حكم «الدستورية» بشأن جداول المخدرات يثير الارتباك
أثار الحكم المفاجئ الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا، أمس، بإلغاء جداول المخدرات التي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء ارتباكًا ولغطًا كبيرًا حول تبعاته المحتملة.
وزير الصحة أصدر قرارًا اليوم، باستبدال الجداول الملغاة بأخرى جديدة لتغطية أي فراغ تسبب فيه حكم «الدستورية». وتتطابق الجداول الجديدة تمامًا مع الملغاة، لكنها صدرت اليوم، بقرار من وزير الصحة والذي أحال حكم «الدستورية» إليه صلاحية إصدارها وتعديلها.
رغم هذا، يبقى سؤال حول مصير آلاف قضايا المخدرات التي نظرتها المحاكم بدرجاتها المختلفة خلال الأعوام الماضية منذ قرار رئيس هيئة الدواء، والتبعات المحتملة لحكم الأمس عليها.
دعا النائب العام إلى اجتماع عاجل صباح اليوم مع ممثلين عن وزارتي الصحة والداخلية وهيئة الدواء وصندوق مكافحة الإدمان وكل الجهات المعنية بتنفيذ الحكم، لتحديد الآثار المترتبة على الحكم بشأن قضايا المخدرات في مختلف مراحلها، بدايةً من التحقيق وحتى صدور الأحكام، حسبما أوضح مصدر قضائي مطلع لـ«مدى مصر» أمس، بعد صدور الحكم.
وعلى الرغم من الخطوات المختلفة لتدارك هذا الارتباك وتبعاته، إلا أنه يشير إلى أزمة أعمق، وهي أزمة التضارب الإداري التي يتسبب فيها وجود عدد مختلف من الهيئات تتقاطع صلاحياتها مع مؤسسات الجهاز الإداري المستقرة، في هذه الحالة بين وزارة الصحة وهيئة الدواء.
«مدى مصر» يحاول الإجابة على أهم الأسئلة التي يطرحها حكم الأمس.
ما هي جداول المخدرات؟
جداول المخدرات هي الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات (رقم 182 لسنة 1960)، والتي تحدد الأنواع المختلفة من المخدرات ودرجاتها، والتي يترتب على إثرها أنواع العقوبات التي قد تلحق بمن يخالفها.
على مدار العقود، خضعت جداول المخدرات هذه لتحديثات مستمرة، بحسب تغيرات العصر وما تشهده أسواق المخدرات فيها. لكن القانون يمنح هذه الصلاحية للوزير المختص، وهو وزير الصحة في هذه الحالة.
حتى أعوام قليلة مضت، كانت مسؤولية الدواء في مصر موزعة بين ثلاث جهات: الأولى: الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية، وكانت مسؤولة عن الرقابة على المواد الخام الصيدلية ومستحضرات التجميل والمطهرات والأغذية الطبية، والتفتيش الصيدلي، وتسجيل الأدوية، والثانية: الهيئة القومية للبحوث والرقابة على المستحضرات الحيوية، وكانت تتولى قياس جودة المستحضرات الحيوية المصنّعة من مصادر حيوية، وإعداد المراجع والنشرات العلمية لها، وتدريب العاملين في مجال الرقابة عليها، والثالثة: الإدارة المركزية لشؤون الصيادلة، وكانت مهمتها التفتيش على مخازن الدواء، إلى جانب بعض المسؤوليات الأخرى.
لكن في 2019، تأسست هيئة الدواء المصرية لتحل محل كل هذه الجهات. بموجب قانون تأسيسها، تولّت الهيئة الجديدة تنظيم ورقابة إنتاج وتداول المستحضرات والمستلزمات الطبية، إلى جانب التسعير الجبري للأدوية.
يشرح مصدر من هيئة الدواء تحدث لـ«مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هويته أن تعديل جداول المخدرات أمر معتاد، في ظل تطور سوق المواد المخدرة. فعلى سبيل المثال، لم تكن مادة البريجابلين مدرجة ضمن الجداول حتى سنة 2019، وكانت تُباع بشكل اعتيادي. لكن مع رصد حالات سوء استخدام وإدمان، صدر قرار من وزير الصحة بإدراجها في الجدول الثاني، لتصبح خاضعة لقيود المخدرات.
وأوضح المصدر أن القرارات لا تصدر بشكل منفرد، بل بناءً على توصيات لجنة ثلاثية تضم ممثلين عن وزارات الصحة والعدل والداخلية، ويصدر القرار باسم وزير الصحة.
استمر هذا حتى تأسيس هيئة الدواء في 2019، لتحل محل كل هذه الجهات. بموجب قانون تأسيسها، تولّت الهيئة الجديدة التنظيم والرقابة على إنتاج وتداول المستحضرات والمستلزمات الطبية، إلى جانب التسعير الجبري للأدوية.
تسبب هذا في نزاع بين الهيئة ووزارة الصحة فيما يتعلق بصلاحيات تعديل جداول المخدرات. بحسب المصدر، فإن جوهر الخلاف ليس في مشروعية تحديث الجداول، لأن القوانين المنظمة تفترض التحديث المستمر لها لمواكبة تطور الظاهرة، وإنما يتمحور الخلاف حول الجهة المختصة قانونًا بإجراء هذا التعديل.
وصل هذا الخلاف إلى محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في 2021، وانتهى بفتوى من قسم الفتوى والتشريع به لصالح الهيئة، بحسب مصدر ثانٍ بهيئة الدواء. واعتبر القضاء الإداري أن التفويض العام الوارد في قانون تأسيس الهيئة يشمل جميع اختصاصات وزير الصحة المنصوص عليها في قانون مزاولة مهنة الصيدلة، بما في ذلك التسجيل والتفتيش والتسعير وكذلك تعديل جداول المخدرات.
يوضح المصدر الثاني بالهيئة أن فتوى مجلس الدولة سمحت للهيئة بالاستمرار في إصدار قرارات التعديل بالتنسيق مع اللجنة الثلاثية. أهم هذه التعديلات جاءت في قرار رئيس الهيئة في 2023 بإلغاء الجداول السابقة كافة وتحديد جداول جديدة.
استمر هذا الوضع حتى تسبب مسار قضائي مختلف، والذي انتهى بحكم «الدستورية»، أمس، في انتزاع هذه الصلاحية مرة أخرى من رئيس الهيئة وإعادتها لوزارة الصحة.
هذا المسار بدأ من سوهاج حين أصدرت محكمة الجنايات هناك حكمًا في يناير 2024 بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات وغرامة 50 ألف جنيه بتهمة حيازة مخدر الميثامفيتامين بغير قصد. انتهت القضية بتقدم كل من محامي المتهم والنيابة العامة بطعن أمام محكمة النقض.
الطعن أمام «النقض» استند إلى ما اعتبره «القصور في التسبيب والفساد والاستدلال والإخلال بحق الدفاع». من جانبها، تقدمت النيابة كذلك بطعن أمام «النقض» باعتبار أن الحكم يوقع عقوبة أقل من الحد الأدنى والذي يصل إلى السجن المؤبد، وذلك بعد انتقال المخدر من القسم الثاني من الجدول رقم 1 إلى القسم الأول منه (وهي أقصى درجات المخدرات تشديدًا) بموجب قرار رئيس هيئة الدواء، ما يتبعه تشديد للعقوبة.
من جانبها، قررت محكمة النقض في أكتوبر الماضي إحالة الأمر إلى المحكمة الدستورية لتحديد مدى قانونية هذه الصلاحية. واستندت «النقض» في قرار الإحالة إلى أن قانون إنشاء هيئة الدواء المصرية، الصادر عام 2019، «خلا من النص على تفويض رئيس هيئة الدواء المصرية في تعديل الجداول» الملحقة بقانون المخدرات، واقتصر على أن تحل هيئة الدواء المصرية محل وزارة الصحة في شأن مزاولة مهنة الصيدلة، وما يتصل بها من تنظيم تسجيل وتداول ورقابة المستحضرات والمستلزمات.
استقبلت هيئة المفوضين التابعة للمحكمة الدستورية إحالة «النقض»، وأصدرت تقريرها في أواخر ديسمبر الماضي، وأوصت فيه برفض الطعن، معتبرة أن انتقال صلاحيات شؤون مهنة الصيدلة والأدوية والمستحضرات إلى هيئة الدواء يعني بالتبعية انتقال صلاحيات جداول المخدرات إليها.
لكن حكم «الدستورية» جاء مفاجئًا، حيث خالفت توصية هيئة المفوضين، ورفضت تفسيرها، معتبرة أن رئيس هيئة الدواء لم يحصل على صلاحية واضحة بتعديل جداول المخدرات.
ينفي مصدر مسؤول في وزارة الصحة لـ«مدى مصر» وجود «خناقة» بين الوزارة وهيئة الدواء، مضيفًا أن الوزارة لم تقل إن قرار تغيير جداول المخدرات لا يخص الهيئة، مشيرًا إلى أن هذه القرارات تصدر منذ فترة دون اعتراض من الوزارة. وأضاف المصدر أن الهيئة «لا بد أن تكون طرفًا فنيًا»، لكن القرار النهائي يصدر عن الوزير.
وعلى الرغم من أن حكم «الدستورية» يُنهي النزاع حول صلاحيات تعديل جداول المخدرات لصالح وزارة الصحة، على الأقل بشكل مؤقت حتى يُعدل القانون بما ينقلها لهيئة الدواء بشكل صريح، إلا أن هذا لا يعني انتهاء النزاع حول الصلاحيات المختلفة المتعلقة بالدواء، والتي لا تزال مفرقة بين الوزارة والهيئة.
يقول رئيس جمعية الحق في الدواء، محمود فؤاد لـ«مدى مصر» إن إحدى أزمات تنازع الاختصاصات تعود إلى أن هيئة الدواء كانت تُعرف سابقًا بالإدارة المركزية لشؤون الصيادلة وتتبع وزير الصحة. وتسبب إنشاء الهيئة في تضارب في الصلاحيات والأدوار. على سبيل المثال، كان هناك مفتشون داخل الإدارة المركزية يفتشون على المصانع والشركات والصيدليات. ومع إنشاء الهيئة، ثار نقاش حول ما إذا كان هؤلاء الموظفون سينتقلون إليها. وأضاف أن مفتشي الهيئة مُنحوا ميزة الضبطية القضائية، دون أن يتمتع بها بعض مفتشو إدارة الصيدلة. تسبب هذا في نزاعات، بحسب فؤاد. بعض المفتشين الذي لا يحملون الضبطية توجهوا للتفتيش وضبط مخالفات، لكن محامي المتهم يدفع ببطلان الإجراءات على أساس أن ما جرى غير قانوني لأن صفة القائم بالتفتيش تغيّرت، فيما تخص الضبطية القضائية مفتشي هيئة الدواء لا مفتشي وزارة الصحة، وهكذا.
قالت باحثة في مجال الصحة لـ«مدى مصر»، بعدما طلبت عدم ذكر اسمها، إن ملف الدواء في مصر لا يزال «مُشرذمًا» بين هيئة الدواء المصرية ووزارة الصحة والسكان، معتبرة أن جزءًا كبيرًا من مسؤوليات قطاع الدواء ما زال بيد الوزارة، رغم إنشاء هيئة قائمة بذاتها لإدارة هذا الملف. وأوضحت الباحثة أنها فوجئت، خلال تواصلها مع مسؤول في هيئة الدواء، بأن قائمة الأدوية الأساسية لا تزال تابعة لوزارة الصحة ولم تُنقل إلى الهيئة، وهو ما وصفته بـ«الأمر الغريب»، إذ كانت تتوقع أن تكون هذه القائمة ضمن اختصاصات هيئة الدواء. بحسب رأيها، فإن الوزارة «لن تتنازل عن هذا الملف»، لأنه يمنحها «ميزة سياسية»، في ظل ما وصفته بوجود «منافسة سياسية» حوله.
الحل، بحسب فؤاد، هو تعديل قانون مزاولة مهنة الصيدلة وقانون هيئة الدواء لتصحيح الأوضاع. بحسب رأيه، فإن الأصل أن يكون لهيئة الدواء الحق الأصيل في هذا الاختصاص.
تقارير ذات صلة
«شهادة ميلاد للدواء»: الدولة تطلق منظومة التتبع لمواجهة العقاقير المزيفة
تقديرات أشارت إلى أن نحو 30% من الأدوية في السوق المصرية مغشوشة
«الميثادون» يطيح برئيسة أمانة الصحة النفسية لكن مأساته مستمرة
تجري الرقابة الإدارية تحقيقًا واسعًا في مخالفات مالية وإدارية ومنها نفاد الميثادون
«إسعاف 24».. الحكومة تدخل سوق الدواء على طريقة «ماكدونالدز»
احتكار جديد في الطريق
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن