حكمة الحمامة
أليف ووحشي #4
#جو عام
في رابع حلقات «أليف ووحشي» يحكي أسامة علام قصته مع حمَامة طُلب منه تعلم الحكمة منها، فهي تعيش مع سكان أمريكا الأصليين، أجواء تتماشى مع السلسلة التي يعدّها ويحررها ياسر عبد اللطيف ومي المغربي، وتعمل على علاقة الإنسان بذاته، وتسير مع كُتّابها في رحلتهم لاكتشاف حيوانهم الداخلي، وتنسجم مع شقيقتها «جيوب المدينة» التي تتجول في المكان بحثًا عن أوكار وخبايا المدينة. ابقوا معنا ولا تتركوا حبلي السلسلتين.
#أليف ووحشي
من أسابيع، سكنت حمامة على حافة نافذة شقتي. هذه ليست المرة الأولى التي أصادق فيها حمَامة. في العادة أسعد لوجود الحمَام. لكن حَمَام نيويورك ليس ككل الحَمَام الذي رأيته في حياتي. تقول التقارير إنه ليس من السكان الأصليين لأمريكا، بل أحضره المهاجرون الفرنسيون معهم من الشرق الأوسط كمصدر للبروتين مع هجرتهم الأولى لنيويورك. ومثل كل المهاجرين تكاثر سريعًا واحتل سماء المدينة. وكقدر المهاجرين كرهه أهل نيويورك فسمّوه «الفئران الطائرة». سكان نيويورك بارعون للغاية في اضطهاد بعضهم البعض. سموا الإيطاليين «هامستر». ذوو البشرة السوداء وصفوهم بالـ«عبيد»، أهل الجنوب لقبوهم بـ«أصحاب الرقبة الحمراء»، والحمام عندهم «فئران طائرة».
الاستيقاظ على هديل حمامة، حدث يدعو لابتسامة مستحقة، بعد أن اعتدت الاستيقاظ على أصوات عربات الإسعاف أو الإطفاء أو الدراجات البخارية المزعجة. فقررت إعداد قهوتي على صوت مارسيل خليفة يغنّي: «يطير الحمَام.. يحط الحمَام». رائحة القهوة تملأ المكان وحمامة رقيقة تسكن على طرف نافذتي. أي جمال يستطيع أن يهبه لي الصباح أكثر من ذلك.
قطع حالة السلام هذه صوت جرس الباب المزعج. إنها السادسة صباحًا، وبالتأكيد لا أنتظر أحدًا. نظرتُ لوجهي في المرآة لأتأكد أنني جاهز لمقابلة أحدهم. لا بد أنه أحد الجيران في هذا المبنى العملاق. ربما حسناء تريد مساعدة. هكذا تخيلت استمرار الأجواء المُفرحة لصباحي السعيد. لكن ما إن فتحت الباب حتى قابلتني أغرب مفاجأة يمكن تخيُلها: هندي أحمر بكامل ملابسه التقليدية. تاج من الريش الطويل يزين رأسه، ويرتدي معطفًا من فراء الثعالب تتدلى منه قطع فراء الأرانب. وأمام نظرتي الذاهلة، عبر الشاب باب الشقة، مُتجهًا مباشرة إلى حجرة نومي.
أغلقتُ خلفه باب الشقة وأنا لا أجد ما أتحدث به. تتبعته. ودون أن ينتظر حضوري فتح النافذة ومد يده خارجها، فقفزت عليها الحمامة وزامت بهديل لم أسمع مثله. ساعتها فقط ابتسم الهندي الأحمر وقربها من وجهه، فوضعت الحمامة رأسها على خده.
«صباح الخير،
أعتذر عن اقتحام بيتك دون سابق معرفة.
كنت قلقًا للغاية على يوركا.
يوركا مهمة جدًا بالنسبة لي.
ما رأيك في أن تقدم لي فنجانًا من القهوة ونتحدث كأخين في الإنسانية».
كانت الحيرة تتملكني، لكنها المرة الأولى التي أرى فيها أحد السكان الأصليين بشكل حقيقي ومباشر. رأيتهم كتماثيل بملابسهم المميزة عشرات المرات في المتاحف والأفلام الأمريكية. أما أن أرى أحدهم بتاج من الريش وحذاء من جلد الأرانب فهذه حكاية لا يمكن تفويتها.
قدمت القهوة للرجل الذي لا أعرفه. مُستمتعًا بهذا الحضور المبهر لشخص يدعوني بأخيه في الإنسانية، يحمل حمامة لا تريد أن يفارق رأسها خده. ابتسم، فابتسمت منتظرًا أن يقدم لي تفسيرًا ما عن أهمية يوركا وعن سبب زيارته المفاجئة في السادسة صباحًا بزيه العجيب هذا. هذه الحمامة، لا تختلف عن الآلاف من الحمامات التي أراها يوميًا في نيويورك وتلطخ مخلفاتها زجاج سيارتي، ربما كان الحمام -نادر الحضور في بلادى- رمزًا للجمال الكامل، نتغنى برقته ودلاله، لكن حضوره الطاغي الدائم بتلك الكثافة التي لم أعتدها جعله مجرد حيوان بري لا يخلو من لطافة، ومن إزعاج أحيانًا.
وبعد الكثير من الصمت ورشف القهوة الساخنة جدًا بلا صوت، تحدث.
«اسمي مايوشكا ويعني بلغتنا مُتتبع الحَمَام. أعيش في مُستعمرة صغيرة لأهلي على بُعد أميال من المدينة التي لا تحبنا. يوركا غاضبة لسبب لا أفهمه، لكنها في النهاية اختارتك أنت لسبب لا أعرفه أيضًا. من فضلك لا تزعجها. كما ترى هي لطيفة جدًا، حساسة للغاية وفقدانها يعني فقدان قطيع كامل من الحمام النفيس لمجتمعنا. هي وقطيعها ليسوا مجرد حمام. إنهم أخوة لنا. إنهم ككل مخلوقات أمنا الطبيعة أفراد في عائلتنا الكبرى. نحن في قبيلتنا لا نصف أنفسنا بمجرد كوننا بشرًا فقط. ذلك يضيع هويتنا الأهم كأبناء للأرض والسماء. لذلك أستأذنك بكل اللطف ألا تضايقها. أيام وستخف حدة غضبها وستعود لنا بالتأكيد. عليك فقط أن تتعلم منها لو استطعت. تبدو لي شخصًا يستطيع فهم حكمة اختيارها لك».
وكما حضر دون تفسير واضح، رحل.
مرت أيام على زيارة صديقي الهندي الأحمر لم أتذكره فيها. أخذتني نيويورك بديناميكيتها وحركتها التي لا تنتهي. إلى أن أتى يوم الأحد الذي أستمتع فيه باللاشيء سوى التنزه في الأماكن الأكثر عزلة وهدوءًا. وفي أثناء نزهتي بغابة صغيرة تبعد ربع ساعة عن شقتي، اقترب مني لأول مرة أرنب بري صغير. أدهشني الأمر، فالأرانب البرية لا تقترب أبدًا من البشر. لا تثق بهم وهو أمر مفهوم. كنت أجلس على مقعد صغير بالغابة أفكر في يوركا. فجأة شعرت بشيء فوق قدمي اليسرى. نظرت فكان أرنب أبيض صغير. مددتُ يدي وربّت على رأسه. فاستكان لحركة أصابعي فوق فرائه الناعم. نظر إليّ بعيونه البريئة فشعرتُ بجمال لا يُوصف، فجأة انطلق يجري كسهم واختفى، وعندما رفعت رأسي للجهة المُقابلة كان هناك ثعلب أحمر ينظر لنا. ثعلب أحمر؟ هكذا في وسط ضوء شمس النهار. أمر لا يمكن تصديقه.
عدت إلى البيت جائعًا ومتعبًا. اتجهت مباشرة إلى الثلاجة. وضعت الوجبة المعدة سلفًا في الميكروويف. وقررتُ التوجه لأخذ دش سريع. تذكرت يوركا، فذهبت لإلقاء نظرة سريعة عليها، لكنها لم تكن موجودة. هززت رأسي وكأن الأمر لا يعنيني. أخذت الدش السريع وأكلت وجبتي التي لا طعم لها، لكنها كافية لإسكات صراخ معدتي. تمددت أمام التليفزيون أشاهد مسلسل أمريكي أتابعه، لكن بعد ساعات ذهبت للاطمئنان على الحمامة، كان العش الصغير فارغًا، فقررت النوم بلا الكثير من التفكير في مصيرها.
في نومي حلمتُ بأنني مايوشكا المُعتني بالحمام. كنت ارتدي ملابسه وأمشي في غابة مُحاطًا بعشرات الحمائم. على كتفي يوركا تلصق رأسها بوجهي، لكنني في الحلم كنت أنا أسامة علام، الطبيب البيطري المصري الذي يعيش في نيويورك. أعرف القصة كما حدثت تمامًا. أعرف أيضًا أنني مُهاجر كحمَام نيويورك. الغابة التي أمشي فيها مع الحمام الذي يحيطني مليئة ببشر يبتسمون لي. لكنني أنظر لقلوبهم فأراها تكذب. ربما بسبب بشرتي، أو لكنتي الإنجليزية أو لأنني لا أستحق ما أنا عليه. الغابة أيضًا مليئة بحيوانات مُتحابة. سناجب وغزلان وراكونات وحتى فئران. كنت وحدي بين عالمين أعلم من خلال حلمي أنهما غير حقيقين. لكنني أكمل السير وحيدًا مُستئنسًا بالصحبة الغريبة من البشر والحيوانات. فجأة طارت يوركا بعيدًا فاختفت الحيوانات والبشر من حلمي.
استيقظت من حلمي بعد ضياع يوركا مفزوعًا. كنت أبكي ودموعي تبلل وسادتي، مضى أكثر من نصف الليل، ووقفت في النافذة أنظر إلى عش يوركا الفارغ. أضواء نيويورك تسطع متلألئة من بعيد. الصمت يلف العالم. ونسيم لطيف يهب من ناحية المحيط الواسع. أغلقت النافذة التي كان عليها عش يوركا. متمنيًا الاستيقاظ غدًا على صوت هديلها، أو صوت جرس الباب ليدخل شخص يناديني بأخيه في الإنسانية.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن