حب آخر للوطن ممكن: حوار مع أوكسانا تيموفيڤا
تدرس أوكسانا تيموفيڤا الفلسفة الأنثروبولوجية المعاصرة في مركز ستاسيز للفلسفة في الجامعة الأوروبية بسان بطرسبورج. تكتب وتحرر نصوصًا، ومن أعمالها: «تاريخ الحيوانات» (2018)، «كيف تحب وطنًا» (2020) و«سياسات شمسية» (2022). وهُنا ننشر مُقتطفًا من «كيف تحب وطنًا» الذي كلفها به ثم نشره «كيف تـ».
في هذا النص، تمزج تيموفيڤا اهتماماتها المتجاوزة لمركزية الإنسان مع ممارسات صنع الوطن. وحب هذا الوطن والانتماء له، في لحظات سياسية حرجة مقوماتها القومية والإمبريالية. و«كيف تحب وطنًا» كان موضوع حديثنا مع تيموفيڤا في هذه المقابلة، وفي الخلفية الغزو الروسي لأوكرانيا.
مدى مصر: أردتُ أن أبدأ بفكرة نزع قشرة مجاز الوطن كسردية أيديولوجية. ما الذي يتبقى حين تنزعين هذه القشرة؟
أوكسانا تيموفيڤا: ما هي البلاغة، والسردية الأيديولوجية؟ قد تكون الوطنية، أو الإمبريالية، كما في حالة روسيا. تربط السردية الأيديولوجية منطقة معينة بأفراد أو مجموعات محددة في السلطة. تسم مناطق بأنها تخص هؤلاء الأفراد أو المجموعات.
أرض الآباء هي البنية المكانية الموروثة من أزمنة كان كل شيء يؤخذ فيها بالقوة. الوطن الأم هو بلاغة، مهد، دم، حتمية بيولوجية، إثنية. في المقابل، تبدو كلمة وطن كبديل لهذه المجازات الأُسَريّة التي سممتها الأيديولوجيات السائدة في بلاد مختلفة حول العالم.
الوطن هو مكان، بقعة تشعرين فيها أنكِ في بيتكِ. قد يأتي ارتباطكِ العاطفي بذلك المكان من ذاكرة الجسد ذاته. قبل أي لغة. تربط هذه الذاكرة جسدًا حيًّا بما يحيطه، بهذا المشهد المحدَّد، والأزهار، والأنهار، والجبال. تمثل هذه التجربة الحسية ماهيّة الوطن المادية التي نود العودة إليها.
منذ بداية حرب بوتين ضد أوكرانيا، فقد كثيرون بيوتهم. في روسيا، لا يوجد إرهاب داخل البلاد فحسب، بل توجد كذلك تعبئة قسرية: يُمكن الآن للجميع أن يُجنَّدوا في الجيش، ويُرسلوا إلى أوكرانيا، حيث سيموتون على الأرجح. لهذا، يضطر كثيرٌ من الروس إلى الهجرة. لم أتخذ هذا القرار بعد، وأواصل السفر ذهابًا وإيابًا. في كل مرة أعود فيها إلى سان بطرسبورج، أجد أشيائي كلها في أماكنها. لكن هذا امتياز. فكِّري في واحدة تعود، لكنها لا تستطيع أن تجد بيتها. يقصف الجيش الروسي المدن الأوكرانية. تُدمَّر البيوت، ويصير الناس لاجئين.
منذ فبراير 2022، حدثت موجتا هجرة هائلتان من روسيا، إحداهما كانت في بدايات مارس، حينما انتشرت شائعات أن بوتين سيغلق حدود الدولة، ويُعلن الأحكام العرفية، وعلى الفور حجز الناس رحلات ذهاب دون عودة، أغلبها إلى جورجيا، وأرمينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان، الجمهوريات السوفيتية السابقة (لأن الواحد لا يحتاج تأشيرة لتلك الدول). كنت مارة بهلسنكي عبر القطار، وكان ممتلئًا بروسٍ، مغادرين إلى الأبد على ما يبدو. كانت معهم أمتعتهم، وعربات بها قطط وكلاب، وآلات موسيقية. رأيت كيف خبَّأ الناس عيونهم. كانوا يشعرون بالخزي؛ يفرون من ديارهم معتقدين أنهم ربما لن يعودوا أبدًا. تدفعهم إلى الخارج الدولة الإمبريالية، الاتحاد الروسي. لكن هذا ليس وطنًا حقًّا. الاتحاد الروسي هو تجريد فارغ، اسم وحدة إقليمية ضخمة تحتلها مجموعة من الجشعين والخبثاء. يتعلَّق الوطن بمحلٍ ملموس، وليس إمبراطوريات ودول.
م. م. : توجد فقرة في الكتاب تُشبَّهين فيها عملية البحث عن الأصول بالفلسفة، كونها بحثًا عن أصول، ضربًا من ضروب الحنين إلى الديار، نزوع إلى أن تكوني في البيت في كل مكان، كما تقولين. تتحدثين هنا عن الوطن كمكان، كمادة تربطنا بها علاقة شعورية، لكن ماذا يحدث إن أُضيف إليها عنصر الزمن؟
ا. ت. : تأتي صورة الفلسفة كحنين إلى الديار من نوفاليس، ويقتبسها هيدجر. أود أن أُذكِّر بأن فكرة الأصل ذاتها هي فكرة غامضة في الفلسفة، فهي تشير ليس إلى بداية كل شيء فحسب، بل إلى النهاية أيضًا. ثمة ديالكتيك هنا. كان فرويد ليسميه نزعة موت، ثاناتوس. هكذا، يقترح سقراط، في «فيدون»، وهي المحاورة الأفلاطونية المُفضَّلة لدي، أنه قبل الحلول في الجسد الفاني، تسكن الروح الأبدية في مملكة الموت. هذا هو أصل كل فكرة لدينا، من قبيل فكرة الخير والعدل، إلخ. ليس بمقدورنا حقًّا أن نستمد مثل هذه الأشياء مباشرة من تجاربنا. بل إن أرواحنا، طبقًا لأفلاطون، تتذكَّر ما تعلمته قبل أن نولد.
في بعض الطقوس المهجورة، ثمة تابو يتعلق بالعودة. حينما يُنتهك هذا التابو، يحدث أمر رهيب. يمكننا أن نقارن هذا بمجتمعاتنا، ونجد أنماطًا شبيهة. هكذا، في عام 2020، سمَّم جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، السياسي الروسي الشهير أليكسي نافالني، لكنه نجا بمعجزة، وتلقى رعاية طبية جيدة في ألمانيا. حين تعافى، قرَّر أن يعود إلى روسيا، حيث قُبض عليه على الفور. ما زال يُعذَّب في السجن. لِمَ عاد؟
م. م. : توجد إشارة إلى الهجرة في الكتاب كمدرسة عليا للديالكتيك. وفي حركة ديالكتيكية أخرى، تتحدثين عن الهجرة كعلاقة سلب من الوطن. كيف يتكشَّف هذا السلب؟ وكيف له أن يخلق موقعًا فكريًّا ننتج منه حين نكون في المنفى؟
ا. ت.: برتولد بريخت هو مَن كتب عن سلبية تجربة الهجرة. هاجر بريخت نفسه من ألمانيا الفاشية. في عام 2018، حين كتبتُ هذا الكتاب، كانت الحرب ضد أوكرانيا دائرة بالفعل، لكنها لم تكن حربًا شاملة. لم تكن احتمالية قيام نظام فاشي في روسيا بقيادة بوتين واضحة بعد، وإشارتي إلى بريخت كانت استشرافًا من نوعٍ ما. كنت أقرأ «حوارات المنفيين». قال أحدهم إنه سيكون لطيفًا أن نختار وطنًا.
من أين أنتِ؟ غالبًا ما نسمع هذا السؤال حينما نكون في مكان آخر بالفعل، نازحين على نحوٍ ما. ثمة لحظة سلب في هذه الحركة: تفكرين في الوطن حينما لا تكونين هناك. تحقق المحلية نفسها في البُعد.
في الهجرة الروسية، يوجد الكثير من التأمل في الوقت الراهن. تناقش النخبة نقاشًا لا ينتهي، يضم الثقافة، أو الأدب والشعر الروسي في المنفى، وما زالت بعض هذه النقاشات تحمل آثار الإمبريالية. بمقدور الناس أن يسافروا من موسكو إلى يريفان [أرمينيا] أو تبليسي [جورجيا]، لكن المشكلة هي أنهم ما زال يمكنهم أن يكونوا أوفياءً لموسكو كنوعٍ من الفانتازيا الإمبريالية. أعتقد أن هذه الهوية، «الروسية»، هي شيء يجب في المقام الأول النضال بشأنه: تحتاج الواحدة إلى قتل الإمبراطورية داخلها.
التجربة الديالكتيكية الكبرى التي يُمكن للهجرة، ويتعين، أن تنتجها هي نزع التماهي، أن تصيري شخصًا آخر، تعيشي بين شعوب أخرى، تتعلمي لغات وطُرق أخرى للحياة، تتواصلي مع مشاهد طبيعية وبيئات أخرى.
م. م. : لقد استخدمتِ نظريات أرسطو وهيجل عن الروح كي تتحدثي عن الأرواح المختلفة داخلنا. ما هو الديالكتيك الذي ينتج عن هذه الأرواح المتعايشة داخلنا؛ الأرواح التي تغذي، التي تستشعر، التي تعقل، التي تمد جذورها، التي تنهض، وتتحرك؟
ا. ت. : استخدم مفهوم الروح على نحوٍ أدائي. هذا بطبيعة الحال ليس بحثًا أكاديميًّا «جادًا»، بل شغبًا محضًا. آخذ فكرة أنواع الروح الثلاثة من أرسطو، أتأمل فيها، وأعطيها قراءة ناشطية كويرية. الروح مفهوم قديم جدًّا، بقِدَم الإنسانية ذاتها، لكنني أعتقد أنه ما زال مثيرًا للاهتمام، وأريد أن أعطيه استخدامًا جديدًا.
طبقًا للفلاسفة القدامى مثل أرسطو، فإن النبات لا يتحرك، في حين أن الحيوان لا يتحرك فحسب، بل لديه حواس أيضًا. فالروح البشرية ثلاثية، بما أنها تتضمن مبادئ نباتية وحيوانية، إضافة إلى العقل. يقول أفلاطون إنه يتعين على بنية المجتمع السياسي الأمثل أن تناظر بنية الروح. توجد، بناءً على ذلك، ثلاث طبقات أساسية: منتجون، ومحاربون، وحكماء، وهم مَن يحكمون الدولة. يناظر المنتجون الجزء النباتي من الروح (إيجابي ومنتج)، والمحاربون يناظرون الحيواني (سلبي ومدمر)، والحكام يناظرون البشري، أو العقلاني (الذي يوازن هاتين القوتين، هاتين الطاقتين). تروق لي هذه التقسيمات الكلاسيكية. ماذا إن طبقناها، ليس على نظام الحكم الأمثل، بل على طُرق المقاومة العملية، والثورة؟ كيف تقاومين مثل حيوان أو نبات؟
النبات لا يتحرك. بالطبع، هذا ليس صحيحًا تمامًا، فالنباتات تتحرك بالفعل، غير أن أنماط حركتها مختلفة عن أنماط الحيوان. النبات يمكنه أن ينمو إلى أعلى وأسفل، أن يتكاثر، ويرقص، لكنه يظل في الوقت ذاته حيثما يكون. طريقة النبات في الوجود هي البقاء هنا. «قاوموا مثل نبات!» هو عنوان مقال مايكل ماردر Michael Marde. ولقد كَتَب كذلك كتابًا عظيمًا عن تفكير النبات، إضافة إلى نصوص أخرى كثيرة عن النباتات كشكل من أشكال الحياة. يعطي ماردر مثالًا بالناشطين البيئيين الذين ربطوا أنفسهم بالأشجار من أجل حماية الغابة، أو المتنزه، من المطوِّرين الرأسماليين. حينما يربطون أنفسهم بالأشجار، يصيرون مثل الأشجار. طريقة الحيوان في المقاومة هي حركة -مثل حركة شعبية أو ثورية. تتحرك مسيرة احتجاجية مثل قطيع حيواني. ثمة انقسام في روسيا الآن بين مَن غادروا، ومَن بقوا في البلاد. يفكِّر الذين بقوا في البلاد في احتمالات الفعل المباشر والعمل غير النظامي، لكنهم في خطر دائم، في حين أن الذين غادروا آمنون، ويمكنهم التنظيم، والتطوع، وصياغة آراء عامة. لقد حان الوقت كي نفكر في كيفية التنسيق بين هذين الشكلين لمقاومة نظام بوتين.
م. م. : هل تستخدمين النبات والحيوان كمجازات، كتجريدات، أم أنكِ تلعبين أيضًا مع هذه الكائنات كمادة عضوية تتعايش معنا، وتعزز مَن نكون، ومع مَن يمكننا أن نعقد أواصر قرابة؟ وإن كانت الدولة (الأمة) تستخدمها كمجازات، كيف تستخدمينها في ممارستكِ المنتجة للمعرفة؟
ا. ت.: أنا، بطبيعة الحال، مع الممارسة المادية. بالنسبة لي، الحيوانات والنباتات، الأنواع الأخرى، هي منظومات أقدم، ولديها أشكال أكثر تطورًا للتفاعل الاجتماعي، والتواصل، والاستنباط. يتعلق الأمر دائمًا بالتواصل بين هذه الأنواع المختلفة، لهذا ففي الحقيقة حب الوطن هذا ليس أمميًّا حتى، بل هو نموذج عابر للأنواع. إنه أمر يجعلكِ تدركين، أو تتصورين، أرضًا أو مكانًا تأتين منه كجماعة تتكون من كل الأشياء المختلفة، حيّة وغير حيّة. لِمَ يحب الناس هذه الزهور أو تلك الأشجار بشدة؟ لِمَ يخاطر الناس بحياتهم حين يريد الرأسماليون قطع الأشجار؟ ذلك الحب، والتضامن مع الآخر الذي ليس بشرًا بالضرورة، هو أمر يسبق في وجوده اللغات، والأيديولوجيات، وبقية الأشياء البشرية.
خذي مثال الحرب غير النظامية، التي أشير إليها في الكتاب. الحرب غير النظامية هي دائمًا حرب المحليين ضد الغزاة. لكن مَن هم المحليون؟ ثمة بشر وحيوانات ونباتات وكل شيء؛ المشهد بأكمله يكون في حالة حرب. بالنسبة للمحتل، هذه الأراضي مجردة، إنها فقط خريطة، لا يرى فيها الخبير العسكري الاستراتيجي كائنات حية أبدًا. لدى الغازي فقط خريطة لمنطقة، وهي خريطة مجردة. لكن ثمة ذئاب مختبئة في الغابة، ويوجد مستنقع صغير هناك، وهنالك كائنات أخرى تصير جميعًا مقاتلات غير نظامية. الأراضي حيّة. أعيش في سان بطرسبورج. أحب مدينتي، وأعرف شوارعها وأزقتها وأفنيتها. أشعر بها، أما الشرطي فلا يشعر بها. خلال مظاهرات الاحتجاج، المحظورة في روسيا، تخبئ المدينة المحتجين. في عام 2021، قُمِعت حركة احتجاجية ضخمة بقسوة. أتذكَّر في أحد الأيام، وكان ذلك في الشتاء، أغلقت الشرطة كل الطُرق في وسط المدينة، فهبط الناس ببساطة إلى جليد النهر؛ كان رجال الشرطة بأسلحتهم أكثر ثقلًا من أن يطؤوا الجليد.
م. م.: في الختام، وبما أنكِ كتبتِ هذا الكتاب كجزءٍ من سلسلة «كيف تـ» للنشر، كيف يمكن أن يحب المرء وطنًا دون أن يكون فاشيًّا، ودون أن يكون قوميًّا؟
ا. ت.: لا توجد إجابة جامعة عن هذا السؤال. أقول، في هذه اللحظة: أن تحبي وطنًا يعني أخذ المخاطرة بقول الحقيقة.
تقارير ذات صلة
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي
منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب
سينما تناضل ضد الاستعمار| حوار مع ماتي ديوب
عن فيلمها «داهومي» الفائز بـ«الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» في مهرجان برلين السينمائي
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام
حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن