تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حرب الذهب

حرب الذهب

كتابة: مراد حجازي، معتز حجاج 17 دقيقة قراءة

في يناير الماضي، قُتل الملازم أول محمد الكيلاني برصاصٍ قالت وزارة الداخلية إنه أُطلق في اشتباك مع أحد «العناصر الإجرامية» على الطريق الدولي «مرسى علم/إدفو» بمحافظة أسوان.

اكتفى بيان الداخلية بهذا دون توضيح طبيعة هذه العناصر أو أسباب الاشتباك معها. بعدها بأيام، أعلنت «الداخلية» عن القبض على مرتكب الواقعة دون تفاصيل إضافية. وطوال هذه الشهور، لم تُعلن الوزارة عن مصير هذا المتهم ولم تُنشر أي أنباء عن محاكمته، على عكس ما هو معتاد في مثل هذه الجرائم.

مصادر محلية قالت لـ«مدى مصر» وقتها إن الضابط قُتل في هجوم قامت به عصابات تعمل على حماية منقبين عن الذهب غير قانونيين في الصحراء الشرقية الواسعة، التي تفصل بين أسوان في الصعيد ومرسى علم على شاطئ البحر الأحمر، بعد أن ضيّقت الشرطة الحصار عليهم داخل المناطق الجبلية.

«الدهب زي السمك، والصحرا زي البحر» كان هو التشبيه الذي استخدمه أحد المنقبين غير القانونيين لوصف نشاط التنقيب هناك لـ«مدى مصر». هذه العصابات تمثل واحدًا من «الصيادين» هناك في بحر الصحراء. إلى جانبهم، تعمل مجموعات مختلفة من العمال المصريين والمهاجرين والمنقبين والمهربين والقبائل المحلية. وفوق كل هؤلاء، تحاول الدولة السيطرة على نشاط البحث عن الذهب، والمنفلت بشكل كبير من رقابتها التنظيمية والأمنية، على الرغم من محاولات مستمرة تقوم بها منذ سنوات.

تشير تقديرات إلى أن مصر تمتلك أكثر من ستة ملايين أوقية من الذهب في منجم السكري وحده، وهو أحد أهم مناجم الذهب في الصحراء الشرقية. سعر أوقية الذهب الواحدة (28 جرامًا) يقترب حاليًا من ألفي دولار. خلال الأعوام الأخيرة، تحولت الصحراء الشرقية إلى ما يشبه ساحة حرب مصغّرة يسعى أطرافها للسيطرة على قطعة أكبر من كعكة الذهب هذه، لتخلف وراءها عشرات القتلى على الأقل. دستة من المصادر الرسمية وغير الرسمية من مختلف مجموعات «صيادي» الذهب هؤلاء، إلى جانب عشرات الصور والفيديوهات حصل عليها «مدى مصر» طوال الشهور الماضية، ساعدوا في رسم صورة أكثر وضوحًا لهذه الحرب.

على الرغم من التاريخ الطويل لنشاط التعدين في مصر، تاريخ يعود لعدة آلاف من السنوات، إلا أن هذا النشاط شهد توقفًا طوال القرن الماضي إلى حد كبير. واستمر هذا حتى العقد الأول من الألفية الجديدة.

بدأت الحكومة خلال هذه الأعوام عدة إجراءات لتسهيل أعمال التنقيب عمومًا في صحرائها. في 2004، تقرر تغيير «هيئة المساحة الجيولوجية»، المسؤولة عن إدارة أعمال التنقيب هذه، لتصبح «الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية»، ونقل تبعيتها إلى وزارة البترول بدلًا من وزارة التجارة الخارجية والصناعة وقتها.

الانفتاح الذي أبدته الحكومة دفع عددًا من الشركات الأجنبية لبدء الاستثمار في قطاع التعدين في مصر. في 2006، أعلنت مؤسسة التمويل الدولية، التابعة للبنك الدولي، الاستثمار عبر شراء أسهم بقيمة مليوني دولار في شركة استرالية اسمها «جيبسلاند ليميتد Gippsland Limited»، والتي كانت في بدايات عملياتها التعدينية في مصر.

في هذا الوقت، كانت المحاجر التي يُستخرج منها الطَفلة والجرانيت والحجارة في الصحراء المتاخمة لأسوان هي النشاط الرائج في المنطقة بالنسبة للكثيرين، بحسب مَصدرين، أحدهما يعمل في إحدى شركات التعدين المملوكة لجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، وآخر في هيئة الثروة المعدنية، بينما كان التنقيب عن الذهب على نطاق محدود.

استمر هذا حتى اندلعت الثورة في 2011. دفع تدهور الوضع الاقتصادي الكثيرين للتفكير في بدء التنقيب عن الذهب في الصحراء. أحد مدربي الغوص، والذي خسر عمله بسبب انهيار السياحة، أوضح في مقابلة أن أحد أصدقائه اقترح عليه البدء في نشاط البحث عن الذهب، وهو ما قام به فعلًا.

في 2013، تبدّل الوضع على الأرض. قررت الدولة استعادة سيطرتها على المشهد. وضمن محاولاتها لاستعادة السيطرة على التنقيب غير القانوني، أنشأت الحكومة شركة شلاتين للثروة المعدنية. تهدف الشركة، بحسب موقعها الإلكتروني، إلى تقنين أوضاع العاملين في التنقيب العشوائي عن الذهب فى الصحراء الشرقية، وتحصيل حقوق الدولة. وتوزعت ملكية الشركة على أربع جهات: الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية (35%)، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية (34%)، وبنك الاستثمار القومي (24%)، والشركة المصرية للثروات التعدينية (7%).

ونهاية العام التالي، صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون جديد للثروة المعدنية. حدد القانون ضوابط الحصول على ترخيص للتعدين وطرق التعاقد والطرح والترسية للمناجم والمحاجر «دون التقيد بأحكام التشريعات المنظمة للمناقصات والمزايدات». كما فرض القانون رسومًا وإتاوات جديدة على النشاط.

وطوال العقد الماضي، تنوعت محاولات الدولة لفرض سيطرتها.

بحسب مهندس في هيئة الثروة المعدنية، طلب عدم ذكر اسمه، بدأت قوات الأمن ممثلة في الجيش والشرطة منذ 2014 في ممارسة تضييقات على أصحاب المحاجر، تمثلت في رفع رسوم (كارتة) مرور سيارات النقل الثقيل المحمّلة بخامات محاجر الطَفلة والحجارة، وفرض غرامات دون وجه حق على النقل الثقيل المحمل أحجارًا ضخمة بحُجج مختلفة، كأن يكون لها «بروز» تتجاوز ما يحدده القانون، بالإضافة إلى التحكم في كميات السولار التي يشترونها من محطات الوقود لتغذية المعدات العاملة في الجبل. يشير موظف إداري بإحدى شركات التعدين المملوكة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن هذا التضييق أجبر عددًا من أصحاب المحاجر على التخلي عن محاجرهم. «اللي كان عنده 20 محجر، بقى عنده أربعة بس»، يقول.

بلغت التضيقات ذروتها بحلول 2020، حينما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسى القانون رقم 193 لسنة 2020، بترخيص تعاقد وزراء البترول والتنمية المحلية والإسكان مع الشركة المصرية للتعدين وإدارة واستغلال المحاجر والملاحات، المملوكة لجهاز الخدمة الوطنية، لاستغلال المحاجر والملاحات في الأراضي التي تقع في دائرة اختصاص المحافظات وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة.

وفي نوفمبر من العام ذاته، فازت 11 شركة عالمية ومصرية بحقوق البحث والتنقيب عن الذهب في 80 منطقة داخل الصحراء الشرقية. كان فوز تلك الشركات بمثابة الاختبار الأول لتعديلات قانون الثروة المعدنية، الذي أقرّه السيسي في سبتمبر من نفس العام، بعد سنوات من عزوف الشركات عن دخول مزايدات التنقيب لأسباب بيروقراطية.

يشير المهندس إلى أنه، منذ صدور القانون، تضاعفت الرسوم التي يؤديها أصحاب المحاجر مقابل التراخيص والإتاوات والتأمين وغيرها من المتطلبات التي يحددها لتقنين العمل، ما دفع العديد من مقاولي المحاجر للعزوف عنها والاتجاه للتنقيب عن الذهب كمصدر بديل للرزق. وتوجهت معهم العمالة والمعدات الثقيلة الخاصة بالمحاجر التي توقفت عن العمل إلى التنقيب عن الذهب، والذي كان في بدايته نشاطًا أكثر ربحية وأقل خطورة، بحسب المهندس. ورغم خضوع مداخل ومخارج الصحراء إلى رقابة عدد من الأجهزة الأمنية، إلا أن تسهيلات يقدمها بعض العاملين في هذه الأجهزة مقابل قدر ثابت من الأموال أو نسبة من الذهب المُستخرج سمحت باستمرار نشاط التنقيب غير القانوني عن الذهب.

يتفق كلا المصدرين على أن مركز إدفو بمحافظة أسوان كان نقطة انطلاق نشاط التنقيب، لينتشر في الصحراء الشرقية بمحاذاة وادي النيل إلى البحر الأحمر، بدايةً من قنا وحتى حدود السودان. لكن النشاط تركز في مواقع محددة: جبل أم أراقة، أم حبال، أم غزال، البرامية، أبو رماد، شلاتين، برانيس، قرية العلاقي ومحيطها.

caption

حاولت شركة «شلاتين» السيطرة على الدهّابة (الباحثين عن الذهب) عبر طرح مزايدات على مواقع تنقيب مخصصة للمنقبين المحليين غير القانونيين، تحصل بموجبها الشركة على نسبة من الذهب الذي يستخرجه كل منقب ترسو عليه المزايدة. قوبل هذا بالرفض من المنقبين بسبب ارتفاع نسبة الشركة من خام الذهب، واستمروا في عملهم خارج إطار القانون، بحسب المهندس. فشلت محاولات الشركة واستمرت خسائرها.

يشرح صاحب كولة (موقع تنقيب)، يمتلك أحواض كيمياء لاستخراج الذهب من تراب الطواحين، أن هناك طريقتين للعمل بشكل قانوني، كلاهما بشروط صعبة.

الأولى هي الحصول على تصريح من شركة «شلاتين» للتنقيب العشوائي في منطقة تحددها الشركة، مقابل توريد كمية من الخام يُتفق عليها كل شهر، بينما تتولى الشركة استخراج تصريح مكتب المخابرات لدخول الصحراء. الشرط الوحيد في هذه الحالة هو أن يكون مقدم الطلب مصري الجنسية. لكن المشكلة أن الشركة هي من تحدد مكان التنقيب، وفي الأغلب تكون مناطق «مافيهاش خير، لأن مخزونها خِلص من كتر الشركات التي اشتغلت فيها زمان»، يقول صاحب الكولة، «ممكن المنقب يقعد أربع شهور يسك [يحفر] في الصخر مايجبش عشرة جرام». بالنسبة لصاحب طاحونة ذهب ومنقب غير قانوني، اشترط عدم ذكر اسمه،، «[شركة شلاتين] بيوزعوا المواقع الحلوة على الناس اللي منهم».

أما الطريقة الثانية التي يمكن من خلالها للدهّابة الحصول على موقع تنقيب من اختيارهم، بمساحة نحو عشرة كيلومتر مربع، تكون عبر إثبات المنقب ولجنة من شركة «شلاتين» وجود مخزون من الذهب في هذا الموقع. تخضع العينات للتحليل في فرع الشركة في مرسى علم، ثم الفرع الرئيسي في القاهرة. لكن ذلك يحتاج أن يكون لدى المنقب شركة تعدين لديها سجل وبطاقة ضريبية، يتكلف تأسيسها نحو مليون جنيه، ومثلها كتأمين عند موافقة الشركة على منح المنقب الموقع الذي اختاره، وهو ما لا يستطيع الدهّابة المحليون تحمل تكلفته.

من جانبهم، فكّر بعض الدهّابة في محاولة تنظيم أنفسهم. صاحب الطاحونة أوضح أنه حاول، مع نحو 50 منقبًا غير قانونيين، تأسيس ما يشبه نقابة لهم، لكن الشركة رفضت الفكرة. طبقًا له، أخبره ضباط في مكتب حرس الحدود ومسؤولون في الشركة أن الدولة لن تسمح بمثل هذا الكيان.

يعتقد صاحب الطاحونة أن السبب وراء رفض فكرته يرجع إلى أن معظم شركات التنقيب التي تتمكن من استخراج تصاريح رسمية من شركة شلاتين مملوكة للواءات «طالعين على المعاش». بحسب تعبيره، «تحس الحكومة مش عايزة تدي تصاريح بالتنقيب غير لناس تبعها»، وهو ما يتجلى بالنسبة له في التسهيلات التي تُقدم لتلك الشركات في إنهاء الإجراءات واستخراج التصاريح. لكن الدهّابة لا يتمتعون بأي تسهيلات، ولهذا يواجهون صعوبات كبيرة عند محاولة تقنين أوضاعهم.

في النهاية، اصطدمت طموحات الحكومة والشركات في السيطرة على الصحراء برغبات سكانها، الذين انقسموا بين منقبين غير قانونيين، يُعرفون بالـ«دهّابة»، وآخرين كوّنوا عصابات مسلحة تفرض الإتاوة، فضلًا عن آلاف جاءوا من السودان ودول إفريقية أخرى، أو كما يُطلق عليهم «الغرّابة»، الذين يمثلون عَصَب عملية استخراج الذهب من باطن الأرض. جميعهم سبقوا الدولة في الاستحواذ على الصحراء.

خلال السنوات العشر الماضية اختلفت طرق استخراج الذهب، بحسب صاحب الطاحونة، إذ بدأت بجهاز كشف المعادن، ثم تطورت إلى استخراجه عن طريق «العروق» أو «الغربال».

استخدام جهاز الكشف عن المعادن للبحث عن الذهب

تعتمد طريقة «الغربال» على تصفية التراب المتواجد في الوديان بواسطة غربال كبير. ورغم سهولتها، إلا أنها تحمل خطورة كبيرة بسبب صعوبة إدخال المعدات الثقيلة إلى موقع التنقيب لعدم قانونية العمل، ما يعرّضها لاحتمال المصادرة أو الحرق من قبل الجيش.

غُربال يُستخدم في استخراج الذهب

أما الطريقة الأكثر انتشارًا فهي «العروق»، لأنها لا تتطلب سوى أدوات بسيطة في عملية الاستخراج. «بنمسح المنطقة بجهاز كشف المعادن، لما بنلاقي حجارة الكوارتز [الخامة التي بها خام الذهب]، بيحفر العمال آبار بطول شريحة الكوارتز»، يشرح صاحب الطاحونة، مضيفًا أنه «أوقات يوصل عمق البير 100 متر، يتقاس بطول العامل، بنقول مثلًا حفرة خمسة راجل، يعني حفرة عمقها عشرة متر».

استخدام العروق في استخراج الذهب

تُطحن صخور الكوارتز المستخرجة في طواحين معظمها بمدينة إدفو، مخبأة في المنازل والمخازن الواسعة. تستغرق عملية طحن الطن نحو 12 ساعة، بتكلفة ألف جنيه. فيما تتراوح نسبة الخام المستخرج بين 3-150 جرامًا ذهب من كل طن. وتختلف نسبة ودرجة نقاء الذهب وفقًا لموقع التنقيب، حسبما أوضح صاحب الطاحونة، «في [منطقة] العلاقي بتقل نسبة الدهب، بس بيرتفع نقاؤه، بيوصل لعيار 999، الدهب البندقي، وبعده يجي الدهب عيار 21، اللي بيبدأ من 875، وأقل من الرقم ده يبقى عيار 18. لكن [في الصحراء المتاخمة لـ] إدفو بتزيد نسبة الدهب وبيقل العيار».

طاحونة ذهب صغيرة

ومثلما يُستخرج الذهب بطريقة غير قانونية، كذلك يُباع داخل مدينة أسوان، خاصة في حي «الصداقة». عمليات البيع «كلها شِمال وفي الممنوع»، بحسب وصف صاحب الطاحونة، الذي أضاف أنها حكر على بعض التجار المعروفين للحكومة والأهالي، يملك معظمهم محلات صاغة كبيرة في القاهرة، و«بيلموا الدهب اللي نازل من الجبل ده كله».

اتفقت جميع المصادر على ربحية النشاط رغم تذبذبه. لكن صاحب الطاحونة يشبّه التنقيب بلعب القمار. «وقت ما الجبل يعطيك ممكن تمسك نص مليون في خمس دقايق، وممكن تخسرهم في المحاولات اللي بعدها»، يقول.

يوزع صاحب موقع التنقيب عوائد الذهب المستخرج كالتالي: يحصل عامل التنقيب على 400 جنيه يوميًا أو نسبة نقدية من الذهب المستخرج حسب الاتفاق، بينما يتقاضى مالك السيارة سبعة آلاف جنيه في الرحلة، التي تتراوح بين 3-4 أيام. أما مالك المعدات فيحصل على ثلث الإنتاج.

عمّال التنقيب إما من السكان المحليين أو من المهاجرين. يعيش العمّال في الجبل، أو «فوق» كما يقول سكان أسوان، حياة كاملة لها خصوصيتها. «في الجبل كل أشكال البشر، البلطجي والملتزم دينيًا، المدمن… بنعمل كل حاجة في الجبل، بنطبخ، وندبح، ونخبز عيش»، يقول أحد العمال لدى الدهّابة.

تتحدد مدة الإقامة في الجبل حسب رغبة كل عامل. لكن بحسب العامل الذي تحدث إلى «مدى مصر»، «دايمًا بيُفضل في المنجم أربع عمال» تخوفًا من عمليات السرقة. ولا يمكن أن ينفصل الجبل عن المدينة، لأن كل المؤن الأساسية تُجلب من هناك، في رحلة تستغرق نحو ست ساعات، تأتي السيارة منها محملة بمواد الإعاشة.

يختلف المقابل المادي الذي يحصل عليه العمال حسب ما يستخرجونه من الذهب. «المكسب بظروفه، أول مرة طلعت الجبل قبضت 800 جنيه في النقلة [طن] طلعناها في أسبوع، وآخر رحلة قبضت 2500 جنيه في يوم عمل واحد»، يقول العامل. وفي المناسبات، مثل الأعياد، يحصلون على «إكرامية حوالي ألف جنيه وأُضحية».

يتواجد هذا العامل حاليًا في منجم يُعرف بـ«منجم المراحيم»، نسبة إلى 15 شخصًا اكتشفوه وماتوا حرقًا في حادث تصادم سيارتين في الجبل، حيث تعد حوادث الطرق الأكثر شيوعًا هناك، بالإضافة إلى مخاطر أخرى، مثل انفجار لغم بدائي مما يستخدمونه في تكسير الصخور.

إلى جانب العمال المحليين، هناك آلاف المهاجرين من السودان ودول إفريقية أخرى، ويُعرفون بـ«الغرّابة»، الذين زاد نفوذهم بسبب اعتماد التنقيب غير القانوني عن الذهب على خبراتهم الكبيرة، وغالبيتهم يدخلون البلاد عبر خطوط الهجرة غير المنظمة جنوب مصر.

ينقسم الغرّابة إلى فئتين: عرب من السودان وغرب السودان، وأفارقة معظمهم من تشاد وإريتريا، يُقدر عددهم بالآلاف في الصحراء.

يضطر الغرّابة لتحمل ظروف عمل شديدة القسوة. يعتبر أحد أصحاب أحواض الكيمياء الذي تحدثوا إلى «مدى مصر» أن قدرة الغرّابة الكبيرة على تحمل مشقات العمل في المناجم والصحراء إلى جانب أن خبراتهم الكبيرة، جعلت منهم عمالًا مفضلين. «عاملين زي الجمل، بيتحملوا العيشة من غير مياه لفترة طويلة، والأهم أنهم بيتحملوا اللي احنا كمصريين مش بنقدر نتحمله.. لدرجة إنهم ينزلوا يجيبوا الدهب من حفرة عمقها حوالي 200 متر»، يقول صاحب الأحواض. مضيفًا أن «المصري بيرفض ينزل البير لو عمقه زاد عن 20 متر، إنما السوداني مش بيهمه، عشان كده كتير منهم بيموت في الآبار مخنوقين». يضيف هذا إلى أسباب تفضيل أصحاب العمل لهم: في حالة وفاة أحدهم، يمكن دفنهم في أي مكان، نظرًا لتواجدهم غير الرسمي في البلاد. «الصحراء واسعة.. لو اللودر رمى على الجثة شوية تراب ما حدش هيعرف مكانها»، يقول صاحب الطاحونة، «أنا تايه مني أربع عمال سودانيين لغاية دلوقت».

الصمود في عمل الجبل وسط العصابات وتجار المخدرات ليس سهلًا، كما أوضحت المصادر. لذلك تلجأ القبائل إلى جلب أبناءها للعمل في مواقع التنقيب، حسبما قال العامل مع الدهابة: «لو حصل حاجة فوق [في الجبل] لازم تبقى مأمّن نفسك.. لو ندهت هتلاقي حوليك خمسة آلاف واحد من أولاد عمك مسلحين»، موضحًا أن هناك بعض القبائل لا تمتلك أسلحة في الجبل، لكنها تحتفظ بها في المدن والقرى وتظهرها عند اللزوم. «عزوتك وسمعة قبيلتك تُحدد مكانتك في الجبل»، على حد تعبيره، «مهما كانت علاقاتك لازم يبقى معاك عزوة وسلاح.. فيه ناس عشان معندهاش عزوة، أو مسيحيين، بتتخطف عربياتهم، أو بتاخد العصابات مواقعهم بالعافية».

حاولت الدولة، وبشكل أساسي أجهزتها الأمنية، السيطرة على مناطق التنقيب وطرد العصابات والمنقبين. لكن الاستراتيجية الأمنية تحولت خلال تعاملها مع الأزمة إلى مواجهة مسلحة، اتخذت منحى خطيرًا منذ الربع الأخير من العام الماضي، كانت إحدى محطاتها حادث مقتل الملازم أول الكيلاني في هجوم نفذته عصابة «أحمد أبو العباس» على سيارة شرطة بالقُرب من منطقة البرامية على طريق «مرسى علم/ إدفو»، ردًا على سقوط أحد رجاله في قبضة الأمن في محافظة البحر الأحمر، منتصف يناير الماضي، وبحوزته كميات من خام الذهب وسلاح ونصف مليون جنيه، بحسب منقبين ومهندسين في شركات تعدين حكومية وتابعة للقوات المسلحة، تحدثوا لـ«مدى مصر».

أجمعت المصادر على أن الدولة تحاول حاليًا التعامل مع أزمة خلقتها خلال السنوات الماضية، عندما ضيّقت العمل في نشاط المحاجر، الذي كان يعمل به معظم سكان أسوان، بعدما أطلقت يد «المصرية للتعدين» في استغلال الصحراء. «الدهب لما بيدي بيجيب طمع.. والطمع بيجيب سلاح»، هكذا يرى صاحب الطاحونة العنف الجاري في الصحراء. 

يؤرّخ صاحب الطاحونة لبدايات دخول السلاح في مجال التنقيب الأهلي، قبل نحو ثلاث أو أربع سنوات على أقصى تقدير، مشيرًا إلى أن حمدى أبو صالح، ابن قبيلة الجعافرة، وراشد عباس، ابن قبيلة العزايزة، هما أول من أسسا عصابات الجبال، حيث نشطا في «البرامية»، إحدى المناطق التي يوجد بها مخزون خام الذهب بوفرة.

حمدي صالح، زعيم إحدى عصابات السطو على الذهّابة (على اليسار) مع بعض أعضاء عصابته
راشد عباس، زعيم إحدى عصابات السطو على الذهّابة

يقول صاحب كولة ثانٍ إن نشاط التشكيلات العصابية بدأ بشكل ملحوظ في 2017، حين فرض راشد إتاوة كبيرة على صغار الدهابة. وكان راشد «يقتل أكتر مما يتكلم»، على حد تعبيره.

بعد فترة، ظهر أبو صالح في مواجهة راشد. يقول أحد العاملين مع الدهّابة إن معظم عصابة أبو صالح كانت من الأفارقة الذين استقدمهم من إريتريا وتشاد بشكل غير قانوني، وأعطوه تفوقًا نوعيًا على راشد لما لديهم من قدرة على حمل السلاح واستخدامه.

لذا لجأ الدهابة إلى أبو صالح لحمايتهم واسترجاع مواقع التنقيب مقابل إعطائه نسبة من الإنتاج، التي استحوذ عليها راشد عنوة. يتفق صاحب الكولة والعامل أن أبو صالح كان «كتلة وازنة» في الجبل أمام راشد، واستمر الوضع حتى نهاية 2021، حينما وقعت مواجهة مسلحة مباشرة بين العصابتين بسبب موقع تنقيب، استُخدم فيها السلاح بغزارة وقُتل العشرات، ما أسفر عن توقف عمل الدهابة في كل الجبل، سواء منقبين قانونيين أو غير ذلك.

بحسب المصادر التي تحدث إليها «مدى مصر»، كانت تلك اللحظة فارقة في وضع الجبل، حيث نُفذت حملات أمنية لملاحقة رجال العصابات، ونجحت في نوفمبر 2021 في قتل أبو صالح، وإصابة راشد، الذي أشيع هروبه إلى السودان.

قضى الحل الأمني على رأسي أكبر عصابتين، إلا أنه وضع الجبل زاد تعقيدًا. تسبب انفراط عقد العصابتين في تشكيل مجموعات أصغر من رجال العصابات المستقلة تُمارس نفس الأفعال. أصبح الجبل مليئًا بالعشرات من العصابات المسلحة التي تفرض إتاوات على الدهابة، وتوسع نشاطها إلى سرقة سيارات الدهابة المحملة بخام الذهب خلال نزولها من الجبل، وفي أحيانٍ كثيرة قتل من في السيارة، كما امتدت أعمالهم إلى المدن، فمارسوا عمليات خطف وقتل بحق الأهالي، بحسب المصادر.

هجوم على موقع طواحين في محاولة لسرقتها

وخلال السنوات اللاحقة، توالى ظهور قيادات جديدة للعصابات، معظمهم ينحدر من قبيلة العزايزة، خاصة عشيرة العبسيين. أبرزهم كان أحمد أبو العباس، الذي حاول تجميع شتات العصابات تحت قيادته، ما نتج عنه زيادة أعمال القتل والخطف، وارتفاع قيمة الإتاوات، وباتت سرقة سيارات الدهابة لا تتوقف.

أحمد أبو العباس، زعيم إحدى عصابات السطو على الدهّابة - المصدر: فيسبوك

لكبح جماح العصابات، عقدت أجهزة الأمن صفقة مع قبيلة العبابدة منذ عامين (فيما يبدو سيناريو مشابه للتعاون الذي تم في شمال سيناء بين قوات الأمن واتحاد قبائل سيناء خلال الأعوام الماضية). تمحور التعاون حول إطلاق يد القبيلة في مواجهة العصابات، مقابل السماح لهم بمساحات تنقيب ذات إنتاجية عالية من خام الذهب، بحسب عدة مصادر تحدثوا لـ«مدى مصر». يُعرف العبابدة في الجنوب بـ«ملوك الصحراء»، وهم أقدم السكان في وادي العلاقي، الذي يزخر بكميات هائلة من مخزون الذهب، كما أن لديها وفرة في الأموال والأفراد. وتحوّل الجبل إلى ساحة اشتباكات بين العصابات من جانب، والجيش والشرطة والعبابدة من جانب آخر، ما دفع العديد من المنقبين إلى تجميد أعمالهم.

اقتصر دور الشرطة على حصار الطرق الدولية المؤدية للجبل، لوقف إمداد وتموين العصابات. أما الجيش، فبات يراقب الجبال بطائرات دون طيار، ويرافق العبابدة في مهاجمة مواقع العصابات والمنقبين غير القانونيين، بحسب صاحب الكولة.

أخذت الأوضاع منحى مختلف في نوفمبر الماضي، عندما نصبت عصابة أحمد أبو العباس كمينًا لقوات الشرطة خلال نقل سجناء ينتمون إليها في سيارة ترحيلات قُرب «إدفو»، وتمكنت من تهريب سبعة منهم، وقتلت أمين شرطة، وأصابت العديد من أفراد الشرطة بالرصاص في القدم، وصفها مصدر طبي آنذاك لـ«مدى مصر» بأنها «تعجيزية».

بعد شهرين تقريبًا من تلك الواقعة، نصبت الشرطة كمينًا للقبض على بعض المتورطين في الهجوم، لكنها قتلت مدنيين بالخطأ، ما دفع الأهالي للاشتباك مع القوات وقطع وتعطيل الطريق الرئيسي، بحسب ثلاثة مصادر.

شدد الجيش سيطرته بالتوازي مع هجمات العصابات، عبر تحويل أي شخص يُلقى القبض عليه في الجبل إلى المحاكمة العسكرية، وحرق أي معدات يعثر عليها للمنقبين، بحسب صاحب الكولة. وكثّفت الشرطة حملات ملاحقة ومداهمة أماكن إقامة المنقبين السودانيين في مدن أسوان وإدفو وكوم أمبو ودراو، بخلاف توقيف سيارات المنقبين القادمة من الجبل. 

وفي محاولة لفك الحصار، هاجمت عصابة أحمد أبو العباس سيارة شرطة وقتلت الكيلاني.

ردت قوات الجيش والداخلية بتشديد الحصار، بمشاركة العبابدة، على منطقة البرامية، التي قُتل بالقرب منها الكيلاني، حسبما قال صاحب الكولة. لذلك انقطع الاتصال بين أصحاب «الكولات» المتواجدين في المدن وعمالهم في الجبل، منذ أواخر يناير الماضي وحتى منتصف فبراير، لعدم وجود شبكات اتصال، وحصار الطرق المؤدية إلى الجبل، إذ يُسمح بالنزول من الجبل وليس الصعود إليه.

حتى الآن، لم تتوقف الحملات الأمنية. لكن هذه الحملات، ومن خلفها محاولات تشريعية ومؤسسية مختلفة تقوم بها الدولة لم تنجح في السيطرة على «صيادي» الذهب في صحراء مصر الشرقية. في هذه الأثناء، تستمر الحرب الدائرة هناك إذًا حتى إشعار آخر.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن