جوناثان جليزر.. سينما تحت الجلد
هناك أفلام تبقى وتدوم، أحدها «منطقة الاهتمام» الذي يروي فيه المخرج والكاتب البريطاني، جوناثان جليزر، الحياة اليومية للضابط المسؤول عن قيادة معسكر اعتقال نازي وعائلته، الذين يسكنون منزلًا مجاورًا لرعب الإبادة الجماعية.
كان رودولف هوس، قائدًا لمعسكر اعتقال أوشفيتس، وعاش إلى جواره مع عائلته في منزلٍ كبير. وفيما تُسمع طلقات نارية باستمرار في الجوار ويتصاعد الدخان، تعتني زوجته بحديقة المنزل، ويستمتع الضيوف بحمام السباحة، وتعيش الأسرة حلم حياة شاعرية. «منطقة الاهتمام» فيلم جريء، يروي قصة حزينة وفادحة للتناقض المفترض بين غنائية الأسرة النازية المستمتعة بالحياة الرغيدة ورعب المحرقة، الذي يمكن الشعور به في أي وقت.
يوضّح جليزر الأمر: لا بد أن كل شخص هناك كان على علم بما يحدث بالجوار. بمحاذاة أكبر إبادة جماعية شهدها التاريخ المعاصر، كانت هناك أيضًا حياة وادعة وهانئة. بالمثل، تُباد الآن غزة وأهلها، فيما يجري التغنّي بجمال وحلاوة الكيبوتسات وأحلام العودة اليهودية إلى أرض اللبن والعسل.
الأمر إذن موصول بما يحدث في عالمنا، هنا والآن، مثلما أشار جليزر نفسه في خطاب فوزه بجائزة أوسكار، قبل أيام، كما في تصريحات سابقة، إلى أن فيلمه ليس عمّا حصل سابقًا فحسب، وإنما عمّا يحصل اليوم أمام أعيننا. وكما بيّن بجلاء في فيلمه المعني في المقام الأول بالحديث عن الحياة الهادئة لعائلة قائد معسكر الإبادة، برهانه أن نكون قادرين على رؤية التطبيع مع الإبادة وفظائعها في الحياة اليومية، معترضًا على فُحش هذه الشاعرية وتلك البراءة، بينما على مقربة منها تجري فظائع لا يمكن تصوّرها.

وبهذا نجح في إنجاز تحفة فنية من الاقتراحات السينمائية الراديكالية، لأن تحت سطح العنف المستتر يمكن الشعور برعب المحرقة في كل ثانية. وبالمثل، يكمن إدراك فداحة المفارقة بين معسكر القتل الإبادي والحديقة الموردة ومشابهتها الأفدح بما يحدث في فلسطين، منذ أكثر من 75 عامًا. مشابهاتٌ لم يكن وارد ذكرها من قبل حين تأتي سيرة جوناثان جليزر، لكن فيلمه الأخير يعكس بالفعل واقع غزة وأهلها والفلسطينيين عمومًا، ممن تحشرهم دولة الاحتلال في جيتوهات وسجون مفتوحة منعزلة في باحاتها الخلفية (وغالبًا ما تُعمل فيهم القتل والتقتيل)، فيما ينعم مستوطنوها ومواطنوها بمجتمعات خضراء مسيّجة وبيوت فارهة وحياة مترفة.
بالإضافة إلى مقاطع فيديو موسيقية متنوعة، لم ينجز جليزر سوى أربعة أفلام روائية طويلة، بالإضافة إلى «منطقة الاهتمام» هناك أيضًا «وحش مثير» و«ولادة» و«تحت الجلد». منجز صغير كمّيًا لكن مميز بالفعل ويستحق نظرة فاحصة. ففي السينما، كما نعلم، يغدو القليل أحيانًا أكثر وأشدّ تأثيرًا.
الأسطح والانطباعات الأولى والمظاهر الجميلة دائمًا ما تكون خادعة في أفلامه. بالنسبة لرجلٍ مثله صنع لنفسه اسمًا من خلال الإعلانات، قد يُعتبر هذا بمثابة مفاجأة، ولكن جوناثان جليزر لم يسع في أفلامه الطويلة وحدها إلى تخريب جمالي عبر تلك الصور التي تتسلّل وتقبع هناك تحت الجلد.
البداية من الحبكة. ففي حين يُعتبر فيلمه الأول «وحش مثير» (2000) فيلم سرقات للوهلة الأولى، إلّا أن الفيلم يهتم أكثر بالمبارزة النفسية الفكاهية السوداء بين اثنين من رجال العصابات في لندن، فضلًا عن تضمّنه خطًا رقيقًا ولافتًا لقصة حبّ استثنائية. وإذا كانت قصة «ولادة» (2004) توحي بأجواء تصوّفية وتناسخ أرواح وغيرها من أفكار مشرقية، فإن جليزر يحكي في حقيقة الأمر عن حزنٍ وشوق ومفاهيم مختلفة عن الحبّ.

فيما تأتي حبكة فيلم «تحت الجلد» (2013) كخيالٍ خالص معقّد: كائن فضائي على شكل امرأة مغوية يطارد رجالًا اسكتلنديين، تجري «معالجتهم» بعد ذلك من قِبل كائنات غريبة بطريقة بغيضة. ما أنجزه جليزر وشريكه والتر كامبل في أفلمة رواية ميشيل فابر عملٌ فني قليل الكلام يُسرَد، في المقام الأول، من خلال الصور، ومليء باللحظات المزعجة والأسئلة المعلّقة: خيال علمي تجريبي فلسفي يثير شعورًا بالاغتراب، ولكن بهذه الطريقة يطرح أسئلة عميقة حول الحالة الإنسانية، حول الوحدة والرغبة والرحمة. جمالياته غير التقليدية تشير إلى اتجاه فيلمه الحالي «منطقة الاهتمام».
إرسال نجمة هوليوود سكارليت جوهانسون ككائن فضائي، عبر اسكتلندا، الخريفية الممطرة بمثابة انقلاب سينمائي بارع، مثلما فعل نيكولاس روج، في عام 1975، مع ديفيد باوي في فيلم «الرجل الذي سقط على الأرض». لكن جوهانسون لا تلعب دور كائن فضائي فضولي ساذج مثل بوي عندما تقود سيارتها عبر جلاسكو في شاحنة مرتدية شعرًا مستعارًا رخيصًا وسُترة من الفرو الاصطناعي وأحمر شفاه فاقع لتقود الرجال إلى مصيرٍ غريب. كائنها الفضائي يشبه في البداية حيوانًا مفترسًا، بريء ولا يرحم. إضافة إلى سحرها المغري، يسترشد هذا المخلوق على طول طريقه بمزيج من البرودة والدقّة. المشاهد التي تقود فيها الرجال إلى منزل متهدم، إلى غرفة مظلمة تمامًا، حيث يغرقون في الظلام، كما لو كانوا منوّمين بالوهم، ويستمرون في العيش ويطفون في مكان ما تحت السطح قبل أن يُمتصّوا حرفيًا من جلودهم.. هي من بين أغرب الأشياء التي قدّمتها السينما وأكثرها شرًا.

تتميز استراتيجية العرض التي يتبعها جليزر بالجرأة بقدر فاعليتها، فهو يعكس هنا عوالمًا تتصادم في تناقضات جمالية. يُمثَّل المجال الفضائي بصريًا من خلال «لا فضاءات» غامضة، بيضاء أو سوداء، وصوتيًا من خلال موسيقى ميكا ليفي الاستثنائية، والتي تذكّرنا أحيانًا بسربٍ غاضب من الدبابير، وأحيانًا بطبولٍ طقسية. وهذا يتناقض مع الطبيعية naturalism المحضة للعالم البشري، الذي تعمل فيه سكارليت جوهانسون كأقرب ما تكون لحصان طروادة: صوّرتها كاميرات صغيرة مخفية في شوارع جلاسكو، وتفاعلت نجمة هوليوود مع مارّة مطمئنين (ممن لم يتعرَّف معظمهم عليها). ولكن بينما نتبنّى -كمتفرّجين– نظرة الكائن الفضائي ويتزايد إحساسنا بأن ما يحدث في البشر غريب وسخيف، يبدو الكائن الفضائي خاضعًا لتطوّر عكسي ويشعر بشيء من التعاطف مع فريسته، حتى أنه يريد أن يصبح جزءًا من هذا العالم البشري الغريب نفسه. التحرّر غير العادي لأجنبي/غريب كإنسان، وتحديدًا كامرأة، هو ما يُسرَد هنا. وكما تشرح مورين فوستر بشكل جميل، في دراستها المؤلفة من 250 صفحة، عن الفيلم، «كائن فضائي في المرآة»، فإن فيلم «تحت الجلد» لا يعكس فقط كوننا بشرًا، وإنما أيضًا نماذج محدّدة -ومخاوف- للنساء والرجال.
عمل جوناثان جليزر على «تحت الجلد» لمدة تسع سنوات كاملة، في عملية اتسمت بإيجاد ورفض أساليب مختلفة في جميع مراحل الإنتاج. الفيلم عبارة عن رحلة بدأها المخرج مع الممثلين وطاقم العمل وكانت وجهتهم مفتوحة تمامًا. يجرّب ويختبر حتى يشعر أن هناك شيئًا صحيحًا و«شغّال». وبطبيعة الحال، فإن مثل هذا النهج الهوسي ليس ضمانًا للنجاح. في العرض الأول للفيلم في مهرجان فينيسيا، عام 2013، حظي بصيحات استهجان وتصفيق أيضًا. ومع ذلك، فقد نمت سُمعته على مرّ السنين، والآن يتصدّر بعض قوائم أفضل أفلام القرن الجديد.
مرَّ عقد كامل بعد أن أصبح «تحت الجلد» ظاهرة «كَلْتية» cult. ثم حدث هذا: جوائز في مهرجان كان، في حفل توزيع جوائز بافتا، وخمسة ترشيحات لجوائز الأوسكار عن فيلم «منطقة الاهتمام». هذا البورتريه لعائلة نازية أحدث تأكيد على أن جوناثان جليزر أحد أهم المخرجين البريطانيين.
إعلانات ومقاطع فيديو موسيقية
أثبت جوناثان جليزر، في وقت مبكر من حياته المهنية، أن لديه ميلًا للصور التي تسكن تحت الجلد وللقلق الذي يشكّك في المظهر الجميل أو الأقل جمالًا. ولد في لندن عام 1965 لعائلة يهودية لأبّ عاشق للسينما، ودرس التصميم المسرحي في جامعة نوتنجهام ترنت، ثم عمل في المسرح. بعد قصّه مقاطع دعائية تلفزيونية للأفلام في إحدى الوظائف التي مرّ عليها (مدرسة جيدة في رواية القصص)، حصل على وظيفة في شركة Academy Films ومقرها لندن، في عام 1993، وقام بتصوير أول إعلاناته التجارية هناك. إعلاناته التجارية لموسوعة جينيس على وجه الخصوص -مثل «راكب الأمواج»، المذهل بصريًا، بتلك الأمواج الهائلة المنطلقة منها خيول بيضاء- جعلته مشهورًا في الصناعة، على الرغم من أنه لم يعتبر نفسه «مُعلنًا» أبدًا. في الوقت نفسه، بدءًا من عام 1995، بدءًا من فيديو أغنية «Karmacoma» لفرقة Massive Attack، قام بتصوير العديد من مقاطع الفيديو الموسيقية، بما في ذلك ألعاب بارعة مع الفضاء («Virtual Insanity» لـ Jamiroquai)، والوقت («Street Spirit» لـ Radiohead) والمنظور («Karma Police»، أيضًا لـRadiohead). يسلّط جليزر الضوء على فيديو أغنية «Street Spirit»، عام 1995، على وجه الخصوص، حيث يجتمع الجمال والغرابة في مشهد ليلي أبيض وأسود لقافلة في الصحراء كما لو في حلم. كان الفيديو «لحظة أساسية» وجد فيها الثقة بالنفس لأول مرة «للمس الناس بعمله وخلق أشياء ذات قيمة شعرية ونثرية». كذلك أثار ضجة كبيرة بمقطع الفيديو الخاص بأغنية «Rabbit in Your Headlights»، عام 1998، لفرقة UNKLE، حيث دوني لافون، بصفته أحد المشاة المرتبكين، يسقط بوحشية مرارًا وتكرارًا في نفق سيارات مزدحم حتى يقف أخيرًا وذراعيه مبسوطتان على وسعهما وتصدمه بعدها سيارة مسرعة. كابوس العجز وقلة الحيلة يستحيل فانتازيا بعث/قيامة غامضة ومنتصرة.

غاندي سيكوباتيًا: «وحش مثير»
لا يزال من الممكن الشعور بالطاقة المتفجرة والديناميكية السردية لأعمال جليزر القصيرة في أول أفلامه الروائية الطويلة، «وحش مثير»، الذي يضع مشهده الافتتاحي اللافت بالفعل علامة تعجُّب كبيرة: راي وينستون في دور جال دوف، قاطع الخزائن اللندني المتقاعد، يترك الشمس تحترق على بطنه السمين بجوار حمام السباحة في فيلّته الإسبانية فيما ينغمس منتشيًا في مونولوج دافئ وممتع. لكن الصخرة الضخمة القادمة من العدم متدحرجةً ومصطدمةً بحوض السباحة ليست سوى علامة لا لبس فيها على مدى تعرُّض حياة التقاعد المبكر المثالية لجال مع زوجته الحبيبة ديدي للخطر. تضرب الكارثة جال على هيئة بن كينجسلي، رسول من عالم الجريمة في لندن، يُرسل لإعادته إلى الملعب لإنجاز انقلاب مفاجئ، «عملية» كبيرة أخيرة ليتصادم العالمان مرة أخرى.
مثَّلَ مطلع الألفية فترة جيدة لأفلام العصابات البريطانية. كانت أعمال المحاكاة الساخرة مثل «قفل ومخزون وبرميليّ دخان» و«سناتش» للمخرج جاي ريتشي، وحتى أفلام ذات النبرة الأكثر قتامة مثل «رجل العصابات الأول» بمثابة نجاحات في شباك التذاكر. إلّا أن جليزر جرّب يده في النوع على عكس التيار. في الثلث الأخير من الفيلم، يتعامل مع مشهد الانهيار تحت الماء الذي تتلخصّ فيه الحبكة في بضع دقائق سريالية مثيرة للإعجاب. هناك، ينصبّ تركيزه على المبارزة النفسية بين جال الذي نلتقيه راضيًا ومحبًا لحياته الهادئة في البداية، وخصمه دون لوجان الساخر الذي يجسّده بن كينجسلي. انقلاب آخر؟ اختيار كينجسلي نفسه، الذي كان لا يزال مرتبطًا بقوة بالمهاتما غاندي في ذلك الوقت (بعدما توّج بأوسكاره الوحيد عن دوره في فيلمٍ بالعنوان ذاته)، لتجسيد دور شرير مخيف بحقّ: مكهرِب ومُوتِّر باستمرار، ولا يكفّ لسانه عن إطلاق وابل من المدافع الرشاشة اللفظية البذيئة والمسيئة، ومستعد دائمًا للعنف المفرط. عبر لحظات تراوح بين أحلام وكوابيس، يحرّك جليزر أيضًا هذه المبارزة ببراعة بصرية. ولكن ما يُنجح عملية الموازنة في «وحش مثير» بين الحوار الممتع المسبوك والهاوية المظلمة المحتملة، هو الرسم المتماسك للشخصيات ودقّة الألعاب المونتاجية التي يداوم عليها جليزر لخلق مناخات عصيبة وكوميدية في آن.
ورغم أن فيلمه الطويل الأول لاقى استحسانًا كبيرًا من قبل النقاد والجماهير، إلا أن جليزر كان قاسيًا عليه بشكل مدهش. في 2001، قال لصحيفة الجارديان إنه كان خائفًا من إنتاج أفلام تبدو «مثل 40 إعلانًا تجاريًا يبحث عن منتج» وأن «وحش مثير» كان في بعض النواحي فيلمًا من هذا النوع.
أسرار الروح: «ولادة»
في «ولادة» (2004)، يتضح بحثه عن نغمة مختلفة ووحدة أكبر. يُخرج بهدوء شديد، مع انضباط وأناقة كلاسيكية، بما يتماشى مع بيئة الطبقة العليا في نيويورك التي تدور أحداث القصة فيها. استنادًا إلى فكرته الأساسية، التي كتبها للمرة الأولى في عملية مطوَّلة مع السيناريست الفرنسي الأسطوري جان كلود كاريير، ثم طوَّرها بشكل أكبر أثناء التصوير مع ميلو أديكا، يحكي قصة آنا (نيكول كيدمان)، التي ترغب في الزواج مرة أخرى بعد عشر سنوات من الوفاة المفاجئة لزوجها شون بأزمة قلبية. يظهر صبي يبلغ من العمر عشر سنوات (كاميرون برايت)، يُدعى أيضًا شون، ويدّعي أنه زوجها المتوفّى. والأكثر إثارة للقلق من إصراره، هو معرفته بتفاصيل حياتها وزواجها. هل هو تجسيد لزوجها، أو نسخة أخرى منه؟ حتى بداية الفيلم، المنذورة لمشهدٍ مصقول آخر، توحي بالغموض: برفقة موسيقى ألكساندر ديسبلات الغامضة والمتكررة، نتبع أحد العدّاءين عبر سنترال بارك المغطاة بالثلوج في لقطة طويلة، قبل أن ينهار فجأة في نفقٍ مظلم. ثم قطعٌ على صورة وليدٍ، على ما يبدو أُنجب للتو.

إضافة إلى الجدل الفضائحي الزائف الذي أحاط بمشهد حوض الاستحمام الذي جمع كيدمان وبرايت، فحقيقة أن «ولادة» جرى استقباله بشكل متناقض أو غير لائق في العديد من الأوساط ربما كانت أيضًا بسبب مثل هذه الخيوط المضللة على ما يبدو من النهاية. ففي الأخير، تصل الحبكة في النهاية إلى حلّ مبتذل وغير قابل للتصديق إلى حد ما. ومع ذلك، فالأسئلة الروحية التي يثيرها «ولادة» لا تتعلّق بالضرورة بالتناسخ. إنه يدور حول الحب وقوّته، حول الحزن والشوق الذي لا ينطفئ وما يفعله هذا بالناس، حول أسرار الروح. وهذا ينطبق على آنا، التي تؤمن بعودة زوجها لأنها تريد أن تؤمن بذلك، وعلى شون الصغير، الذي يقع في حب آنا بالفعل، بطريقة هوسية غريبة.
هنا أيضاً تتصادم عوالم لا يمكن التوفيق بينها، ليس فقط بسبب فارق السنّ، الذي يجعل العلاقة المتساوية مستحيلة، ولكن أيضاً الفارق الطبقي يفصل بين الاثنين. على مستويات عديدة، يتوقع الفيلم من المتفرّج أن ينظر وراء الأشياء، وأن لا يثق بالمظاهر. وهكذا، في النهاية، حتى التيمة شبه الجرائمية/الجنائية تبدو خادعة. حتى بعد المُشاهدة المتكررة، يظلّ شيء بخصوص هذا الفيلم غامضًا.
مرّت أربع سنوات بين «وحش مثير» و«ولادة»، ثم مرّت تسع سنوات قبل «تحت الجلد»، ثم عشر سنوات أخرى قبل العرض الأول لفيلم «منطقة الاهتمام» في مدينة كان، عام 2023. لكن في هذه الأثناء، لفت جليزر الانتباه بفيلمين قصيرين راديكاليين شكليًا: في عام 2019، أصدر «السقوط»، وهو فيلم مدته سبع دقائق يقوم فيه حشد وحشي ملثم بمطاردة فرد وحيد. الأقنعة، المصمَّمة على غرار مسرح نو الياباني، والشكل القديم للجريمة، إلى جانب الصورة الشخصية الجماعية للجناة مع ضحيتهم، تزيد من الطبيعة الكابوسية للسيناريو، الذي، بتجريده الواضح، يثير مجموعة متنوعة من الارتباطات والصلات بحاضرنا وعصرنا.
في العام التالي، أشار جليزر بوضوح إلى راهننا المعاش في «ستراسبورج 1518». يلمّح العنوان إلى الظاهرة القروسطية الغامضة المتمثلة في «الرقص الغاضب» dance rage، حيث يشرع الناس في الرقص بهذيان لعدة أيام متتالية إلى حدّ الإرهاق التام لأسباب غير معروفة. وهنا أيضًا، يرقص العديد من الراقصين بقلوبهم بشكل فردي في غرفٍ فارغة لمدة عشر دقائق على إيقاعات كهربائية رتيبة (بواسطة ميكا ليفي)، في انعكاس لافت لرهاب الأماكن المغلقة والخوف خلال عمليات الإغلاق المبكرة بسبب جائحة كوفيد.
في حديقة الشرّ: «منطقة الاهتمام»
«منطقة الاهتمام»، المستند بشكل فضفاض إلى رواية بالاسم ذاته للكاتب البريطاني مارتن آميس، استمرارٌ منطقي لعمل جليزر وزخارفه، ولكنه في الوقت نفسه يمثل تكثيفًا شكليًا جريئًا إضافيًا في محاولة للتعامل مع الرعب غير المفهوم لمعسكرات الإبادة النازية دون اللجوء إلى صيغ سينمائية متقنة التجريب أو الانجرار المجاني وراء استدرار العواطف وابتزاز المشاعر واللعب على أوتار المظلومية اليهودية الأبدية.
حتى أكثر مما كانت عليه في الأفلام السابقة، فإن سطح الأحداث هنا، على الرغم من بحثه تاريخيًا وإعادة بنائه بدقة، سيقى مجرد سراب: زوجان متحابّان ولهما خمسة أطفال بنيا حياة رائعة، ويعيشان في منزل جميل بحديقة كبيرة، تفخر بها الزوجة وتعتبرها أعظم بهجاتها. عندما ينتقل الزوج إلى منطقة أخرى لأسباب مهنية، يؤدي هذا إلى خلافات زوجية، وفي النهاية يصبح حلم العمر في خطر. الرجل هو رودولف هوس، قائد معسكر اعتقال أوشفيتس في بولندا، ويقع منزله بجوار المعسكر مباشرةً. وبدقة لا تُحتمل تقريبًا، يحكي الفيلم عن قدرة الإنسان على تجاهل ذنبه بينما رعب لا محدود على مقربة منه.

مرة أخرى، يحكي جليزر عن عالمين، لا يفصل بينهما سوى جدار، ولا يمكن أن يكون التناقض بينهما أكثر وحشية، ورغم ذلك يتقاطعان، بل وينتميان معًا. يتحدث جليزر عن فيلمين يُعرضان بالتوازي في «منطقة الاهتمام»: يُظهر الفيلم الأول حياة عائلة هوس بطريقة طبيعية تمامًا، مع كل الأحداث اليومية التي تسجلها الكاميرا بلا عاطفة، مع حفلات أعياد الميلاد والزيارات والتعامل مع موظفات المنزل البولنديات، وأحيانًا اجتماعات مهنية، والأطفال يسبحون في حمام السباحة الصغير. يُعرض الفيلم الثاني طوال الوقت، ولكن بشكلٍ لا شعوري، وأحيانًا بشكل غير محسوس. إنها حقيقة القتل الجماعي الدائرة ليل نهار في الجوار، والتي لم تظهر وحشيتها «الفيزيقية» بشكل مباشر أبدًا، لكننا نسمعها بالطريقة نفسها التي سمعتها عائلة هوس، بلا انقطاع. وحدها الموسيقى التصويرية تنقل ما يحدث: نباح كلاب، وأوامر صاخبة، وطلقات نارية بين الحين والآخر، وصراخ، وقعقعة مستمرة باهتة، وصوت آلة الإبادة. على الرغم من أن أبراج المراقبة أو أعمدة الدخان المنبعثة من محارق الجثث تظهر أحيانًا في الصورة، إلا أن «منطقة الاهتمام» –العنوان مأخوذ من المصطلح النازي لمنطقة الاستبعاد حول معسكر الاعتقال- يجبر المتفرج/المستمع على جلب هذين العالمين ورعبهما معًا في ذهنه: الدعة البرجوازية ورعب القتل الجماعي الصناعي. القوة التي يحققها الفيلم بهذا يمكن مقارنتها برواية جوناثان ليتل «المتسامحات» والتي تنقل القارئ أيضًا إلى عالم ضابط/قاتل سابق في الجيش النازي. والفرق الوحيد هو أنه، على عكس ليتل، يمتنع جليزر عن إظهار القسوة والبشاعة.
شكليًا، يميّز الفيلم انضباط شديد. ففيما جرّب جليزر الكاميرات الخفية في «تحت الجلد»، تغطّي هذه الأداة الأسلوبية الفيلم بأكمله هنا. الممثلون المحيطون بكريستيان فريدل في دور رودولف وساندرا هولر في دور هيدويج هوس، كانوا يعملون في المنزل والحديقة إلى حدّ كبير بدون معدات تصوير مرئية وبدون طاقم مرئي. نتيجة هذه الطريقة -التي سمّاها جليزر: «الأخّ الأكبر في منزلٍ نازي»- صورٌ ثابتة ومتباعدة تتسلّل بمهارة تحت الجلد، حيث تبدو الإجراءات والحوارات اليومية لعائلة هوس حاضرة بشكل رهيب. في تناقضٍ أسلوبي مع هذه اللقطات، هناك لحظات جذرية فردية، مثل لقطات مقرَّبة طويلة لزهور متفتحة في الحديقة، مصحوبة بصراخٍ مروّع، قبل أن تتحوّل الصورة إلى لون أحمر.
في هذه اللحظات، وكذلك في موسيقى ميكا ليفي قليلة الاستخدام ولكن الأكثر إثارة للقلق، يبدو الفيلم متمردًا على شخصياته الرئيسية وافتقارهم إلى التعاطف، بل وضد رعب التاريخ ككلّ. بكاميرا دائماً على مسافة معتبرة، ونبرة سردية باردة تتجنّب أي نوع من التعاطف أو استسهال إظهار الأبطال باعتبارهم مجرد وحوش حقيرة، يكشف الفيلم كيف أن الزوجة (تدير جيشها الخاص من الخدم بنفس كفاءة زوجها في القتل) تتعايش مع رعبٍ لا يبعد عنها سوى أمتار قليلة. عندما يُحضرون إليها من أوشفيتس كل شيء، بدءًا من معطف الفرو الذي حاولت ارتدائه إلى الملابس الداخلية التي توزّعها على عمّال المنزل (لا حاجة لشرح من أين أتوا)، تتضح وتتجلّى ظلال الرعب المتعددة بطريقة مفجعة دون الاضطرار إلى اللجوء إلى القسوة أو السادية.
قبل أيام، وفي خطاب تسلُمه جائزة أوسكار لأفضل فيلم دولي عن «منطقة الاهتمام»، استخدم جليزر خطاب فوزه لإدانة الاحتلال الإسرائيلي واستغلاله معاناة اليهود في الهولوكست لتبرير عدوانه الوحشي على غزة. يمكن للمرء القول إن «منطقة الاهتمام» فيلم مفاهيمي بالأساس، فلا ينصبّ تركيز المخرج على أفراد/شخصيات، بل على عملية تاريخية، كما تشير خاتمة الفيلم، لا ينبغي -رغم أنها ربما تفعل- أن تكرّر نفسها. وبه أنشأ جوناثان جليزر نصبًا سينمائيًا مروعًا يكشف فحش «تفاهة الشر» بشكل لا مثيل له في أي فيلم روائي آخر.
ومع ذلك، وسط كل هذا الظلام هناك أيضًا بصيص من الضوء: القدرة البشرية على التعاطف التي تصاب بها حتى الكائنة الفضائية في «تحت الجلد» عندما تلتقط رجلاً وحيدًا مشوهًا جسديًا وتتركه أخيرًا يرحل. في «منطقة الاهتمام»، ثمة فتاة من حي المعسكر تخفي التفاح سرًا في الليل حيث يعمل نزلاء معسكر الاعتقال نهارًا. تُصوَّر هذه المشاهد بكاميرات التصوير الحراري، مما يجعلها نافرة بصريًا بشكل غريب. كما لو كانت صورًا سلبية بصريًا ولكنها، في المقابل، إيجابية أخلاقيًا لعائلة هوس.
تقارير ذات صلة
برليناله 2026: أجنحة الرغبة السياسية (2-2)
يوميات النسخة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
برليناله 2026: سياسة وسياسة وبينهما أفلام (1-2)
عن الحدود بين الفنّ والسياسة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن