حرب الغرفة المجاورة
#104| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
في هذا العدد من ديتوكس تلتقط أميمة إسماعيل حكاية تحمل الكثير من صعوبات التربية التي لم تعد مسارًا ذا اتجاهًا واحدًا بل سكة حب تفاعلية تسير في اتجاهين تخالطها الحيرة بين مخاطر التدخل والدعم الذكي. بانت هذه السكة لإسماعيل وهي تحاول كشف غموض الحرب الدائرة في الغرفة المجاورة. تنوعت الجولات المتقدمة من هذه الحرب بين أسئلة مربكة وفقدان ثقة وتنمّر إلكتروني، ثم خلصت الكاتبة إلى دليلها للتعامل مع الحروب الناشئة على هامش سكة صعبة اسمها التربية.
#دليل
منذ صار باب الغرفة المجاورة مغلقًا، اعتدتُ، في النهار والليل، سماع أصوات من خلف بابها، أميّز بعضها وأفشل مع البعض الآخر. أغاني صاخبة ودبيب أقدام، هذا ما ميزته بوضوح، والباقي احتمالات مثل دندنات عالية أو بكاء مصحوب بنحيب، أو صوت دق عنيف على كيبورد الكمبيوتر، أو نقر أصابع متوترة على مكتب خشبي. تخمينات لم أتمكن من حسمها بفتح الباب حفاظًا على خصوصية صاحبة الغرفة، ولكني أشعر أن شيئا ما يحدث. سيتضح فيما بعد أن حربًا تتخذ من تلك الغرفة ساحة لها.
كلما مَررتُ من أمام الباب المغلق أحاول التلصص -دون اقتحام- لقتل الفضول بشأن ما تفعله ابنتي، 12 سنة، في حجرتها. تعمدت منحها قدرًا من الخصوصية يليق بمرحلة المراهقة التي تقف على أعتابها، مكتفية بمراقبتها في الساعات التي تُنهي فيها عزلتها اختياريًا، والتلصص عليها في أوقات الاحتجاز.
ساعات عزلة ابنتي تجلت في البداية في ضي من الشغف والحماس يطلّ من عينيها، وابتسامة تشع حيوية في المنزل كله. وبمرور الوقت، تبدل حزن بشغف العيون، وندرت الابتسامات. تجنبت السؤال عن سر ساعات العزلة في الغرفة المجاورة بأسئلة مباشرة حتى لا تشعر أنها محاصرة، وبطرق ملتوية حاولت معرفة ما يحدث ولكن إجاباتها معممة لا أستنتج منها شيئًا.
تستمر مراقبتي الصامتة لعزلتها، دون أن تكشف هذه المراقبة سر الغرفة المجاورة. أحيانًا أتجاهل تلك الحالة وأحيانا أخرى أحاول معرفة السبب عبر قصص ومواقف أحكيها لها كأنني أشكي لها همومي حتى تبادلني الشكوى، ولكن كل محاولات فضّ الغموض باءت بالفشل.
القلق والتوتر اللذان طَلّا عليّ من ملامحها الحزينة، دفعاني لتهدئة روعي بتخمينات كلاسيكية جدًا مثل هرمونات النمو في مرحلة المراهقة، أو قصة حب مبكرة. وحده الحب الذي تلمع معه العيون ويرسم ابتسامات دائمة، ومع غيابه تحزن الفتيات الصغيرات، ومع ترجيح هذا التخمين الأخير، انفتح باب الغرفة المجاورة ليقع على سمعي كالرعد سؤال من ابنتي حول ما يعنيه علم الرينبو.
السؤال انتزعني من الـcomfort zone التي صنعتها عبر فرضيات ساذجة مثل الهرمونات أو الحب، لأجد نفسي في منطقة أخرى، غير مريحة بالمرة، شعرت برُحى حرب مجهولة تدق باب أمومتي مع انفتاح باب الغرفة المجاورة. جعلتني أجواء الحرب أجيب باختصار، وحال ارتباكي دون رد السؤال بآخر. الارتباك لم يكن بسبب طبيعة السؤال، وإنما لأن مَن نظنه صغيرًا يكبر دون علم منّا، هي البنت كبرت كده امتى!؟
ترقبتُ فتح الباب مجددًا، لعلَّي أفهم ما تعانيه ابنتي في غرفتها. تجهّزتُ جيدًا لأسئلة أخرى، وضعت خططًا واقتراحات لكل السيناريوهات التي يحملها السؤال السابق وانتظرت حتى جاء أخيرًا صوت من الغرفة المجاورة.
صوت مقبض الباب يُدار، أسمع صريرًا واضحًا يعني أن الباب فُتح على مصراعيه، دعوت في سري أن أنجح هذه المرة في فكّ غموض ما يحدث، لكنها لم تجيء من أجل سؤالها السابق، بل ما أتى بها صراع داخلي بين مفهوم الصح والغَلط، وهو ما جعلها تطلب مني بشكل مباشر -وهذا أمر لو تعلمون عظيم بالنسبة لها- اتخاذ قرار بدلًا منها لحسم الصراع.
الحرب الداخلية التي تحياها ابنتي نابعة من حرب أخرى خارجية تورطت فيها وكانت سببًا في عزلتها بالغرفة، حيث تعرضت لبلوكات متتالية من أصدقائها، وإساءات إلكترونية وغير إلكترونية لأنها من محبي فرقة B.T.S التي استُهدفت بخطاب كراهية ضد أعضائها بعد مناقشتهم حقوق مجتمع الميم. حملة الكراهية من كارهي الفرقة طالت محبيها، ما هدد ثقة ابنتي في نفسها واختياراتها وتفضيلاتها تمامًا. وحين اضطربت بوصلتها الذاتية جاءتني لحسم حربها الداخلية: «هو فعلا عيب اني احب الفرقة وأبقى من الأرمي يا ماما؟» [لمشاهدة B.T.S:Fire يمكن الضغط هنا]
«خلينا نتكلم في الموضوع ده بعد ما تهدي»، قلت لها بهدوء الجدات الواثقات بينما كانت هي تبكي. ثم بسرعة جيل الميلينيوم بحثتُ سريعًا عن B.T.S. فرقة كورية جنوبية مكونة من سبعة مغنيين، وتأسست قبل 11 عامًا وبدأ نجمها يلمع مع بداية 2013 إلى أن أصبحت فرقة مليونية المشاهدات في الأعوام القليلة الماضية. ومع قراءة السطور التعريفية الأولى للفرقة التقطت نفسًا عميقًا وشعرت أن معرفة سر حرب الغرفة المجاورة بات ممكنًا. ثم اكتشفت كوميدية الترجمات التي فسّرتُ بها طلاسم مثل «بي تي إس وجيشها» حيث ظننت خاطئة إنها جُندت من قِبل جماعة أو تنظيم له قائد ولائحة عضوية وشروط انضمام واستمارات عضوية، وغيرها من الأفكار السوداوية التي انهالت على رأسي، لكن ذلك تبدد حين رسمت ابنتي صورة دقيقة عن آلية الانضمام لهذا الجيش، أنها مَن تقرر أن تكون عضوة، وقواعده تُوضع وفق ممارسات محبي B.T.S، ويمكن للعضوة اختيار المناسب لها من القواعد وتحديد طبيعة العضوية مثل أن يكون لها Bias أي تشجع واحدًا من أعضاء الفرقة، أو تكون Bias wrecker فتشجع اثنين، أو يشمل تشجيعها السبعة معًا O T 7 [لمشاهدة B.T.S:Dynamite يمكن الضغط هنا]
هكذا تبدلت الأدوار؛ بعد أن كنتُ مصدرًا للمعرفة لطفلتي، صارت صاحبة الاثنى عشر عامًا تمدني بمعلومات. هي شبَت في غفلة مني، وصار لها عالمها الخاص الذي ربما يكون خارجًا عن عالمي أو موازيًا له بحسب رغبتها، اكتشفتُ أنها تعرفت على B.T.S خلال رحلتها لقتل ملل حبسة كورونا، وبدأت تسمع المزيد وتقرأ عن أعضائها السبعة كلٍ بشكل منفرد ثم صارت عضوة في جيش الفرقة. تتطلب العضوية أن تكون مطلعة على جميع المعلومات والتحديثات عن الفرقة، بل تشارك منتجات الفرقة الغنائية وأخبارها وتحركاتها عبر المواقع المختلفة، وتشجع أصدقائها ومعارفها على الانضمام لجيش B.T.S. لكن دورها كعضوة في هذا الجيش ورطها في حرب حقيقية فتحت عليها جبهات الدعاية المضادة الشرسة.
وحين انفتح باب الغرفة المجاورة ظهرت الهوية الجديدة التي تشكلها ابنتي؛ لديها اختيار مستقل يتمثل في فرقتها المفضلة، وقضية تشغلها هي الترويج لفرقتها بالانضمام لجيش معجبيها، لكن تلك الهوية شُنّت عليها حرب التنمّر الإلكتروني وباتت مهددة بالطمس. الاشتباك في هذه الحرب ليس فكرة سديدة، لذا وضعت خطة دعم. قررت ألا أقرر، وبهدوء طرحت الموضوع من زوايا مختلفة، سألتها عن سبب تشجيعها للفرقة، ومن إجابتها ولد قرارها، فهي تحبها بسبب الكلمات والموسيقى والاستعراضات، وهو ما فسّر سماعي لدبيب أقدامها في الغرفة المجاورة، فعقبتُ بأن هذا هو المهم. ثم ضبطتني أسمع فرقتها المُفضلة. تشاركنا أسماء الاغاني، وناقشنا أفكارها، ووفرت لها تي شيرت يحمل لوجو B.T.S، وحينما ارتدته وخرجنا، وجدتها تحيي شباب وشابات من سن مقارب. التحية تتمّ بطريقة معينة باليد، سألتها بسذاجة «كل دول اصحابك؟» ليتضح أنهم من جيش B.T.S، وحين لمحوا اللوجو أدوا التحيات اللازمة لأبناء الجيش الواحد.
بالتوازي مع سعادتها الغامرة بتلك التحيات، داهمتني مشاعر مرتبكة، مزيج من الاندهاش والإعجاب، أرى تنظيمًا تنتمي ابنتي له، ويميز أعضاؤه بعضهم ولديهم تحية خاصة، ويديرون حوارات معًا دون سابق معرفة، ويتبادلون الابتسامات حين يلمحون أي إشارة مُتصلة بالتنظيم. عادت ثقتها بنفسها مع رؤيتها محاربين آخرين معها، تتشارك معهم هويتها الجديدة، وهذا يحدث في الواقع وليس داخل الغرفة المجاورة المغلقة التي فتحت صاحبتها بابها مُعلنة نهاية الحرب إلكترونيًا على الأقل و#سلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن