شب حريق في مبنى سنترال رمسيس بوسط البلد، عصر أمس الاثنين، واستمرت جهود إخماده حتى صباح اليوم، فيما أسفر عن مصرع أربعة إلى جانب 32 مُصابًا، وانقطاع خدمات الإنترنت فورًا على نطاق واسع، قبل أن تُعاود العمل تدريجيًا، وإن كانت غير مستقرة حتى الآن.
الحريق الكبير الذي غطّى دخانه سماء وسط القاهرة، أخرج سنترال رمسيس من الخدمة، وأثر على عدد كبير من الخدمات ذات الصلة أبرزها المكالمات والإنترنت وخدمات الطوارئ مثل الإسعاف والنجدة والخطوط الساخنة. كما تأثرت بعض رحلات الطيران، وتعطلت ماكينات الصراف الآلي، وكذلك أنظمة الدفع الإلكتروني.
وزير الاتصالات، عمرو طلعت، كان أبرز المسؤولين الموجودين بمكان الحريق، نافيًا من موقعه أن تكون «مصر معتمدة على سنترال رمسيس فقط كمركز رئيسي لخدمات الاتصالات»، لكنه أوضح بالوقت نفسه أن الخدمات التي تعطلت جراء الحريق كافة أعيد توزيعها على أكثر من سنترال لتعمل هذه السنترالات كشبكة بديلة.
رغم نفي طلعت إلا أنه فور وقوع الحريق وامتداده بالمبنى، بعد ظهيرة أمس، هبط مستوى الاتصال بشبكة الإنترنت في مصر إلى 62% من مستوى الاتصال المعتاد بالشبكة، قبل أن يتراجع إلى 44%، بحسب ما أظهرت بيانات منصة «NetBlocks» المُستقلة لرصد حالة الإنترنت عالميًا.
وأظهرت بيانات المنصة أيضًا أن مستويات الاتصال بالإنترنت المنخفضة تفاوتت بين مُشغليّ الخدمات. كانت الأسوأ على الإطلاق هي شركة أورانج، حيث انهار مستوى الاتصال إلى 2% من المُعتاد، تلاها شركة «اتصالات» بنسبة 10%، فيما كانت الشركتان الأقل تضررًا هما «TE-Data» حيث تراوح مستوى الاتصال بالشبكة ما بين 82-91%، وشركة فودافون بنسب اتصال وصلت إلى 69%.
لا يوجد في مصر سنترال آخر يُضاهي سنترال رمسيس، بالنظر إلى حجم وعدد الوظائف والأدوار التي يتكون منها مجتمعة، داخل شبكة الاتصالات الممتدة في كل المحافظات.
يعمل «رمسيس» كمركز بيانات للاتصالات، ومركز مساحات تخزينية مُتاحة للمشغلين لاستئجارها لإتاحة خدمات الاتصالات، ونقط ربط بين شبكات الاتصالات المختلفة، وأيضًا نقطة لاستقبال المكالمات الدولية.
توجد سنترالات أخرى تقوم بأدوار كبيرة وفعالة داخل شبكة الاتصالات، وتقترب من سنترال رمسيس، لكنها ليست مثله.
يُشير مهندس الكهرباء المختص بأنظمة تأمين الشبكات بإحدى شركات القطاع الخاص، محمد المغربي إلى ضرورة التفريق بين نوعين من الخطط الاحتياطية للتعامل مع الحوادث الطارئة. الأول هو خطط احتياطية «Backup plan» تتعامل وتغطي كليًا الحوادث المُعتادة والمُتكررة دون أن يحدث أي تأثير ملحوظ على الاتصال بالشبكة.
المستوى الآخر هو خطة تتعامل مع كارثة غير مُتكررة وذات تأثير واسع النطاق، وغير متوقعة غالبًا، وهي خطة التعامل مع السيناريو الأسوأ، ويتطلب ذلك في حالة شبكة الاتصالات في مصر، وجود نسخة ثانية طبق الأصل من سنترال رمسيس بحجم يوازي 100% من طاقته الاستيعابية، ويؤدي كل وظائفه مجتمعة.
ما يُفرق بين شركة وأخرى في ما يتعلق بمستوى الأضرار التي تعرضت لها بالأمس يرتبط بشكل مباشر بحجم اعتماد هذه الشركة على سنترال رمسيس. بحسب المغربي، فإن «اتصالات» و«أورانج» يعتمدان بنسبة 80% على سنترال رمسيس، لذا كانتا الأكثر تضررًا.
العلاقة بين مُشغلي الخدمات مثل «فودافون» و«أورانج» و«اتصالات»من جهة، والشركة المصرية للاتصالات المملوكة للحكومة من جهة أخرى، تكمن في البنية التحتية المادية لخدمات الاتصالات والإنترنت، والتي تشمل خطوط كابلات وسنترالات ومراكز بيانات ومحولات.
هذه البنية التحتية دشنتها الدولة وطورتها بشكل ملحوظ، خصوصًا خلال السنوات العشر الماضية، حيث خُصصت مليارات الجنيهات لوزارة الاتصالات لتطوير البنية التحتية. وكان أبرز ملامح هذا التطوير تحويل غالبية كابلات الشبكة من نحاس تقليدية إلى أخرى حديثة تستخدم الألياف الضوئية لنقل البيانات. وبلغت قيمة الاستثمارات الحكومية في قطاع الاتصالات 152 مليار جنيه خلال السنوات العشر الماضية.
تستأجر شركات القطاع الخاص من «المصرية للاتصالات» مساحات أو سِعات تراسلية بسبب امتلاكها هذه البنية التحتية بشكل كامل، كما يوضح مسؤول سابق بالشركة المصرية للاتصالات لـ«مدى مصر».
تتحمل «المصرية للاتصالات» التي تمتلك الحكومة أغلب أسهمها، النفقات الاستثمارية كافة لتدشين هذه البنية التحتية. في المقابل، وعلى الرغم من أن تراخيص تلك الشركات تضمن لهم الحق في تدشين وتوسيع البنية التحتية وفقًا لاحتياجاتهم، إلا أن مُشغلي الخدمات يفضلون استئجار مساحات وخطوط من الشركة المصرية للاتصالات، وهو أقل كلفة بكثير من إنشاء بنيتهم التحتية، في ظل رقابة يشوبها عوار، حسبما يقول المسؤول السابق بـ«المصرية للاتصالات».
ويوضح المسؤول أن دخول القطاع الخاص إلى سوق الاتصالات سبق تنظيمه، إذ دخل لاعبو القطاع الخاص إلى السوق في التسعينيات، فيما تم تنظيم السوق عبر قانون تنظيم الاتصالات مطلع الألفية، في 2003، والذي تأسس بموجبه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والمسؤول عن مراقبة وتنظيم لهذه السوق.
لا يُلزم الجهاز مُشغلي الخدمة ببناء وتدشين بنية تحتية جديدة، ولا يمانع اللجوء إلى خيار الإيجار، لكنه يحدد للشركات عدد من القواعد والإرشادات تضمن استدامة وجودة الاتصالات. بحسب المسؤول السابق، يُفترض أن تستأجر الشركات مساحات تراسلية بطاقة استيعابية تفوق حجم أعمال الشركة (عدد عملائها التي تقدم الخدمة لهم). إلى جانب هذه السعة الإضافية، يُفترض كذلك أن تؤمن الشركات سعة احتياطية لا تُستخدم في الأوقات العادية، ولكن تُترك لأوقات الطوارئ على اختلاف مستوياتها، لتكون البديل الفوري الذي يحمل نقل البيانات ويضمن استمرارية الاتصال. هذه المساحات الاحتياطية كلما غطت نسبة أكبر من المساحات الأساسية التي تُستخدم في الخدمة في الأوقات العادية ضمن ذلك أضرار أقل ومستويات اتصال أفضل حينما يقع أي ضرر بالمسحات والكوابل الأساسية.
يُشير المصدر إلى أنه فضلًا عن أن الشركات تُفضل الاستئجار، إلا أنها «بتسترخص»، لأنها لا تستأجر السعة الإضافية أو سعة الطوارئ التي يحددها الجهاز.
أما العوار الذي يُصيب الدور الرقابي الذي يلعبه الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يكمن في تضارب المصالح. فمن ناحية، يمثل الجهاز الحكومة، والتي تنافس كذلك كلاعب في السوق، ما يجعل الجهاز يستشعر الحساسية عند الرقابة على لاعبيّ القطاع الخاص بسبب الاتهامات المستمرة من القطاع الخاص للحكومة بأن ممارساتها الرقابية تخدم مصالحها كمالكة لشركة منافسة.
تقارير ذات صلة
أن تخسر المال في العالم الافتراضي لسعيك وراء «الرمال البيضاء» وغيرها
حاول الآلاف استثمار أموالهم إلكترونيًا عبر مخططات شبيهة بـ«مخطط بونزي»
ما وراء رغبة «فودافون» في الخروج من مصر
صعوبة الاستمرار في المنافسة في السوق المصري لأسباب مختلفة.
الأربعاء 29 يناير: المحذوف من بيان الخارجية عن «صفقة القرن»
البيان المصري، اختلف في بعض الصياغات عن مسودة أصلية أعدتها الخارجية قبل إرسالها للرئاسة لإقراره
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن