رواتب العمال، وهؤلاء لن يذهبوا للموقع من الأساس قبل أن يقبضوا رواتبهم.

أما أنا، فكنت على موعد في موقع قريب من أجل مصلحة ما، فأقلني في طريقه.  

على الطريق الدائري من جهة أكتوبر، ألمح لافتتين تضربهما شمس الظهيرة، واحدة تعلن انقسام وشيك للطريق، تتبعها أخرى تنبئني باقتراب هذا الانقسام على شكل تحويلة تحدها كتل إسمنتية كبيرة، تمنع اكتمال الطريق وتدفع السيارات إلى الوجهة المقابلة، يغشاني شعور بالمرجحة بينما تتهادى السيارة عبر المطبات التي صُنِعت على عجل بين شريطين بلونٍ أصفر فسفوري من أجل التحذير الليلي، ولافتة إرشادية توضح خط سير التحويلة.  

30 - 60 - 80 يمكنني أن أرى تصاعد مؤشر السرعة في التابلوه وتوقفه عند هذه النقطة، ليس لأن الطريق غير ممهد لسرعات أعلى بل لأن الغرامة المالية لتجاوز هذه السرعة تبدو أعظم شأنًا عند أي سائق من عملية إنهاء الطريق. نريد فقط اجتياز هذه التحويلة، أفضل ما في هذه اللفة هو أنني يتسنى لي أن أعبر فوق أحياء ومناطق لم يصل إليها طريق عام منذ سنوات كقرية ناهيا وعمق منطقة كرداسة التي اخترقها محور جديد موازٍ لمحور 26 يوليو. 

يوحى إليّ أن تلك الثعابين الإسمنتية التي تنهمر عليها السيارات تسلمنا إلى بعضها بخفة لا حد لها، وكأنها رحلة محددة المراحل لوجهة واحدة. أمر يحض شراييني على جرعتي اليومية من الكافيين.

المقهى الملحق بالمحطة

لا تتزن رؤيتي قبل تزود رأسي بالقهوة، فيتجسم أمامي مقهى محطة الوقود كهيكل خراساني مقسم إلى عدة دهاليز تجارية،  هذه كانت محطة وقوفنا الأولى. 

السيارة تجرع وقودًا من خزانات مشهود لها بالوطنية. وهذا ليس مجازًا، إنها المحطة ذاتها التي تتكرر مئات المرات عبر طرق الجمهورية العريضة. في المقهى الملحق بالمحطة التقينا، أنا وصديقي المهندس، بشخص يملك سيارة خاصة ويعمل بها في أوبر. جمعتنا القهوة، وسرعان ما اندمجنا في حوار عن السيارات، انزلق بسرعة لكشفه عن عمله في مجال المقاولات قبل أن يتركها بسبب كثرة مشاوير المستخلصات التي نحن بصددها أنا وصديقي المهندس. «طب بما إنك جبت آخر السكة ما تقولنا الطرق دي هتخلص امتى؟»

«المشكلة مش في الحكومة لوحدها، الأزمة إنها بتشغل مقاولين زي البشمهندس، والمقاولين بيشغلوا مقاولين من الباطن، وده شغل مناقصات، فقبل ما المقاول يخلص الشغلانة اللي في إيده بيروح يقفل الطريق التاني اللي المناقصة رسيت بيه عليه، عشان يأمّن نفسه، زي ما تقول بيحجز مكانه.. فطبعًا يقفل الطريق بدري عن ميعاد شغله.. فتلاقي المنظر ده، وهكذا في كل المشاريع» 

لكن صديقي المهندس يختلف معه في تعميم الأمر. وقال لي إن هناك طرقًا تتولى إنشاؤها الهيئة الهندسية، وأخرى تتولاها أجهزة المدن التي توليها بدورها للقطاع الخاص، وبذلك ينشطر التنفيذ كالتحويلات المرورية التي نجتازها الآن إلى قطاعي تنفيذ عام وخاص، والأخير يتعثر كثيرًا عندما لا تتوفر السيولة اللازمة، مستخلص متأخر ومبالغ مؤجلة، يتجسد هذا في شكل كتل رمال وشكائر إسمنت، وحواجز توضح أن هنا منطقة عمل أو هنا عجز مالي. 

باريستا الأسفلت

لا أذكر كيف انتهى جمع المهندسيَن المفاجئ هذا، لكنني أيدت عملية الفض إنجازًا للوقت، فلا شيء أسوأ من التقاء «أنا» تحمل بكالوريوس هندسة من جامعة عين شمس بـ«أنا» أخرى تحمل بكالوريوس هندسة من جامعة القاهرة. التقتُ حسًا تنافسًيا بين النجمين حول دراية كل نجم بالسوق فشجعت إنهاء اللقاء. 

ينتابني شعور أن المدينة الكبرى بأسرها يتم تجهيزها كعروسٍ، إنها حِنّة القاهرة، حيث تم بناء 7000 كيلومتر من الطرق والمحاور الجديدة، وذلك ضمن خطة وزارة النقل لتنفيذ مشروعات الطرق والكبارى حتى عام 2024، بإجمالى 1769 مشروعًا بتكلفة 464 مليار جنيه، وحتى العام 2022 تم الانتهاء من تنفيذ 1052 مشروعًا بإجمالى تكلفة 254,3 مليار جنيه.

أشرب نخب حنّة القاهرة ما تبقى من قهوتي الأمريكية من المحطة الوطنية، والتي يتجاوز ثمنها ثلاثة أضعاف القهوة الأمريكية أو الاسبريسو التي يعدها وافدون سوريون في مؤخرة عربات سوزوكي ربع نقل، والتي تنتشر على طرقات مدينة 6 أكتوبر وغيرها من المناطق. يستفيد هؤلاء من تحويل مسارات الطرق المستمر، فيصنعوا لأنفسهم مساحات تجارية متواضعة، بإضاءة سينمائية تعتمد على مولد كهرباء لا يتجاوز الـ 3 واط، أو عبر سلك 16 مم يُوصل بأقرب عمود إنارة، قبل أن يتم تغيير مكان العمود لصالح خطة الإنشاءات الحديثة، ويتسع مكانه الطريق السريع. أذكّر صديقي المهندس أن ننّفع إحدى تلك العربات في طريق عودتنا.

لا مجال للعودة

تنزلق القهوة في مثانتي وقتما ينسال الوقود في جوف السيارة، ليصنع صوت الثروتل أو بوابة الهواء في السيارة صوتًا عاليًا متبوعًا بتقطع في حركة السيارة. يخبرني صديقي المهندس أن الأمر لا يدعو للقلق طالما ظلت السيارة في حالة حركة، وقد يتمكن من إصلاحه إذ حصل على مستخلصه اليوم. 

نجتاز إحدى المحاور الحديثة، ونراقب أقرب منزَل يدنو بنا إلى الشرق، لكننا نفوته، ما يسمح بمرور وصلة لوم ودّية بيني وبين صديقي المهندس حول مَن كان السبب في تفويتنا للنزلة، وصلة تمتد بيننا منذ الثانوية العامة، وعليه يتعين علينا المضي في اتجاه أكثر شرقًا لقرابة السبعة كيلومترات.. إنه وقود حلال أكثر منه وطني، وهكذا نواصل الاتجاه شرقًا ثم شرقًا، أراقب الألوان على كلا الجانبين تتفجر من بقايا العمارات السكنية المهدمة، وأطلال غرف النوم التي رسم ساكنيها على جدرانها جداريات متواضعة، لتبدو أشباه العمارات أمامي كقطعة حلوى التهمتها مجموعة من الوحوش الأسطورية، قبل أن ألمح ثعبانًا إسمنتيًا يقفز حاملًا السيارات إلى الناحية الأخرى من الطريق، يبدو ملفًا جديدًا، إنها تذكرتنا لتصحيح المسار. 

تتكاسل شبكة الإنترنت عن الوصول بسلاسة إلى العديد من الطرق والمحاور الجديدة، خاصة تلك التي تشق الصحراء، يدفعنا هذا إلى إنهاء مهمة الجي بي إس مؤقتًا لنعتمد الجي بي إس التقليدي، أخرج ذراعي من النافذة مشيرًا إلى أقرب سيارة نصف نقل. يطلعنا السائق على الاتجاهات، ويشير بخبرة تقفز من ظفر خنصره الذي يربيه مختومًا بفصٍ أخضر كبير. نمسك اليمين ونقطع الكيلومترات السبعة مرة أخرى، حريصين تلك المرة على عدم تفويت المنزَل. 

بعد عدة مكالمات بيني وبين مَن ينتظرني لإنهاء مصلحتي الخضراء، أكدت له أنني في طريقي إليه. يتطلب هذا النوع من المصالح رسائل طمأنة متواصلة.

بدت لي تلك الكيلومترات السبعة مشوارًا إضافيًا، ربما للطريق أو غيره تأثير مهلوس بعض الشيء على إدراكي لهذه الرحلة، تدفعني رؤيتي للمخرج إلى الصياح والتهليل، بينما نقترب من منزل جديد يلفظنا خارج الطريق مباشرة بجوار إحدى المشروعات السياحية الحكومية، فمنها وإليها نعود. 

كان الأمر يستحق الاحتفال حقًا، النزول من ظهر هذه الزحليقة الإسمنتية إلى أحشاء المدينة مرة أخرى. لكننا سرعان ما نصطدم بزحامها المعتاد، ولم يكن الإسمنت هو السبب هذه المرة، بل لحم ودم، وسترة سوداء بشريطين فسفوريين، التفصيلة الأخيرة هي الوحيدة التي يشبه فيها إحدى الحواجز الإسمنتية التي تفصل الطرق وتمهد للتحويلات المرورية. اللون الفسفوري، وهو ما ميز أمين بإدارة المرور، يقف أمام طوابير من السيارات تمتد لقرابة الثلاثة كيلومتر في الساعة الثانية بعد ظهر يوم في منتصف الأسبوع. لم أعلم بالطبع بوقوف الأمين الموقر إلا عندما اقتربنا من سيادته إذ يوقف السيارات في عرض الشارع لفحص التراخيص بهدوء لا حد له. وينشق الأثير من حولي أنا وصديقي المهندس بأغنية قديمة تبدو في محلها تمامًا، تنطلق كلماتها من إحدى السيارات: مش نظرة وابتسامة مش كلمة والسلامة دي حاجات كتيرة ياما. وأكمل أنا بالنيابة عن السيدة سيمون: لو ناوي تعديني. 

الأمين يبدو لي شخصًا أتى هنا ليحقق أحلامه، أراه في مخيلتي المؤقتة مبارز على قارعة الطريق الدائري يمسك دفتر كالذي في يد تمثال الحرية، يراقب نهر الطريق المتدفق على جانبيه، ويوقف التيار بإشارة وصيحة أوبرالية، فيمتنع النهر عن الجريان. 

أصحو من خيالاتي على شارب ضخم وبشرة لا يتناسب لونها مع مهمة صاحبها الواقف في الغبار والحرارة أغلب الوقت، ما أوحى لي أن عمل هذا الشخص انتقائي، يختار فيه الوقت والمكان، سواء هو أو إدارة أعلى ترتدي نظارة شمسية وتنتظره داخل عربة الونش التي تقف بشكل معاكس لتسد الطريق. 

«رُخص»

الإجراء روتيني، والزحام كذلك، لكنني أمنع ضحكاتي بصعوبة، متسائلًا عن جدوى رقمنة نظام المخالفات عن طريق كل تلك الرادارات التي تزحم الطرق ليقف هذا الشخص بخطين فسفوريين كألوان الحواجز الإسمنتية مانعًا سير المركبات لمسافات هائلة دون جدوى؟

يتفق معي صديقي المهندس لكنه يرى في اللوائح المرورية الجديدة ككلٍ إقرارًا للنظام  «كله احترم نفسه وربط الحزام» إلا أنني أتذكر مثلًا أنه قد تم تركيب أجهزة رادار على طرق داخلية كطريق بركة قارون في محافظة الفيوم لكي لا تتجاوز المركبات السرعة المقررة وهي 70 كم/س، في حين أن النسبة الأكبر من الطريق في حالة لا تسمح أصلًا بالوصول لهذه السرعة، وعندما يلين الأسفلت في مواقع محددة، لا يسع السائق إلا الإسراع استغلالًا لبعضة أمتار ممهدة ينهي بها مشواره الممل على الأسفلت الحزين، وحينها تلتقطه كاميرات الرادار، هي معادلة أولويات؛ أيهما أولًا: تركيب الرادار أم تمهيد الطريق؟ الإجابة أن تكلفة تركيب الرادار الفرنسي الواحد فقط تبلغ نحو مليون جنيه، وهو جهاز يعمل بدقة 36 ميجابكسل عالية الجودة، مع إمكانية تصوير ثلاث سيارات في وقت واحد بإجمالي 100 صورة فى الدقيقة، بالإضافة إلى رصد ثماني حارات مرورية من على بعد 30 مترًا، وفي عصر تجاري بحت، لا بد للتاجر أن يجمع حق ما تكلفه في أقل وقت. ولهذا نمضي باتجاه مستخلص شركة المقاولات. 

الهبوط

بعد نجاح عملية العبور من هذا البعبع المروري أمر طبيعي أن أكون متأخرًا عن موعدي. لكنني لم أظلم أمين المرور أو أحمله وزر تفويتنا لمنزَل المحور الجديد، تكفي جموع السائقين الذين يقذفونه بأنسب الألفاظ بعد عبورهم. 

سرى مفعول القهوة والزحام حتى ترعرع بداخلي إنسان بدائي يبحث عن مطرح للتبول. والشوارع الجانبية لم تعد ذاتها المباوِّل المصفوفة التي اعتدتها بطول الطريق الدائري، تقودنا مثانتي إلى محطة بنزين لم تميزها عيني، حيث ٍأسرعت مباشرة نجو الحمام، فانفجرت جدرانه في وجهي بالألوان والأشكال والزخارف أثناء امتثالي لنداء الطبيعة. ولدى خروجي لمحت صفوفًا طويلة من أكواب القهوة الأمريكية فكدت أصرخ. إنها القهوة الوطنية مرة أخرى.

مع تقدمنا في عمق  القاهرة الجديدة يغرق رأسي في مزيدٍ من التشويش، لاسيما مع اختفاء المباني المهدمة، وظهور المباني الحديثة في شرق القاهرة الجديدة بدقتها المعمارية وتناسقها الملفت. أشعر أن كل كوبري يسلمنا للذي يليه بسلاسة شديدة، تتكرر مع كل كوبري يافطة كُتب عليها «العاصمة الإدارية». يمكنني أن أتصور مستخلص صديقي المهندس يحلق في الهواء فوق كل كوبري، ويمكنني أن أراني محلقًا خلفه بينما تغني كولدبلاي: God put a smile upon my face

لكننا واجهنا مشكلة واحدة لدى وصولنا وجهتنا، إذ طُلب من صديقي المهندس أن يراجع الأمر مع الإدارة المالية للشركة في مدينة نصر، ولهذا محور جديد، فطلبت منه أن يقلني لإنهاء صفقتي أولًا قبل الانطلاق في الحلزونة الجديدة. 

وسلام.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن