حصارات مستترة.. العنف الجنسي في حرب السودان
لم يكن من السهل الحصول على معلومات واضحة بخصوص الانتهاكات الجنسية المُرتَكَبة ضد النساء في حرب 15 أبريل في السودان، فالعديد من القصص دُفِن تحت أنقاض بنايات الخرطوم، وامتزج بالدماء التي سالت تحت جلد المدينة التي دكتها سيارات الدفع الرباعي القادمة من أم دافوق وأودية درب الأربعين تحمل العتاد والرجال الموشحين بالأقنعة التي اشتهروا بها «الكدمول».
بعد مقدماتٍ اختمرت على مدار ثلاث سنوات، اندلعت الحرب في السودان، في 15 أبريل 2023، بين القوات المسلحة السودانية، بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي». وفي سعي «الدعم السريع» لفرض سيطرتها على مواقع القوات المسلحة الحيوية، وسعي الأخيرة لإخراج «الدعم السريع» من مواقع تمركزها، معاركٌ عنيفة طالت الأحياء السكنية بولاية الخرطوم. وعلى مدار أكثر من 18 شهرًا، أصبح القتل والخطف والنهب واحتلال المنازل والمستشفيات واقعًا يوميًا لكثير من سكان السودان، سواء في العاصمة أو خارجها.
أُضيف لهذا الواقع عُنفٌ جنسيٌ طفا إلى السطح منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب. متكشفًا شيئًا فشيئًا، احتل العنف الجنسي شاشات الهواتف عبر منصات التواصل الاجتماعي بمقطع مُصوَّر، نشرته شبكة «سي إن إن» الإخبارية، في منتصف يونيو 2023، يظهر فيه جندي من «الدعم السريع»، تم التعرف عليه من خلال زيه العسكري، يغتَصِب امرأة على سطح مبنى بالخرطوم، فيما يقف جندي آخر يرتدي نفس الزي أسفل المبنى. وتزامنًا مع وصول النازحين إلى البلدان المحيطة، وردت تقارير من الفرق الميدانية التابعة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بهذه البلدان، توثق الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، ومن ضمنها الاعتداءات الجنسية. وأصدر المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة بيانًا يفيد بتعرُض 53 امرأةً على الأقل إلى العنف الجنسي منذ بداية الحرب.
وتزامنًا مع ما حدث في الخرطوم دارت معارك عنيفة في دارفور وجنوب كردفان منذ 15 أبريل 2023، اختطف على إثرها نساء وتعرضن لأنواع مختلفة من العنف الجنسي بناءً على انتماءاتهن الإثنية أو القرى والمناطق التي يسكنون بها. أثار ذلك ذكرياتٍ مريرة محفورة في ذاكرة سكان السودان؛ أشدها وطأة ذكرى دارفور الحية.
وفي خضم مطالبات نسوية بتدخلات لحماية النساء في السودان، قدَّرت وحدة مكافحة العنف ضد المرأة أن أعداد حالات الاغتصاب المؤكدة تمثل حوالي 2% فقط مما ارتُكب فعليًا.
وسط النزوح وانقطاع الاتصالات، تمكن «مدى مصر» من إجراء مقابلات مع 12 امرأة، بعضهن تعرض لمحاولة اغتصاب والبعض الآخر شهد وقائع عنف جنسي. أُجرِيّت تلك المقابلات عبر مكالمات هاتفية، واستغرقت كل مكالمة فيهم حوالي ربع ساعة فقط، ورفضت المتحدثات تسجيل أي محتوى من المكالمة. كما رفضت بعضهن إجراء المقابلات وجهًا لوجه، لتخوفهن من الاشتباه فيهن واستجوابهن من جانب الاستخبارات العسكرية التي تُحقق مع الفارين من المناطق الواقعة تحت سيطرة «الدعم السريع»، وأيضًا لتخوفهن من الوصم الاجتماعي الذي قد يلحق بهن في محيطهن سواء من الأقارب أو الجيران أو المجتمعات المضيفة.
حاول «مدى مصر» الوصول أيضًا لعدد من الناجيات في إحدى الدول المحيطة التي استقبلت أعدادًا كبيرة من السودانيين بعد اندلاع الحرب. لكنهن أفَدن بتلقيهن تهديدات بالقتل من قبل قوات الدعم السريع، إذا ما قدمن أية تصريحات أو أجرين مقابلات صحفية مرتبطة بما تعرضن له أو شهدنه. لذلك لم نلتقِ بهن ونتحفظ عن ذكر اسم المدينة التي نزحوا إليها لدواعي أمانهن. وفي محاولة لرسم صورة مُعمقة لما حدث، تواصل «مدى مصر» أيضًا مع مصادر من «الدعم السريع»، وساكني بعض المناطق التي طالتها الحرب، وعاملين بمنظمات المجتمع المدني.
تشتبك المعلومات التي وصل إليها «مدى مصر»، في ظل معوقات كثيرة، مع تصور سائد بوقوف النساء جميعًا على نفس المسافة من العنف الجنسي في غمرِ فوضى الحرب، باعتبارهن جميعًا مُعرضات لنفس درجات وأنواع الخطر. لكن، وبينما تُجسد الحرب ذروة عنف الصراع، فهي بالتأكيد ليست لحظة بدايته، فهي في الزمن مجرد نقطة لاحقة على متوالية زمنية مهدت حدوثها. وحملت هذه المتوالية مكونات الحرب بقوتها وهشاشتها المُتَشَكِلة تدريجيًا على مدار سنوات.
فالنساء في السودان، كما في كل مكان، غير منفصلات عن تواريخ بلدهن أو مجتمعاتهن أو كل ما ينتمين إليه بفعل الأمر الواقع. حيثُ تشكل انتماءاتهن القبلية والإثنية والطبقية ومواقعهن الجغرافية مآلات قدراتهن على التعامل مع واقع العنف الجنسي في سياق الحرب ومقدماتها. وعلى مدار عقود، احتلت النساء مواقعًا مختلفة في نسيج السودان، متعاطيات جميعهن مع نظام حكم يستخدم كافة الأدوات المتاحة، سواء كانت قانونية أو بوليسية أو إعلامية أو سياسية أو مؤسسية، من أجل فرض صورة لما يجب أن تكون عليه المرأة السودانية. وبفرض هذه الصورة، «[عاشت الكثيرات منهن] دائمًا في الهوامش؛ هوامش المدن وهوامش الدولة وهوامش الحياة»، بحسب الكاتبة النسوية، رؤيا حسن.
وعلى مدار نفس العقود، مثَل صعود قوات الدعم السريع، ونواتها: الجنجويد، في هياكل القوة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، جزءًا من واقع النساء المُحاصرات بالهامش. لم يكن لهذا الصعود أن يحدث إلا من خلال حركة الجنجويد داخل شبكات القوة الموجودة بالفعل؛ فلم يكُن عليها سوى إثبات قوتها أولًا على هامش السودان، في دارفور، لتخلق قيمتها المُكتَسَبة، كقوة تُحارب «التمرد»، ليوظفها نظام البشير من أجل استدامة سلطته. وفي حركتهم للصعود من الهامش، على حساب من هم موجودين بالهامش، استخدمت الجنجويد نفس التكتيكات المُتبناه من قِبَل «الدعم السريع» في الحرب الحالية، ومن ضمنها العنف الجنسي.
هذا التقرير يُمركز الهامش بسعيه لاستيعاب تعقيدات واقع النساء من خلال رؤيتهن بكليتهن: كذوات لا تُختَصَر حيواتها المركبة في لحظة، بل تتفاعل مع الحاضر باستخدام ما تحصلت عليه في الماضي من سُبُل للتعايش. وفي هذا السعي يسلط هذا التقرير الضوء على سياقات روياتٍ جاءتنا من ولايتي الخرطوم والجزيرة عن وقائع الاعتداءات الجنسية بين 15 أبريل وديسمبر 2023. ومع إدراك أن الكثير لم يُحكَ بعد، تكشف سياقات هذه الروايات الطريقة التي ساهم بها واقع ما قبل الحرب في تشكيل خيارات النساء أثناء الحرب وقدرتهن على التعاطي مع مستجدات العنف.
كل الأصابع تُشير لـ«الدعم السريع»
«في أوضاع الطوارئ والنزوح واللجوء، تتعرض النساء لكل المخاطر»، بحسب ما قالته مديرة وحدة مكافحة العنف ضد المرأة بالسودان، سليمة إسحاق، لـ«مدى مصر». وبينما اِرتُكَبت غالبية الانتهاكات الجنسية الموثقة حتى الآن من «الدعم السريع»، فهناك حالات أفادت فيها النساء بارتكاب القوات المسلحة لانتهاكات جنسية أيضًا، بحسب تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، في يوليو 2024.
ولكن رغم أن «الاعتداءات الجنسية تُرتَكَب من كل الأطراف، فإن قوات الدعم السريع تستخدم العنف الجنسي بشكل ممنهج كسلاح حرب»، بحسب إسحاق. «وفي حال توسع الحرب، من سيحمي النساء من الدعم السريع؟ يحتاج هذا السؤال إلى إجابة، خاصةً مع شح المعلومات في بعض المناطق، بجانب ما تسبب فيه انهيار النظام الصحي من غياب المعلومات الصحيحة أو التدابير اللازمة لمعرفة الجرائم المسجلة»، تضيف إسحاق.
بعد محاولات للتواصل مع لجنة الظواهر السالبة بـ«الدعم السريع»، للاستفسار عن الجرائم الجنسية المُرتَكَبة بحق النساء في خضم الحرب، وصل لـ«مدى مصر» رسالة تدعي أن «الدعم السريع» ضحية لـ«إعلام الجيش» و«فلول النظام البائد»، كما نفت هذه الاتهامات جملةً وتفصيلًا، مشيرة إلى أنها تحقق حاليًا في عدد من «التفلتات» التي ليس من بينها أي جريمة اغتصاب. لكن مصادر من «الدعم السريع» تحدثت لـ«مدى مصر»، رَوَت قصةً مغايرة عن سبب تفشي الاعتداءات الجنسية في مناطق سيطرة «الدعم السريع».
بعدما تمأسست الجنجويد، بقرار رئاسي صادر سنة 2013 من عمر البشير، وأُعيد هيكلتها مُرتدية حلة «الدعم السريع»، وُظِفَت تحت مظلةً رسمية هذه المرة، للقضاء على أي مظهر للاحتجاج على غياب العدالة في توزيع الثروة أو السلطة داخل السودان. بين فض مظاهرات سلمية معترضة على رفع الدعم، وجرائم حرب بالجملة في إطار «محاربة التمرد» بولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ظلت قوات الدعم السريع عاملًا مشتركًا، وقوةً عسكريةً يستخدمها البشير بكثافة مُضطردة للحفاظ على وجوده في رأس السلطة. كما وُظفَها أيضًا للحفاظ على علاقات إقليمية ودولية من خلال تسخير قواها في حربٍ بالوكالة في اليمن وبتشديد أمن الحدود بين السودان وليبيا بالوكالة عن الاتحاد الأوروبي وبدعمٍ مباشر منه.
في أبريل 2019، بعد إسقاط البشير، شُكِّل المجلس العسكري، الذي كان «الدعم السريع» جزءًا منه، كما كان حميدتي نائب الرئيس له، ليصبح فيما بعد نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي. وأُوكل لـ«الدعم السريع» مهام تأمين العاصمة السودانية. وحينها استدعى حميدتي آلاف المقاتلين من المناطق الحدودية بغية تأمين العاصمة. و«بعد مجزرة فض اعتصام القيادة العامة حرصت قيادات «الدعم السريع» على تلميع صورتها أمام الكاميرا باستقطاب بعض المدنيين المنتشرين في الإعلام»، بحسب ما قاله مُنتَدَب بـ«الدعم السريع» من قوات المخابرات العامة السودانية لـ«مدى مصر». لكن، مع تسريع وتيرة التجنيد بـ«الدعم السريع»، حيثُ تشير مصادر عسكرية لـ«مدى مصر» إلى أنهم جندوا حوالي 120 ألف جندي خلال ثلاث سنوات فقط، بين 2019 و2022، افتقرت القوات للانضباط العسكري.
قبيل بداية الحرب في الخرطوم، كان التجنيد في «الدعم السريع»، قائمًا على ذهاب المجندين الجُدُد للانضمام لحرب اليمن، بحسب ما قاله المُنتَدَب من المخابرات بـ«الدعم السريع» لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أن الذهاب للحرب في اليمن حمل وعدًا للشباب صغار السن بتحسين أوضاعهم المادية، بسبب ما سيتحصلّون عليه من أموال لقاء مشاركتهم في الحرب.
لكن، مع اندلاع الحرب في الخرطوم، وتمكّن القوات المسلحة من صد الهجمات المكثفة على وحداتها العسكرية، صار هناك حاجة لدى «الدعم السريع» لاستدعاء مزيد من جنود المشاة، بحسب مصدر عسكري سابق بالجيش كان مُنتدَبًا بقوات «الدعم السريع». ويضيف أن صلات هؤلاء الشباب الاجتماعية مع قيادات «الدعم السريع» من قبيلة الرزيقات كانت مدخلًا لتجنيدهم وانخراطهم في المواجهات، وشكلت لهم الحرب مصدرًا للكسُّب من خلال نهب ممتلكات المدنيين وأموالهم وسياراتهم. ويستطرد المصدر أن طبيعتهم العسكرية تشكلت في البيئة التي قدموا منها، لذلك نلاحظ أوجه تشابه بين ما ارتُكِب من عُنفٍ ضد المدنيين في دارفور وما يُرتَكَب حاليًا في الخرطوم، حيثُ تتبع قوات الدعم السريع نفس التكتيك القائم على منطق «الغزو» والاستباحة.
«بعض جنود الشرطة العسكرية أدرك أن استمرار الحرب يعني تدفق المزيد من الجنود إلى ولاية الخرطوم، مما يعني بدوره أن هواةً سيدخلون ميدان الحرب، وأن هؤلاء الهواة ليسوا قوات مدربة تأخذ تعليمات عسكرية واضحة ومحددة»، بحسب ما قاله لـ«مدى مصر» جندي تابع للشرطة العسكرية بقوات الدعم السريع، خدم في مناطق مختلفة بولاية الخرطوم، مضيفًا: «في بداية الحرب، صدرت أوامر عسكرية [لجنود الدعم السريع] بعدم التعرض للمدنيين أو لأي شيء تابع للسكان. فهناك هدف واحد فقط وهو الجيش ولا شيء سواه». لكن، بعد أن ضربتها القوات المسلحة بالطيران الحربي، وفشلت «الدعم السريع» في السيطرة على مواقع الجيش، وتشتت. حينها، لم يعُد هناك مركز عسكري لإدارة التفاصيل الصغيرة أو للإشراف اليومي على الجنود وسلوكهم، بحسب جندي الشرطة العسكرية، الذي أكد أن هذه العوامل أدت لانتشار حالات النهب والسرقة وسط الجنود وانتقال القوات إلى احتلال المنازل كتكتيك عسكري، فيما لم يجدوا أي استنكار أو منع من قبل قيادتهم العسكرية.
من هنا بدأت الأمور تخرج عن السيطرة، يقول الجندي: «كانت الأوامر واضحة [بالنسبة لنا] كشرطة عسكرية: يجب تقليل الانتهاكات ومنعها بشكل كامل. لكن في ظل زيادة الهواة والمستنفرين لم يعد بمقدورنا مواجهتهم، فهم قادمون من أجل الغنائم والمال. لذلك استسلمنا وتجنبنا منعهم، واكتفينا بأدوار صغيرة تساعد المواطنين في بعض المناطق التي نتواجد فيها».
يؤكد الجندي وقوع حالات اغتصاب مختلفة، مشيرًا إلى أن الضحايا معظمهن إما خادمات في المنازل أو لاجئات من دول الجوار، لافتًا بالوقت نفسه إلى أن عدد الضحايا ليس بالضخامة التي يروج لها في الإعلام ولكنه بسيط يمكن إحصاؤه، إلا أنه لم يكشف عن الأعداد التي توصلوا إليها. كما أكد على امتلاكهم معلومات عن الأحياء التي وقعت فيها حالات اغتصاب في ولاية الخرطوم.
هوامش المدينة في مقدمات الحرب
على مدار عقود، في مقابل ما راكمته قوات الدعم السريع من نفوذٍ وسلطة في معادلة الحكم في السودان، تأثرت حيوات النساء سواء بعسكرة المدن أو بسياساتٍ اقتصادية تعمل ضد مصالح مجتمعاتهن أو بنظام استقلال وطني رسخ الإرث الاستعماري؛ فارضًا هوية عربية إسلامية تسود مركز السودان وتعمل لأجله مستأثرةً بالموارد، وعلى نقيضها هوية إفريقية مدفوعة للهامش لا تذوق من الإدارة المركزية سوى مساعي القضاء على «تمردها». وظلت التوترات تنسج واقع الخرطوم بمدنها الثلاث وهوامشهم، فلم يمسها أيٌ من الحروب السابقة التي طالت باقي أجزاء السودان، ولكنها كانت مرآة لما تنضح به الحرب، فقد مثلت إحدى الوجهات الرئيسية للنازحين.
قبل اندلاع الحرب، كان لجنود الدعم السريع حضورًا كثيفًا في شارع الستين الرئيسي، الذي، بتقاطعه جنوبًا مع شارع مدني، يربط شرق الخرطوم بـ«جنوب الحزام»، والذي هو وصف جغرافي لحزامٍ زراعي كان موجودًا على أطراف الخرطوم الجنوبية شكل على مر السنين ملجأ للنازحين داخليًا سابقًا في حروب دارفور وكردفان ومنطقة النيل الأزرق. كما سكن به الكثير من اللاجئين من جنوب السودان ومزارعون قادمين من مناطق مختلفة ممن فقدوا أراضيهم. عانت مناطق مختلفة بجنوب الحزام من تهميش وإهمال ممنهجين، ولأن الكثير من سكانه منحدرين من أصول غير عربية، كان محط هجوم وتحقير من بعض رموز نظام البشير، الذين وصفوه بالـ«حزام الأسود».

في الأزهري، جنوبي الحزام، سكنت ليلى الطاهر، التي تبيع الشاي في شارع «الستين». ليلى واحدة من عشرات آلاف النساء اللاتي يمتهن بيع الشاي والمأكولات في السودان. مثلت هذه المهنة، في بداياتها، أحد مصادر العمل الرئيسية لنساء كثيرات فقدن أزواجهن جراء الحروب مما جعلهن المعيلات الرئيسيات لأسرهن، ونزحن إلى الخرطوم. ومع الوقت، بدأ يدخل صفوف ستات الشاي نساء أكثر شبابًا طلبًا للرزق.
لم تسلم ستات الشاي من ملاحقة المحليات لهن في حملات تُعرَف رسميًا بـ«تنظيم الأسواق»، وتُعرف شعبيًا بالـ«كَشّة». في إطار «الكشات» تسلب المحليات بائعات الشاي أدوات عملهن وتحتجزهن وتفرض عليهن غرامات للعمل دون تصريح. لم تسلم ستات الشاي أيضًا من وصمٍ أخلاقي لاحقهن، من خلال التشكيك في كونهن إما عاملات بالجنس و/أو بائعات خمور أو مخدرات.
ما بين منطقة سكنها وطبيعة عملها، صارت ليلى محط اتهام وتجريم مستمر؛ فالحي الذي سكنته كان معرض دائمًا للحملات الأمنية من قِبَل الشرطة. وبنات مهنتها ملاحقات، ليس بالمحليات فحسب، لكن أيضًا بشرطة أمن المجتمع التي رأت في منع بعضهن عن العمل «حفاظًا على المظهر الحضاري للعاصمة».
من خلال بيع الشاي، كان احتكاك ليلى المتكرر مع جميع الوحدات النظامية، من جنود جيش أو شرطة أو جنود الاحتياطي المركزي للشرطة السودانية (قوات أبو طيرة)، شيئًا معتادًا. كان الانتماء المشترك لأصل واحد عنصر مساهم في قدرة ليلى على التفاهم مع جنود الجيش، حيث كانت تتواصل معهم بلغتهم، فهم ينحدرون من نفس الأصل: قبائل النوبة. أما بالنسبة لقوات الشرطة، تقول ليلى: «نحن في عداء مستمر، لكنهم في نهاية الأمر زبائن. فعندما يأتون إلينا بالزي الرسمي لا نتعامل معهم بشكل سيء».
بدأت ليلى تحتك بجنود «الدعم السريع» من خلال بيع الشاي لهم منذ بدء وجودهم بشارع الستين. تقول ليلى إنهم، في البداية، كانوا كرماء معها، حيث كانوا يعطونها بقشيش. لكن مع الوقت بدأوا يتحرشون بها خصوصًا عند عملها في أوقات متأخرة بليل الخرطوم، وباتوا ينعتونها بأوصافٍ عنصرية ويدعونها لممارسة الجنس. رفضت ليلى، لكنها لم تستطع مواجهتهم بسبب نفوذهم، واضطرت للانتقال إلى منطقة عمل أخرى.
كان مستوى دخل ستات الشاي في شارع الستين أفضل نسبيًا، بالمقارنة مع مناطق أخرى بالخرطوم. وكان انتقال ليلى منه اضطرارًا قبل بداية شهر رمضان، ووسط موجات تضخمية متتالية لحقت بالسودان قبل بدء الحرب، نتيجةً لتحول شارع الستين؛ فالشارع الذي كان «وجهة للمتنزهين في أمسيات الخرطوم» صار «ثكنة عسكرية». هكذا وصفت نارمان ما جرى في شارع الستين على مدار سنوات. لم تلتقِ أقدار نارمان وليلى بتشاركهما نفس المهنة في نفس الشارع فحسب، فقد تشاركتا أيضًا نفس الأصل.
تقول نارمان: «قبل 2018، اعتدنا على التعامل مع كافة أشكال الزي العسكري. كانوا جميعهم زوارًا يرغبون في أخذ الشاي والقهوة مجانًا. ومع اندلاع الاحتجاجات، كثيرًا ما تمركزت في الشارع قوات مكافحة الشغب وكان يُغلَق باستمرار، فبدأت تتغير معالمه».
مثّل اليوم المُخلّد بانتصار جماهير الثورة السودانية علامةً فارقةً في مستقبل شارع الستين؛ بعد سقوط البشير، حل بشارع الستين زوارٌ جُدُد من خارج الخرطوم، مميزون في زيهم ولغتهم، يدفعون لقاء ما يشترونه، وملتزمون بالجلوس في أماكنهم المعتادة بالقرب من سياراتهم، حسبما وصفتهم نارمان، مضيفة أن في بداية وجودهم في الشارع «فضلنا جنود الدعم السريع على باقي القوات النظامية، فقد كانوا ينفقون الكثير من الأموال».
لكن، سرعان ما تحول الزوار الجُدُد إلى ضيوفٍ ثقال؛ فتزامنًا مع ظهور حميدتي في المشهد العام «تغيرت ملامح جنود الدعم السريع من مجرد أطفال إلى رجال أكبر سنًا متنوعي الوجوه واللهجات. كان لا يزال بعضهم من عرب دارفور. كانوا يأمرون الشباب الموجودين بالشارع بالتحرك من أماكنهم، ولم يتورعوا في إرهاب من بدى عليهم الفقر، مرددين «العبيد ماعندهم هنا سيد» في إشارة لأصحاب السحنات السوداء والنوبة. استهجنوا وجود النساء في الطريق، لكنهم لم يمتنعوا عن طلب الجنس منا»، تستكمل نارمان: «وكثيرًا ما أمرونا بالتوقف عن بيع الشاي».
فض جنود «الدعم السريع» كافة مظاهرات شارع الستين، في الفترة السابقة على اتفاق «المبادرة الوطنية» المنعقد بين حمدوك والبرهان في 21 نوفمبر 2021. وبعد عقد الاتفاق، تقول نارمان: «غيروا ملامح الشارع تمامًا بانتشارهم على طول الطريق، فقد نصبوا فيه تمركزاتهم وأقاموا به حواجزهم، واعترضوا على عملنا في أجزاءٍ منه. ثم عَلِمنا أن عبد الرحيم دقلو، [أخو حميدتي ونائبه في قيادة الدعم السريع]، له منزل قريب من الشارع».
قبل اندلاع الحرب بأشهر قليلة، في بداية سنة 2023، انتشرت استخبارات الدعم السريع في شارع الستين خصوصًا في التقاطعات، كانوا يتقصون عن بعض الأشخاص، خاصةً ممن يبدو عليهم الفقر ومن ينتمون لإثنياتٍ معينة. وأمر جنود الدعم السريع ستات الشاي في شارع الستين بالتوقف عن بيع الشاي ومغادرة الطريق عند السابعة مساءً. لكن، لم تتوقف نارمان عن بيع الشاي والقهوة بشارع الستين حتى التهمته الحرب.
اندلعت الحرب في الخرطوم في منتصف شهر رمضان، وهو موسم تنخفض فيه دخول ستات الشاي اللاتي يتحصّلن على رزقهم باليومية، وفقًا لما صرحت به رئيسة جمعية بائعات الأطعمة والشاي، عوضية كوكو، لـ«سكاي نيوز» عربية. ومع اشتعال الحرب، فقدت ستات الشاي أماكن عملهن: الشوارع. منهن من بقين في الخرطوم، في مناطق تحت سيطرة «الدعم السريع»، واستمروا في العمل رغم أخطار الحرب. فمع ارتفاع تكاليف التنقل خارج الخرطوم، ورغم نزوح غالبية سكانها، ظل هناك ما بين 20 و30% من مجموع سكانها باقون بها، وفقًا لتقديرات رئيس بعثة أطباء بلا حدود للسودان في مارس الماضي. ومنهن من نزحن إلى أماكن طالتها الحرب لاحقًا، وأخريات نزحن إلى مناطق خارج نطاق تغطية مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات الإغاثة الدولية. وفي كل الحالات لا توجد تقديرات لأعداد ستات الشاي اللاتي تعرضن لعنفٍ جنسي منذ بدء الحرب حتى الآن.
صفوة «كافوري» وعاملاته المنزليات
يُعتَبَر حي كافوري، في مدينة الخرطوم بحري، من أرقى أحياء الخرطوم. فقد سطع نجم الحي منذ بداية الألفينيات، حيث كانت مبانيه وفيلاته الفاخرة المُطلة على النيل، مسكنًا لأسر رجال السلطة وكبار الموظفين بالدولة ورجال أعمال بارزين وغيرهم من المقتدرين. ومع تنامي وجود «الدعم السريع» داخل الخرطوم، خاصةً في العقد الثاني من الألفينيات، سكنت بعض قياداتها في حي كافوري. وزاد كثيرًا وجودهم كسكانٍ في الحي خاصةً، وكجنود منتشرين في الخرطوم عامةً، بعد إصدار قانون الدعم السريع في يناير 2017، الذي دشنها كقوة مستقلة تابعة للقوات المسلحة.
على الرغم من وجود الكافوري على أطراف العاصمة، متجنبًا بذلك ازدحام وصخب وسطها، فإن عاملاته المنزليات، اللاتي يعِشن في منازل صفوته، كانوا في قلب تسيير شؤونه اليومية. مع انفراجة اقتصادية مؤقتة حلّت بالسودان في العقد الأول من الألفية نتيجة للاستثمارات في البترول، زاد طلب الأسر السودانية المقتدرة على العمالة المنزلية. وبفعل تاريخ طويل من حركة الإثيوبيين إلى السودان، سواء هربًا من المجاعة أو الحرب، أو بحثًا عن العمل بعد استقرار الأوضاع نسبيًا هناك، أو حتى مرورًا على السودان كمحطة انتقالية للذهاب منها إلى دولةٍ أخرى، كانت العمالة الإثيوبية مصدرًا أساسيًا للاستجابة لارتفاع الطلب على العمل المنزلي المأجور في الخرطوم.
ولكن، في قلب الحركة عبر الحدود، ظلت أوضاع غالبية الإثيوبيين والأثيوبيات في السودان غير قانونية. فسعيًا للعثور على فرصة عمل، تنسق الراغبات في السفر مع أحد السماسرة، الذين يستخدمون شبكات علاقاتهم في القرى الحدودية في إثيوبيا والسودان، من أجل تيسير الهجرة. قد يساعد السمسار في الخرطوم المهاجرة الإثيوبية في العثور على عمل، ولكنه هو من يتفاوض مع صاحب العمل على الأجر. وإذا كانت المهاجرة دفعت كل تكاليف انتقالها، تنتهي علاقتها بالسمسار عند هذه النقطة، ولكن إن لم تدفع، تظل مديونة للسمسار الذي تسدد له من خلال حصوله على جزء من راتبها الشهري أو عليه كله. وفي كثير من الأحيان، بعد بدء العمل، قد يُمنعن من الحركة خارج منزل صاحب العمل إلا بإذنٍ منه.
في بداية الحرب، في 15 أبريل، اقتحمت قوات الدعم السريع المنازل في بعض مربعات كافوري احتماءً بها، وفقًا لعلي الصديق، الذي سكن في كافوري وظل على تواصل مع بعض العاملات المنزليات بالحي بعد فراره منه. ومع محاولات القوات المسلحة لإخراج «الدعم السريع» من نقاط تمركزها، صار الحي مساحةً لمعركةٍ ضارية بين الطائرات الحربية للقوات المسلحة من جانب ومضادات الطائرات الأرضية التابعة لـ«الدعم السريع» من جانب آخر.
يستطرد الصديق أنه بمرور الوقت وتوالي القصف، احتل جنود «الدعم السريع» المنازل بشكل كلي. وكان في ذلك عدم التزام بالأوامر العسكرية الصادرة من قياداتهم في بداية الحرب بعدم التعرض للمدنيين أو لممتلكاتهم، ولكن بعدما انتقل الجنود إلى احتلال المنازل كتكتيك عسكري، لم يواجهوا أي استنكار أو منع من جانب قياداتهم، بحسب الجندي التابع للشرطة العسكرية بـ«الدعم السريع».
في هذه الآونة، سمع سكان المنطقة ببعض الاعتداءات الجنسية على العاملات بالمنازل بمربع 3 بالحي. وفي إطار الهُدن المتقطعة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في الأسبوع الرابع من أبريل 2023، تمكن السكان من التوصل إلى اتفاق مع بعض ضباط «الدعم السريع» ليُخرِجوا أسرهم من الحي دون التعرض لهم. يضيف الصديق أنه بعد أبريل لم يتبقَ في المنازل سوى العاملات المنزليات الإثيوبيات.
كانت دلال* إحدى أولئك العاملات، فضلت البقاء في الخرطوم على أمل ألا تطول الحرب. كانت دلال تأخذ أجرها سنويًا عند حلول كل أجازة، ومن ثَم تذهب إلى إثيوبيا، بحسب أحد أفراد الأسرة المتعاقدة معها والتي تسكن في مربع 6 بحي كافوري. لكن هذه المرة، لم يكن رجوعها إلى إثيوبيا اختيارًا راجحًا، حيث تصاعدت التوترات بين ميليشيات الأمهرة والحكومة المركزية في إثيوبيا منذ أبريل 2023، وتطورت لاحقًا لحربٍ جديدة هناك. فضلت دلال البقاء في الخرطوم، وأتي إليها بعض أقاربها للمكوث معها في كافوري، ومع تطور المعارك في الحي، خرجت الأسرة من كافوري وتركت دلال وأقاربها، حسب فرد الأسرة. فيما بعد، علِمَت الأسرة أن جنودًا من «الدعم السريع» اختطفوا دلال من المنزل، وأعادوها بعد فترة. سُخِّرت دلال خلال تلك الفترة لأداء بعض الأعمال المنزلية في بيت قيادي ميداني بـ«الدعم السريع»، فيما يعتدي عليها جنسيًا حرسه الشخصي. مع الوقت، توقفت الأعمال المنزلية، بينما استمر الاعتداء الجنسي عليها من حرس القائد، حسب فرد الأسرة.
وفقًا للصديق، لم تكن دلال الوحيدة التي تعرضت لذلك، بل أن عاملات منزليات إثيوبيات أخريات تعرضن للاغتصاب وسُخِر بعض منهن جنسيًا.
سُبُل التفاوض على «الحماية»
مع استمرار الحرب وتوسع رقعتها، اضطر الكثيرون للنزوح إلى مناطق أخرى بالسودان لم تكن نيران الحرب طالتها بعد. ومع النزوح الواسع جراء الحرب، اتجهت أعداد ضخمة من النازحين من غرب السودان ومن الخرطوم إلى ولاية الجزيرة، الواقعة في وسط السودان. وساهم تاريخ الجزيرة في جعلها وجهة مُرجحة للنزوح، حيثُ أقام بها الاحتلال البريطاني أكبر مشروع لزراعة القطن، وأسس بها وحولها شبكة طرق ومواصلات لتيسير النقل منها وإليها. وبقدر ما سهلت هذه الطرق هروب المسافرين بين مدن وقرى دارفور وكردفان والجزيرة، فإنها تحولت لساحات يُرتَكَب فيها العنف الجنسي ضد النازحات، بحسب ما صرحت به المديرة الإقليمية لشبكة نساء القرن الإفريقي «صيحة»، هالة الكارب، لـ«مدى مصر». نشرت الشبكة أكثر من 30 إصدارًا عن أوضاع النساء وحقوق الإنسان في السودان منذ بداية الحرب. توضح الكارب أنه على تلك الطرق، أُجبِرت بعض النساء القادمات من مدن الخرطوم وبحري ومدني ومن مناطق وسط السودان وجبال النوبة، على النزول من السيارات التي يتنقلن فيها، واعتديّ عليهن، في حين اِرتُكِبَت بعض حالات الاغتصاب داخل المواصلات تحت نظر المسافرين.

لكن، في حالاتٍ وردت لـ«مدى مصر» من الخرطوم، تمكنت بعض النساء من تفادي هذا المصير أثناء سفرهن.

منذ مايو 2023، وقعت منطقة الفتيحاب بغرب أم درمان بولاية الخرطوم، تحت حصار قوات الدعم السريع. هناك، كانت تسكن شيماء آدم بحي المربعات، وهو الحي الأكبر بمنطقة الفتيحاب. بحسب آدم، قبل خروجها مع عائلتها من الحي، تمكنت من توصيل حبوب منع الحمل الطارئة لبعض العاملات بالقرب من منطقة سكنها. وأثناء إتمام هذه المهمة، علِمَت بتعرض امرأتين للاغتصاب مرتين من قِبَل جنود «الدعم السريع»، وكانت المرة الثانية مع احتلال ونهب المنازل. تضيف آدم أن بعد سماع عائلتها بوقوع اعتداءات جنسية على عاملات منزليات وبائعات شاي بالحي، قررت الخروج منه والتوجه إلى شمال أم درمان. تفاوض أشقاؤها مع بعض الجنود من قوات الدعم السريع على دفع مبلغ من المال لقاء خروجهم الآمن. وبالفعل تمكنت العائلة من الخروج دون التعرض لها.
بينما شكلت القدرة على دفع مبلغ من المال أداةً للتفاوض على الحماية، في واقعةٍ أخرى مَثّل الإنتماء العائلي أداةً أخرى. في حي الصافية شمال بحري بولاية الخرطوم، وبعد انقطاع المياه والكهرباء ووقوع سرقاتٍ بالحي، قررت أسرة هناء* الخروج منه برفقة بعض قريباتها الطالبات، في 4 مايو 2023. توضح هناء أنه على طريق المعونة، الذي يربط شمالي بحري بجنوبها، وعند المرور بأحد حواجز «الدعم السريع»، تم إيقاف السيارة التي كانوا يستقلّونها. أُنزِلَت العائلة، وفُصِل الرجال عن النساء. وبينما كان يُحَقَق مع الرجال، حاول بعض الجنود سحب قريباتها إلى مكان آخر. توسل رجال العائلة للجنود وأعلموهم بالأصل الذي ينحدرون منه. وبعدما تشاور الجنود في ما بينهم، قدموا اعتذارًا للعائلة، ورافقهم جندي من الحاجز حتى وصلوا إلى مكان قريب من مناطق سيطرة القوات المسلحة.
«كلما تأخرت في سلم التراتبية الاجتماعية [في السودان]، واجهت مزيدًا من العنف»، وفقًا لما قاله شاب من قبيلة الرزيقات، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ«مدى مصر». يوضح الشاب: «على سبيل المثال، العداء موجود بين عشيرتي المهارية، التي ينتمي لها حميدتي، والمحاميد، التي ينتمي لها موسى هلال. وبالرغم من ذلك، لن يغتصب «ماهري» من «المحاميد» أو العكس. لكن، لا يسري ذلك على القبائل «الإفريقية» كقبائل الفور والمساليت». تعيش «الفور» و«المساليت»، وعشيرتا المهارية والمحاميد، المنتميتان لقبيلة الرزيقات، في إقليم دارفور. ويجمع هذه القبائل الثلاث، وعشائرهم، وغيرهم من القبائل الأخرى، صراعات، وأحيانًا تحالفات، تاريخية. في مطلع الألفية الثانية، شكلت قبائل الفور والمساليت والزغاوة حركة تحرير السودان التي كانت رافضة للحكم المركزي في السودان، ومُدافعة عن تبني النظام الفيدرالي كطريقةً أفضل لإدارة موارد السودان بتنوعاته الثقافية والإثنية والدينية. وكانت عشيرتا المهارية والمحاميد، من قبيلة الرزيقات، مصدر تشكّل الجنجويد، نواة «الدعم السريع»، وقد كانت الجنجويد ذراع البشير الأساسية في محاربة حركات التمرد في دارفور، ومن ضمنها حركة تحرير السودان. فبين عامي 2003-2006، حدث ما يُعرَف بالإبادة العرقية في دارفور، ذلك لما اشتمل عليه من نهب واستيلاء على الممتلكات وقتل واغتصاب المنحدرين من إثنيات غير «عربية» بإقليم دارفور. لكن، بدءًا من عام 2013، بدأت تظهر توترات بين موسى هلال وحكومة البشير، وتبلور هذا الخلاف في 2014 بعدما رفض هلال دمج قواته مع «الدعم السريع»، ووصل لحد القبض عليه في 2017، بعد اقتتال دار بين قواته و«الدعم السريع».
«ما تقوم به قوات الدعم السريع في الخرطوم والجزيرة [في الحرب الحالية] محاكاة عمياء لما حدث في دارفور من جانب من انخرطوا في الدعم السريع»، وفقًا لما قاله الشاب المنتمي لـ«الرزيقات»، مُقرًا بوجود نظرة عدائية للرجال والنساء الذين لديهم ملامح ولون بشرة تُصنَف باعتبارها غير عربية أو ممن ينتمون لمناطق تتركز فيها الإثنيات والقبائل غير العربية. ويضيف: «هذا ما جاءت به حرب دارفور. لكن، [الفرق أن] الصراع في دارفور تاريخي؛ فهناك عداء واسع بين مكونات عربية هناك، كما أن هناك عداءات قائمة بين مكونات عربية وإفريقية منذ عشرات السنين».
يفهم «الدعم السريع» خريطة القوة القبلية في السودان ويتحرك وفقًا لها، ولذلك قد يتحاشى الاشتباك مع بعض التكوينات القبلية، بحسب منى محجوب*، وهي عاملة بمنظمة مجتمع مدني بولاية سنار. تؤكد أن ذلك قد يوفر قدرًا من الحماية للنساء المنتميات لعشائر وقبائل معينة، فيما يجعل النساء في الهوامش أكثر عُرضة للاغتصاب والاعتداءات الجنسية، بجانب تسخيرهن للقيام بأعمال خدمية سواء عملًا منزليًا في البيوت التي احتلتها قوات الدعم السريع أو القيام بأعمال النظافة وتمريض المصابين التابعين لهم.
قبل دخول قوات الدعم السريع ولاية الجزيرة، في 18 ديسمبر 2023، اجتمع بعض القادة الدينيين من الولاية بأبو عاقلة كيكل، أحد أكبر قيادات «الدعم السريع» في الجزيرة، وطالبوه بحفظ «الأعراض» والممتلكات حال دخول قواته الولاية ذات الموقع الاستراتيجي. لكن، مع انسحاب مفاجىء للفرقة الأولى مشاة التابعة للقوات المسلحة من مدينة ود مدني عاصمة الجزيرة، دخلت قوات الدعم السريع الولاية بسهولة. وصاحب دخولها وقوع اعتداءات على المدنيين بما شَمَل ذلك من وقوع حالات اغتصاب متعددة. بالاعتماد على شهادات النازحين حديثًا من ولاية الجزيرة وغرب سنار، ومقارنتها بالشهادات التي تلقتها «صيحة» من داخل الجزيرة وغرب سنار، بالإضافة للتحقق من الوقائع المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي، أصدرت «صيحة» تقريرًا مفصلًا يوثق ما حدث في ولاية الجزيرة. ووفقًا لآخر حصر أدلت به مديرة الشبكة في يوليو 2024، فإن من بين 250 اعتداءً جنسيًا وثقته الشبكة، هناك 75 واقعة منهم في ولاية الجزيرة.
كانت طرق تعامل أهالي الجزيرة إزاء ما صدر من «الدعم السريع»، متباينة؛ بين بيانات علنية شديدة اللهجة ومحاولة للتواصل مع زعماء القبائل التي ينتمي إليها بعض الجنود وتزويج نساء من قرى الجزيرة لجنود بالدعم السريع.
بعد مرور أقل من أسبوع على سيطرة «الدعم السريع» على الجزيرة، أصدرت قبيلة الكواهلة بيانًا شديد اللهجة، تحذر فيه أبو عاقلة كيكل من جر القبيلة لحرب مع قوات الدعم السريع. تُعتَبر قبيلة الكواهلة إحدى أكبر القبائل ذات الأصول العربية في السودان، وينتشر أبنائها في جميع أنحاء الجزيرة، لكن تركزهم الأكبر في شرقها. في بيانها، طالبت الكواهلة كيكل باتخاذ إجراءات حازمة إزاء تفلتات جنوده، حفاظًا على الممتلكات و«الأعراض»، وضمت التجاوزات المذكورة في البيان: اقتحام قوات الدعم السريع لقرى جنوب الجزيرة وترهيب المواطنين ونهب الممتلكات والسيارات. بالإضافة لبيان الكواهلة، نددت هيئة شؤون الأنصار [هيئة دينية دعوية] بعدم التزام قوات الدعم السريع بالاتفاقات التي توصلت إليها مع اللجان الأهلية بخصوص عدم الاعتداء على مناطقهم. ويُعتَبَر نظام الإدارة الأهلية في السودان، أحد أقدم نُظُم الإدارة المحلية وأكثرها رسوخًا، وينطوي على إدارة زعماء القبائل، من نُظّار وعُمَد وشيوخ في المجتمع المحلي، لشؤون المناطق والوحدات الإدارية التابعة لهم، وفقًا لقواعد العرف والعادات.
يفهم «الدعم السريع» التوازنات الاجتماعية والأعراف التي تحكم المجتمع السوداني، بحسب ما أفاد به ناظر المناطق الشرقية بولاية الجزيرة لـ«مدى مصر»، والذي يضيف أن فهمه لذلك قاده للاستقصاء عن أصل [الجنود الذين وصلوا شرق الجزيرة] لمعرفة القبيلة التي ينتمون إليها. ويوضح: «من خلال علاقاتنا، عرفنا من أين هم ومن هو عمدتهم، فاتصلنا به، وحذرهم [عمدتهم] من إثارة أي مشكلة معنا وقال لهم إن عليهم التعامل معنا [بحذر] وتوفير الحماية لنا من أي مجرم أو متفلت».
أما في بعض قرى الجزيرة الواقعة بعيدًا عن المدن الكبيرة، خوف كبار الأهالي بتلك الأماكن من وقوع اغتصابات في المناطق التابعة لهم قادهم إلى تزويج بعض النساء من الأهالي إلى جنود من «الدعم السريع» لتفادي الاغتصابات، وفقًا لما أدلى به أحد أعيان قرى الجزيرة لـ«مدى مصر»، قائلًا إن ذلك جاء رغبةً من رجال العائلات في «ستر نسائهم في مواجهة قوات الدعم السريع، التي تستبيح القرى، وتستهدف إهانة الرجال». ويؤكد أن هذه الزيجات وفرت قدرًا من «الحماية» لنساء بعض القرى. لكن، وفقًا له، رفضت بعض النساء هذه الزيجات، لأنه بالنسبة لهن، بعقد هذه الزيجات، فإن أسرهن تورطهن مع الجنود الذين لا يمكن لهم البقاء في القرية لأكثر من أيام. وفي نفس الوقت، لن تتمكن أولئك النسوة من الذهاب معهم إلى الخرطوم أو إلى أي منطقة يهاجمونها.
في إحدى قرى شرقي الجزيرة، كانت تعيش سعدية، ذات الـ 17 عامًا، مع أسرتها متواضعة الحال وأخوتها السبعة، وهي واحدة ممن زوجنا قسرًا، بحسب تهاني الريح، إحدى قريبات سعدية.
رغم علم أهالي قرية تهاني وسعدية بحصار «الدعم السريع» لقرى محيطة بهم، واقتحامها ونهبها وارتكاب اعتداءات جنسية بها، لم يتمكن الأهالي من الفرار، لأن موسم الحصاد لم يكن حلّ بعد، ولا يمتلك معظمهم السيولة اللازمة للحركة. عندما حوصِرَت قرية تهاني وسعدية، خرج الشيوخ وبعض الأعيان من القرية وعقدوا اتفاقًا مع القيادة العسكرية للقوات التي حاصرتهم، نص على تسليم أموالهم وذهبهم وسياراتهم في مقابل عدم تسليم سلاحهم وعدم دخول «الدعم السريع» للقرية، بحسب إفادة تهاني لـ«مدى مصر».
حضر أبو عاقلة كيكل، قائد «الدعم السريع» في ولاية الجزيرة، من مدني بعد إتمام الاتفاق. وفي خطبةِ ألقاها على أهل القرية، أشاد بالطريقة التي «ضربوا بها مثالًا في التعاون»، كما طرح عليهم أن تصبح العلاقة هي علاقة دم ونسب. وخلال أسبوع المهلة التي أعطاها كيكل لشيخ القرية للرد على ما طرحه، انقسمت القرية بين معارض ومؤيد بشروط، رأى المؤيدون أن بإتمام علاقة النسب ستُوَّفَر لهم الحماية وسيكون هناك إمكانية لاستعادة ما نُهِب منهم. وتضيف تهاني: «لم يفرض شيخ القرية رأي حينها، ولكنه قال إن مؤيدي ما طرحه كيكل هم من سيقدمون بناتهم للزواج. بعد تمام الأسبوع، حضر للقرية بعض قيادات ’الدعم السريع‘ الميدانية (العسكرية) لعقد الزواج، حينها أبدى بعض الموافقين ترددًا، فأمرهم شيخ القرية بالقبول فورًا وإلا ستقع كارثة لن تُحمَد عواقبها. عندئذ وقع الاختيار على سعدية».
«أثناء تحضير سعدية للعُرس، لم تكن سعيدة أو حزينة. رددت جملة واحدة فقط: ’كل شيء مقدر ومكتوب، وراضية بحكم الله‘»، بحسب وصف تهاني. غيَّر العُرس، وزيارات المباركة في صبيحته، موقف أهالي القرية من «الدعم السريع» للإيجاب، فلم يقتصر الفرح على إقامة مراسم الاحتفال، بل أحضر الجنود للقرية مواشي وسيارات نقل مُحَملة بالمواد الغذائية. وبعدما قدم العريس لوالد سعدية أموالًا وذهبًا، وعد بأنه سيكون «خير سند لأهالي القرية».
سافرت سعدية مع زوجها إلى مدينة مدني، لكن، سرعان ما أعادها أبناء عمومته لقريتها، فبعد قتل زوجها في معارك محاور جنوب الجزيرة، رفض أن يتزوجها أحدهم لاعتقادهم بأنها نذير شؤم. تستطرد تهاني: «بعد ثلاثة أسابيع من رجوعها، اقتحم جنود الدعم السريع القرية، واستولوا على كل ما أحضروه سابقًا، حتى الذهب الذي قدمه زوج سعدية لأبيها. علمنا من الجنود الذين اقتحموا القرية أنهم ليسوا من مجموعة أبو عاقلة كيكل، التي تزوجت منا وإنما هم مجموعة القائد جلحة، الذي سيطر على قطاع شرق و شمال الجزيرة، وأن علينا دفع ثمن حمايتهم لنا».
«كابوس غير منتهي»
«الوضع في السودان عبارة عن كابوس غير منتهي»، بحسب وصف الكارب، التي تقول لـ«مدى مصر»: «نستقبل الآن مزيد من حالات العنف الجنسي من مدن سنجة وأرياف سنار. وبينما تستخدم قوات الدعم السريع المدنيين كأدوات للحرب ضد الجيش، يعجز الجيش عن القيام بدوره في حماية المدنيين».
وفي ظل استمرار هذا الوضع، تتحرك النساء وعائلاتهن ومجتمعاتهن جميعًا تحت وطأة التهديد الدائم، حيثُ «شكلت الاغتصابات جزءًا من استراتيجية الدعم السريع في الحرب، بتعمدهم اغتصاب النساء أمام أسرهن ومجتمعاتهن، وداخل منازلهن، فلم يعُد لهن مكانًا للاحتماء به. فالدعم السريع أسوأ نسخ النظام الأبوي»، بحسب وصف الصحفية والمدونة السودانية، إيمان كمال الدين، التي تضيف لـ«مدى مصر»: «وفي وسط كل ذلك، تدفع النساء تكلفة الحرب، حيثُ القتل والتشرد والنزوح واللجوء وفقد رب الأسرة. في إحدى رحلاتي، قابلت طبيبة تبيع أقراطها الذهبية لتتمكن من إطعام أطفالها. هذا وضع الطبيبة، فما بالكم بست الشاي أو العاملة المنزلية؟»
* أسماء مستعارة
تقارير ذات صلة
تحقيق لـ«ذا سنتري»: أحمد جاد الله مهندس حكم اللصوص في شرق ليبيا
تمدد دور جاد الله ليصبح فعليًا المدير التنفيذي لاقتصاد شرق ليبيا تحت حماية صدام حفتر
«أنا أربح وأنت تربح».. قمة مصرية تركية على خلفية إقليم مشتعل
تحظى العلاقات التجارية بين البلدين بأهمية متبادلة
العودة إلى السودان.. إعادة رسم السياسات من المربع الأول
بينما احتفت وسائل الإعلام الموالية للدولة في كل من مصر والسودان بالعودة، ازدادت خيبة أمل السودانيين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن